![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010 Twenty-Fifth Issue, April 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
لا تحتاج مجلة البوتقة إلى الحصول على الحق في ترجمة قصة "لو وليز" ونشرها نظراً لأن جورج جيسينج توفي في 28 ديسمبر 1903. كل الشكر له على كتابة هذه القصة الجميلة! "Lou and Liz" is published with no prior permission as George Gissing passed away in December 28, 1903. "Lou and Liz" by George Gissing. Copyright © 1893 by George Gissing. Originally published in English Illustrated Magazine, 1893. From his story collection, Day of Silence & Other Stories. |
|
لو وليز ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Apr.-01-2010 |
|
|
كان الجرس العظيم في قصر ويستمينستِر يدق التاسعة. تدفَّق ضوء الشمس من نافذة العُلِّيَّة ليغمر فتاة قوية معافاة جميلة المحيا تقف أمام مرآة مرتدية نصف ملابسها وتُمشط شعرها البني الضارب إلى الصفرة. تمددت على السرير فتاة أخرى، نائمة فيما يبدو، وعلى الوسادة المجاورة لها جثم رضيع ذكر له من العمر ثمانية عشر شهراً، يمضغ قطعة بسكويت بصوت مرتفع. «والآن يا ليز!» زعقت الفتاة التي كانت تَلبس وهي تأخذ من بين شفتيها دبوس شعر. «سوف تستلقين هناك طيلة النهار؟ اصحي، هيا!» طفقت تغني بصوت حاد أجش النبرة. «‹يا لبهجة، يا لبهجة ذلك اللقاء، لمَّا تتطهر قلوبنا من الإثم وتتحرر.› چاكي، اضرب ماما على رأسها. اصحي يا ليز! كيف يُفترض أن نصل إلى جسر لندن في الحادية عشرة؟» عادت إلى الغناء: «‹يمْكنك أن تسمعهن يتنهدن ويُقْسمن وتراهن يغمزن بأعينهن الرجل مفَلس صندوق القمار في مونت كارلو!› على فكرة يا ليز، هل سمعتِ السيد تانكس وهو يَحضر إلى البيت الليلة الفائتة؟ يثب مرَحاً كعادته؛ يقع طيلة صعوده السلم – اصحي، أقول لك اصحي!» رفَعت ليز رأسها بضحكة مثقلة بالنعاس. «اقفلي فمك يا لو! يا لك من رَغَّاءة!» أتى الرد في صورة وسادة دبابيس مصوَّبة في حدة نحو المعترضة. أخطأت ليز وارتطمت بوجه طفلها مباشرة. دوَت الغرفة بصرخة طفولية يخيم عليها الفزع والألم. قفزت ليز من السرير على الفور، وبكل قوتها رشقت لو بالقذيفة، وفي نفس اللحظة تقريباً حاولت تهدئة الطفل وتوبيخ صديقتها بقاسي الكلمات. اصطدمت وسادة الدبابيس هذه المرة بالمرآة الصغيرة فتحطمت على الأرضية. فاتت خمس دقائق لا يسودها إلا الصخب – صراخ، مر الشكوى، شجار؛ لم تنته عاصفة الاتهامات المضادة إلا عندما اكتشفت لو في جيبها – بين المفاتيح والعملات النحاسية والتراب – قطعة شوكولاتة مكسورة قدَّمتها إلى چاكي كعربون صلح. «كيف سأصفف شعري؟» سألت ليز وهي تقف في قميص النوم بعينين حزينتين لا تفارقان الزجاج المكسور. «سأصففه لك،» ردت لو وهي تربت خصلات شعرها مرة أخيرة. «والآن ينبغي أن نبتاع مرآة أخرى للسيدة هاجينز!» «لا تشغلي بالك بها. بمقدوري أن أجيء بمثل هذه المرآة الصغيرة الحقيرة مقابل ستة بنسات. وما الفرق ما دمتِ سعيدة! – ‹الرجل مفَلس صندوق القمار في مونت كارلو!›» «حلمتُ بأن السماء تمطر،» أنهت إليها ليز وهي تزيح الستارة وتمد عينيّ الرضا إلى سماء لا غيم فيها. «الجو ملائم لقضاء العطلة. اسمعي يا لو، امسحي من فضلك وجه چاكي حتى أرتدي ملابسي.» دائماً ما ينتهي النزاع بينهما (تنازعتا مرة كل نصف ساعة تقريباً حين مكثتا معاً فترة طويلة) إلى طلب صنيع تلتمسه الفتاة الأصغر وتلبيه رفيقتها بنفس مبتهجة. لم تربط بينهما أية صلة من صلات القرابة غير أنهما تشاركتا في هذه العُلِّيَّة قرابة عام. كانت ليز تشتغل في البيت، تَصنع أخلة الأسنان لتجني ربما