مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

 

تكرمت إيميلي راب بالموافقة على نشر قصة "الإرث" في مجلة البوتقة.

Ms. Rapp was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Legacy" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Rapp a great debt of gratitude for her kind permission.

“Legacy” by Emily Rapp. Copyright © 2002 by Emily Rapp. Originally published in StoryQuarterly, Fall 2002. Published by kind permission of International Creative Management. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Clay Ezell from International Creative Management.

 

 

 

 

الإرث

إيميلي راب

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

ستوري كورتيرلي 2002

 

 

 

يقضي مايكل فاريل ساعتين كل أسبوع في الإجابة عن أسئلة عن أيرلندا. إنه خريف 1993. يسدد الطلاب بفصل سياسة أيرلندا الحديثة الأسئلة بألسنة تواقة في حين تُبرز أوشحة الكلية الزاهية والسُتر الصوفية ذات الياقات العالية وجوهاً تنطق بالنعومة والذكاء. ينتاب مايكل إحساس بأنه يقف في وسط أحد ملاعب الرجبي، يحاول التقاط سلسلة ركلات تسرع في الاقتراب. لا يستطيع بأية حال التقاطها جميعاً، لذا فالمفتاح يكمن ببساطة في المضي قدماً بالحديث؛ لكنه عندما يستجيب بالفعل، تبدو الحقيقة المنطوقة عالياً واهية المغزى غريبة الوقع. وبصرف النظر عما تسببه الأجوبة من حرج وهي تغادر ثغره، فإنها تُحدث حواراً يترع بالحيوية بين الطلاب – تتداخل فيه أصواتهم النابضة بالنشاط وتقاطع بعضها بعضاً. يشارك مايكل في هذا المحادثات كعينة ليس إلا، مثله مثل مريض يشخصون حالته خلال نومه.

 

الأسئلة: حول مسقط رأسه (غرب بلفاست) وقدر ما انخرط فيه من معارك فعلية (بما فيه الكفاية). هل من الملائم السؤال عن عمره؟ (أجل، واحد وعشرون). هل يعتبر نفسه مناضلاً في سبيل الحرية أم إرهابياً؟ (لا هذا ولا ذاك. إنه أيرلندي). وبمضي الأسابيع تتعقد الأسئلة أكثر فأكثر. كيف يشعر إزاء أسلوب إيان بيزلي البلاغي المهيج للجماهير؟ هل يعتقد أن جيري آدامز يمثل معتقدات الجمهوريين في الشمال ومشاعرهم كما يجب؟ يفتح فمه ويغلقه فترسل لهجته بحروفها المشددة وتلك المخففة أصداء حجرة مجردة من النوافذ.

 

عندما ينتهي النقاش ويتم تحديد قراءات الأسبوع القادم، يساير مايكل زملاءه إلى حانة باتاري في الطرف الشرقي من ميدان كوليدج جرين. يمر بحذائهم طلبة يعتلون دراجات تقعقع عبر الفناء، تخبو أشكال الطلبة وهم يعبرون القنطرة الأمامية لكلية ترينيتي ليندفعوا متمايلين صوب التيار السريع لمرور دبلن.

 

وبمجرد أن يدلفوا إلى الحانة ذات الإضاءة الحمراء، يشعل الطلاب السجائر ويتكئون على كراس خشبية ليدَعوا حديث السياسة والتاريخ يخبو مستحيلاً إلى همهمات خافتة. هم الآن يناقشون مباريات الرجبي خلال العطلة الأسبوعية ويخططون للقاء في هذا الديسكو أو تلك الحانة. يشاهد مايكل أجسامهم وهي تتراخى وتهدأ. يرنو بعين الإعجاب إلى يد تتهدل على ظهر أحد الكراسي، رأس تتدلى مسترخية فوق كوب بيرة، ضحكة من الأعماق. يرصدهم ليتعلم هذه العادة – الحياة في إطار حاضر لا يُعرفه الماضي.

 

ينزل بمايكل الإنهاك بعد انتهاء الدرس،؛ يخيم عليه إحساس بالفراغ، بأنه معتصَر من الكلمات. تجيش الذكريات داخله. ومع أن أسماء زملائه بالفصل تغيب عن ذاكرته من الدقيقة إلى الأخرى، يستحضر تفاصيل أخرى بوضوح لا ينجو من الألم: جملاً كاملة من تعليمات مكتوبة تلقاها ذات يوم؛ يراود أحلامه ما يداخل أوامر الكتيبة من نبرات متغيرة.

 

 

*

 

وفي النهاية يعود به الإحساس بالخواء إلى عامه الأول في الكتيبة الخامسة من الفرقة الشمالية الثالثة بالجيش الجمهوري الأيرلندي. يقف مايكل في قطعة أرض مهجورة خارج غرب بلفاست وقد انتقع في رذاذ متواصل تخلل سترته الرقيقة. أخوه شون صغير الحجم يلم به الارتعاد بجانبه، يقطر شعره الغامق الماء إلى عنقه وداخل أذنيه.

 

"زرر سترتك اللعينة يا شون." شد شون حاشيتيّ السترة بقوة إلا أنها سترة مايكل القديمة ولن تسع منكبيّ شون العريضين. "ياه، بحق المسيح." خلع مايكل سترته ولواها كما المنشفة حول عنق شون، طفق قميص مايكل يلتصق ببطنه ببطء. "لا تقلق يا شون،" همس وهما يقتربان من طرف قطعة الأرض. "هم يريدون إخافتنا."

 

"لقد فلحوا في ذلك،" نبس شون وهو يتأخر عن مايكل في صف المسيرة. يتنازع مايكل الخجل لأن رائحة الزبالة الندية تجعل لعابه يسيل ومعدته تتلوى من الجوع. قبل أن يقضي نحبه، أنفق ديكلان – أبو مايكل – قرابة خمس سنوات في أحد سجون ليفربول، منذ 1977. اعتقلته السلطات موجهة إليه تهمة التآمر على التاج ولم ينل قط محاكمة عادلة. وخلال هذه الفترة، تقلص اتصال الأسرة بديكلان إلى خطابات وشت بعلامات غليظة سوداء خطها محررو السجن فكانت تُقرأ كالهراء: "—مفتقدك—أتمنى—تذكر أن—الطعام—هناك رجل—أحتاج—أحبك." يحاول مايكل أن يتذكرها لكنها كلمات ملقاة من بقعة بعيدة، لم تحتك بأي شخص أو أي شيء عدا حيطان رطبة تمتص كل الضوء والصوت.

 

تجابه نورا – أم مايكل – مشقة في إطعام نفسها وثلاثة صبية اعتماداً على الإعانة الحكومية ومبلغ صغير يأتيها شهرياً من مركز قيادة الجيش الجمهوري الأيرلندي. ثمة رسمة جدارية مكرسة لوالد مايكل على الحائط الشرقي من مدرسة القلب المقدس بطريق لوير فولز انكتب عليها لا للاستسلام أبداً بأحرف كبيرة بيضاء أسفل صورة لوجهه. غير أن الاستشهاد المحلي لن يطعم الأُسر ولن يكسوها. سوف يضطلع الجيش الجمهوري الأيرلندي بأمرها، على الأقل بأمر الصبيين الكبيرين بما يكفي للانضمام إليه، وهو ما قام به مايكل وشون عقب عيد ميلاد شون الثالث عشر.

