مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الخامس والثلاثين، إبريل 2012.

The thirty-fifth issue, July 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرمت آني كلاركسِن بالموافقة على نشر قصة "ليندي" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Clarkson was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Lindy" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Clarkson a great debt of gratitude for her kind permission.

"Lindy" by Annie Clarkson. Copyright © 2008 by Annie Clarkson. First published in Brace: A New Generation in Short Fiction, published by Comma Press, www.commapress.co.uk, 2008). Published by kind permission of the author and Comma Press. All rights reserved. Special thanks go to Mr. Ra Page from Comma Press.

 

 

 

ليندي

آني كلاركسِن

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يوليو-2012

 

 

 

 

دعامة: جيل جديد في القص القصير

 

 

 

 

 

وجدنا ليندي في المتنزه. فتاة بدينة الجسد خرقاء الحركة تتصبب عرقاً في الحر، ببنطال من الجينز ملفوف عالياً وحذاء رياضي مرفوس على العشب بالقرب منها. تجلس على ظل شجرة تتخلله الرُقَع. تجلس القرفصاء. تشد قشرة جرح في يدها. تقرأ كتاباً ورقي الغلاف. لا نستطيع أن نتبين العنوان. تَرفع أحياناً عينيها فجأة عن الصفحة كمن تبحث ربما عن شخص ما.

نجلس بالقرب منها إلا أنها لا تنظر ناحيتنا، ولا مرة واحدة. نراها تدس خلف أذنها خصلة شعر ملساء من فرط الزيت. إنها واحدة من أولئك الفتيات القذرات. في حاجة إلى المزيد من الاغتسال. تقضم أظافرها. ترتدي الكثير من الملابس السوداء كي تستر وزنها. تشد المرة بعد الأخرى العشب المجاور لقدميها العاريتين بينما تسدد إلى المتنزه عينين نصف مغمضتين وكأنها لا تزال في الانتظار.

تمر عشرون دقيقة دون أن يأتي أحد. لا تبذل مجهوداً كي تتحرك من العشب. كتابها يستقر على حِجرها، النسيم يضرب الصفحات فاتحاً إياها. نظن أنها تبدو صغيرة الحجم هنا. فتاة بمفردها في حقل شاسع يحتسي فيه الطلاب الخمر ويتشارك المحبون الوجبات ويلعب الرجال كرة القدم.

نغلي غلاية على موقد غاز سائل جلبناه معنا. نفْرغ برطماناً من قهوة فورية، أكياساً من السكر، علبة لبن من الكرتون. كلها مطروحة أمامنا على العشب، نتجادل بنبرات هادئة، مَن يجب أن يتعرف إليها أولاً. يعتقد مارتن أني التي يجب أن أتعرف إليها، يقول إني مستعدة الآن. ولكن الآخرين يرغبون في إجراء قرعة، وهكذا يجد مارتن عُشْبَتين طويلتين وأخرى قصيرة. يضعها صفاً ثم يمد يده بها.

تساورني العصبية، أشير بأصابعي إلى الوسطى. ينبس وعيناه الداكنتان تضيقان، كوني متأكدة. أغير رأيي، أغلق عينيّ، أسحبها. ينبس مارتن، وقَع الاختيار.

أسحب نفساً عميقاً سائرة إليها. أطبع على وجهي ابتسامة ودوداً وأعد من عشرة إلى واحد. ألفظ، عفواً. ترتقي بناظريها والإجفال يلم بها. هل تودين قهوة؟ أسأل مشيرة إلى الوراء ناحية مارتن والآخرين. لدينا الكثير. حسَبنا أنك قد تودين فنجاناً.

تطرف إليّ عينيها. يسعني أن أدرك أنها تبحث عن إجابة. يداخل عينيها قدر من الشك. تعض أسنانها شفتها السفلية وكأنما تتدبر القرار. تبدو صغيرة السن، أصغر مما ظننا. علها في السادسة عشرة، لا أكثر. أقول لها، إننا نتقرب إليك ليس إلا، لا يهم إن كنتِ لا ترغبين.