شلناً في اليوم؛ انحصر عمل لو في طي أفراخ الورق. قبَضت في المتوسط أحد عشر شلناً في الأسبوع؛ صرَفتا نقودهما – وفقاً لنظام اشتراكي محض – للوفاء بنفقاتهما المشتركة. بالكاد قدِرت ليز على إعالة نفسها وطفلها بمفردها؛ الواقع أنهما عاشتا على الكفاف، وقد تمكنتا بصورة أو بأخرى من توفير بضعة شلنات استعداداً لإنفاق إحدى العطلات. كانت لو ترتدي خاتم زواج ذهبياً وتَهدل حول جيدها حافظة صغيرة من جلد الغنم الناعم مخفية تحت فستانها، حوت الحافظة شهادة زواج. آمنت إيماناً لا يتزعزع بأن شرعية زواجها تعتمد على الحفاظ على هاتين ‹الوثيقتين.› انصرمت ثلاثة أعوام منذ قرر زوجها، عند ولادة طفلها، أن يتوارى عن العيان؛ وافت المنية الطفل، ورجعت لو إلى مهنتها القديمة. كانت ليز ترتدي خاتم زواج من النحاس الأصفر، لم تمتلك شهادة زواج لتريها للناس. عُرِفَت باسم ‹السيدة بيركِس،› ولكنها لم تستحق إلا لقب ‹آنسة.› أمَّا والد چاكي فقد جاء اختفاؤه كاملاً كما هو الحال مع زوج لو. لقد لقيتا هاتان الفتاتان معاناة ليست بالهينة في طريقهما. لكن البادي أن أصعب الفترات مرت وانقضت. وبفلسفة جديرة بالإعجاب عاشتا دون أن تحفلا إلا بيومهما، بساعتهما. لم يُثقل ليز قط إحساس بالامتنان لصديقتها؛ ولم يقم في خاطر لو أبداً أنها هي نفسها تَجود جوداً استثنائياً. تبادلتا الضحكات وتعالى صوتاهما بالغناء، تعاركتا وتشاتمتا، احتستا الجعة حين تمكنتا من دفع ثمنها والشاي حين عجَزتا عن دفع ثمن الجعة، جوَّعتا أنفسهما من حين لآخر كي تنفقا أمسية في كانتربيري أو سوري (كان الطفل – المنوَّم لو تسبب في إزعاج – ينام حيناً على حِجر أمه وحيناً على حِجر لو)، اختلطتا في العطلات بحشد من أكثر الحشود ضجيجاً يمكنهما الوقوع عليه. سوف يقصدان اليوم حدائق روشيرفِل. لم يكن چاكي ثابتاً كل الثبات على قدميه؛ ونظراً لتغذيته وتنشئته بوجه عام، من العجب أنه وطئ هذه الأرض على الإطلاق. كان في خفة الريشة، وكثيراً ما اعتادت الفتاتان حمله إلى حيث تريدان حتى إنهما لم يتذمرا من الحِمل إلا في النادر. كان سرور أكبر سيخالجهما لو ذهبتا إلى روشيرفِل بالباخرة بيد أنها ستكلفهما أكثر قليلاً من رحلة القطار، ولا بد من وضع كل بنس في الاعتبار. بلَغ ثمن تذكرتيهما، الاثنتين معاً، ثلاثة جنيهات وستة بنسات؛ سوف يتبقى لكل منهما ثمانية عشر بنساً لشراء المرطبات في الحدائق. أخذتا معهما العشاء – خبز وشرائح من لحم البقر المعلَّب؛ أمَّا الشاي، فلن تَعدما ولا ريب ‹الصغار والعجائز.› وقبله وبعده سوف تحتسيان تلك الأقداح الضخمة من الجعة التي تسبغ الكثير على سحر روشيرفِل وغموضها. يا له من عيد فصح! اليوم تلو اليوم لم تعترض الشمس سحابة إلا في النادر. دفئ الجو دفئاً لا تعوزه البهجة حتى إن المرء استطاع توفير الكثير من نقود الحطب. اضطجعتا في الفراش يوم الجمعة السابق للفصح حتى آن وقت العشاء – «نامتا نوم الهَناء» حسبما قالت لو؛ أمضتا بقية اليوم في ترقيع قبعاتهما وستراتهما. عادتا يوم السبت إلى العمل من جديد. والأحد، نوم آخر هانئ ثم تمشية في الأصيل ما لهدف إلا لإظهار أنهما تمتلكان بعض الملابس الأنيقة لعيد الفصح، شأنهما شأن كل الناس. والآن أَقبلت العطلة الحقيقية. حلَّقت روحاهما المعنوية في السماء. وعندما استهلتا رحلتهما، جرتا وطفرتا وصاحتا. رفَعت لو – بصفتها الأكبر سناً والأقوى بدناً – چاكي على كتفيها، وانطلقت معه، تصدح بأغنية اليوم الرائعة عن الرجل الذي... إلخ. تعتقد لو بالمناسبة أن صفقة الرجل تنم – دون زيادة أو نقصان – عن عملية سطو مكللة بالنجاح. ارتكبها على بنك من البنوك في بلد ناء قد يفتقر رجال الشرطة فيه إلى الكفاءة. دب