 

كان لدى الصبيين بالفعل سنوات من الخبرة في توصيل الرسائل القصيرة والخرائط والأموال والظروف المجعدة الملآنة بالذخيرة إلى أيدي رجال أفظاظ يجلسون بصالات الرقص والحانات، رجال يضربون ظهريهما ويشدون أذنيهما قائلين "ولد شاطر" و"ها هو رَجلك مايكل، يؤدي دوره الصغير من أجل أيرلندا." إن سرعة مايكل وذكاءه جعلاه رسولاً قيماً على حين نفعت يدا شون الصغيرتان في تسليم الأسلحة الصغيرة. أودع شون ذات مرة مسدساً صغيراً محشواً في مقعد للركوع داخل مقصورة الاعتراف بإحدى الكنائس القريبة من طريق شانكهيل – تم استخدام المسدس بعد ذاك في عملية إطلاق نار موفقة.

 

 

*

 

"أدخلوا مؤخراتكم الوسخة في الصناديق." أشار رئيس الكتيبة بإبهام ضخم من فوق كتفه إلى صناديق قمامة هائلة تتغطى بأغطية ثقيلة وتقوم في صف واحد. تبادل الصبية النظرات وهم يتململون بعصبية. "لستم خائفين أيها المعاتيه من بعض التراب، أليس كذلك؟" تقدم إليهم ببطء بجزمة قذرة تصل إلى ركبتيه. بالكاد يبلغ الثامنة عشرة ولا يجاهر باسمه. يسلط عينيه على مايكل مباشرة وهو يتكلم. "ما هذا إلا تدريب على نوعية الأماكن التي ستضطرون إلى النوم فيها وأنتم هاربون – مع الخنازير، في الخراء، في أحقر زبالة وأوسخها. هذه ليست مدرسة تجميل. الآن اذهبوا!" هز إصبعه فاعتلى الصبية الواحد بعد الآخر صناديق تفر منهما النتانة.

 

تمضي عدة ساعات يتسلقون بعدها الصناديق مكسوين بإيصالات منقوعة في السخام وكسرات بائتة وجرائد مشبعة بالماء. يهطل المطر بغزارة أكبر الآن فتملأ رائحة الصبية الخبيثة هواء معبأ بالرطوبة. يجثم رئيس الكتيبة وقائد الوحدة – رجل أكبر سناً بكثير – بالقرب من الأرض فيما يسيل المطر من مشمع يحملانه فوق رأسيهما. ثمة كومة من البنادق القذرة وأصابع الديناميت تستقر عند قدميهما.

 

"إنها قطعة أرض جيدة إذن،" ينبس القائد ونفَسه يخرج في انفجارات سريعة غائمة. يمد يده ليجس أحد المسدسات بيد حذرة.

 

"يا يسوع، يا مريم، يا يوسف، هلا نظرتَ إلى ذلك يا مايكل،" يفوه شون.

 

"هناك عدد ابن وسخة من البنادق هنا،" يعلق مايكل.

 

"هذا هو الشغل الجاد،" يقول شون وهو يضرب ظهريّ مايكل وصبي آخر تفوح منه رائحة كريهة.

 

يتناول رئيس الكتيبة بندقية طويلة ويديرها في يديه بحذر أي حذر. "يا يسوع، أليست لديهم أدنى فكرة عن استخدام البنادق؟" يقول شون ضاحكاً. هو على هذه الحال قبل تسليم الأسلحة أيضاً. عالي الصوت، سريع الاهتياج.

 

"اخرس يا شون."

 

إلا أن رئيس الكتيبة يقف بالفعل خلف شون. "إذن." ينقر كتفيّ شون بالبندقية. "لدينا واحد دمه خفيف، أليس كذلك؟"

 

يسدد شون بصره إليه وإلى مايكل ثم إلى ما يرتديه هو من ملابس قذرة.

 

"تريد أن تتكلم كلام الخراء؟" نخس ظهر شون فإذا بشون يترنح إلى الأمام. "ممكن أن أرجعك هناك أيها العبيط..."

 

كان شون منذ مجرد لحظات يطبق على يد مايكل كما هو خليق بطفل في الثالثة عشرة، يجلس بين أكداس من النفاية برفقة الفتية الآخرين محاولاً فك المغلق من عبارات مكتومة تصدر من خلف أوعية لبن متعفن أو أسرار تند عن أفواه هامسة عبر ورق لحمة ملوث بالدماء. يشاهد مايكل فك شون الصبياني ينطبق. يتبين لمايكل أنه سيصبح رجلاً قوياً فتلكمه لكمة خوف مثلها مثل قبضة مصوبة إلى بطنه.

 

 

*

 

"مايكل، أتريد سيجارة؟" تعرض الشابة الجالسة بجانب مايكل سيجارة. يومئ برأسه فتشعلها من أجله ويدها البيضاء الناعمة تتريث أمام وجهه. لقد ران عليّ الفخر، تفكر في قرارة نفسه وهو يأخذ نفَساً من سيجارته ويسند ظهره إلى الخلف. ران عليّ الفخر بدناءة شون – بطريقته في إظهارها، في أن يكون رجلاً.

 

يحصر مايكل تركيزه فيما يقال حول المائدة في محاولة منه أن يعايش اللحظة. يفرغ في قهوته الكيس بعد الآخر من السكر الأبيض. يبدأ زملاؤه بالفصل في التفرق. يعلقون حقائب الكتب فوق أكتافهم ويُضيقون أوشحتهم اتقاء لهواء دبلن البارد ثم يسيرون بخطى واسعة مسالمة صوب عالَم أمسياتهم – للحاق بحافلة، لمقابلة صديق، للاستذكار. يبتاع مايكل قطعة شوكولاتة ويجلس بميدان كوليدج جرين. يثبت عينيه على العمال وهم يتحركون داخل السقالات بالجانب الآخر من مبان تتخذ شكل ربع دائرة. كل عشر سنوات أو نحوها ينبغي تنظيف مباني الجامعة.

 

تمتص الرياح الهابة على دبلن ما يداخل نهر ليفي من تلوث فينتهي الأمر بالسخام إلى ملاقاة المباني حيث ينفذ بعمق إلى الحجر الجيري. سوف تقتضي إزالة بقع بلون الفحم طقماً من عدة عمال وحوالي تسعة أشهر. يمد العمال أياديهم من داخل دعائم معدنية تتخذ شكل المنشور لينزعوا الطبقات السوداء؛ عملية وئيدة لا تخلو من ممل. لا يتبق الكثير من الضوء الطبيعي، لذا يسرع الرجال وهم يكشطون ويرفعون. يأكل مايكل قطعة الشوكولاتة ببطء متناه حتى إن حرارة يده تذيبها في خطوط غامقة بين أصابعه الغليظة قبل أن تصل إلى شفتيه.

 

 

*

 

تطل نورا فاريل على شارع فولز وهي تحتسي شايها: القليل من البسكويت وشريحة من الجبن وكأسان، ثلاث، أربع كؤوس من شراب الجين المخلوط بالقليل من التونيك. ترتدي رداء الشرب الملون بالوردي والرمادي وصليباً ينقصه البريق لا تخلعه قط من عنقها. تغور السلسلة الرخيصة في ثنايا جلدها المبلل بالعرق فتحتاج إلى ضبطها باستمرار. ومع أنها نادراً ما تخرج سوى إلى السوق أو متجر الخمور، لا تنفك تصبغ شعرها بلون أسود غامق صارخ وتلفه في كعكة مشدودة عند قاعدة عنقها.

