مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الثاني والعشرون، يوليو 2009

 

 

 

تكرم وودي ألان بالموافقة على نشر قصة "بَغِي مينسا" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Allen was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Whore of Mensa" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Allen a great debt of gratitude for his kind permission.

"The Whore of Mensa" by Woody Allen. Copyright © 1974 by Woody Allen. Originally published in The New Yorker, December 16, 1974.  From his collection, Without Feathers. Copyright 1975 by Woody Allen. Published by kind permission of Loeb & Loeb LLP. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Irwin Tenenbaum from Loeb & Loeb LLP.

 

 

 

 

بَغِي مينسا

وودي ألان

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: July-01-2009

 

 

Cover Print: Charles Saxon

 

مجلة ذا نيو يوركر، 16 ديسمبر 1974

 بدون ريش

 

 

المجموعة النثرية الكاملة لوودي ألان

العصابيات: يهود يكتبون عن الجنس

 

 

 

ثمة شيء لا غني له في المحقق السري، لا بد أن تتعلم اتباع حدسك. لذا حين دلَف إلى مكتبي قالب زبد يرجه الارتعاش اسمه وورد بابكوك ووضع بطاقاته المهنية فوق المائدة، كان من الواجب أن أثق بقشعريرة باردة انطلقت في عمودي الفقري.

"كايزر؟" سأل. "كايزر لوباويتس؟"

"ذلك ما تزعمه رخصتي،" اعترفتُ.

"لا بد أن تساعدني. أنا أتعرض للابتزاز. أرجوك!" ألَّم به الارتجاف مثله مثل مغنٍ رئيسي في فرقة رومبا. دفعتُ عبر سطح المكتب كأساً وزجاجة تحوي ويسكي الجاودار أحتفظ بها في متناول يدي لأغراض غير طبية.

"ما رأيك أن تسترخي وتطلعني على كل شيء."

"أنتَ... لن تخبر زوجتي؟"

"صارِحني يا وورد. لن أقطع أية وعود." حاول أن يصب كأساً إلا أن صوت الطقطقة بلَغ السابلة في الشارع، وانتهى أغلب الشراب في حذائه.

"أنا رجل صاحب مهنة،" أعلن. "صيانة الماكينات. أصنع ’طنان البهجة‘ وأقوم بصيانته. تعرفه – ذلك الجهاز الصغير المسلي الذي يسبب للناس صدمة كهربائية لمَّا يصافحون بعضهم البعض؟"

"حسناً؟"

"الكثير من المديرين التنفيذيين المشهورين يحبونه وبخاصة في وول ستريت."

"ادخل في الموضوع."

"أسافر كثيراً. وتَعْرف كم يكون السفر – موحشاً. آه، ليس ما يدور ببالك. المسألة يا كايزر أني في الأساس مفكر. لا شك في أن الشخص بإمكانه مقابلة كل الحلوات اللاتي يريدهن. غير أن النساء الذكيات بحق – ليس من السهل العثور عليهن سريعاً."

"أكمِّل."

"حسناً، تناهى إليّ خبر هذه الفتاة الشابة. في الثامنة عشرة. طالبة في كلية ياسار. تأتي مقابل ثمن لتناقش أي موضوع – بروست، ييتس. الأنثروبولوجيا. نتبادل الأفكار. فاهم قصدي؟"

"ليس تماماً."

"لكن زوجتي رائعة، لا تسيء فهمي. غير أنها لا تناقش باوند معي أو إليوت. لم أكن أقف على هذه المعلومة حين تزوجتُ بها. ما أعنيه يا كايزر هو أني راغب في امرأة مثيرة ذهنياً. وأنا على استعداد في المقابل لدفع المال. لا أود علاقة – ما أريد إلا تجربة فكرية سريعة ترحل بعدها الفتاة. يا يسوع يا كايزر، أنا رجل سعيد مع زوجته."

"منذ متى يحدث هذا؟"

"ستة أشهر. متى تراودني تلك الرغبة الملحة، أتصل بفلوسي. إنها صاحبة ماخور تحمل شهادة ماجستير في الأدب المقارن. تبعث إليّ بمفكرة، فهمتَ؟"

كان إذن واحداً من هؤلاء الرجال الذين تكمن نقطة ضعفهم في النساء مشتعلات الذكاء. خالجني شعور بالشفقة على المسكين الأحمق. تصورتُ أن هناك بالقطع الكثير من الفتيان في مثل موقفه، فتيان جياع إلى القليل من الاتصال الفكري بالجنس الآخر، وسوف يدفعون كل غال لقاءه.

