مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم ديف إجِرز بالموافقة على نشر قصة "قياس القفزة" في مجلة البوتقة.

Mr. Eggers was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Measuring the Jump” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Eggers a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

قياس القفزة

ديف إجِرز

ترجمة: هالة صلاح الدين

 

 

إننا غاية في الجوع

 

 

 

ثلاث ساعات حتى الآن على طريق آي-فايف، في خط مستقيم كحبل البهلوان، وكل عشرين دقيقة تقريباً يبصر أحد تلك الطيور. دائماً بالقرب من جانب الطريق أو فوق الأعمدة المائلة للأسياج أو واثبة على عشب رمادي كما الزغَب. تشبه الغربان لكن بصدور تتلون بمسحة برتقالية خليقة بالمقاتلين. تُقْبل بانتظام مخيف، عشرة بالفعل، وهي وحدها. فيش – المقترب من سن الثلاثين والسائق بسرعة ثمانين – لا يقف على أسماء هذه الطيور. إنها طيور بائسة.

 

رحلة غاية في التسخيف لا رحمة فيها من سان هوزيه إلى بيكِرزفيلد – قد تخالها أيوا أو تكساس إن لم تستشعر هواء البحر الطفيف قادماً من فوق التلال الغربية. إن مثل هذه المناطق الداخلية أشد حرارة ورطوبة مما يريده فيش – الناشئ في إلينوي – من كاليفورنيا. يردد الطريق صدى الحرارة في موجات متدفقة وتجيش السيارات بالربو ويلتصق قضيب فيش بفخذه التصاقاً يتعذر فكه. الواقع إنها رحلة مقبولة لبرهة من الوقت – كل تلك التلال المخملية التي أضاءها بلون الورد روث شمس حمراء حمرة الحظائر – إلا أن الطريق يمتد فحسب، يئن في سبيله جنوباً، في خط مستقيم استقامة تود معها أن تفصل رأسك ابن الكلب عن جسمك.

 

يُحَدث فيش نفسه بصوت مسموع، لا للمرة الأولى، قائلاً إنه سيقتل ابن عمه آدم لو لديه الفرصة والقدرة على الإفلات من العقوبة. اعتقدا في طفولتهما أنهما أخان لأن الأُمين كانتا وثيقتيّ الصلة ولا واحد منهما عنده أخ. لكن ما شابه أحدهما الآخر في شيء. كان آدم طفلاً وحيداً بينما لفيش أخت صغرى، ماري، متزوجة الآن ولديها طقمان من التوائم، كلهم يعلوهم النمش والجنون – يقفزون على الزوار قفز الكلاب. عاش آدم في أورورا وعاش فيش في جالينا، وعليه لم يلتقيا إلا مرة كل شهر. كانا في الأصياف يقومان برحلات بالزوارق خالية من الأحداث في جنوب ويسكانسين مع مجموعات من الأولاد الغاضبين، يرتدون مناديل تغطي رؤوسهم وأساور من الحبال البيضاء.

 

يقود فيش سيارته لرؤية آدم – ها هو طائر آخر من تلك الطيور السوداء، ذو ريش كصدر ينفجر – لأن آدم حاول قتل نفسه مجدداً. هذه هي محاولته السابعة، والآن يعلم فيش أنه كان من الواجب أن يطير. يكاد يكون متأكداً أن ثمة رحلة تنطلق مباشرة من سان هوزيه إلى بيكِرزفيلد، أقل من ساعة في الهواء. كل مرة يفرغ فيها من هذه الرحلة، يأخذ على نفسه عهداً ألا يكررها مطلقاً، وبعد مضى شهرين يجد نفسه هنا، يلكم النافذة، ظهره منقوع، ذراعه اليسرى مسفوعة، يلعن نفسه. يقرر فيش أنه أغبى شخص يعرفه، عدا آدم بالطبع ورجل الأخبار المحلية الذي ينطق كلمة "إلينوي" "إلينويز."

 

خمس ساعات على الأقل، هذه الرحلة، وقت طويل للتوصل إلى خطة. يحاول التركيز على آدم غير أن أفكاره تنجرف دوماً إلى مواضيع أخرى كالطعام والحرب. حسَب منذ سنوات خلت أن بإمكانه التأثير على حياة آدم لكنه يدري الآن أنه متفرج، أب يشاهد حدثاً رياضياً يشارك طفله فيه، يداه ملتويتان كما القبضتين، عاجز عن التأثير في النتيجة.

 

يمر فيش بمزرعة ضخمة لمعالجة لحم البقر تُحشر فيها مئات الآلاف من الأبقار حشراً حتى إنها تعجز عن تحريك ذيولها لهش الذباب. تغيب الأرض تحت جلودها المقضي عليها بالهلاك. يرفع زجاج النافذة، فالرائحة كريهة، عقوبة. تلك الأبقار الغبية، يتفكر، مولودة كي تموت، مولودة كي تؤكل، مولودة كي تسير على برازها. يا يسوع! ترسل رائحة نتنة دموية خالصة كرائحة الأحشاء البشرية لو بمقدوركَ أن تشق بطنك وتُقرب ما بها إلى أنفك وتشم.

 

 

لا يخاطب آدم أمه أو أبويّ فيش. لم يتوظف قط حسبما يتذكر فيش مما يبعث على شيء من الإبهار – كيفية قدرته على القيام على معاشه سنوات عديدة بدون أي نوع من الدخل الحقيقي. ثمة أناس يقومون بذلك، يُحولون الكافي بالضبط من الطاقة والموارد والود من أولئك المقربين لهم ليَحيوا دون أن يولي إليهم أحد الكثير من الانتباه؛ فالمسألة تشبه سرقة كبلات التلفزيون لكن على نطاق أوسع. كان فيش قد أعطى آدم خلال السنوات الماضية حوالي ألفين ومائتيّ دولار اقتصد في استخدامها؛ فهو يبرع في الاقتصاد. إنه يبرع في كل شيء، بحق، حتى في النجاة من العديد والعديد من محاولات النيل من حياته. يجول بعقل فيش أنه ربما مستعص على القتل فيشخر فجأة عالياً رداً على تلك الفكرة.

 

يعمل ابن عم فيش الآخر، تشاك، محامي ضرائب في شارلوت. ذو وجه قسيس، وردي تداخله الدهشة. يقول إن آدم يبدو الآن في الأربعين رغم أنه ما تجاوز الثامنة والعشرين. بسبب المخدرات على حد قول تشاك. تشاك خبير بتلك المسائل. لم تقع عينا فيش على آدم من نحو سنة، والآن يركبه الخوف من رؤيته. لو يبدو آدم عجوزاً، فهذا معناه أن فيش عجوز وأنهما الاثنين عجوزان، الكل عجوز، و – اللعنة، واحد آخر من تلك الطيور. لا بد أن هناك اسماً لتلك الأشياء.

 

فيش على يقين من أن آدم يأمل أن يصير نقطة لغز تبدل أشكال حيوات عائلته وأصدقائه. المشكلة هي أن فيش ما خالجه قط أي افتتان بمن يحاولون قتل أنفسهم، وفي أغلب الأحوال لا يقترب آدم على الإطلاق من غرابة الشخص الذي يُسلم بريد فيش مثلاً، رجل اسمه كوجو.