 

تسرع في حل الكلمات المتقاطعة بالصفحة الخلفية قبل أن يُعوم الشراب الكلمات أمام عينيها. وبين الكلمة والأخرى تُعمل فكرها في مقالة قرأتها بالجريدة صباحها. البادي أن من بين كل ما قد يُقلق جيري آدامز حالياً بشأن غرب بلفاست يتصدر ما يسمى بأفراد العصابات رأس القائمة. إنه يعارض الأولاد المحليين الذين يتحولون إلى الجريمة التافهة وتخريب خط السلام بين أحياء البروتستانت والكاثوليك. أفراد عصابات! حدّثت نورا نفسها كالساخطة وهي تملأ أحرف كلمة ’قوي،‘ كلمة من ثلاثة أحرف ترادف كلمة ’صلب‘– لقد تدهور القتال ليستحيل إلى هذا: القلق على أولاد يأخذون سيارات الجيران ليقودونها بتهور طلباً للبهجة في الشوارع، سرقة عربات أطفال شاغرة تستقر على الأرصفة، قذف الرسوم الجدارية حائلة الألوان مكسرة الحواف بالبيض على طول خط السلام في ستر الليل. وخط السلام؟ يظن عقلها أنه ليس رمزاً لأي شيء على الإطلاق – ما هو إلا ممر طويل بين طريق شانكهيل وطريق فولز حيث تطرح مَراقب الجيش ظلالاً غريبة على رصيف السابلة المهجور.

 

تتفرج على برنامج تليفزيوني جديد تتعلق به تعلقاً معتدلاً، بمعنى أنها تشاهده كل يومين فقط. تدخر نورا كلمة ’الإدمان‘ لأشياء تعتاد القيام بها، أي الأحلام والشراب، عادتين تدفع الواحدة منهما إلى الأخرى. يعرض البرنامج متسابقين يهرولون بممرات أحد المتاجر في محاولة منهم لجمع منتجات بقوائم البقالة الخاصة بهم في أقل وقت ممكن؛ يروقها لأن اللحظات تصير – بعد ثلاث كؤوس من الجين – سلسلة من فعل ضبابي الملامح لا تتميز فيه اللحظة عن أختها. إن سنوات من الشرب الثقيل تجعل مثل هذا الفعل مألوفاً لديها.

 

تخال نورا أنها تسمع صوت مفتاح يحك بقفل فتتطلق أساريرها. آه، أجل. لا بد أن الفتيان في طريقهم. أجل، أجل، تفكر وهي تتقدم إلى النافذة وقميص نومها المشبع بالجين يلامس بارداً صدرها المترهل، إنهم هنا أخيراً – بالطبع جاءوا، فهم يقفون على هويتها. سوف تدعوهم إلى الدخول، تعطيهم سلطانية من الحساء وكأساً من نبيذ البورت؛ ستفرش على سريرها ملاءات نظيفة وتصب لهم حماماً ساخناً، وعندئذ فحسب ستتصل هاتفياً برجال يصدرون الأوامر. سوف تفسر الخطوة التالية لوجوه شابة تواقة تقف حيالها. تعلمهم كيفية إطلاق النار لو لم يكونوا قد تعلموا بعد كما يجب، تحرص على استخدام كاتم الصوت عندما يتدربون في الحجرة الكائنة تحت المطبخ. وبصحبتي، تفكرت، سوف يجتازون ممرات ببلفاست لا يخبرها مخلوق آخر.

 

تتخيل أنها تجذب الفتيان إلى صدرها كما لم تفعل مطلقاً مع فتيانها الذين فقدتهم كلهم الآن بطريقة أو بأخرى: شون أخذه الفردوس، رحمه الله، ومايكل أخذته دبلن حيث ينشغل في خيانة كل ما تكن له إعزازاً. ليام، ابنها الأصغر، هو الوحيد الذي سوف ينصف اسم العائلة وينتقم لأبيه. أرسلته ليعيش مع صاحب قديم من أصحاب ديكلان، رجل له نشاط في الجيش الجمهوري الأيرلندي الحقيقي، جماعة صفائية منشقة. تحاول أن تعتدل في كبرياء غير أن الشراب جعلها بالفعل رخوة الأطراف. تمسك نورا بزجاجة الجين وتقبض في ذهنها – قبل أن يسعها طرد التخيل – على إحدى الأفخاذ وتجذب صبياً – أي صبي – لتطرحه أرضاً. تلمسه برفق في البداية ثم تقوى أصابعها وهي تفشي إليه كل ما جاءت به من تضحيات. تنفذ ذكرياتها إلى عقلها ثم تبرحه وكأنها ألوان تشرق ثم تشحب، ذكريات تحملها أمواج الجين والرغبة الواهنة.

 

ينطلق الجرس فيما يسرع المتسابقون لتجميع آخر المنتجات ثم يعبر الفائز خط النهاية. وبالخارج، تسبر الكشافات الشوارع بهذا الحي من غرب بلفاست، إذ تبلغ الأشعة السميكة النوافذ والستائر لتسقط على وجه نورا العرقان.

 

 

*

 

تعلم ما سيحدث عندما تطأ قدماك حانة كرين القائمة في شارع ضيق متفرع من ميدان إير بمدينة جولواي ثم يتعرف عليك الآخرون بوصفك ليام، ابن ديكلان فاريل. إن صيت أبيك يسري كما السحر في دمك، وبإمكان الآخرين أيضاً رؤيته، لذا يحرصون على تحيتك. رجال كانوا يعهدون أباك في سنوات مجده حين كان ضابطاً في الجيش فيعاملونك وكأنهم قد هزهزوك بأنفسهم في المهد: يربتون ظهرك ويصفعون خدك ثم يعطونك سلاحاً. "يا ليام،" يبادرونك، "نحن سعداء بوجودك هنا، هناك عمل ينتظرك." وأنت في مسيس الحاجة إلى العمل. عمل تحدث عنه أبوك في خطابات السجن التي دأب مايكل قراءتها بصوت عال حول مائدة المطبخ. تستحضر الاحتجاج الغاضب الذي شاب نفَسه في حين تجلس أمك طاوية ذراعيها وقد تهدل شعرها الضعيف على عينيها.

 

تعتقد منذ كونت أولى ذكرياتك أن العنف هو النقطة المحورية التي تدور حولها وحدة العائلة. تصحو ذات ليلة وأنت طفل صغير على قمر منير يشرف على نافذتك. تتطلع من النافذة فتمتد عيناك نحو أخيك مايكل سائراً بخطوات مستقيمة تدل على الجدية وهو يأخذ أنفاساً طويلة من سيجارته. ثم ما هي إلا ويقفز إلى أحد الظلال ليعاود الظهور تحت نور القمر آخذاً بتلابيب كولين سوليفان بيد واحدة. ترمي بناظريك إلى مايكل وهو يلوي ذراع الصبي وصولاً حتى ظهره إلى أن تشعر بانقصافها وإن لا يتناهى الصوت إلى أذنيك.

 

تود لو تتاح لك الفرصة لتوسيخ يديك برائحة المعركة والمعدن الزلق بالعرق. صلب. ذلك هو شعورك هنا، صلب وجزء من كتلة بشرية تتقدم في اتجاه شيء ما، أي شيء عدا عمارات الإيجار الفقيرة بغرب بلفاست حيث لا وظيفة تنتظرك ولا حتى كرامة. تعقد العزم يومذاك، والرجال يلقون عليك التحيات، أنك لن تبدد قط وقتك مجدداً في الجلوس بالمدرسة لتتعلم تاريخ أيرلندا على أيدي حقراء بروتستانت إنجليز تخرجوا كلهم حديثاً من تعليم يليق بفتية كامبردج الأغنياء وتحدثوا وكأن أنوفهم تسدها العصي. خانك مايكل أوسخ خيانة وأضحى الجيش أشد تعقيداً، صحيح، إلا أن لديك ديناً لتسديده – من أجل اسمك. من أجل شرف عائلتك. من أجل شرفك.