أتحول عنها خمساً وأربعين درجة ربما وكأني قد أشرع في العودة. ولكنها تنطق، لا، لا تذهبي. لستُ متأكدة. كم عددكم هناك؟

أجيبها، أربعة. مارتن. وأنا. وجوناس. إنه دانمركي. سوف يَرجع قريباً. وفيونا.

يلفت انتباهي كل الشارات المثبَّتة في حقيبتها، كل الفرق الموسيقية التي تحبها ولا شك. أخبرها، سوف تنسجمين مع فيونا. فهي تحب كل أنواع الموسيقى – روك، ديسكو، ميتال.

اسمي ليندي، تقَدم نفسها وهي تمد يدها. أمسح يدي الرطبة على مؤخرة بنطالي الجينز ثم أصافح يدها.

 

نعلم أن ليندي بعيدة عن مسقط رأسها، وحيدة، تشتاق إلى بيتها. قدِمتْ من قرية في جنوب ويلز. لا أحد منا يستطيع أن ينطق الاسم كما يجب. لديها خمسة أخوة كلهم يَكبرونها بالسن. لا يسمحون لها قط بصنع أي شيء تريده. يأخذونها دائماً إلى كل مكان، يقلونها من هنا وهناك، يصرون في بعض الأحيان على المكوث معها. خنَقها الوضع في البيت وحاصرها. تقول، ولكني الآن هنا، ويتبدى لي كما لو كنتُ أفتقدهم. ضوضاؤهم في الصباح. شجارهم بسبب الحمَّام. تردف، على الأقل هناك من اكترث لمكاني.

يجلس مارتن بجوارها. يضع يده على ركبتها. حركة دقيقة، ولكنها متعمدة. نلاحظها جميعاً. ولكن ليندي لا تلاحظها. تُواصل الحديث ومارتن يتركها تتكلم على حين نتفرج نحن وهي تفتح قلبها بالمزيد والمزيد، تَبرد القهوة ويبدأ الناس ينصرفون من المتنزه والوقت يتأخر يومها على حين ينقلب الجو أبرد.

يقول مارتن، لا بد أن تأتي لتشربي الشاي. تجيل عينيها في المتنزه لتلاحظ أن أناساً آخرين غادروا. تقف وتنفض الطين عن بنطالها. تحرك يداً عصبية على شارات حقيبتها وكأنما ترتبها، ولكننا نعلم أن توتراً يستولي عليها. تكتشف أنها لا تَعرفنا. ما مر سوى بضع ساعات. تفطن إلى أنها كانت تتكلم عن نفسها، بل إنها لم تسأل عنا.

يُعْلمها مارتن، نحن نَسكن في الجوار، معلومة تبث فيها المزيد من التوتر. تتعامل مع حذائها بيدين خرقاوين، تحاول أن تجذبهما على كعبها وهي واقفة لا تزال. يجعل وزنها المهمة صعبة. تكاد تفقد توازنها. تبدأ من جديد. تتكئ على شجرة فيما تحاول أن تسْرع، ترتدي الحذاء الأول ثم الثاني، دون أن تفك الأربطة.

يقترح، أو يمْكننا أن نمضي لنأكل لحماً بالكاري، يوجد مطعم رائع هناك، انظري. يشير إلى شارع ويلمسلو رود. تقول، لم آكل أبداً اللحم بالكاري. يكرر مارتن، لم تأكلي أبداً اللحم بالكاري؟ ونكرر كلنا معه قائلين إنها يجب أن تجيء معنا لتتناول الكاري، من المؤسف أن يفوتها، كل ذلك الخبز الناعم المسطح والخبز الرفيع المستدير والخضراوات المقلية، كلها لم تتذوقها قط.

ينال منها التردد.

وقبل أن يتسنى لها الإجابة، يعبئون الموقد والقهوة وكومة من الفناجين البلاستيكية. نقف ونساير ليندي إلى أطراف المتنزه. نقول لها إنها ستستمع غاية الاستمتاع بوقتها، وإننا محظوظون لأننا لاقيناها، وإن اللقاء كما هو واضح مقدَّر ومكتوب.