 

"اختصار كوجاك؟" سأله فيش حين تقابلا. كان يوماً مغبراً برتقالياً عاصفاً، شمسه مثل كوكب من الرمال. أطلق الرجل ضحكة. ضحِك حوالي عشر دقائق على تلك الجملة. انتاب فيش إحساس بالإطراء تلاه آخر بالخوف. حلا لكوجو أن يضحك ضحكات عالية لا تخلو من تصفيق، لكن ما راقه لبس بنطال رجال البريد. فقد كان يرتدي دوماً بنطالاً قصيراً مهما بلغت برودة الجو.

 

دلف إلى منزل فيش في مرة من المرات لاحتساء البيرة. كان يشربها وفمه يحيق بالزجاجة كلها وكأنه يمص قضيباً. فرَد كُمه ليري فيش جلداً مُطعماً – عته مني ليس إلا، باح إليه. "أخذ قطعة جلد من أسفل ظهري ووضعها على ذراعي." ظهرت مسام الجلد الجديد أضيق، والسطح أنعم وأقل تعرضاً لتأثير الجو. هناك دكاترة سوف يفعلون أي حاجة في مقابل المبلغ المناسب، قال كوجو.

 

انقضى أسبوع ثم جلب كوجو إلى فيش رسماً من عدة قصاصات، من تلك النوعية التي تُجمعها فتيات المدارس الثانوية. إذ تتضمن عبارات مقصوصة من مجلات نسائية – "الخبرة عند الأصدقاء المقربين!" "امتحان: هل صحابه صحاب بجد؟" – ملصوقة على صور مقصوصة من كتب لشخصيتيّ ’ويني ذا بوه‘ و ’بيجليت‘ وهما يُطيران الطائرات الورقية معاً ويسيران في الغابة ليلاً بين أشجار بجذوع مفتولة وأعين تراقب.

 

يجتذب فيش مثل هؤلاء الناس. عرَف في المدرسة الثانوية شخصاً أكبر منه سناً، بلغ السنة النهائية على حين كان هو في الثانية، طويل القامة ينحني جسمه إلى الوراء. ذو رأس ضخم يكاد يبدو مربعاً تربيعاً مثالياً. أراد أن يقطع البلاد مع فيش بالسيارة رغم أنهما تحدثا مرة واحدة فقط لا غير، مرة وجيزة، وهما يتفرجان على تمرين فريق السباحة للفتيات.

 

"تعجبني الفراشة،" ابتدأ الشخص. كان اسمه بريندان أو براندون أو ستيوارت.

 

"الفراشة جيدة،" رد فيش.

 

كان ذلك حوارهما، بلا نقصان، وبعد شهرين ظهر براندون مقطوع الأنفاس، عريض الابتسامة، مبلول الجبهة من التركيز، حين كان فيش خارجاً إلى تمرين كرة القدم. "لا ترفض يا فيش. سننطلق وملعون أبو هذه المَدرسة وسنسوق إلى فلوريدا. ملعون أبو أبيها!"

 

فيش، العازف عن قول كلمة لا، ما ند عنه غير "آسف،" ثم لحق ببقية الفريق فوق التل، نحو حقل علوي مستطيل إنما منحدر من كل الجوانب شأنه شأن قبر مردوم منذ لحظات.

 

قدَّم كوجو رسمة القصاصات إلى فيش مصراً على أن يفتحها هناك في الطرقة فتاهت من فيش الكلمات. وعليه شكر كوجو وخطط لمقابلته بعد ثلاثة أسابيع – سيحتسيان بيرة مع نهاية الشهر ويكسران الدنيا – وفي الصباح التالي أحضر فيش لنفسه صندوق بريد.

 

 

يقود فيش ويصفع نفسه ليظل يقظاً، ويعد المرات ليتيقن من أنها السابعة. الأولى: الرسغان (بمنشار حقيقي على ذراعيه النحليتين البيضاوين كالورق). الثانية: السم – شرَب شمع الأرضيات بعد أن صبه أولاً في كوب. الثالثة: طلقة نارية في المعدة، أو بالأحرى في جانب المعدة – سحجته الطلقة ثم اخترقت النافذة إلى الكنيسة الأسقفية المجاورة. ما طالت الرصاصة قتيلاً أو جريحاً بيد أن آدم بلغ به الاستياء أن طعن ساقه في الرابعة بساطور. الخامسة: حاول تغطيس مجفف الشعر معه في حوض الاستحمام لكنه كان على ما يبدو مضاداً للانتحار – إذ أغلق نفسه بنفسه تاركاً آدم والارتعاد يلم به، فقد برَد الماء حتى واتته الجرأة. السادسة: ما هي السادسة؟ سيارة صدمها في شجرة؟ ثمة جدل حول إذا ما كان قد تعمد تلك المرة.

 

هذه المرة، منذ ليلتين، قفز آدم نصف السكران – فهو غالباً غائب العقل أثناء تلك المحاولات – من سطح فندق. ذلك على الأقل ما تناهى إلى تشاك من رجال الإسعاف الذين وجدوا آدم مغشياً عليه في موقف السيارات ومفرطحاً على غطاء شاحنة كجلد غزال. كانت المسافة حوالي أربعين قدماً حسبما أنبأه تشاك.

 

كان باستطاعة آدم أن يقفز إلى وهد ضيق جاف يبعد عن الفندق مسافة عدة صفوف من المباني، وكان سيموت بلا شك – فعمق المنحدَر هناك مائة قدم تقريباً. ولكنه قفز بدلاً منه أربعين قدماً في الفناء ليكسر عظمة الترقوة ويشق رجله اليسرى ويحني عموده الفقري.

 

الطريق هادئ. آي-فايف مشطور، وادي ضيق بين الغادين والرائحين، لذا لا يستطيع فيش – بدماغ كما المستنقع وعينين مثقلين بالضجر – سوى أن يبصر السيارات المنطلقة في اتجاهه. يروق فيش أن يشاهد وجوه الأشخاص الذاهبين في الطريق الآخر، أن يبني القصص حولهم ويتمنى لهم خيراً أو شراً، لكن هذا لا شيء. فهذه الرحلة تجعلك راغباً في تجميد العالم وتحطيمه بمطرقة بنت وسخة.

 

 

كيف لأي شخص أن يعتاد على عبارة "مقتل جنود البحرية"؟ كان فيش صباحها يُحْدث حفراً في الفناء الخلفي – حفراً لقوائم شرفة أكبر وأعلى مما شيده على الإطلاق من قبل – وقد سحب التلفزيون إلى الشرفة الخلفية في الخارج. ذُكرت تلك الكلمات المرة تلو الأخرى. لا تعرضوا الصور اللعينة! يا يسوع، لا. كانت أعصابه بالفعل تالفة والشمس عدوته حينما اتصل تشاك من شارلوت ليصف ما جاء به آدم.

 

"لن أذهب هذه المرة،" أنهى فيش إليه.

 

"أستطيع أن أصل إلى هناك بعد أربعة أيام من الآن،" أعلمه تشاك. "كن معه يوماً واحداً قبل أن آتي. تأكد من أنه ليس مشلولاً. تحقق من أنهم وضعوه في حجرة بجد وكل حاجة." رتب تشاك منذ سنتين، بعد المرة رقم 3، تأميناً لآدم، خطة جيدة، وقد كان يتفقدها من آن لآخر ليتيقن من أنه يحصل على ما يساوي قيمة أمواله.

 

لا يعرف تشاك آدم حق المعرفة، وعليه فإحسانه يقل في تعقيده عن إحسان فيش. لم يشارك آدم في غرفة واحدة قط. لم يجد قط مناديل آدم اليابسة محشورة، كمخ معروض في جرة، داخل زجاجة زرقاء مقوسة فاز بها في الملاهي. لم يضبط قط آدم وهو يدلك رجليّ ماري بعد السباق ويداه على كل ربلتيها.