 

 

*

 

تحل الرابعة فتتراءى سماء دبلن داكنة مغلفة بالسواد. يدلف مايكل من بوابات كلية ترينيتي الحديدية ويسير أولاً إلى حانة كينيدي ليحتسي كأساً ثم يقصد محطة دارت* حيث يلحق بقطار أخضر متوقف يتجه إلى ضاحية بلاكروك. ثمة امرأة سوداء الشعر تقرأ وهي واقفة بالقطار؛ تمسك بكتابها فوق الركاب الجالسين شأنه شأن مروحة معطلة. يقول ظهر الكتاب "مكتبة ليكي." أبصر هذا الختم على كتبها من قبل وعليه فهو يعرف أنها لا تشتري هي الأخرى كتبها. أحياناً ما تقع عليها عيناه في قسم التاريخ – فلديهما نفس المرشد – إلا أن مايكل يعتمد على منحة فقر مخصصة "لطلاب معوزين يبشرون بنبوغ أكاديمي استثنائي،" أسلوب لطيف آخر بدلاً من المجاهرة بأنه تمكن من التحلي بالذكاء بينما يقبع أيضاً في الفقر لذا يستحق اعتماداً مالياً من الجامعة. وهكذا يتوجب عليه أن يتحمل محاضرات متكررة من الأستاذ ولش الذي يدخن الغليون وهو يتحدث؛ ويحملق إلى نافذته الضخمة دون أن ينظر مرة إلى وجه مايكل. ينبغي على مايكل بعد ذاك أن يكتب مقالاً حول قضية سياسية معاصرة يختارها الأستاذ في اللحظات الأخيرة، قضية لا صلة لها في الغالب بالمحاضرة. وعلى الرغم أنه يَقبل تلك الظهائر كجزء من كفارته، لا تبرح الامتحانات الصغيرة توقع في نفسه شعوراً بالغباء والسذاجة.

 

لذا حين يبصر مايكل المرأة ذات الشعر الأسود جالسة على الأرضية خارج المكتب، تكتب بيد متعجلة في مفكرتها ونظارتها الصغيرة تجثم على أرنبة أنفها، لا يقوى على نطق كلمة واحدة. يمشي حتى نهاية الممر دون أن تسنح منه نظرة إلى الخلف على حين ينساب العرق بسترته الجلدية.

 

 

*

 

على الرغم أن صالة باليمورفي بوكسينج الرياضية بمدينة ديري رحبت بالفتية البروتستانت والكاثوليك منذ سنوات، تتصاعد التوترات في نهاية العقد السابع من القرن العشرين مع الحديث عن إقصاء الفتية البروتستانت عن الصالة. ترد الإشاعات ذات صيف على مسمعيّ نورا في الوقت الذي تعمل فيه منظفة أدوات الصالة. هي صغيرة السن ريانة الخصر ترسل شعرها فوق كتفيها في أمواج بنية فاتحة.

 

تنظف نورا المتسخ من أكياس الملاكمة والوسائد بالمطهر وترتب معدات الملاكمة الثقيلة بينما يتدرب الفتيان. وفي ساعة متأخرة من إحدى الليالي تجذب مناشف نظيفة من الغسالة القائمة بالخلف حينما تترامى إليها أصوات قادمة من وراء باب خزانة المؤن بالضبط. تدخل الخزانة وتبدأ في تكديس العُدة المترَبة بهدوء وهي تكظم كحة. يحاول ما اعتراها من فضول التقاط أية كلمات سليمة لكن لا تنمي إليها غير أصوات رجولية مكتومة لا تألفها أذنيها وصوت المدرب مالوي العالي الذي ولا بد يخالها انصرفت بالفعل. تفتح الباب بتمهل، مجرد شق ليس إلا، لتختلس النظر إلى رجال بفانلات عارية من الأكمام يلعبون الكوتشينة ويدخنون وقد ارتخت حُزمهم لتحرر بطونهم المستديرة.

 

ومن خلال حواراتهم الخافتة أثناء ما تلا من أسابيع معدودة، يتصل بعلمها أن الجيش الجمهوري الأيرلندي يعيد تجنيد قواته وأن الكتائب القديمة تنتظم من جديد. يتجاذب الرجال الحديث حول الأوغاد المؤيدين للاتحاد الذين يعتبرونهم مسؤولين عن تزايد أعداد كاثوليك يخسرون وظائفهم أسبوعياً في مصافي النفط ومصانع تعليب اللحوم ومعامل التقطير. يروم بعض الرجال طرد الفتية البروتستانت ليتجنبوا أي نزاع محتمل – فليعثروا على صالة أخرى لا تقع في حي بوجسايد الكاثوليكي. يأمل الآخرون أن تُحدث الخطوة التأثير المعاكس لتُنشط الشبكات القومية المتنامية بطول ديري وعرضها. لا تلم نورا سوى برأي أبيها في الجيش الجمهوري الأيرلندي – سكارى، منحرفون، أدنياء. أنذال بحركة فينيان* لا يعرفون الفرق بين رؤوسهم ومؤخراتهم.

 

وذات ظهيرة غاب صبي المياه لمرضه فطلب المدرب مالوي من نورا أن تحل محله. وحين وطأت قدماها غرفة التدريب، أخذها الدوار من نتانة العرق المشحونة بالرطوبة. إنها تتواجد للمرة الأولى في غرفة تغص بالعديد من الفتيان ولا سيما البروتستانت منهم.

 

يتبادل الفتيان توجيه اللكمات مازحين. ترتفع جذوعهم النحيفة وتتمايل خلف أكياس ملاكمة متأرجحة تفوقهم حجماً. يستولي عليها إحساس بأن خطط الرجال – مهما كانت – سوف تُلحق بهم التغيير قريباً. إن حقيقة شعورها هذا واعتقادها بأن الفتية العرقى أمامها لا يخالجهم مثل هذا الشعور ينزلان بها رجفة من فرط الابتهاج. تخترق صفوف الأجساد المتمرنة وهي تعي بعيون تلحظها؛ ترمي صدرها إلى أعلى قليلاً وتضع قدماً أمام الأخرى تماماً ليتحرك وركاها الممتلئان يميناً ويساراً. بإمكانها أن تلمس مما طرأ على الجو من تبدل طفيف أن الفتية يبطنون إعجاباً بالحركة.

 

يطفئ المدرب مالوي سيجارته بسحقها على الأرضية ثم يعطى نورا العقب. تقبض راحتها على العقب وهو يخاطبها. "ارمي لي المناشف لمّا أقول لك، أمسكي القفازات من الأولاد عندما ينتهون من التمرين وارميها هنا." يرفس صندوقاً خالياً يستقر خلفه. "ثم أعطيهم منشفة عند نهاية التمرين، ماش؟"

 

تومئ نورا برأسها فيما تصبح السيجارة الدافئة رطبة في يدها.

 

"الآن ما عليكِ إلا أن تجلسي هناك مثلاً وتبعدي عن السكة اللعينة." أشعل سيجارة جديدة. "وأحضري الماء أو الصودا لمّا أقول لك. سوف أحتاجك في بعض الجولات أيضاً."