 

تسترخي ليندي مع احتساء الكحول. نطلب لها كأساً من النبيذ، لا يلذ لها غير أنها تحتسيه على أية حال. نطلب لها كوب جعة ماركة كينجفيشر، تحتسيه بسرعة أي سرعة فنطلب لها آخر. ترتفع ضحكاتنا، نقول إنها الحرارة بالقطع، وإن جسدها يعاني على الأرجح جفافاً. نكسر الخبز الرفيع ونغمسه في الخضراوات بالزبادي وصلصة المانجو والليمون المخلل. يضع مارتن قطعة سميكة من الليمون المخلل على كسرة خبز ثم يطعم ليندي إياها. نشاهد وجه ليندي يتورد بحرافة المخلل. تتجرع من كوبها الثالث. تتصاعد ضحكتها.

تَدفع كرسيها إلى الوراء عن المائدة، تترنح قليلاً وكأنما لم تدرك كم احتست من خمر. الحمَّام، تقول وهي تُسقط فوطة المائدة على الأرض. يرمقني مارتن بطرفه وعيناه تتبعانها وهي تَقطع المطعم آمراً إياي أن ألحق بها.

ألحق بها إلى الحمَّام. أجدها في المرحاض. يتناهي إليّ صوت سوستة بنطالها، القماش القطني المتين يقاوم وركيها العريضين، وبعدها صمت طويل قبل أن يسيل بولها في سلطانية المرحاض. لا نهاية له. صمتٌ ثم قطرات. ترسل ليندي تنهيدة وهي تجذب بنطالها. أفتح الصنبور وأرصدها في المرآة حين تَخرج. أنبس، أهلاً يا ليندي. ترد، آه، أهلاً. تغسل يديها. تجففهما بمنديل من مناديل الحمَّام. تقول، أصدقائك لطاف جداً. أوجه إلى انعكاس صورتها ابتسامة تشي بالموافقة.

 

تبوح ليندي إلينا أنها تقِيم في مبنى الطلبة. تَبلغ الثامنة عشرة. على وشك. عيد ميلادها في نهاية أغسطس. قدِمتْ إلى هنا في سبتمبر. أرادت أن تبتعد عن البيت بقدر استطاعتها. تَدرس اللغة الفرنسية وعلم النفس، منهجين مشتركين للمتفوقين. لم يَسبق لها أن زارت فرنسا إلا أنها استضافت ذات مرة فتاة فرنسية في منزلها. كان تبادلاً طلابياً نظَّمته المَدرسة. ولكنها لم تسافر لتمكث مع الأسرة الفرنسية لأن أخوتها رفضوا أن تسافر وحدها إلى الخارج.

تملأ فمها بلُقَم ضخمة من دجاج بالعدس وتحشو نفسها بخبز بطعم اللوز والتفاح والقرفة، تخبرنا بما تواجه في المعتاد من صعوبات في إقامة الصداقات. كيف تجاهد في بعض الأحيان كي تتحدث إلى الناس. تتعالى ضحكاتنا قائلين، لا يليق هذا الكلام بك يا ليندي، أليس كذلك؟ لا. لا يليق بليندي. تفتح ابتسامة جذِلة ثغرها أثناء الأكل. نستطيع أن نبصر خبزاً نصف ممضوغ يلتصق بأسنانها التصاق الوحل. يتلطخ ذقنها بالدهن. يمسحه مارتن بإبهامه. ينبس، تبدين جميلة لمَّا تبتسمين يا ليندي. يترك أصابعه تمس وجنتها، للحظة.

يمد يده أسفل المائدة ليدسها في حقيبته منقباً عن آلة الكاميرا الرقمية. يقول، خذي صورة لي ولليندي. تهز رأسها رافضة قائلة، لا، لا تصورني، ولكننا نفطن لمدى سعادتها. تدعه يضع ذراعه حولها لنأخذ صورة. نترك طعامنا وننتظم حول ليندي طالبين من نادل أن يلتقط لنا صورة.