 

يقود فيش سيارة مستأجرة. اتصل بذلك المكان حيث يقلونك في سيارة ملفوفة في ورق بني. اتصل بالوكالة في الظهيرة تقريباً فأخبروه أنهم سيرسلون السيارة في الثانية. انتظر في منزله. جلس بين الثانية عشرة والثانية، يراوح بين الملل وشعور جديد لا يبرأ من الارتجاف. ارتسمت في مخيلته لعبة اعتاد هو وآدم لعبها – كانت اللعبة الوحيدة السليمة عند آدم، ويتحرك فيها لاعبو كرة قدم معدنيون بالغو الصغر على ملعب يتذبذب أسفلهم. اتصفت اللعبة بالغرابة لأنك لم تقدر بحق على التحكم في الأوغاد الصغار – ما بدر منك سوى الفرجة والملعب يدفعهم إلى الارتجاج أو الاكتظاظ معاً أو السقوط بمفردهم.

 

تفرج فيش على جزء من البطولة القومية للأيروبيكس. أغلق كل الخزائن وضيق كل المفصلات باستخدام مثقبه الجديد. سار إلى محل الأدوات المكتبية ليبتاع أي شيء لآدم. لم يكن عندهم الكثير. اشترى بطاقة تهنئة لليهوديات على بلوغهن سن النضج. حسَبها مضحكة وإن فطن إلى أن آدم لن يفهم النكتة.

 

كان الجو صيفاً في الخارج. ابتاع من رجل هزيل البنية واقف بعربة مثلج سنو-كون أحمر يغلفه نفس الورق المشمع الرقيق الذي يستخدمونه منذ مائة عام. أمسكه بين أصابعه بحذر. لم يرغب في أكل ذلك المثلج – فقد بدا مضبوطاً كل الانضباط، تلك القبة الحمراء شأنها شأن قمر تائه غاية في الصغر يستطيع أن يمسكه بيده.

 

بدأ يذوب فازدرده ازدراداً.

 

آب إلى بيته ظاناً أنه ربما عليه الانتظار يوم آخر أو حتى اثنين. الحق إنه كلما أسرع في الذهاب إلى هناك، كلما أسرع آدم في التحسن بما يكفي لمغادرة المستشفى، وكلما أسرع في تكرار عَملته. وكلما طالت فترة بقاء آدم في المستشفي وهو ربما مقيد تقييداً فعالاً، كلما كان أفضل. كان فيش متأكداً من أن رضا خامره؛ لم يعدم آدم الرضا أبداً في المستشفى، على الأقل زهاء أسبوع.

 

اتصل فيش بمحل التأجير في الثانية والنصف فقالوا إنهم في الطريق وطلبوا منه عنوانه مرة أخرى. فأعطاهم العنوان وظل في الانتظار.

 

اتصل مجدداً في الثالثة فردَّ على الهاتف شخص جديد. قال الشخص الجديد إنه لا يجد قيداً بحجز فيش. "تعرف؟" نبس فيش، "تلك فوضى ما بعدها فوضى. أنا منتظر من قرن فات ولازم أن أصل إلى بيكِرزفيلد بنت الكلب." صعدت عن الشخص الجديد تنهيدة ثم أخبره أنه سيلقي نظرة ثانية. رجع بعدها إلى الهاتف واعتذر، فقد وجد الحجز مثبتاً في لوحة البيانات.

 

"أحدهم،" قال، "ثبته في اللوحة من غير أن يقول حاجة لأي أحد." وجَّه هذه الجملة إلى زميل غير مرئي لا اسم له.

 

"طبعاً،" علَّق فيش، "إنما أليست تلك هي وظيفة اللوحة اللعينة، كيلا تضطر إلى إخبار الكل؟" أراد فيش أن يرى ذلك المكتب. "يا يسوع،" أردف. "تلك فوضى بنت وسخة فعلاً."

 

"أنا آسف،" لفظ الشخص الجديد.

 

"صاحبي في المستشفى يا ابن الوسخة." استولى على فيش الاندهاش؛ لم يفكر ملياً في تلك الجملة. أدرك أنها واحدة من تلك اللحظات التي يخطئ فيها المرء في توجيه نفاد صبره – أو عل ’غيظه‘ هي الكلمة المناسبة. ومع ذلك تفكر في رغبته الشديدة في لكم الشخص الجديد حتى لا يند عنه إلا الهمس.

 

أبلغ الشخص الجديد فيش أن أحدهم سيقله قريباً ثم أغلق السماعة. مضى فيش إلى فناء أصفر متناهي الصغر يقع أمام منزله ونزع عصي الكروكيت من العشب. استقرت هناك ثلاثة أشهر منذ زيارة أولاد ماري. لم يستطيعوا اللعب ولا بعد مليون سنة، أولئك الأطفال. ولم يعبئوا أيضاً بالقواعد. ما كان منهم إلا أن ضربوا الكرات مثل القرود وأطلقوا الصرخات الحادة ولوحوا بأذرعهم وركضوا في الشارع.

 

 

الساعة الآن السابعة، أمامه ساعتان من القيادة. قد تقتل تلك الرحلة أي شخص.

 

يتقوس فم آدم كثيراً. ما استطاع أبداً أن يبتسم بدون تكلف أو أن ينصت بدون نخير. ليست غلطته، فعلاً. المسألة وما فيها هي أن لديه عضلات كثيرة زيادة عن اللزوم هناك، في تلك المنطقة حول فمه.

 

انتقل بعيداً إلى بالتيمور قبيل المدرسة الثانوية، وهكذا لم يلتق بفيش كثيراً، لكن حدث ذات صيف أن مكث آدم مع عائلة فيش في جالينا بُعيد انفصال والديّ آدم حين كان هو وفيش أصغر من أن ينضما إلى معسكر. نام في البداية بالبدروم، قريباً من لوحة السهام. وعندما اشتكى من تكتكة مسخن المياه وأنينه، نقلوه إلى غرفة نوم فيش. كانت غرفة صغيرة بنافذة واحدة تعلو سرير فيش، نافذة مطلية مغلقة تكسو ركنيها السفليين ملصقات بعيون محملقة وصور ثلاثية الأبعاد.

 

وفي ذلك الصيف، عندما كان آدم يلعب كرة القدم مع أصدقاء فيش كل يوم أحد في المتنزه، طرح خصمه بقوة زيادة عن اللزوم وجادل زيادة عن اللزوم. اعتذر فيش نيابة عنه لكن ظن الجميع أنه متوتر ليس إلا، أنه في حاجة إلى إثبات شيء ما، مثل الأولاد الذين تنافسوا للالتحاق بالفريق لكن أخفقوا في آخر استبعاد. ومع ذلك اختلف آدم عنهم، إذ كان أقل تحكماً وأقل تركيزاً على نتيجة المباراة.