"وهي الآن تهدد بأن تشي بي إلى زوجتي،" أفضى إليه.

"مَن هي؟"

"فلوسي. دسوا أجهزة تصنت في غرفة الفندق. بحوزتهم أشرطة لصوتي وأنا أناقش قصيدة الأرض اليباب وكتاب أساليب الإرادة الراديكالية، ويعني، وأنا أنهمك انهماكاً في بعض المسائل. يطلبون عشرة آلاف وإلا سيذهبون إلى كارلا. يجب أن تعاوني يا كايزر! كارلا ستموت إن عَلِمتْ أنها لا تثيرني في هذا المضمار." ابتزاز بغي الهاتف المعروف. ترامت إليّ شائعات بأن الشبان في قسم الشرطة يحققون في قضية تتضمن مجموعة من النساء المتعلمات بيد أن مساعيهم كانت حتى الآن محبَطة.

"اِتصل بفلوسي من أجلي."

"ماذا؟"

"سوف أتولى قضيتك يا وورد. لكني أتقاضى خمسين دولاراً في اليوم بالإضافة إلى المصاريف. سوف تضطر إلى إصلاح الكثير من طنانين البهجة." "أنا واثق أني لن أصلح ما قيمته عشرة آلاف،" رد بابتسامة واسعة على شفتيه ثم تناول سماعة الهاتف وضرَب رقماً. أخذتُها منه وأنا أغمز بعينيّ. بدأتُ أكن له إعجاباً.

 

 

الخدعة

مرت لحظات ثم أجابني صوت ناعم فأنهيت إليها بما يقوم في خاطري. "أظن أن بمقدورك مساعدتي على ترتيب ساعة من الدردشة البناءة،" فاتحتُها.

"طبعاً يا حبيبي. ماذا يجول في خلدك."

"أريد أن أناقش ميلفيل."

"موبي ديك أم روايات أقصر؟"

"وما الفرق؟"

"السعر، هذا كل ما في الأمر. الرمزية عليها زيادة."

"كم ستكلفني؟"

"خمسيناً، ربما مائة لموبي ديك. ترغب في نقاش مقارن – ميلفيل وهوثورن؟ يمكن ترتيب ذلك في مقابل مائة."

"الفلوس معقولة،" أنبأتُها ثم أعطيتها رقم غرفة في فندق بلازا.

"تريد شقراء أم سمراء؟"

"خليها مفاجئة،" قلت وأغلقتُ الخط.

حلَقتُ وأخذتُ بعض القهوة السادة على عجل فيما رحت أراجع سلسلة ملخصات كلية مونارك. لم تنقض ساعة قبل أن يرِد إلي أذنيّ طرق على بابي. فتحتُه عن شابة حمراء الشعر محشورة في بنطالها شأن مغرفتين كبيرتين من بوظة الفانيليا.

"أهلاً، أنا شيري." أدركوا حقاً كيف يناشدون خيالاتك الجامحة. شعْر طويل سَبْط، حقيبة جلدية، حلق فضي، وجه عار من مستحضرات التجميل.

"أنا مندهش لأن أحداً لم يوقفك، تَدخلين فندقاً بتلك الملابس،" نبستُ. "باستطاعة مخبر الفندق في المعتاد أن يميز المفكرات."

"ورقة بخمسة تروقه."

"هل لنا أن نبدأ؟" قلت مشيراً إلى الأريكة. أشعلتْ سيجارة ثم انخرطتْ في الحديث دون إبطاء. "أخالنا نستطيع أن نشرع في تناول بيلي باد باعتباره تبرير ميلفيل لطرق الله في التعامل مع الإنسان، نيه سي با*؟"

"اللافت للنظر رغم ذلك أنه ليس تبريراً على غرار أسلوب ميلتون." نطقتُ بكلمات أدري أنها فارغة. أردتُ أن أرى إن كانت ستجارينني.

"لا. فقد افتقر الفردوس المفقود إلى البنية التحتية للتشاؤم." وقد جارتني.

"صحيح، صحيح. يا ربي، أنتِ على صواب،" غمغمتُ.