الجذل في قلوبهما لابتعادهما عن منطقتهما المألوفة ولإطلاقهما العنان للمرح وسط حشد يقصف باللهو. لديهما بضع معارف تهتمان بهم. لم يسع ليز أن تأخذ راحتها كلية بصحبة الملمين بقصتها؛ ما اشتدت عليها أبداً وطأة الوضعية الأخلاقية لعالَمها إلا أنها وعت بين الفينة والأخرى التعليقات المهينة والأحكام الخفية. أمَّا لو فرغم تشبثها بكل قوة بحيازة تميمتها، حال إباؤها دون أن تستدر شفقة الناس في دور الزوجة المهجورة، وعرَّضها طبعها الحاد للإهانات. «لا عجب أن زوجك هرَب وتخلى عنك،» الرد المفحم المتوقع من أية فتاة جرَحتها لو بلسانها. عدا ليز بالتأكيد؛ فمهما نال منها الغضب، لم تسمح لنفسها باستغلال ذلك السلاح. لقد خلَقت تلك الضرورة للتصبر المشترك رباطاً قوياً يربط صداقتهما. وأغلب الظن أن اعتبار لو نفسها أرفع مقاماً من صديقتها، أخلاقياً بل واجتماعياً، ساعد في جعل كل واحدة تَقنع بالأخرى. ألْفتا كل شيء نضراً منعشاً؛ بل إن الملصقات المألوفة اكتسبت في ضوء العطلة عامل تشويق جديداً. أسد مصارع وكنغارو ملاكم – ضخمان بألوان زاهية يرتسمان على لوحات الإعلانات إلى جوار خط السكة الحديد – بثا فيهما إثارة ترين عليها الحماسة. «انظر إليه وهو يسدد ضربة إلى فكه!» هتفت ليز وهي تلفت نظر چاكي إلى الكنغارو بلهجة متحمسة تعليمية. بدا أن الغلام الصغير ذا وجه النسناس فهِم حديثها لأنه نط على ركبة أمه وخبَط يديه الصغيرتين اللزجتين الواحدة بالأخرى. تراءت أراضي حدائق روشيرفِل في أبهة رائعة المنظر يغلفها هذا الجو الربيعي الدافئ. جعلت الخضرة الغضة تكسو أشجاراً تطرح أوراقها كل عام، وبعثت الشجيرات دائمة الخضرة عامرة العناقيد إحساساً بالصيف على خلفية من سماء زرقاء مشرقة. تدلى لبلاب كثيف من أجراف يُغشيها طباشير المقالع؛ تعرجت يميناً ويساراً وفي كل الاتجاهات متاهة من السبل، هنا تجتاز وهدة ملآنة بالأشجار، هناك تَنْشَّق فوق مرج من الأعشاب الممهَّدة أو رقعة منحدرة من الأرض مزيَّنة بشجيرات الحدائق وزهورها. لم تأت ليز هنا أبداً من قبل على حين لم تأت لو منذ عدة سنوات. ينبغي أولاً أن تجريا من مكان إلى آخر وتعيدا كلمة «ياه!» تكراراً دلالة على النشوة. أوقعت حفرة الدب في نفسيهما التسلية طويلاً؛ وكذلك أقفاص الطيور. غير أن منظر العديد من الناس المتجمعين في إحدى حانات الخمور ذكَّرهما أخيراً بأن موعد العشاء قد حان. عثرتا على موضع في منطقة تفيح منها رائحة الجعة وجلستا لتأكلا وتشربا. شجعتا چاكي على الارتشاف من قدح الجعة؛ حمَلت ملامح وجهه الملتوية الفتاتين على الانفجار في ضحك قطَعته كلمات «مسكين يا حبيبي! يا خبر!» وهتافات مماثلة. جلبت ليز في حقيبتها زجاجة من لبن تمخض وانقلب حامضاً غير أن الطفل، بعد إحباطه الكحولي، شرِبه في توق. التهم أيضاً نتفاً صغيرة من اللحم وقطعاً من كعك عسير الهضم؛ وعند التحلية أفرط في تناول الحلوى الملونة. عدت الفتاتان حرمانه أكل شيء يستسيغه قسوة ما بعدها قسوة. فاتت ساعتان أو ثلاثة. ما قابلت الاثنتان أي معارف، ولم يبدر منهما إلا تشجيع وجيز لشبان مفعمين بالمرح سعوا إلى الظهور بشكل لطيف. استعدتا تمام الاستعداد لمزاح لا كياسة فيه، بل ورقصة، بيد أن تميمة لو وطفل ليز منعاهما من متابعة الغزل بما يتجاوز حداً معيناً لا يخلو من تحفظ. عندما شرَع چاكي في النحيب من جراء التعب وسوء الهضم والحاجة إلى النوم، ارتاحتا على مرأى من منصة الرقص، وهناك دعت الفرقة بنبرات بهيجة الأزواج المحتشدين إلى الرقص؛ جلَست ليز محْمرة الخدين تتصبب عرقاً والطفل على حِجرها، وحاولت تهدئته لينام. دفَعها هتاف مفاجئ فر من ثغر رفيقتها إلى الارتقاء بناظريها. وقفت لو وعيناها مسلطتان في تلهف على المنصة المستديرة، فاغرة الفم، وجهها ووقفتها يُعبران عن اهتياج لا يعادله اهتياج. «ليز!» هتفت على حين غِرة. «إنه زوجي!» وفي طَرفة عين نهضت الفتاة الأخرى. تركت الطفل ليتدحرج على العشب فندت منه صرخة لم تنتبه إليها إحداهما. «أين هو؟ أيهم يا لو؟» «ذلك الشخص الذي يرتدي قبعة مستديرة بنية ويرقص مع الفتاة ذات الفستان الأزرق. ألا ترينه؟» «أراه!» – ارتجفت ليز باضطراب يتخلله شيء من التعاطف، وتوازنت إلى الأمام على أصابع قدميها. «ماذا ستصنعين؟» أردفت بنبرة خفيضة يشوبها التعجل. لم تحظ بجواب من الأخرى. ما كان منها إلا أن أقدمت على خطوة مثلها مثل حيوان يهم بالقفز. أطبقت قبضتيها عند جنبيها. «هل أنت واثقة تماماً؟» سألتها ليز وهي تَلحق بها. «واثقة؟ هل تظنين أني بلهاء مغفلة؟» كان رداً لا تنقصه الشراسة. «لا تبدئي شجاراً يا لو!» توسلت إليها ليز وهي ترسل طرفاً قلقاً إلى المحْدقين بهما. «كنتِ تقولين دوماً إنك لا تكترثين له البتة.» «لن أبدأ شجاراً. اخرسي واذهبي للعناية بالطفل.» دنت من الراقصين. مضت عدة دقائق قبل أن يَخرج رجل ثبَّتت عليه عينيها من بين حشد يضرب الأرض بأقدامه ويدور في دوائر ويصرخ عالياً؛ تبعته رفيقته ذات الفستان الأزرق. اتجهت إليه لو بخطوات راسخة وسددت إلى عينيه نظرة مباشرة ثم وقفت مترقبة دون أن تتفوه ببنت شفة. كان يتزيا بملابس العطلات، ملابس خليقة بميكانيكي مشاكس؛ علَّق في معطفه زهرة وحِلة ودس بين شفتيه عُقب سيجار مطفأ. اتسم بجسم نحيل ووسامة توحي بالابتذال؛ لم يَبد أن سنه يتعدى الثلاثين. أنبأ احمرار خديه عن كم وافر من المرطبات بيد أنه لم يتخط بعد الحصة المقبولة في العطلات. لم يربكه منظر لو إلا لحظات رسم بعدها ابتسامة عريضة وتكلم وكأن لقاءها هو أسعد اللقاءات. «أهذا أنتِ؟ ياه، لَم يعد من الممكن معرفتك.» التفَت إلى الفستان الأزرق قائلاً، «سال، صديقة قديمة. أراكِ قريباً.» ثم دنا من لو، «لقد أصبحتِ آية في الجمال، بالكاد عرَفتُك. هيا نتمشى.» أخذها من ذراعها وسحبها صوب ناحية ضمت القليل من الناس. «هكذا ستتصرف، أليس كذلك؟» سألت الفتاة بصوت غليظ وعيناها لا تزالان مستقرتين عليه. «ما قلتُ أبداً يا لو إلا أنك جميلة غير أن أنفاسي تتقطع الآن عند رؤيتك بهذا الحُسن، كان الله في عوني! ماذا كنتِ تفعلين كل هذه الفترة؟» «ماذا كنتَ تفعل أنت، ذلك ما أرغب أنا في معرفته؟» تصنع المقصِّر الندم. خفض صوته. «لَم أَقدر أن أتمالك نفسي يا لو. الظروف كانت صعبة. رحلتُ سعياً إلى وظيفة واعتزمتُ أن أرسل إليك شيئاً لتدبري به حالك، صدقيني والله. لكني لم أستطع إلا أن أوفر اللقمة لنفسي وغرفة استأجرتُها مقابل أربعة بنسات. كنتُ أفكر فيك ليلاً نهاراً، وكل أمنيتي ألا تصابي بأي أذى. كنتُ أَعلم أن عمك سوف يعتني بك.» استردت لو أخيراً قدرتها على النطق، واستخدمت لسانها عدة دقائق لتلفظ بعبارات مستعرة بالعنف بدون أن تُحْدث إقلاقاً على الملأ. ردد الرجل – كانت تَعرفه باسم بيشِب – نظرات تمتلئ ارتباكاً حوله؛ التقط بصره شريكته السابقة في الرقص لا تزال بعيدة غير أن هناك فتاة تَحمل بين ذراعيها طفلاً تَلحق بهما. «مَن هذه؟» سأل في النهاية مشيراً إلى ليز. «صديقة أقيم معها،» أجابته لو بلهجة تعكس قدراً من الحدة. «وتَعلم عنك كل شيء – لا خوف منها.» «هل تعنين أنك لم تجدي زوجاً آخر كل هذه الفترة؟» أتاه الرد في صورة ثورة جديدة طافحة بغيظ أي غيظ. وعندما أفرغت شحنة الغيظ، فاه بيشِب بلسان يرمي إلى تملقها: «لقد أسأتُ إليك يا لو؛ إساءة لا تَقبل الشك. إلا أنني لم أقصد سوءاً، وطالما وددتُ لو أصلح الحال بيننا من جديد. فلتحتسي شراباً يا