 

هزت رأسها ثانية وهي تشيح عنه بعينيها لتقعد على حافة حلبة الملاكمة. تتفرج على الفتيان وهم يتلاكمون؛ تتراجع أذرعهم النحيفة إلى أجنابهم بسرعة خاطفة. وفي فراشها ليلاً ترخي أحياناً جفنيها لينزع بها الخيال إلى ذلك البحر من الأذرع الممدودة؛ تصك أذنيها حركة الأقدام على الوسائد وصوت قبضات تلتقي بالأكياس الصلبة ليبدأ نبض بطيء يخفق أسفل بطنها. فتصحب نفسها بيدها إلى مكان سيفرض عليها بضع دقائق مثقلة بالعذاب في جلسة الاعتراف باليوم التالي.

 

وبعد عدة أيام تعلن فيها نورا الأوقات والجولات وسط الحلبة، تتعلم كيفية التمييز بين روائح الفتيان المختلفين. حين يتصبب العرق من الفتية الكاثوليك، تطير منهم رائحتا الأردية البالية والكاتدرائيات العتيقة؛ أما البروتستانت فتشم في عرقهم صابوناً برائحة نبات اللويزة ولحم البقر المحمر.

 

وفي ليلة من الليالي حط الفتى الأخير في الصف يدين مكسوتين بقفازين أمامها. نورا على معرفة به؛ ينطوي صدرها على الإعجاب بمبارياته – فهو رشيق القدمين يدور حول الفتية الآخرين دورانات واسعة سلسة. ينتقي لكماته بدقة وغالباً ما يهزم خصمه في أقل من ثلاث جولات.

 

"ساعديني على خلعهما." ذو شعر أسود مسترسل، ذراعاه نحيلتان يعلوهما النمش غير أن عضلاته واضحة الخطوط صلبة للعيان. تفك القفازين بأصابع يغلبها الارتعاش. وعندما تتحرر يد، يصافح يدها ليُجرى إبهامه بطول راحتها الخشنة. "لقد رأيتِك من قبل،" يخبرها وهو يقفر إلى الخلف ليقوم – ومرفقه مطوي – بلكمة قصيرة سريعة إلى اليمين وأخرى من أسفل إلى أعلى. "أنا ديكلان فاريل."

 

"وأنا نورا ماكديرموت،" تُقدم نفسها مادة يدها مرة أخرى وقد افتقدت بالفعل ما مس جلده من دفء.

 

"أنا أراكِ الآن،" يقول وهو يرسم ابتسامة كشعاع سريع من النور يتحرك عبر قسمات وجهه.

 

ما تلبث نورا أن تنتظر ديكلان يومياً خارج الصالة وجسدها كله يشعل بالإثارة. يتبادلان القبلات ويداعب كل منهما جسد الآخر في الزقاق. تنقل نورا إلى ديكلان ما يتناهى إليها من كلام الرجال الكبار.

 

"يقول أبي إنها علامة على شيء يختمر،" يفضي ديكلان إليها وهو يومئ برأسه. يسدد إصبعاً إلى جدار تغطيه الشعارات السياسية. "أترين ذلك هناك، وذاك؟" يوجه انتباهها إلى إشارات وعبارات واضحة كتبها فتية يعرفهم، فتية بروتستانت وكاثوليك. وكل يوم تحل سريعاً ضربات جديدة طازجة من ألوان تنم عن الغضب محل الشعارات القديمة. يخط ديكلان وأصدقاؤه بالفعل إشارات قومية على كل حيطان المدينة دون الاكتفاء بحي بوجسايد.

 

"إن الأحوال تتغير،" يُعْلمها. يمرر يده على جبهتها ثم يطبع قبلة على جيدها. "سأريك – فقط انتظري وستشوفين."

 

وهكذا تنضم نورا فاريل إلى فرقة الشباب القومية الخاصة بكاثوليك المنطقة الغربية في ديري.

 

 

*

 

حين يخطو مايكل خارج محطة دارت ببلدة بلاكروك، يصعد منحدَراً لينتهي إلى سكن الطلبة حيث يستأجر غرفة رخيصة تحوي نافذة في حجم حوض السمك. تفتقر الغرفة إلى المياه الساخنة والتدفئة وغالباً ما يكتب واجباته مرتدياً قفازين. وفي المطبخ المشاع يُجهز عشاء من لحم الخنزير المقدد والبطاطس المهروسة برفقة طلبة آخرين يعيشون على ميزانيات محدودة، طلبة لا يشاركهم الحديث. يمشي بعد العشاء بحذاء بيوت جميلة مشيدة من القرميد ومحال بقالة صغيرة تتصف بالنظافة وتشرف على البحر. يقف على الشاطئ الصخري ليرصد معامل التكرير الواقعة عند منحنى خليج دبلن وهي تلطخ السماء بجروح زيتية. ليس معتاداً على الجوانب الناعمة من دبلن ولا طاولاتها الساطعة؛ يكتنفه الشوق لأسرار جريئة تسري في حانات ذات أرضيات زلقة وأنوار خافتة.

 

يتقلب مايكل ليلاً في صمت الضواحي المطبق. يشعر بالسكون يحيق بعنقه، يخنقه. يقوم من فراشه ليرسل طرفه إلى طريق مرسوم في الأفق كخط أسود سميك. ينقر النافذة بأصابعه؛ يُسِيل الماء في الحوض؛ يثب فوق السرير المتدلي ما لغرض سوى سماع طقطقته؛ يزيح شماعات فارغة فوق القضيب المعدني بحجيرة الملابس الصغيرة.

 

 

*

 

في اليوم الموافق لأول لقاءات نورا بفرقة كاثوليك المنطقة الغربية، يهاجمها أبوها بمقلاة. تجري عادة الرجل أن يستعمل الأدوات المنزلية كأسلحة. يتخلل نورا الارتياح لأنها ليست حديدية كما كانت من قبل، منتزعة من الجدار قبل عدة دقائق من ارتطامها بمؤخرتها.

 

"أيتها البغي الساقطة."

 

تهبط بصقة غليظة تختلط بالويسكي على رقبة نورا. تتلون عينا أبيها بالحمرة ويعرق وجهه المنتفخ. يتقدم إليها بخطوات بطيئة ويركل جانباً علباً من البيرة الفارغة وأخرى من بسكويت ويتابيكس تتبعثر على الأرضية. إلا أن نورا كانت تراقب ديكلان بعينين يقظتين، وحينما يطوح أبوها في النهاية بقبضته، تحني رأسها سريعاً وتنطلق بجوار جسمه المكتنز لتمرق من الباب.

 

"عاهرة فينيان الساقطة! كلهم فاشلون! أنتِ!"

 

تركض نورا على السلالم فيطقطق على الأسمنت حذاء ركّبت فيه كعباً جديداً. تَعدل تنورتها الصوفية وتلعق شفتين صبغتهما للتو بلون بني هادئ سرقته من صاحب محل الجرائد ظهيرتها. يرتقي نظرها عندما تطرق سمعها المقلاة وهي تصطدم بحائط الشقة ووالديها يبدآن الشجار ثانية. تشق سبيلها في الشارع على حين تطرح أوراق الأشجار القليلة القائمة على الرصيف ظلالاً صغيرة في طريقها.