 

كسر ذات مرة ساق شخص. لعبا مع حوالي عشرين فرداً خلال إحدى عطلات الأسبوع الدافئة. أقاموا مخاريط استعارها شخص من وظيفته في التشييد، وتصوروا أن بإمكانهم القيام بركلة أولى ملائمة شأن المحترفين. وهكذا رفسوا الكرة وراح كل منهم يركض في مواجهة الآخر كالمجانين، وهذا الولد ماكجريدي – أكبر سناً لكن نحيل العود، كل ما فيه مرافق ورُكب – أمسك بالركلة الأولى لترسل الكرة صوتاً مكتوماً إلى صدره المقعر. كان يجري في اتجاه الخط الجانبي عندما اندفع آدم عبر الزمرة دون أن يعيقه عائق وما كان منه إلا أن طار في مستوى أفقي تماماً تقريباً، ثانية تجمد فيها كل شيء، ثم انطلق كما الرمح ومنكباه يفلحان ساقيّ ماكجريدي. ارتفعت طقطقة كمضرب مكسور وعلا تهليل الجميع لأن ماكجريدي كان بالكاد خارج منطقة النهاية وسوف يتدبس فريقه في مكان بعيد عن إحراز الأهداف. إلا أن ماكجريدي الهزيل تخضب باللون الأحمر وعامت الدماء على وجهه. أمسك بساقه في رقة، كل يد على جانب، وكأنها ساخنة سخونة تحول دون لمسها.

 

انقصفت الساق، العظمة الكبرى، نصفين. تخثرت الدماء بما يليق بساحة قتال ونتأ العظم كعصا تبرز من حقيبة زبالة.

 

"أترى ذلك، ما فعلتُه؟" سأله آدم. وجده فيش فوق التل بالقرب من الملعب الجديد مختبئاً في أحد منحدرات التزحلق. ظن أن آدم سيتفاخر باصطدامه بالشخص اصطداماً لكنه قال، "لماذا أتهبب وأكسر ساق ولد؟ ماذا دهاني؟"

 

قال فيش إنها حادثة وإنها ليست غلطته، إنها كرة القدم، لعبة عنيفة، وماذا بيدنا؟ كان آدم يشد الآن الجلد تحت ذقنه، يقبض عليه ويقرصه. "لا يجب أن ألعب مسّاكاً لحامل الكرة،" فاه آدم وهو يشد بقوة أكبر. "لستُ مندهشاً مما حصل. فقد توقعتُ شيئاً مثل هذا، عارف؟ لمّا أضع يدي على أحد، يركبني الـ.... أشعر برغبة في تمزيقه إرباً، عارف قصدي؟"

 

أومأ فيش. تراءى آدم مرعوباً وفخوراً ومفتوناً في آن واحد. خيم عليه وهج لم يكن في موضعه، وهج وحشي يرين على عالِم اكتشف صيغة بإمكانها قتل الملايين.

 

كانت سيارة الإسعاف تُحمل الآن ماكجريدي. توقفت فوق الملعب بالضبط مما حاز انبهار الجميع؛ فذلك لم يحدث مطلقاً من قبل. ساير فيش آدم عبر عشب أمسى الآن أسود مبتلاً، دون أن يفوه بالكثير. أوشك الضوء أن يغيب، لذا توجها إلى البيت خوفاً من ليل سرعان ما سيجلب يوم الاثنين. دلفا من باب المنزل وخلعا ملابسهما الوحلة في الطرقة ليجتازا أبويّ فيش وهما يلعبان البونج ثم يصعدا السلالم. أجرى فيش الصامت أصابعه على كل عمود درابزين فيما تحدث آدم وتنهد وامتنع عن لمس أي شيء.

 

 

يجد فيش مساحة لإيقاف سيارته تحت حائط عريض من حيطان المستشفى، قراميده وردية يشطره سلم فولاذي من نوعية السلالم التي تراها في الأبراج المائية – سلم حريق، ربما. أنفقت المستشفى على الأرض المحيطة بها بسخاء أو هكذا تبدى له في الظلام – سبل مرصوفة بأحجار مستديرة تلتف حول أشجار الصفصاف والبلميط، ومراش تصدر عنها هسهسة. وبينما يدخل فيش، يمسك له الباب رجل بزي المستشفى الأزرق.

 

يشكره فيش ويُبلغ الرجل الذي كان مساعداً من نوع ما بوجهته. يساير المساعد – بزي الجراحة وكيسين من البلاستيك حول حذاءيه – فيش وصولاً حتى وحدة التمريضالصدمات. "سوف أربككَ لو وَجهتُك إلى مكان آخر،" يقول. فيش ليس متأكداً إذا ما كانت تلك الجملة إهانة أم لا.

 

يقبع آدم بالغرفة 318 في الجانب القصي من المبنى. يتمنى فيش أن تخلو غرفته من مريض آخر، فرفقاء غرف المستشفى دائماً مشوهون، إما معتلون زيادة عن اللازم أو ليسوا معتلون بما يكفي ليكونوا هناك من الأصل، وهم ينصتون إلى الحوارات ويطلقون الأحكام. لكنه حين يصل إلى الغرفة، لا يجد مرضى آخرين، فقط امرأة كالغصين، ممتقعة شبه البومة، تجلس على كرسي بالقرب من آدم وتأكل كعكة شوكولاتة بالبندق.

 

يُلوح فيش بيده تسليماً على امرأة كعكة الشوكولاتة ثم يستدير نحو آدم. يرقد مسطحاً بدعامة للرقبة وتحدق عيناه إلى السقف. يضع فيش وجهه أمام خط نظر آدم.

 

"أهلاً،" ينطق آدم بنبرات مدهوشة.

 

يدمدم فيش.

 

لا يبدو آدم في الأربعين. يبدو في الثانية عشرة. يلبس قبعة بيسبول، ولا تكلل وجهه التجاعيد أو الهزال أو الضنى. ومع نمشه وقبعته، تحيط به هالة ولد أزال للتو لوزتيه.

 

"ما تلك القبعة؟" يسأل فيش. تحمل شعار فريق من فرق اتحاد الناشئين مظهرة قندساً يمسك بمضرب كان على ما يبدو يقضمه.

 

"ماذا تفعل هنا؟" يسأل آدم. تتسع عيناه قليلاً لتلتقط سطوع المصابيح الأمامية لإحدى سيارات الموقف.

 

"مَن أعطاها إياك؟" يستفسر فيش.

 

"واحدة من الممرضات. روني."

 

"هل بإمكانك الاحتفاظ بها، أم أنها لك هنا فقط؟"

 

"لا أعرف. أظنني أستطيع الاحتفاظ بها. هل سقتَ حتى هنا؟"

 

"آه."

 

"ياه. شكراً يا رجل."

 

"إنها رحلة وسخة،" يقول فيش.

 

"عارف. آسف. شكراً."

 

ثمة بقايا عشاء أو غداء أو كليهما على المائدة المتحركة – تبيوكة لم تؤكل بعد وثمرتان من الطنجال، وبجانبهما أوان صغيرة مائلة ماركة تابِروير تبدت كمعبد آسيوي. فرغت سيدة كعكة الشوكولاتة من كعكة الشوكولاتة، وهي الآن تنظف أظافرها بدبوس زينة كان على ثنية بلوزتها. أومأ فيش لآدم وهز رأسه نحوها. تُثبت بطاقة هوية بمشبك على بلوزتها.

 

"إنها تقعد هنا معي،" يصارحه. "يُجلسون أحداً طول الوقت هنا حتى لا أُقدم على شيء." من الواضح أن سروراً يتملك آدم لظنهم أنه زبون جاد كل الجدية، رجل لا يعوزه الخطر. يسدد فيش لمحة إلى امرأة الكعكة ليرى إذا ما كانت تستمع لكنها لا تستمع؛ تتفرج على فلم في تلفزيون آدم – يلعب فرِد تومبسون دور الرئيس ويرسم على وجهه تلك النظرة المستاءة التي يفضلها. يطل فيش من النافذة بعينين شاخصتين. تتلون سيارات الموقف بلون نحاسي طرحه النور العلوي، وقد انحت عليها المصابيح انحناءة قديسين طوال نحفاء على رضع. يمد بصره إلى سيارته المستأجرة فيساوره اشتياق إلى جلسته فيها.