فتاتي. عندي ما أفضي به إليك، ولكن احتسي شراباً أولاً، وكذا صديقتك. فلتعم المحبة بيننا. لا جدوى من إحداث جلبة. لا يسعني إلا أن أرنو إليك يا لو. إنك الوسامة كلها، ما كنتُ لأصدق لولا رأيتُ بعيني.» وعلى الرغم من كل شيء، أمتع هذا الإطراء مسمعيّ لو حتى إنها وجدت مشقة كيلا تبتسم. أخذت المشاعر القديمة تنتعش وهي تتطلع إلى ملامح الرجل، وأغراها حديثه المتودد بالنسيان والصفح. تناغَم مثل هذا الحدث مع طبيعة اليوم السارة. حانت منها فجأة التفاتة وأومأت إلى ليز أن تقترب. «يا نهاري، يا له من طفل!» هتف بيشِب كالمعجَب. «أتريدين أن تقولي إن هذا ابنك يا لو؟» «لو شئتَ أن تَعلم،» أجابته لو متجهمة، «ابني لم يعش إلا ثلاثة أسابيع.» «الصغير المسكين! قلبي معك. لكن الأرجح أنه خير لك. هلا نحتسي شراباً. فلتعم المحبة. لا بأس، ما دام كل شيء سيستقيم في آخر الأمر.» كابد عقل ليز حينذاك بلبلة لا يستهان بها. خشيت منذ اللحظة الأولى أن تتصالح لو مع زوجها: وهو ما يعني الافتراق عن صديقتها، وكيف سيتسنى لها تدبير قوتها بمفردها؟ هي المُكرَهة على إخفاء ما اعتلج في صدرها من انزعاج مكثت في إثر بيشِب وأخذت ترمي بناظريها إليه تارة وإلى لو تارة أخرى. بات من الواضح أن وجه الزوجة المهجورة تهلل فرحاً لَما جرى؛ إذ تألقت عيناها بوميض غريب وأقامت رأسها عالياً وسارت بذراعين تتأرجحان. أقنعهما بيشِب بالجلوس على العشب بينما مضى ليجلب الخمر من الحانة المتاخمة. «هل ستعودين إليه؟» سألت ليز صديقتها بصوت هامس لا يَسلم من الاستعجال. «أنا؟» ردت بلهجة لا تَعطل من الازدراء. «ماذا تحسبينني؟» «لكنك تتصرفين وكأنك تنوين العودة إليه.» «أظنه زوجي، أليس كذلك؟» أجابتها لو وعيناها تحملقان غضباً. «ما كنتُ لأحتسي شراباً مع زوج عاملني مثلما عاملك.» «اخرسي!» «اخرسي أنتِ!» قطَع العراك رجوع بيشِب بقدحين من جعة تعلوها الرغوة. ما لبثا أن فرغا ثم امتلآ مرة ثانية. عَبَّت ليز الشراب دون أن تشعر بأي تلذذ، فقد أدركت أن اعتراضها لم يسهم إلا في جعل لو تعاند متغاضية عما لحق بها من جور. وفجأة ارتفع صياح عازف أكورديون – واحد من بين كثيرين تجولوا من الجمع إلى الآخر – داعياً الناس إلى الرقص. «فلنرقص قليلاً يا فتاتي؟» اقترح بيشِب وهو يجلس لتتسلل ذراعه بالفعل حول خصر لو. وبعد تظاهر كاف بمعارضة لا تخلو من انفعال وافقت الفتاة؛ وبقلب يستبد به الرعب أبصرت ليز الزوجين وهما يبتعدان بخطى سريعة. كانت فرصة بيشِب ليحادثها على انفراد. وبعد أن أكد للو مجدداً ندمه على ما اقترفه في الماضي من حيف، أسَرَّ إليها أنه سوف يستهل في خلال يوم أو اثنين عملاً في مدينة وليدج، وظيفة قد تستمر عدة أشهر، براتب جيد؛ وقد استأجر بالفعل غرفة هناك. عرَض على لو الرجوع معه في ذلك المساء. سوف يعودان للتو معاً إلى بيتها لنقل أمتعتها، وغداً سوف يجدان أنفسهما مستقرين مرتاحين من جديد كزوج وزوجة. وشى اللون الأحمر الناري على وجنتيّ لو بحماسة تريم عليها اللهفة، بنزعة إلى نسيان كل شيء عدا هذه الفرصة، فرصة لم ترِد على بالها لاستعادة كرامتها كزوجة. على أنها لم تُغفل في الحقيقة ما ستقْدم عليه من مخاطرة (فأغلب الظن أن بيشِب سوف يهجرها مرة أخرى حين يحل به السأم منها) أو ما ستُنزل به من عوز لليز المسكينة. كشَفت الرقصة والهمهمة المغرية لشريكها في الرقص كشفاً عن اتجاه واحد؛ ولكن كلما التقى بصرها بليز وچاكي، أعاد الخوف ووخز الضمير إحكام قبضتهما عليها. وما هي إلا أن أجبرها انقطاع الأنفاس على التوقف حتى فطنت إلى أن صديقتها والطفل غابا عن الأنظار. كفت قدماها فوراً مجيلة النظر في كل اتجاه؛ استعصى عليها اكتشاف ليز في أية بقعة وسط