 

وذات مرة بحانة كينجز هيد في شارع ماري يستدير ديكلان ونورا باتجاه باب صغير يقبع بالحارة. يشد ديكلان نورا إليه قارعاً الباب بيده اليمنى فيما تصل اليسرى إلى منتصف فخذها. ينفتح الباب على آخره فيجذبها ديكلان إلى الداخل. تفور من بدروم الحانة رائحتا نبات حشيشة الدينار والشعير. يجلس رجال تسود ملامحهم الجدية وتعتمد أقدامهم على براميل خالية. تتعرف نورا على بعض الفتية الكاثوليك من صالة الملاكمة؛ يتململون بجوار آبائهم في سراويل رياضية لامعة. تزخر أذرع بعض الرجال الأكبر سناً بالوشوم فيما يتباهى آخرون بالعلم الأيرلندي ثلاثي الألوان المطبوع على طيات ستراتهم المصنوعة من البوليستر.

 

وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الوافدين، ينصرف الحديث إلى اعتصام وشيك للمطالبة بالمساواة في فرص الإسكان، اعتصام ترعاه جمعية الحقوق المدنية بأيرلندا الشمالية المؤلَفة حديثاً. يروم بعض رجال المجموعة ونسائها استخدام وسائل أقل سِلماً لتحقيق التغيير – يريدون إحداث بعض الحركة والقيام باحتجاجات على الطريقة الأمريكية. يستحوذ على نورا شعور بالفخر وكأن عقلها يتفتح. لم يسبق لها أبداً العيش سوى في مساكن باليمورفي بعمارة يحجبها السخام وتضم شققاً ضيقة تصل كل كلمة تقال بإحدى غرفها إلى الغرف الأخرى. لا يعرف أبوها إلا أن يرفع الكأس، لا المطرقة ولا المسدس ولا أي شيء نافع. قيل لنورا إن مكانها الملائم في المطبخ أو الحضانة بيد أن النساء هنا يلبسن السراويل ويتكلمن بمنتهى الجرأة والبلاغة. يعصر ديكلان يدها ثم ينهض ليقدمها إلى الآخرين. تتراءى على وجوههم آيات التعرف عليها، وهكذا وبكل بساطة تمسي منتمية إليهم، تمسي فرداً من العائلة. بلا تقديم طلبات ولا ترتيب مقابلات ولا إصدار أحكام. لقد أصبحت منهم.

 

عندما ينتهي الاجتماع، تسرع أقدام نورا وديكلان بحذاء النهر البطيء صوب شارع ويليامز، بالكاد يستطيع الواحد منهما رفع يده عن جسد الآخر. وفقاً للمدرب مالوي يحث وجود نورا الفتيان على تسديد لكمات أقوى والرد عليه بعبارات أقل وقاحة لذا يعطيها مفاتيح الصالة. يُسقطان ملابسهما وحقيبتيّ ظهريهما ما إن ينغلق الباب الأمامي من الداخل، وتخوض نورا تجربتها الأولى في خزانة المؤن ومؤخرتها تضغط على ركام من الوسائد المنظَفة حديثاً.

 

يلثم ديكلان شفتيها برقة ويُجرى أصابعه على شعرها الناعم، شعر ملاك كما يسميه. تحب حبه لها ولا يسعها الاكتفاء بهذا الإحساس الجديد. تبدر منها أسئلة لا حصر لها عن عائلته وحياته ومخططاته. ديكلان فاريل: ابن رئيس الاتحاد الجمهوري الأيرلندي في ديري، حفيد نقيب بالجيش الجمهوري الأيرلندي حارب العلم البريطاني أثناء السنوات المجيدة، ابن حفيد رجل قاتل خلال انتفاضة الفصح. سوف يتزوجها، تُفكر، وسوف تصير هذه الذرية من الرجال الشجعان الفخورين أعظم مآثر حياتها.

 

"لي رغبة في أن أقاتل،" يشرح لها وعيناه تتألقان في الظلام. "وليس فقط بأكياس الملاكمة والقفازات." يلكم كيساً ثقيلاً يتدلى من السقف. "أريد أن أقاتل قتالاً حقيقياً."

 

وبينما يسايرها ديكلان إلى منزلها عبر الشوارع المظلمة، فإذا بالإجفال ينال منه وتتعالى لعناته. سرعان ما يجعلها تستدير ليعودا من حيث أتيا باتجاه حائط منخفض مغطى بالشعارات السياسية. يطالعهما الدهان الأحمر الطري بجملة الجيش الجمهوري الأيرلندي: مَن هرب مرة هرب الثانية. "يا يسوع، أترين ما يكتبونه،" يمد ديكلان يده داخل حقيبة ظهره ليُخرج علبة من الدهان الرشاش ثم يكتب بأحرف ضخمة كاسحة الجيش الجمهوري الأيرلندي: فليحيا جيش الشعب. حين يفرغ تلصق نورا ظهره بالحائط وتُقبله حتى يحل الألم بشفتيها.

 

 

*

 

يبين مايكل للطلبة كيف دأب رجال وحدته احتلال مواضعهم خلال التدريب على القتال. وبضربات لا تعوزها الدقة يرسم على السبورة أشكالاً بشرية – الرؤوس دوائر والأطراف عِصي – منظماً إياها في صفوف طويلة من عشرة رجال إلى خمسة عشر رجلاً. تسرع أيادي الطلبة على الكراريس في حين يكتب مايكل بعجلة على السبورة؛ يلتقط حلقه غبار الطباشير وهو يتنفس ويركز ويتذكر.

 

"تماماً كالرقص الاسكتلندي، أيها الأوغاد."

 

يدوس رئيس الكتيبة بقدمين ثقيلتين بركاً تمتلئ وحلاً والبصاق يلمع حول فمه. تتململ أقدام مجموعة غلمان يرين على وجوههم النمش والامتقاع وتومئ رؤوسهم إيماءات بطيئة متظاهرة بالفهم. يتذكرون أفراحاً حضروها حيث أبصروا أشخاصاً يؤدون هذه الرقصة. تركض ثلاثة صفوف من رجال نحفاء خافضي الأظهر على الأرض في مراع يعمها الظلام. يتخلف صف بين الصفين الآخرين ليتسطح بالمستنقع كل رجال الصف المتراجع، ينصتون إلى دمائهم تخفق خفقاً، ينصتون إلى صوت الجزم وهي تخوض في العشب المبتل بينما يتقدم الصفان الآخران إلى الأمام.

 

يرسم مايكل التشكيلات على السبورة – خطوطاً بيضاء أشبه بهيكل عظمي جاف هزيل. يشرح لهم أن هذا عمود طائر – تكتيك من تكتيكات حرب العصابات اُستخدم على نطاق واسع للمرة الأولى في القرن التاسع عشر وإن اطلع على المعلومة للتو في أحد الكتب.

 

يدب في جسمه بغتة إحساس بالبرودة داخل فصل يعمل به جهاز التدفئة؛ يعطف رأسه نحو الباب متوقعاً هبة من ريح رطب. يسأل المدرس إذا ما كان سيفسر المناورات فيما تتعلق بالتجربة التي خاضها. يرد بأنه سيحاول.

 

بعد انصرام عدة ساعات، حينما ينقسم مجدداً الصفان المتقدمان من قبل كما الشق ثم ينقسمان ثلاث مرات أخرى، ينصِب المتخلفون من الفتية معسكراً. وبعد بضع ساعات تعاود مجموعة من رجال مبتلين ملطخين بالوحل. تتكرر العملية في اليوم التالي وبهذه الطريقة يَخبر الرجال المنطقة؛ يعززون قدرتهم على التحمل والصبر؛ يجتازون المنطقة بتأن إنما بأمان.