تحَدق بعينين نصف مغمضتين إلى الصور في شاشة الكاميرا. تقول، أبدو بشعة. ليرد مارتن، كيف تقولي ذلك الكلام يا ليندي، إنك غاية في الجمال، ونتفق كلنا معه، قل لها، إنك جميلة يا ليندي، أليس بإمكانك أن ترى جمالك؟ نتحدث عن عينيها البنيتين بلون صلصة المارمايت؛ أنفها المقوس عالياً في نهايته، قليلاً فقط؛ ابتسامتها التي يبتسم معها وجهها كله. نسألها، ألم يقل لك أحد ذلك من قبل يا ليندي؟ تهز رأسها فتَسقط قُصتها على وجهها. يفوه مارتن، ها أنتِ تفعلينها الآن يا ليندي. تَنزل حمرة البنجر بوجهها، يمسك يدها أسفل المائدة. لا تسحبها. بل تتشبث به والدم يشيع في ملامحها من فرط الجعة والكاري والحرارة المتخلفة لا تزال في الهواء.

 

ندعو ليندي إلى العودة إلى منزلنا. فقط لاحتساء شراب قبل النوم. شوكولاتة ساخنة أو فودكا، لو لها رغبة. ترمي إلى الوراء جرعتين صغيرتين من الفودكا ثم تغوص في الوسائد متحدثة إلى فيونا عن مارلين مانسون وفرقة كورن وملِكات عصر الحَجَر. تتبادلان أطراف الحديث عن مهرجان موسيقي لم تَحضره ليندي مطلقاً، فيقول مارتن، ربما نتمكن من شراء تذاكر لو ترغبين، يمْكننا أن نَحضره كلنا معاً.

يتولى ليندي شعور بالسعادة يحُول دون أن تنطق بكلمة. تلتمع عيناها بلمعة الجعة. عرقٌ أملس على جبهتها. ترمي ذراعيها حول رقبته فيدغدغها، لن يتركها، يحملها على الرقص معه. نتفرج عليهما وهما يتمايلان في منتصف الصالة بدون موسيقى. أسمع نفسي أحكي لفيونا، كم كنتُ سعيدة حين أتيت هنا لأول مرة. يخبرنا جوناس أن حزناً أي حزن سيلم به حين يغادر. ولكننا نرصد جميعاً ليندي. تستند على كتفه بعينين مغلقتين. تطوق ذراعاه خصرها، معانقاً إياها، مثلما عانقني في الماضي. أتذكر شعوري بالخفة. وكأنما قد يحملني. يخالج ليندي هذا الشعور نفسه. إنني متأكدة. أرى فيونا تسدد النظرات إلى انعكاس صورتها في المرآة، هي الأخرى متأكدة.

ولكن ليندي تائهة في موسيقى لا يسع غيرها سماعها. تفر منها ضحكة. ضحكة فتاة، لعوب، مسترخية، مغناج. تترك نفسها تهبط على الأريكة، دون مبالاة. لا تزال عيناها مغلقتين، تدعه يلمسها. رقبتها. كتفها. ذراعها بطوله. تزحف أصابعه على جلدها راسمة نماذج لا تَعدم الكسل.

يمد إلينا بصره. لا ننفك نتحدث غير أننا ننتبه إلى النظرة. تعلن، نكاد نبلغ المراد الآن. لن يطول الأمر. يترك يده تجري على جانب فخذها على حين تبدو هي مسالمة، يكاد يغَيبها النوم وهو يداعبها. يأسر إليها بشيء. بصوت هادئ. لا يسعني سماع ما يقوله، ولكن بمقدوري أن أتخيل. يقول إنها لا يجب أن تغطي نفسها بكل هذه الملابس، فهي تَنعم بجسد رائع، والرجال يحبون النساء ذوات المنحنيات. يضغط على إحدى فخذيها ويزلق يده بينهما. يُقَبل عنقها. لا يزال يتحدث إليها وهي تضحك من جديد، ضحكة سكرانة أشبه بالقهقهة. يفك أزرار قميصها بدون حتى أن تلاحظ. يفعل الفعلة زراً زراً وهو يلهيها بمجاملاته.