الجموع المتحركة. لا بد أنها انصرفت عابسة. استاءت لو من هذا التصرف، وقلل مما انتابها من قلق على الفتاة. وعندما واصل بيشِب إلحاحه ليغادرا على الفور، مشت بصحبته على مهل. إلا أن ليز لم تنسحب عن عمد. كانت تَجلس على العشب والغم يركبها حين اتفق أن لمحت بعيداً تلك الشابة ذات الفستان الأزرق التي رأت بيشِب لأول مرة برفقتها. برقت في ذهنها فكرة؛ حمَلت چاكي واندفعت كالسهم لتلاحق الفتاة المستحوذة على انتباهها. ولكنها لم تدركها في الحال، فحيالهما قام مبنى البارون (اسم مُذَكِّر بمسرح فيكتوريا القديم ومسرح مقاطعة سوري). اختفت ذات الرداء الأزرق عبر مداخله قبل أن تدنو منها ليز. وفي الداخل دارت ذروة مشهد حقيق بقصف روشيرفِل. غصت الحجرة الطويلة من أولها لآخرها بحشد تصاعد غناؤه وهديره، تمايل عنيفاً ذهاباً وإياباً، قرَع الأرضية الخشبية بأقدام جامحة ترقص رقصة الفندانجو. نفَضوا جواً من الغبار الكثيف حتى إنها أخذت تسعل واستشعرت ألماً واخزاً في عينيها حين حاولت الدخول. انفجر چاكي المذعور من الضجة في ولولة لم تترام إلى آذان أحد هنا. بيد أن عينيها وقعتا مجدداً على الفستان الأزرق، لن تعدل ليز عن غايتها؛ شقت سبيلها قدماً حتى سنحت لها الفرصة للمس الهدف من مسعاها ومخاطبته. «يا آنسة،» قالت متحدثة بالقرب من أذن الشابة، «هل تمانعين أن أسألك سؤالاً؟» البادي أن ذات الثوب الأزرق كانت بمفردها غير أنها كانت تخبط الأرض بقدميها كالمحيطين بها، بمصاحبة أقرب آلة من آلات الأكورديون، وقد تجلت على محياها المتورد نظرة تشي بابتهاج أيما ابتهاج. «ماذا ترومين معرفته؟» زعقت رداً عليها. «ذلك الأستاذ الذي كنت تراقصينه بالخارج على المنصة...» «ماذا عنه؟» «هل هو صديقك؟» «بالطبع. أَعرفه منذ طفولتي.» «لكنك لا تَعرفين زوجته، أليس كذلك؟» «طبعاً أَعرفها.» «ماذا – صديقتي لو؟» جاءها الرد في صورة نظرة محَدقة انطبع عليها الاندهاش. «اسم زوجته ليس لو!» هتفت الشابة. «اسمها ماريير. ماذا تقصدين؟» أطلقت ليز صرخة من فرط السعادة. أمَلت الوقوع على شيء يشوه صورة بيشِب، ولكن ما دار بخيالها شيء في مثل هذه الروعة. «لو جئتِ معي، سوف أُبلغك بشيء ينبغي أن تحيطي به،» أعلمتها. تبعتها الغريبة بلا أدنى اعتراض، ودلفتا بصعوبة إلى الهواء الطلق. علِمت ليز من خلال الحوار التالي أن اسم الرجل موضوع الحديث ليس في الواقع بيشِب، ووفقاً للقانون لا يمكن أن يكون زوجاً للو. فقد تزوج منذ نحو عشر سنوات باسمه الحقيقي، ويلكوكس، وتقِيم زوجته وأولاده الأربعة في مدينة إنفيلد. ترك السيدة ويلكوكس أكثر من مرة لتعيل نفسها؛ غير أنها امتلكت متجراً صغيراً فلم تعان كثيراً إهمال زوجها. كان على ليز أن تهرع في هذه اللحظة لتتعقب صديقتها؛ وبرفقتها أتت الغريبة التي استولى على اهتمامها ما ورَد عليها. ولكن لو ابتعدت وقتذاك عن موضع رقصتها مع زوجها، زوجها بالاسم فقط. «لا بد أنها رحلت معه!» صاحت ليز في يأس لم تطغ عليه الأنانية كل الطغيان. «أين المَخرج؟ لو لم أَحمل هذا الطفل! لَم أقو على العدو بسرعة أكبر!» طفقت الدموع تَقطر على خدين امتزج الغبار بعرقهما فتبديا وحِلين. طالعت قبالتها حياة من الوحدة والفاقة. سوف ترغَم على هجر العُلِّيَّة الموحشة؛ يجب أن تلتجئ هي وچاكي إلى جحر يترع بالبؤس إن لم ينته بهما الأمر إلى دار الإيواء. أواه، لِم تعصبت على لو كل هذا التعصب! ربما بعث هذا الشجار الأخير صديقتها على اتخاذ قرار الرحيل بلا ندم. ومع ذلك – بل ووسط ما ذاقته من كرب – ساور ليز إحساس وجيز متقطع بالعزاء عندما جال بخاطرها أن لو ليست في الواقع امرأة متزوجة على الرغم من كل شيء، فوثيقتا الزواج اللتان تباهت بهما