 

يتحدث مايكل عن تجربته في القتال، تجربة تتكون في الأغلب من مواقف ليس مهيأ لها: محاولة لتهريب أحدهم من سجن بمدينة أرما، تسليم لسلاح بأحد حقول مدينة نوري – لكن في هذه المرة يطارده ثلاثة رجال على دراجات محاولين اعتراض طريقه. يصل بشق الأنفس إلى أحد المنازل الآمنة حيث يلقي بدراجته في المصرِف ويعدو حول الحظيرة مندفعاً عبر نافذة مفتوحة. وخلال هذه المواقف لا يوجد ’دعم العمود‘ المزعوم – فهو وحيد راكباً على دراجته أو سائراً على قدميه.

 

على الرغم أن كرامته توجعه وجعاً غريباً بعيداً يوقع في نفسه شعوراً بالذنب، يبوح إليهم بأن معظم ما كان يصنعه هو الهروب من صيته، من روايات تبدأ في تصديقها عن نفسك. يشرح لهم أنكَ لو تَحمل اسم عائلة معيناً مثل فاريل وتتصل بجماعة محددة – كأن يراك الناس في أحد اجتماعات شين فين بغرب بلفاست أو يتعرفون عليك في حانة كرين بجولواي وأنت تتكلم الأيرلندية مع شخص معروف بالجيش الجمهوري الأيرلندي – فأنت موسوم. ولكي تتحاشى الإيقاع بك أو إيذاءك ستأكل وستنام أينما تستطيع ومتى تستطيع، في أقباء رطبة تعبق برائحتيّ المطاط المحترق والأسلاك الكهربائية المتطاير منها الشرر، في منازل تدرك أنها صديقة حين ترمي عينيك إلى مصباح معلق في جانب معين من الشرفة أو تمثال لقديس محدد يختلس النظر من ستائر النافذة الدانتيل. كورك، درويدا، إنيسكيلين، ليميريك، أرما، روزلي، كيلكولي – لن يتعرف على هذه الأماكن في وضح النهار؛ فهو لا يعهد فيها سوى حجرات باردة ذات أنابيب ضخمة وغرف بدروم تفيح منها رائحة السمك. لا يقدر على ذكر اسم كاتدرائية واحدة ولا يتعرف على طريق واحد فوق الأرض، فهو يركض ليلاً على الدوام، مندمجاً في الظلمة.

 

"نحن نتعلم منك الكثير،" يفضي المدرس. يخامر مايكل – للحظة ليس إلا قبل أن يضبط نفسه بالفعلة – إحساسه القديم بالفخر وفورة الإنجاز وزملاؤه يرنون إليه رنوة خشية أي خشية.

 

يحاول مايكل ليلتئذ الاتصال – بيد مرتجفة – بليام في جولواي. يتصل برقم انتزعه أخيراً من أمه بعد أول عدة كؤوس. يبلغ فتى متغطرس اللهجة يرد على الهاتف بالأيرلندية لينهي إليه بأن ليام بالخارج. يلح مايكل في السؤال ونبرة صوته ترتفع.

 

" أين بالخارج؟"

 

"فقط بالخارج."

 

"أنا أخوه. أين ذهب؟"

 

"لا أعرف. يا وسخ." يلفظ الجزء الأخير همساً لكنه قصد به إسماع الطرف الآخر. لا يكترث مايكل للإهانات غير أن كلمات مدرسه تتألق في رأسه مثلها مثل المصابيح المضاءة فيصر.

 

"ممكن من فضلك أن تبلغه بأن مايكل اتصل؟ وممكن أن يتصل بي في دبلن؟ رقمي 7892-675؟

 

لكنه يخاطب بالفعل خطاً مجرداً من الحياة.

 

 

*

 

حضرت نورا وديكلان وآخرون من فرقة الشباب القومية بالمنطقة الغربية احتجاجاً نظمته لجنة النشاط السكاني بديري عام 1968 للمطالبة بحصص سكنية مساوية من أجل الكاثوليك. يفد مراسلو بريتيش نيوز وتركب العصبية البروتستانت. ترفرف الأعلام البريطانية في أيدي رجال ببزات برتقالية تابعة لمنظمة ’مناضلي الحرية بألستر‘ في فاونتين، منطقة مؤيدة للاتحاد في ديري بالقرب من حي بوجسايد. يتعاظم التوتر. أعاد الجيش الجمهوري الأيرلندي مؤخراً تشكيل قواته وأعد الأسلحة. يحوز الشباب القومي مجموعة مبهرة من الأحجار والطوب لكنها لا تضاهي شرطة ألستر الملكية التي أرسلتها بريطانيا لقمع ما أسماه المراسلون بالعصيان المسلح.

 

"نرفض أن نكون جزماً في أرجلهم ثم يسمونه تمرداً!" يوجه ديكلان الخطاب إلى بدروم يحتشد بالبشر في حانة كينجز هيد. تدون نورا الأسماء والأرقام؛ تفحص أية أسلحة تضاف إلى المجموعة ثم تسجلها. ينضم إليهم المزيد من الشبان كل أسبوع ولا بد أن يحافظوا على نظامهم. أغلقت الصالة أبوابها منذ فترة، وإلى جانب عملها مع القوميين تشتغل نورا كاتبة على الآلة الكاتبة بوسط المدينة بينما يعاون ديكلان أباه في تجنيد كتائب الجيش الجمهوري الأيرلندي بديري وبلفاست. تدهورت صحة أبي نورا تدهوراً أذهب عنها مشاكله.

 

 

*

 

سدت المتاريس الفجة حي بوجسايد الكاثوليكي لمدة أسابيع من أغسطس 1969. يحرس الشبان القوميون ذوو الرُكب البارزة حيطاناً منخفضة مشيدة من طوب جُر من مبان مهجورة قريبة ليتكدس عند تقاطعات الشوارع في أكوام غير متوازية. يغطي الوحل بزات المدرسة الخاصة بهم من جراء ركوعهم على الأسمنت وجثومهم في مداخل تفيض برائحتيّ العفن والبول على حين يطلق البريطانيون الغاز المسيل للدموع أو يدمرون بالهراوى أجزاء من الحيطان المؤقتة. يقف فتيان بوجسايد حراساً عند ملتقى شارعيّ روسفيل وويليامز فيصطدمون بالفتية البروتستانت الملوحين بالأعلام البريطانية؛ تلقي أشكالهم المقاتلة ظلالاً صغيرة تتداخل أسفل مبان مقامة على الطراز الفيكتوري. ومن شقق روسكومون ووصولاً حتى شارع ماري، يجوب غلمان آخرون ذوو وجوه ممتقعة وعيون مفتوحة ابتليت بالخوف. تلبس هيئاتهم العجفاء بزات بريطانية فضفاضة خرقاء فيَلوحون للعيان أشبه بعجائز ذوت أعوادهم فلم تعد تلائمها الثياب. يهزون العلم البريطاني بأياد تستعص عليها الحماسة؛ فترفرف الأعلام ثم تنقصم في مواجهة الرياح.

 

وفي أمسية من الأمسيات بينما يحرس ديكلان ونورا الحائط ويعَلمان الفتية بضع حركات من حركات الملاكمة، تقتحم قوات التاج متاريس شارع روسفيل لتضرب اثنين من المراهقين وتطلق رصاصة من المطاط على ساق آخر. ترشق نورا وديكلان جنوداً يرتدون الدروع ببضعة أحجار ثقيلة إلى أن يجبرهما الغاز المسيل للدموع على الركض. يجثمان في مدخل متجر ’كاندي كورنر‘ بشارع ويستلاند وكل منهما يتشبث بالآخر. يتحطم الزجاج فوق رأسيهما فيصرخ ديكلان وكأنه مندهش، "إنهم يحاولون قتلنا بالفعل!"