 

يمسك آدم بأنبوبة صغيرة ملحق بها زر.

 

"أتلك من أجل المورفين؟" يسأل فيش.

 

"آه،" يجيبه آدم.

 

"إذن فأنتَ تحاول القفز من مبنى، فيعطونك زاداً لا حد له من المخدرات."

 

"لا، لا أنال إلا مقداراً معيناً كل ساعة. هم فاهمون المسألة."

 

يعي فيش أن المسألة مسألة وقت قبل أن يشرع آدم في سرد أسباب قفزه من سطح النُزل لكن لا رغبة له في سماعها. آه، ليتها فقط مشوقة! يدور بباله. غير أنها لا تبث في نفسه أي تشويق قط. فهي دائماً "أردتُ أن أؤذي نفسي. لا أفقه السبب." لن يتفوه أي منهما بأي شيء مشوق. سوف يعلن آدم "أشعر أحياناً بسواد ما بعده سواد" أو "يبدو لي أني أرى أشياء أحياناً... من خلال مياه سوداء." يروم آدم إفهام فيش بيد أن فيش غير عابئ، علاوة على أنه سوف يسأل آدم مِن أين سرق ذلك الجزء الخاص بالمياه السوداء – "أغنية الجلاد،" كتابه المفضل – وسيُذكره بمائة ناحية يتساوى فيها كلاهما، فيش وآدم، في هذا الخراء الأسود. لقد اختبرا ذات الأشياء وراودتهما نفس الرغبات الملحة. سوف يُسَلم آدم بصحة كلامه وسيبدأ في الاعتذار عن كل شيء، سوف يعتذر طويلاً. إنه منسحق القلب أكثر مما ينبغي، سهل الانقياد أكثر مما ينبغي.

 

لكنهما سيشرعان في مرحلة ما في وضع الخطط لِما سيحدث بعد خروج آدم من المستشفى. هذا هو الجزء الوحيد على الإطلاق المشوق بالنسبة لفيش: الخطوات من الآن وما بعد الخروج. سوف يحط الإلهام على فيش فيخطط لما سيجري في الأيام القليلة الأولى، والأسابيع التالية، كل خطوة لسنوات مقبلة: في الأول، شقة مختلفة بمدينة جديدة بعيداً عن الأطباء النفسيين الخُرق ببيكِرزفيلد الذين لا ينفكون يصفون الأدوية لآدم، ثم وظيفة متواضعة أثناء الدراسة بإحدى المدارس الليلية، وفي النهاية امرأة أكبر سناً، صلبة إنما دافئة، ذات عينين قادرتين على الحب والقتل.

 

"كيف حال ماري إذن؟" يسأل آدم.

 

"بخير،" يرد فيش.

 

"أين تقيم الآن؟"

 

"لن أستطيع أن أخبرك."

 

"لا تستطيع أن تخبرني بمكان إقامتها؟"

 

"بلا."

 

"لِم؟"

 

"لأن لديها أطفالاً يا آدم، وأنتَ شخص يطلق الرصاص على نفسه ويقفز من أسقف المباني. يا ابن الكلب."

 

بدا آدم للحظة مجروحاً أو تظاهر بأنه مجروح ثم أغلق عينيه. ظهر ذقنه بنياً مربوطاً بخيط أسود مرزز على طول الغُرز وكأن أحدهم خيط عنكبوتاً على وجهه.

 

"آآآآه، كفى،" ينبس آدم.

 

يلمس فيش ذقنه.

 

"لماذا؟"

 

"خيطوا غُرزاً هنا. توقف يا غبي."

 

"كم عددها؟" تشبه الصبار أو شيئاً من هذا القبيل. الغرز مذهلة.

 

"اثنتا عشرة. أبعد يدك بنت الوسخة."

 

يرشقه فيش ببصره.

 

"آسف،" يعتذر آدم. لكنه مجرد من الحقوق هنا. بعد خمس ساعات من السواقة، مسموح لفيش بلمس ما يريده. يتذكر فيش البطاقة فيسقطها على صدر آدم. يحاول آدم التطلع إليها.

 

"لا بد أن ترفعها. لا أستطيع أن أرى."

 

يفتحها فيش ويريه واجهتها. فيل تطوقه حروف عبرية، وجملة "بلوغ سعيد" مكتوبة أسفلها.

 

"فيل يهودي،" يُعلق آدم.

 

"أظن،" يقول فيش.

 

اعتاد فيش أن يعجب بالمستشفيات، وخصوصاً غرف الانتظار. حين استأصلت رفيقته الأخيرة آني الزائدة الدودية، لبث في المستشفى ثلاثين ساعة واستمتع بوقته أيما استمتاع. قابل حوالي عشرة أشخاص – سرى ليلتها جو غريب من الزمالة. لعبوا كوتشينة ليربح فيش مائة واثنين وعشرين دولاراً بخمس أوراق متتالية من نفس النقش، ربحها من شخص يصل أخوه أحد أصابع يده. كان يثقب ثقباً في حائط ابنه ظناً منه أن الولد يبيع مخدر الميثامبفيتامين وأراد أن يضبطه. كانت ليلة سعيدة.

 

لكنه لا يريد البقاء في حالة آدم. يصوب فيش طرفه إلى الساعة. تعلن الثامنة وأربعين دقيقة. يقرر الانصراف في التاسعة. سوف يتصل بآني ليعرف إذا بإمكانه المكوث معها ليلتها. تُتابع آني أخبار السياسة المحلية بانتباه، ذات شفتين تبعثان على الضحك – فهما ممتلئتان كبالونين على شكل حيوانين – وصوت أكثر انخفاضاً من صوته. حين قابلها فيش آخر مرة، حكت رأسه بكل براعة في دوائر غاية في الإقناع حتى إنه خال نفْسه يرتفع ويهبط. يتحدثان بما يكفي، وهي تعيش في لوس أنجلوس. يقرر أن يقود سيارته إليها بعدئذ، لا طلباً للجنس أو حتى الرومانسية، فقط من أجل مكان للراحة حيث يلفي أنفاساً غير أنفاسه، حيث لن يضطر إلى أن يترك التلفزيون مفتوحاً طيلة الليل ليَعلم أنه ليس ميتاً. وإذا لم يجدها، سوف يعود بسيارته إلى سان هوزيه الليلة. بمقدوره أن يفعلها. فالرحلة أسهل خلال الليل.

 

"هل أمك تدري؟" يسأل فيش. يعرف أن أم آدم لا تعرف لأن آدم أفضى إلى تشاك بأنها لو اكتشفت سوف يفعلها بحق وحقيق المرة القادمة.

 

"لا. لا أظن،" يجيبه آدم.

 

أدركت المنية أبا آدم منذ عدة سنوات، تحويلة غير متقنة بالقلب، والآن تقيم أمه في أستراليا. ذهبت إلى هناك للعيش مع رجل قابلته في عرض اجتماعي لمسرحية "فيوريلو!" لعب دور البطولة وإن كان على ما يبدو أشقر طوله ست أقدام وأربع بوصات.