كثيراً لا قيمة لهما وخاتمها الذهبي لا يختلف عن أي خاتم نحاسي. عرَضت عليها رفيقتها أن تتناوبا حمل الطفل وهما تسرعان في البحث. مضتا إلى المَخرج وسألتا إن أبصر أحدهم زوجين يشبهان لو ورجل بقبعة بنية يغادران في الدقائق القليلة الماضية. تلقتا ردوداً سلبية يعوزها الانتباه. آبتا مجدداً إلى الحدائق؛ وفي شتى الاتجاهات بين أناس يستمتعون بوقتهم – يحتسون الخمر، يرقصون، يتغازلون، يسددون الطلقات في كشك البنادق، يتفرجون على البهلوانات والزنوج فوق المرج وعرض مسرحي على المسرح المفتوح، بدت ليز لنفسها المخلوق التعس الوحيد في هذا التجمع الحاوي لآلاف البشر. دار ببال الاثنتين أن واحدة منهما كان من الواجب أن تمكث عند المَخرج؛ تاهت عنهما هذه الفكرة. وقَفت ليز المنهكة إنهاكاً والمثقلة بالهموم بلا حراك وتركت دموعها تسيل. وفي أعلى قمم أشجار الدردار الطويلة نعَقت الغربان السوداء بأعشاشها «كو، كو،» لا يعكر صفوها صخب البشر في المناطق الأدنى. غربان وقورة أليفة، أمثلة على الرُشد والفضيلة بالمقارنة مع حشد هائج تجاهلته عن حكمة. وفي النهاية، بعد نصف ساعة على بدء البحث، ألْفت ليز وذات الرداء الأزرق أنفسهما بجانب بقعة بدأتا منها؛ وهناك – هناك في نفس المكان الذي رقصا فيه على نغمات الأكورديون – قام ويلكوكس-بيشِب ولو. ركضت ليز وثباً وهي تَحمل چاكي بين ذراعيها مجدداً. «لو! لو يا عزيزتي! الحمد لله! تعالي هنا لأكاشفك بشيء.» «أين كنتِ؟» صاحت الأخرى نافدة الصبر. «أبحث عنكِ، في كل مكان. ياه يا لو! لا صلة تَجمع بينكما.» روت بصوت مكبوت كيلا ينمي إلى مسامع الغرباء المارين. «ليس كما يدعي! إنه ليس زوجك أنتِ!» اقترب منهن الرجل وعيناه تشغلهما الريبة، فقد رأى الشابة ذات الرداء الأزرق ترمقه ببصر ينذر بالشر، ولم تفته حدة التأثر البادية على ليز. تلا بعد ذاك مشهد حافل بالإثارة، موجز إنما درامي. سلَك ويلكوكس سلوك المهمِل لطول إفلاته من العقاب، طغى عليه إغراء العشق فتلكأ في الحدائق بصحبة لو لرفضها الرحيل بدون رؤية ليز؛ ما قابل أحداً قد يُعرض خطته للخطر عدا ذات الفستان الأزرق، وقد لاح له من المستبعد أن تتهيأ لها فرصة للوقوف على نيته قبل أن يغادر سالماً. صحيح أن عملاً في انتظاره في مدينة وليدج، ولم يعدها مجازفة أن يعيش هناك مع لو على حين يوالي الاتصال بزوجته الشرعية في مدينة إنفيلد، زوجة تمتلك متجراً صغيراً ذا قيمة حالت دون أن ينبذه نهائياً. ولكن وقَع ما لم يكن في الحِسبان. التقى وجهاً لوجه بثلاث نساء يسددن إليه أصابع الاتهام، واحدة منهن تتميز غيظاً، الثانية تتهلل سروراً، الثالثة تَلحق بها الفضيحة. لا جدوى من محاولة الإنكار؛ يمكن الإتيان بدليل ضده في أية لحظة. وقَف دقيقتين محاصَراً ثم فر مطلقاً ساقيه للرياح يسبقه انفجار من الكلمات البذيئة. كانت لو لتطارده. إذ خرَجت عن طورها من فرط الحنق والغيرة والخزي. ولكن احتشد بالفعل جمع محدود من مشاهدين يَنعمون بالتسلية، وقد شايعوها بالشهقات وهي تنطلق وراء الرجل الهارب. استدارت ليز بغتة صوبهم والغيظ يلم بها لتسألهم ما شأنهم وما يَحدث فجمَدوا في أماكنهم. ترَك صوتها أثراً كابحاً في نفْس لو؛ إذ توقفت هي الأخرى والتفتت لتتفرس بعينين وحشيتين في متفرجين تقهقروا عن موقفهم. «اسمعي يا ليز،» خاطبتها، «افعلي ما يحلو لك؛ إنني ذاهبة إلى البيت.» «وأنا أيضاً،» كان ردها. زمجر چاكي بلا انقطاع في أثناء ربع الساعة الأخيرة، ولم ينقطع عن الزمجرة حتى غلَبه النوم. فسَد اليوم بلا أمل في إصلاحه. أينما ستمضيان في الحدائق، ستَشعران بأن الناس يشيرون إليهما ويتحدثون عنهما؛ لا شك أن ذات الرداء الأزرق ستجاهر بقصتهما. لذا سارتا