"أعتقد أن ميلفيل شدد مجدداً على مناقب البراءة بمعنى لا يَعدم السذاجة وإن اتسم بالحنكة – ألا توافقني؟" تركتُها تتابع الحديث. تجاوزتْ بالكاد التاسعة عشرة بيد أنها نمَّت مبكراً إحساساً بلا مبالاة صلبة خليقة بالمفكرين المزيَّفين. أرسلتْ أفكارها بنبرات سريعة طلِقة وإن شابتها الآلية. كلما أبديت فكرة ثاقبة، اصطنعتْ رد فعل: "آه أجل يا كايزر. أجل يا حبي، تلك فكرة عميقة. فِهْم أفلاطوني للمسيحية – لِم لم أفطن إليه من قبل؟" تبادلنا أطراف الحوار قرابة ساعة ثم نقَلتْ إليّ بأنها يجب أن تنصرف. نهضتْ فوضعتُ عليها ورقة بمائة دولار.

"شكراً يا حبي."

"الجيب عامر بغيرها الكثير."

"ماذا تقصد؟" أثرت فضولها فجلستْ من جديد.

"فلنفترض أني أريد إقامة حفلة؟" قلت.

"بمعنى، حفلة من أي نوع؟"

"فلنفترض أني أرغب في أن تفسر لي فتاتان كتابات نعوم تشومسكي؟"

"آه، ياه."

"لو تفضلين أن تصرفي النظر عن المسألة..."

"ينبغي أن تتحدث إلى فلوسي،" أعلمتني. "العملية ستكلفك." آن أوان تضييق الخناق. أسرعتُ بتعرية شارة المحقق السري وأبلغتُها بأنها انضبطت متلبسة.

"ماذا!"

"أنا مخبر يا سكرة، ومناقشة ميلفيل نظير مال جنحة يعاقب عليها القانون رقم 802. مصيرك السجن."

"أيها الحقير!"

"خيرٌ لك يا حلوة أن تعترفي. إلا إذا كنتِ تريدين أن تحكي الحكاية في مكتب المؤلف ألفريد كازين، ولا أظنه سيطير من السعادة لسماعها."

أخذتْ في البكاء. "لا تُسَلمني يا كايزر،" رَجَت. "كنت في حاجة إلى النقود لإتمام الماجستير. فقد رفضوا إعطائي منحة، مرتين. آه يا يسوع."

باحت بكل شيء بعد كتمان – القصة الكاملة. تربيتها في شارع سنترال بارك ويست، معسكرات الصيف الاشتراكية، كؤوس البراندي. لَم تكن مختلفة عن أي ست أبصرتَها منتظرة في الطابور عند دوريّ سينما إلجين أو ثيلايا أو تكتب بقلمها الرصاص كلمات ’أجل، صحيح تماماً‘ على هامش أحد كتب كانط. بيد أنها أقدمتْ في مكان ما من سبيلها على انعطافة خاطئة.

"كنتُ محتاجة إلى نقود. إحدى صديقاتي قالت إنها تعرف شخصاً متزوجاً زوجته ليست عميقة التفكير على الإطلاق. كان مغرماً بالشاعر بليك على حين عجزتْ هي عن التعامل معه. وافقتُ وأخبرتُها أني سأناقش بلاك معه مقابل أجر. ركبتني العصبية في البداية وتصنعتُ أغلب اللقاء. لم يكترث هو. أبلغتني صديقتي أن هناك آخرين. آه، لقد قبضوا عليّ من قبل. انضبطتُ وأنا أقرأ مجلة كومينتيري في سيارة مركونة، وأوقفوني ذات مرة وفتشوني في تانجلوود. مرة أخرى وسأصير خائبة ثلاث مرات."

"خذيني إذن إلى فلوسي."

عضت لسانها وأقرت، "مكتبة كلية هانتر مجرد واجهة."

"نعم؟"

"مثل غرز المراهنات تلك التي تتصدرها محلات الحلاقين حفظاً للمظاهر ليس إلا. سترى."

أجريت مكالمة سريعة لقسم الشرطة ثم قلت لها، "ماشٍ يا سكرة. أفلَتِ لكن لا تغادري البلدة."

ارتقت نحو وجهي بوجه مائل يوحي بالامتنان. "أستطيع أن أجلب لك صوراً لجلسة قراءة دوايت ماكدونالد،" أطلعتني.

"في وقت آخر."

 

 

ماخور فلوسي

دلفتُ إلى مكتبة كلية هانتر. أقبل إليّ البائع، شاب ذو عينان حساستان. "أية خدمة؟" عرَض.

"أبحث عن طبعة خاصة من كتاب ميللر إعلانات عن نفسي. أعلم أن المؤلف قد طبع للأصدقاء عدة آلاف نسخة مغلفة بالرقاقات الذهبية."