 

تمرق إحدى الممرضات من الباب. فيليبينية شابة. تصرح البطاقة بأن اسمها "أمل." تراود فيش رغبة قوية في المجاهرة بشيء عن اسمها في ضوء عملها بمستشفى وكل هذا لكنه ظن أنها تسمع ذلك بما يكفي.

 

"ذلك اسم ملائم لممرضة،" يقول. طظ.

 

تعاين ضغط دم آدم. يراقبها فيش مولعاً بالسرعة التي يمتلئ بها حزام الذراع بالهواء، بكونه مشدوداً إلى هذه الدرجة. دائماً ما يَلوح هذا الجهاز وكأنه شيء غير قانوني.

 

"كيف الألم؟" تسأل آدم.

 

"جيد،" يرد آدم. "قصدي معقول."

 

تأخذ الممرضة بطاقة البلوغ السعيد اليهودية من فوق معدة آدم وتضعها على المائدة الجانبية بالقرب من إناء يحوي أدوات وردية كالمصاصات لكن برؤوس أشبه بنجم بحر مطاطي. أدوات تنظيف، ربما، لقطل الأفواه أو فتحات مبتلة أخرى. يفكر فيش قليلاً في أن يأخذ مصاصة منها ويقحمها في أنف آدم الضخمة بنت الوسخة. أوشك أن يضحك على الفكرة.

 

 

يغادر فيش وآدم ينساق ما بين الوعي واليقظة، وجهه لا يحمل أي انفعال، يكاد يشي بسلام أي سلام. تنفتح عيناه بصعوبة في لحظات وجيزة فينهي فيش إليه بأنه سيتفقد حاله غداً.

 

لا تنقص الليلة الحدة، كل الأنوار واضحة للأعين تمام الوضوح. يقود فيش إلى النُزل 6 حيث كان آدم يقِيم مثلما أخبره تشاك. من المفترض أن يأخذ متعلقات آدم – ما يساوي أربع حقائب. سكَن آدم هناك شهراً بعد أن طلب منه منزل التأهيل أن يغادر لسلخه دجاجة في غرفته. ذلك على الأقل ما أطلعه عليه تشاك. لو سلخ آدم دجاجة بحق، فقد سلخها فقط حتى يقول إنه فعلها. "اسأل عن السيد علي،" أعلمه تشاك. تخصص تشاك في الترتيبات العملية. إذ قام مقام محامي آدم والمحسن إليه ومؤرخه الطبي. أما فيش فقد كان شخصاً يسعه قيادة السيارة لأخذ الحقائب.

 

حين يبلغ النُزل، يجد فريق كرة طائرة نسائياً يسجل فيه. ينتظر عشرين دقيقة حتى يقررن مَن ستنام مع مَن وأي الحقائب ستبقى في الحافلات الصغيرة. يطالع فيش كل كتيب إعلاني تقدمه الردهة ويضع خطة مبدئية لزيارة متحف الري.

 

عندما يحين دوره، يسأل فيش عن السيد علي إلا أن السيدة القائمة وراء الطاولة – ثقيلة الجفنين في ساري قمحي – تنقل إليه أنه خرج. "أنا السيدة علي. أي خدمة؟" يريها فيش خطاب أرسله تشاك بالفاكس طالباً حاجات آدم. أصر تشاك على ختم الخطاب بـ "أرجو ألا يمثل هذا الأمر مشكلة." ينهي تشاك كل خطاب قانوني يكتبه بهذه الجملة.

 

بإمكان فيش أن يبصر الحقائب كائنة خلفها بالضبط، في طرقة ضيقة ذات أرضية أسمنتية. ثمة حقيبتان من البلاستيك الشفاف تستقران هناك في يقظة وحقيبتا تنس تتغطى إحداهما بالوحل. تقرأ السيدة علي الرسالة ثم ترتقي بعينيها إلى فيش. وفي تلك اللحظة يكاد يبكي. تتراءى حبات العرق وقد ملأت جبهته؛ عيناه مجرد مدخلين يكشفان عن غرقه. ما الذي تنظر إليه؟ كم تعرف؟ لا بد أنها ملمة بالمسألة. أخذت سيارة الإسعاف آدم من هنا، ولا ريب أن مَن صر أمتعته وخزنها كان هي أو زوجها. تعرف عن آدم أنه مدمن، أنه قافز، والآن تعرف عن فيش أنه شخص يأخذ حقائب أشخاص كآدم. إن السيدة علي لا ترى ابن عم يقوم بالواجب؛ إنها ترى نتاجاً آخر لمجموع جينات لا يسلم من الفساد، نتاجاً قد يكون في الواقع أسوأ من الأول، ناساً يعيشون في أنزال ويقفزون من أسطح الأنزال. ثمة طريق سريع أعلى النُزل مباشرة، وفوقه يمر أناس بهذا المكان بسرعة ثمانين ميلاً في الساعة متسائلين عما يقع في العالم الصغير القذر القابع بالأسفل.

 

"ينبغي أن أتصل بالسيد علي،" تُعلمه. وهو ما تفعله باستخدام سماعة أكبر من وجهها. تُنهي المكالمة مع السيد علي ثم تسمح لفيش بدخول الطرقة خلف المكتب.

 

"شكراً،" يقول وهو في طريقه إلى الخارج.

 

"حسناً،" ترد وهي تفتح له الباب. "جيد!" تردف، وبعد أن ينصرف، تدفع المزلاج من اليمين إلى اليسار.

 

يعبئ فيش الحقائب في صندوق سيارته ثم يتذكر ما أراد استقصاءه. يسير إلى منطقة الفناء ليرى المكان الذي وثب آدم منه. نسى حتى الآن أن يتطلع إليه، فإذا بالإثارة تدب فيه. لكنه لا يستطيع العثور على جانب من مجمع النُزل يشتمل على ثلاثة طوابق أو أربعة. ما وجد سوى مبنى من طابقين يتخذ شكل حرف L حول حمام السباحة، ولا يتجاوز ارتفاع سقفه حوالي ثماني عشرة قدماً. ابن الغبية! فهِم فيش المسألة. إن ’أربعين قدماً‘ ليست طريقة فيش برغم كل شيء إلا أن ’ثماني عشرة قدماً‘ خليقة به. لقد قفز من هذا الارتفاع. مَن يقفز من ثماني عشرة قدماً؟ مَن يعمل هذه العَملة؟ يا لها من غلطة فادحة. هناك غلطات لا عد لها في مثل تلك العَملة، ذلك القفز من أسقف ارتفاعها ثماني عشرة قدماً. لا بد أن آدم كان يعلم أن ثماني عشرة قدماً لا تكفي لقتل نفسه، لا تكفي إلا لإيلامه أبشع الألم. والشيء الوحيد الأسوأ من نُزل ارتفاعه ثماني عشرة قدماً هو الأبله المحملق إليه.

 

يعاود أدراجه إلى السيارة ويفتح صندوقها. يمد يده داخل واحدة من الحقيبتين البلاستيكيتين بحثاً عن شيء صَلب. أغلب ما يمسه طري، وهنا وهناك يستشعر نداوة، لكنه سرعان ما يجد كأس مسابقات صغيراً في أعلاه لاعب تنس واسم شخص آخر محفور عليه. وفي مكان آخر بين طيات الثياب والجوارب هناك مزيل للعرق وحفنة شرائط يخرجها فيش ليُشغلها وهو سائق إلى البيت وزجاجة عطر اسمها ’معاًً.‘ أضحكته الزجاجة. فهو لا يعرف متعطراً آخر غير آدم. لم تزد المحتويات الأخرى ذات القيمة على خمسة حُزم متلوية تلوي الحية وعلبة ضخمة من بودرة الأطفال.