ناحية المَخرج والحزن يأتي عليهما دون أن تتبادلا كلمة واحدة. وعندما خرجتا إلى الطريق العام، توقفت لو عن السير. «إنك لا تظنين أني كنت أنوي الذهاب معه، أليس كذلك؟» سألت بانفعال. «لأن لو هذا ظنك، فأنتِ مخطئة تماماً تماماً. تظنين أني سأرجع إلى مثل ذلك الشخص؟» تبع ذلك السؤال سلسلة من النعوت العنيفة. ومع أن ليز كانت مقتنعة بأن حادثة لا غير هي المنقذة لصديقتها (ولنفسها)، توخت ما يكفي من الحصافة كي تعلن معترضة أنها لم تخش أبداً بالطبع أن تقْدم على مثل هذه الحماقة؛ وحين تكرر هذا التوكيد خمسين مرة تقريباً، راحت الفتاة مجروحة الكبرياء تتعزى به. استرد الرجل حنقها من جديد. سوف تنتقم منه؛ سوف تقصد قسم الشرطة وتجعلهم «يعتقلونه»؛ يجب أن يَدخل السجن مثله مثل رجل اتخذ زوجتين قرأتا عنه في جريدة لويد منذ ما لا يزيد على أسبوع أو أسبوعين. «أين الشرطي؟» صاحت وهي تتلفت حولها. «لم يبتعد بعد، أريد أن أراه مقبوضاً عليه والشرطي يأخذه والحديد حول يديه.» لم يكن يَصعب عليها العثور على الشرطي، ومع ذلك لم تنفذ لو تهديدها. أطالت في الشكوى الغاضبة، ولكنها وجدت من الأفضل أن تمضي إلى ‹القِسم› حين تصلان إلى البيت، وتتخذ الإجراءات الرسمية في توجيه التهمة. وفي غضون ذلك رفس چاكي وقاوم وزمجر بين ذراعيّ أمه. «إليّ به،» قالت لو أخيراً لمَّا أوشكت رفيقتها على السقوط من الإعياء. «كيف تتوقعين الاستمتاع بوقتك عندما تَخرجين مع أطفال! لم نشرب شاياً ولا أي شيء. هيا، فلنذهب إلى البيت.» فاتهما القطار في محطة روشيرفِل فاضطرتا إلى المشي إلى جريفزيند. لم تخل رحلة العودة من شعور بالتعاسة، فقد عاد أقل القليل من الناس في هذه الساعة المبكرة، ولم يفلح معتادو الغناء بالعربة في إعادة مزاجهما إلى ماضيه. وبعد أن ارتاحت ليز من همومها الشخصية استطاعت الآن أن تتعاطف مع محنة صديقتها. جرى بينهما الشجار كما هي العادة، وقد أثار أعصاب كليهما ضرورة تأجيل الحديث عما حصَل حتى تنفرد الواحدة بالأخرى مجدداً. كان چاكي ينام نوماً عميقاً في فراشه بحلول الثامنة بينما تعد ليز الشاي. لم تَدخل لو؛ ذهبت وحدها إلى مكان ما بعد أن وعدت بالرجوع سريعاً. داخَل المنزل هدوء لا مزيد عليه في حين هدَر شبان سكارى في الشارع بأغنية نافست في شعبيتها أغنية مفَلس صندوق القمار في مونت كارلو – دعوة لعروس إلى خوض رحلة زواجها «على دراجة تَحمل شخصين.» انقضت ثلاث ساعات ولو لا تزال غائبة. تولى ليز الخوف من جديد. ولكن ربما عرَّجت صديقتها حقاً على قسم الشرطة، واحتجزوها هناك كل هذا الوقت لخطورة التهمة. صكت أذنيها في الحادية عشرة والنصف خطوة غير مألوفة تصعد السلالم بصوت عال. دفَعت ليز الباب ونادت لتجيبها ضحكة عرَفتها وإن خامرتها نبرة لا تبرأ من الغرابة. لم تصرف لو أمسيتها مع الشرطة. أيقظت ضجة چاكي المطالِبة بالإفطار الفتاتين مع ضوء الصباح الباكر. منحت ليز الطفل بعض الشاي البارد (المتروك في القِدر طيلة الليل) وقطعة سميكة من الخبز ثم أخذت تخاطب رفيقتها. لم تنل رداً هنيهة غير أن كلمات مكتومة تناهت إليها بعد قليل. «اسمعي يا ليز، لن تخبري أحداً بما جرى؟» «أنا أبداً! أُقْسم لك يا لو أني لن أنطق بحرف.» صمتٌ مؤقت، ثم بلَغها صوت لو مرة أخرى. «صحوتُ ليلاً وفكرتُ في إحراق وثيقتيّ الزواج إلا أني لن أحرق أيهما. سوف أحتفظ بشيء كي أريه للناس.» «لو كنتُ مكانك لاحتفظتُ بهما. فقد كنتُ متزوجة بالرغم من كل شيء.» «لكني أستطيع الزواج الآن مرة أخرى لو شئتُ.» «بالقطع،» أجابت ليز بلسان مجرد من الحماسة. «حسناً. فلنعود إلى النوم. وما الفرق ما دمتِ سعيدة؟» ثم غلبهما النعاس حتى آن أوان الاستيقاظ وبدء كد الأسبوع. |