"سوف أسأل عنها،" أجاب. "لدينا اشتراك هاتفي مفتوح مع منزل ميللر."

تسلطتْ عيناي على عينيه ملياً. "شيري أرسلتني،" كاشفتُه.

"آه، في تلك الحالة اذهب إلى الخلف." وجَّهني وهو يضغط على زر. انفتح جدار يَحمل كتباً فسِرت كما الحمَل صوب ذلك القصر المترع بالصخب الزاخر بالمتع المعروف باسم ماخور فلوسي. ورق حائط زغِب الملمس أحمر اللون وتصميمات من العصر الفيكتوري هيأت المزاج. فتيات شاحبات الوجوه قلقات التعابير بنظارات ذات إطارات سوداء وشعور قصيرة يتكئن مسترخيات على الأرائك هنا وهناك، يُقَلبن في تحريض صفحات من كلاسيكيات بينجوين. غمزتْني شقراء ذات ابتسامة عريضة بعينها وأومأتْ برأسها نحو غرفة في الطابق العلوي قائلة، "الشاعر والس ستيفنز، هه؟" غير أن التجارب لم تقتصر على الفكرية منها. إذ كن يَعرضن أيضاً التجارب العاطفية للبيع. فقد علِمتُ أن بوسعك "الشعور بالتعاطف بدون الاقتراب" نظير خمسين دولاراً، وفي مقابل مائة ستُعيرك إحدى الفتيات أسطوانات بارتوك وتتناول معك العشاء ثم تسمح لك بالفرجة عليها وهي تصاب بنوبة هلع. ولقاء مائة وخمسين يمكنك الاستماع إلى محطة إف إم مع توأمين. وبثلاث ورقات ستنال كل شيء: سمراء يهودية نحيفة القد ستتظاهر بأنها تقلك من متحف الفن الحديث ثم تدَعك تطالع شهادة الماجستير الخاصة بها وتورطك في شجار صارخ داخل مطعم إلين حول تصور فرويد للنساء، وبعدها تختلق انتحاراً من اختيارك – الأمسية المثالية لبعض الرجال. عربدة بهيجة. بلدة عظيمة، نيويورك.

"يعجبك ما تراه؟" سأل صوت من خلفي. التفتُ لأجد نفسي فجأة واقفاً وجهاً لوجه أمام فوهة مسدس عيار 38. أنا رجل يتمتع بمعدة قوية لكنها جاشت وانقلبت هذه المرة. لقد كانت فلوسي، ولا أحد غيرها. كان الصوت نفسه إلا أن فلوسي كانت رجلاً. توارى وجهه وراء قناع.

"لن تصدق هذا قط،" ابتدأ الكلام، "لكني لم أحصل حتى على شهادة جامعية. لقد طردوني بسبب درجاتي المتدنية."

"لذلك ترتدي ذلك القناع؟"

"كنتُ قد دبرتُ مؤامرة معقدة للاستيلاء على مجلة ذا نيو يورك ريفيو أوف بوكس لكنها تطلبت أن أبدو شبه الناقد لايونيل تريلينج. قصدتُ المكسيك لإجراء عملية. ثمة طبيب في مدينة واريز يمنح الناس ملامح تريلينج – مقابل أجر. حصَل شيء غلط في العملية لأخرج بقسمات الشاعر أودِن وصوت الروائية ماري ماكارثي. وعندها رحتُ أشتغل خارج القانون."

تحركتُ سريعاً قبل أن يتسنى له تضييق إصبعه على الزناد. اندفعتُ إلى الأمام لينقصف فكه تحت ضربة مرفقي ثم انتزعتُ المسدس وهو يسقط على ظهره. ارتطم بالأرضية شأنه شأن طن من الطوب. لم يكن قد كف عن الأنين عندما جاءت الشرطة.

"شُغْل ممتاز يا كايزر،" أثنى الرقيب هولمز. "حين نَفرغ من هذا الشخص، تريد الإف. بي. آي. أن تأخذ شهادته. أمر بسيط يتعلق ببعض المقامرين ونسخة ذات حواشٍ من جهنم دانتي. خذوه يا أولاد." وفي وقت لاحق من تلك الليلة زرتُ زبونة قديمة بعد غيبة، اسمها جلوريا. شقراء تَخَرجتْ بامتياز. الفرق هي أنها تخصصت في التربية الجسدية. ساورني شعور رائع.

 

 

 

 

* نيه سي با؟: "أليس كذلك؟" بالفرنسية.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.