 

ثمة امرأة تَعبر الفناء في اتجاه فيش. كل جزء فيها يتحرك – كاحلاها يتقلقلان على الكعبين؛ ذراعاها تتأرجحان؛ رأسها يهتز بعصبية مع كل خطوة وكأنه هو الآخر يلعب دوراً في عملية دفعها. ملامحها عاطلة من التناغم – ذقن صغير وأنف عريض وعينان باردتان تكاد تشبهان عينيّ ذئب صافيتين. ترتدي بنطالاً من الجينز وسترة من قطن متين ومعهما جزمة مدببة زرقاء من قطن مخملي، جسد انسيابي نفعي لغلامية مراهقة.

 

"أهلاً،" تحييه.

 

"أهلاً،" يجيبها.

 

"ماذا تفعل؟" تسأله. "قادم أم ذاهب؟"

 

تُذكره بالجنوب على نحو ما؛ يفكر في كينتاكي بدون أن يدري السبب. هل هي في التاسعة عشرة أم الثلاثين؟ لا يستطيع فيش التحديد.

 

"أعبئ تلك الحاجات،" يقول.

 

"وبعدها؟"

 

"وبعدها سأسوق لرؤية صديق." تتعدى الساعة العاشرة ولم يتصل بآني بعد. لو اتصل في وقت متأخر زيادة عن اللزوم، استحالة أن تسمح له بالمجيء.

 

"ممكن أن أركب معك؟" تسأل المرأة. "أريد أن أصل إلى سان دييجو."

 

"أوه. آه. لن أذهب إلى هناك."

 

تتوقف خلفهما شاحنة ويرتفع منها صوت كالتنهيدة.

 

"عارفة، لكن ممكن أن أنزل حيثما ستتوقف."

 

يرمقها بعينيه ليتبين إذا ما كانت تحمل مسدساً أو عتلة. يريد أن يعاون لكنه يريد أيضاً أن يغادر. منذ فترة ليست بالبعيدة، عند محطة بنزين في ديلي سيتي، كاشف شخص فيش بأنه يفتقر إلى النقود طالباً منه أن يسلفه عشرين دولاراً – سوف يمنح فيش شيكاً شخصياً في المقابل. تصور فيش أنه لن يكون آدمياً لو رفض، لذا وافق. فالرجل رغم كل شيء يركب سيارة ويرتدي سترة رسمية، وعليه فهذه مجرد صفقة بسيطة بين مواطنين قادرين على تسديد ديونهما – كتب الشخص رقم تليفونه على الشيك وكل ما يلزم. لكن اتضح أن الشيك بدون رصيد.

 

الفكرة هي أن فيش لم يرغب سوى في مساعدة الشخص. أمضى ذلك اليوم الأول ظاناً أنه عاون الرجل ومعتقداً في تضامن الأرواح، في ديلي سيتي وغيرها، ثم أتى ذلك الرجل وسلبه. مد يده داخل فيش وسلبه اعتقاده.

 

 

يستقل السيارة ويفتح قفل باب المقعد المجاور له. يحرك كيساً من أكياس مطعم ’جاك إن ذا بوكس‘ وعلبة لبن من الكرتون لتجلس الآن المرأة في المقعد المجاور، على بعد عدة بوصات منه. تلتقط الخريطة من الأرضية وتطويها بيد سريعة خبيرة لتضعها في الجيب الجانبي.

 

"شكراً. أنتَ لطيف،" تقول وهي تعطيه يدها على نحو ملوكي. "ما اسمك؟"

 

"إيدي،" ينطق كذباً. يدها باردة. لا يعلم إذا ما يجب أن يُقبلها أم يصافحها. لا يفعل أيهما، وما يصدر عنه سوى أن يمسك بها عدة ثوان ثم يتركها لتسقط.

 

"غريبة،" تقول. "أخي اسمه إيدي. كان."

 

"هل غَيَّر اسمه؟"

 

يغادر فيش موقف السيارات إلى الطريق الجانبي الموازي للطريق السريع.

 

"لا، مات."

 

"ياه، يا خبر. البقية في حياتك."

 

"لا داع للقلق،" تقول.

 

لا داع للقلق. يريد أن يخبرها بمدى كراهيته لذلك التعبير لكنه يمسك عن التعليق. "لا تقلق" منطقية. فهي تربيتة على الذراع، طمأنة من شخص إلى آخر، إنما "لا داع للقلق" فتوحي بأنه لا يوجد قلق في أي مكان من العالم، وتلك كذبة هائلة مفضوحة.

 

يَبلغان الطريق السريع. يسأل فيش عن اسمها. اسمها ويندي.

 

"إلى أين تذهب؟" تسأل.

 

"ريدوندو بيتش، على ما أظن." هناك تعيش آني. بالقرب من الشاطئ، بفراش تستعمله كسرير وأريكة، في شقة كما الكهف بجوار مرأب عائلة من خمسة أفراد. يغص منزلها بتماثيل زجاجية صغيرة لحيوانات خرافية قرص صُناعها آذانها أثناء صهر الزجاج – هبجريف وعدار وساطير وسفينكس بالغ الصغر بلون الشمام.

 

"زوجي السابق مقيم في ريدوندو،" تُعلمه ويندي. "هو الآن متزوج."

 

"آه،" ينطق فيش. تحدجه بنظراتها. يتساءل عن شكل صفحة وجهه.

 

"ماذا كنتَ تفعل إذن في النُزل؟"

 

"لا شيء. أُحضر حاجات."

 

"أي حاجات؟"

 

"فقط حاجات ما. حاجات صديق." يكتنف جملته شيء من الغموض ولكنه يقرر تركها كما هي. فهي تَلوح منبهرة انبهاراً يروقه.

 

تضغط عدة مرات على زر البحث عن القنوات بالراديو لتعثر على تلك الأغنية "أووه-أووه، جاكي بلو."

 

"أحب هذه الأغنية،" تقول ويندي وتضرب حجرها عالياً. ثم تترك يديها هناك، قابضة تقريباً على فخذيها. يحلو له منظر فخذيّ المرأة الجالسة والقماش يضيق حولهما. كالثديين هما في استدارتهما وتفاؤلهما الكلي.

 

"هل تحتفل إذن؟" تسأل.

 

"ماذا؟"

 

"هل. تح. تفل."

 

"بوجه عام؟ لا – "

 

"أنتَ فاهم قصدي. تحتفل."

 

"لا، تاه مني المعني،" يقول لها.

 

"أنا وأنتَ، نحتفل يا حلو. لا بد أن نذهب للاحتفال في مكان ما. يمكننا أن نتوقف ونشتري شراباً وحاجات أو نستأجر غرفة. نجلب ماريجوانا، أي حاجة."

 

يعي فيش عندها الموقف. لا ينادي النساء العاديات الرجال "بالحلو" – لا يفعل ذلك سوى النادلات والبغايا – أمر مؤسف، بالفعل. "فحلو" كلمة في منتهى الجمال.

 

يُعمل فيش عقله في عرضها قليلاً. يُطير فخذاها رأسه. لكن سيكلفه الكثير، صحيح، قضاء وقت مع امرأة كهذه؟ لا يدري. كيف بلغتُ هذه السن بدون معرفة تكلفة هذه الأشياء؟ انس. فهو على أية حال لا يتعرى مطلقاً مع نساء لا يعرفهن. سوف ترى الشعر النابت على كتفيه وندبة عملية فتق أكبر بكثير وأقل استواء مما يجب – الطبيب الوغد – وستحسب أنه بضاعة واقعة، وأن الشعر والندبة دليلان على حاجته إلى الدفع مقابل نوعية الصحبة التي تقدمها.