وحين تمسد يده جلد بطنها العاري، تطرف عيناها متسعتين اتساعاً. إنه قريب منها، يكاد يعتليها. يرِد إليّ صوته، لا أحد منتبه يا ليندي. ثغره يسكتها.

ولكن كلنا منتبهون. لدى فيونا الكاميرا. كان مارتن قد أعطاها إياها. تُحكم قبضتها عليها فألاحظ لألئاً من العرق على طول منحنى يدها. أستطيع أن أشعر بها ترتعش. علها الغيرة، الانزعاج، ما شعرتُ به حين وجدنا فيونا لأول مرة.

 

ولكن ليندي ليست مثلي وليست مثل فيونا. تحاول أن تجذب نفسها. تقاوم قليلاً. أسمع صوتها، صوتاً خفيضاً يكاد يَخرج لا إرادياً. أحسبه في البداية أنيناً. ولكني أسمعه بعدها "لا" خفيضة، "لا" مكبوحة اللسان شِبه مكتومة.

يضغط مارتن بفمه على فمها. يجد مشقة أي مشقة في فتح سوستة بنطالها، يكافح معها وهي تتلوى أسفله. تحاول أن تَرفع رأسها. ولكنه يضغط بيد مسطحة على جبهتها ليدفعها أسفله. ترتفع ضحكته. ضحكة عارية من الود. نكف جميعاً عن الكلام لنرمى أبصارنا إلى مارتن بأسئلة غير متوقعة، وإلى ليندي المثبَّتة أسفل مارتن. يجثو على رجليها بعد أن مزق أخيراً سوستة بنطالها، ترسل صوتاً مكبوتاً، يكاد يقترب من الاختناق. يصرخ وجسده يضغط على جسدها، ملعونة أمك يا ليندي، إنك تصعبينه عليّ. ينتزع وسادة ويقحمها فوق وجهها.

يدور في بالي، ليس من المفترض أن يتم الأمر هكذا. أسمع صوتي يخترق الغرفة، مارتن؟

يرد، ألا ترين أني مشغول، يا للخراء، هل الجميع أغبياء؟ لا بد أن تساعديني على خلع بنطالها. وسخة سمينة. اللعنة، هذا الجينز ضيق جداً.

تقْبض على ملابسه، شعره، تَدفعه بعيداً. يأمر مارتن أحدهم – لا أحد على وجه التحديد – ثبِّت ذراعيها، فيتقدم جوناس خلفهما، يحْكم قبضته عليها ليمنعها من الحركة. أتفرس فيهم، خليط من الأذرع والأرجل تتصارع كلها.

تسأل فيونا، هل تصرفتُ مثلها؟ تنطق باسمي فأجد عناء في الإجابة. أتنحنح ثم أنبس، ليس مثلها، لا. تسأل، لَم أقاوم؟ أنفي، لا. تنشب أظافرها في راحتها. تفوه بصوت خافت، لا أقوى على البقاء هنا. يكاد يقترب من الصمت.

 

نتخذ مجلسنا في المطبخ في انتظار غليان غلاية الشاي. نحاول أن نحجب ضوضاء ليندي فنُشغل الراديو عالياً. نغني، نخترع الكلمات، نصيح بها بأصوات أعلى من الراديو، أعلى من غليان الغلاية، أعلى من الضوضاء الأخرى. ننقر على المائدة بالملاعق، نقرع الفناجين الفارغة.

ومع ذلك لا يزال بوسعنا سماع الصراخ. عالي النبرة، أعلى مما لو كنا ليندي، أعلى من أي شيء. إنها ضوضاء داخلية. ضوضاء تبدأ من أحشائنا ثم تندفع قسراً إلى صدورنا. تُلحق الكدمات بحلوقنا. وتتضخم إلى أن نعجز عن كبحها بعد الآن.

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.