 

"لا، لا بد أن أصل إلى ريدوندو،" ينقل إليها. "صديقي في انتظاري. وزوجته وأمي والكل. أبناء أعمامي." يضيف لسانه أقارب على نحو أسرع من مقدرة عقله على العد. "الأرجح أنهم جميعاً في الانتظار."

 

"بمقدورنا أن نسرع لو تريد،" تقول ويندي.

 

يبزغ طائر آخر من تلك الطيور البرتقالية السوداء، ينطلق عبر الطريق منخفضاً سريعاً. يريد فيش أن يسأل ويندي عن اسمه – سُمنة؟ حسون؟ وإن لن تفرق معه معرفة الاسم. يرسل إليها لمحة؛ كتفاها مفرودان الآن وذقنها منخفض. "لستُ مكلفة،" أعلمته.

 

 

يتوقف فيش في الطريق السريع تحت مظلة محطة بنزين؛ تسطع الأنوار وكأنه النهار فتخطر رينو بباله. طلبت أن تَدخل الحمَّام. يَلوح جلدها أزرق اللون وكأنه مضاء من الداخل. ارتفعت الرطوبة. لكنها بدلاً من أن تَدخل الحمَّام، تتجه مباشرة صوب الهاتف العمومي، وبينما تتحدث في التليفون، تُلوح بيدها لفيش كما لو كان أباها يقلها إلى إحدى الحفلات الموسيقية. فينصرف.

 

وبحلول الوقت الذي يَبلغ فيه تليفوناً ليتصل بآني، تكون الساعة متأخرة. يوقظها من نومها أو تتظاهر بالنوم. يحفل مقطعها الأول بالاحتقار. يتساءل إذا ما تزال ويندي عند محطة البنزين حيث تركها، فقط على بعد عدة أميال إلى الوراء. "لا بد أن تبدأ في مراعاة الآخرين يا حبيبي،" تقول آني دون غضب، دون أي شيء، ثم تغلق السماعة.

 

 

يَرجع إلى المستشفى بعد عشرين دقيقة. تتجاوز الساعة منتصف الليل بكثير، ولا أمل لديه في الصعود إلى غرفة آدم بالطريقة المعتادة. يوقف سيارته في نفس الموضع، ويحسب مكان النافذة المضبوطة. يعلم أن آدم بالطابق الثالث، تقع النافذتان المحتملتان على جانبيّ السلم الفولاذي. وهكذا يعدو تحت أشجار الصفصاف وعبر البلميط ويشرع في التسلق.

 

إنها النافذة اليسرى. بوسعه أن يرى آدم في ضوء التلفزيون. يواجه كوبه ذو الاثنى عشر عاماً فيش الآن، مغلق العينين. غابت امرأة كعكة الشوكولاتة.

 

وبينما كان فيش يهم بالنقر على الزجاج، يفتح آدم عينيه. وعندما يلتقي بصره بفيش، يغلق عيناً واحدة كمن يرنو من تلسكوب. يُلوح فيش بيده فيُلوح آدم بأصابعه فقط.

 

لم يفكر فيش فيما سيجري بعدها. لو لديه رسالة محددة لآدم، بمقدوره أن يمثلها تمثيلاً صامتاً عبر الزجاج لكنه لا يحمل رسالة محددة.

 

تند عن ثغر آدم كلمة "كيف؟" ويشير إلى فيش. يوشك فيش أن يُمثل حركات الصاعد سلماً لكنه يكتشف أنه لا يستطيع تمثيلها دون أن يرفع يديه كلتيهما عن درجات السلم. يحاول بيد واحدة لكن تبدو الحركة أقرب إلى مَن يتسوق، مَن يرقص بعربة التسوق. تَغمض الحركة على آدم.

 

يهز فيش رأسه ويمسح لوح الزجاج منظفاً إياه. ببساطة سيفتح النافذة بالقوة ويتشقلب إلى الداخل ليتحدث معه. غير أن إطار النافذة في نفس مستوى المبنى. ولا سبيل إلى فتحه.

 

يقرر فيش أن يخبط الزجاج برأسه فيخبطه مرتين. يفر الابتسام من ثغر آدم. يفعلها فيش عدة مرات أخرى، لا لشيء سوى ليسليه. يتظاهر آدم بالإغراق في الضحك. ليست الحركة مضحكة الإضحاك الذي يبديه الاثنان لكن لا شيء آخر يمكن أن يفعلاه. سرعان ما يتثاءب آدم. ويتثاءب فيش. تخفق عينا آدم فيومئ فيش إليه بأنه سيراه غداً، يلف يده وكأنه يصنع موجة، الموجة تعني غداً، يلفها ويلفها.

 

 

يقود فيش إلى ريدوندو ويقيم في نُزل ’ريد رووف‘ بحذاء الطريق السريع. يقرر أن يتصل بآني في الصباح ثم يزور آدم مجدداً في طريق عودته إلى الشمال ويتصرف في كل الحقائب بعد أن يفحصها ويرمي الحبوب وأي شيء آخر لا يريد أن تقع يد آدم عليه. يقرر أن يجلب له حقيبة حقيقية أو اثنتين، شيئاً بغطاء قوي متين. بمقدوره القيام بذلك غداً.

 

بمقدوره غداً أن يحط حاجات آدم في الحقيبتين المتينتين ويحملهما إليه، يضعهما بغرفة المستشفى في صف واحد بجانب الباب حتى يجدهما هناك عندما يتأهب للرحيل. يستطيع أن يريه كيف عبأ كل الأشياء من جديد ووضعها كلها في صفين، البناطيل في جانب والقمصان في جانب آخر، على حين تضم الحقيبة الثانية الأشياء الأخرى – الجوارب والسراويل الداخلية وأدوات الحمَّام والحُزم. بمقدوره قضاء هذه الأشياء غداً على نحو أفضل من اليوم. غداً! غداً!

 

تعم الظلمة غرفته، ويلفه الوعي بغبائه. تفيح من الغرفة رائحة البشر. لا يستحق ذلك، أن ينخدع ثانية بهذه الطريقة. لن يبيت مغفلاً مرة أخرى على الإطلاق. لماذا يُقشِّطه ذلك الرجل ذو السترة الرسمية بشيك بلا رصيد؟ يا له من عنف. لا رغبة له في أن يكون جزءاً من العالم القابع أسفل الطريق السريع. لا. لا، سيُفوت لقاء آني وآدم، ولن يبدر منه إلا أن يجلب الآن بندقية ويقصد تلك المزرعة الواقعة في آي-فايف ليطلق النار على مجموعة من الأبقار الغبية. ها-ها! لن تنجو على أية حال – فبعض الحيوانات مخلوقة من أجل الموت. قد يَقطع رؤوسها ويُجوفها ويرتدى واحداً كقناع. أجل! الرطوبة داخل واحد من تلك الرؤوس الثقيلة الكبيرة – سيلذ له أن يجرب الشعور داخلها ثانية واحدة. سيتغطى شعره النظيف بالدماء ويبتل وجهه، قذر بأشياء لم يغرِفها خارجاً قبل أن يضع على وجهه هذا الشيء الحقير.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.