 

حينما تخمد الفوضى، تتأمل نورا جرحها في خد كشطه الزجاج لمّا ضُربت نافذة المتجر؛ تنزع الشاش فيتبدى الجرح حاداً عميقاً تشوبه الحمرة. تسأل نفسها إذا ما كان سيخلف ندباً.

 

تستمر معركة بوجسايد ثلاثة أيام. وحين تضع أوزارها يري ديكلان نورا مسدسه الأول؛ إنه ملكه وحده – شيء قديم ثقيل المنظر لا يختلف عن أغلب الأسلحة في ترسانتهم المزعومة.

 

"أليس روعة؟" يسألها لكنه حين يدسه في خصر سرواله، يند عن يديه الارتعاش.

 

 

*

 

يشتاق مايكل إلى ما لدى الطلبة هنا من أصوات واثقة، إلى ما يجرونه من أحاديث طليقة اللسان. يشتاق إلى تعلم كيفية العيش في هذا العالَم الجميل من الأفكار، بدون ذاكرة. يتوق إلى رفاهية العقل الصافي أو فكرة مبتكرة. يتعلم عن أيرلندا من كتب سميكة خطها أناس يحملون شهادات رفيعة. وبفضل أحد المناهج السياسية، يقف الآن على الأحداث التاريخية المفضية إلى الاضطرابات، كلمة تشير إلى الحرب في دبلن. يتساءل، أقرأ أبوه كتباً – أعَلِم ما يتجاوز تاريخ عائلته، ما يتجاوز الأساطير القديمة والرغبة في الانتقام.

 

يبدأ مايكل في إدراك أن زملاءه يتلذذون بفكرة فراره خلسة على خلفية من الشفق مهما بلغ زيف تلك الفكرة. لقد أصابتهم هم أيضاً ما تبثه الحركة القومية من دعاية للأبطال مع أنهم لم يشهدوا حرباً واحدة وليسوا في حاجة إلى الشهداء – ليس بما حصلوا عليه من خيرة الشهادات وما ينتظرهم من مستقبل زاهر. لا بد أنهم يتخيلونه راكباً الدراجة في شوارع مبتلة تعمها الظلمة؛ يحمل تحت ذراعه علباً غامضة ويهرع إلى مواقع التسليم بأقصى شمال دبلن حيث لا تطأ أقدامهم إلا لابتياع أثاث مستعمل من منطقة ’أشرز كي‘ أو سجائر رخيصة من شارع هنري. علهم يتصورون العتمة وهي تتجمع في هدوء بأركان بلفاست؛ وفي مخيلتهم يبقى الخطر على بعد مسافة مقبولة فيصير الموقف درامياً وكأنهم يتفرجون على أحد الأفلام.

 

لا يسأل الطلبة مايكل لو أن ثمة سبباً معيناً حدا به إلى ترك الجيش الجمهوري الأيرلندي. لو سألوه، سوف يُسر إليهم عملية هروب وقعت خارج بلدة أوما – الهروب – عندما ربض في الطين مع أخيه شون وأربعة فتية آخرين، يتنفس بقوة بالغة كمن يمضغ الهواء. بمقدور مايكل أن يغفر لنفسه عدة أشياء إلا هذه الواقعة: إنه عامه الثاني كقائد للفرقة التي بدأ فيها. ينهض بمسؤولية الحفاظ على سلامة رجاله الذين هم أسرته. لكنه يكتشف في مرحلة متأخرة للغاية أن المهمة عبارة عن مهزلة فيروح أخوه ضحية وابل من الرصاص. الرصاص الذي أخطأ شون أصاب مايكل. تلوح الندوب كعلامات الأسنان المستديرة في فخذه. لم يعطل الثأر بأخيه من الوحشية إلا أن ذاكرة مايكل لا تعيه. وبدلاً منه تتوغل هذه الصورة عميقاً في صدره: الدماء وهي تنبثق من شريان عنق شون عالياً في الهواء، في فم مايكل. ما يلبث أن يمضي أخوه الصغير بسبيله وهو يلهث ويرسل اللعنات. وحينما ينام، يبصر مايكل عينيّ شون مفتوحة، لا توجه اتهاماً، فقط تتطلع وكأنه يستيقظ بصباح صحو صاف وصراخ مايكل ينطلق وينطلق.

 

 

*

 

تحتشد شرطة مكافحة الشغب خارج كاتدرائية سانت يوجين للروم الكاثوليك عند زواج نورا ماكديرموت بديكلان فاريل عام 1975 – إنه شهر المسيرات وديكلان بالفعل شخصية معروفة. لا يبرأ يوليو أبداً من العنف في الشمال جالباً الأسبوع تلو الأسبوع من استعراضات البروتستانت العسكرية ومظاهراتهم إحياء لذكرى المعارك القديمة وانهزام الكاثوليك. يتضارب الناس بزوايا الشوارع وعند حدود الأحياء. يغدو الجانبان كل سنة أكثر تنظيماً، أكثر اتحاداً، أكثر إصراراً.

 

بعد انتهاء المراسم يسارع ديكلان ونورا بتغيير ملابس الفرح فتقلع نورا سعيدة فستاناً عفِن الرائحة كان مِلكاً لأمها ويخلع ديكلان بذلة سهرة مستأجرة ذات لون أزرق فاتح. يقفان بغرفة نوم نورا عريانين تماماً للمرة الأولى. يجذبها إلى صدره فتتمكن نورا أخيراً من نسيان صرخات والديها كلية، فهي لن تُرغم على اللجوء إلى هنا ثانية. يَسقطان فوق فراش طفولتها ويتحركان في إيقاع أتقناه طيلة هذه السنوات السابقة غير أن نورا تسمح لديكلان هذه المرة بدخولها مصلية بلسان متقد أن تنال ابناً لا يقل شبهاً عنه. وحينما يولد مايكل، تشعر نورا بأن الله استجاب لصلواتها – على الأقل حينئذ.

 

تَعبر نورا وديكلان غرفة المعيشة وقد تخضبت خدودهما. تبصر نورا كل ما سيجري بالتصوير البطيء: يبصق أبوها على قدميها للمرة الأخيرة وتقبض يدا أمها عليها لبضع ثوان سريعة. إلا أن نورا تنتمي الآن إلى عائلة فاريل – لقد غيرت مصيرها. لن تطالب مطلقاً بلقب ماكديرموت مجدداً ولن تقع عيناها على أبيها من جديد. وبعد أن يحتسي الخمور حتى الموت، سوف تنتقل أم نورا للعيش بالقرب منها؛ ستجيء إلى البيت أيام الآحاد لترى الرُضع وهم يقْبلون سريعاً الرضيع بعد الآخر لتتنامى أسرة فاريل باطراد مع الحرب.

 

 

*

 

يتصل مايكل بأمه أيام الآحاد من تليفون كائن بجوار بئر السلم في مبنى الطلبة. غالباً ما يضطر إلى الانتظار كي يفرغ أحدهم من الكلام؛ فتتناهى إلى أذنيه لغات أخرى تشبه في وقعها زجاجاً يتهشم أو مطرقة بَناء تدق الهدف. وبمجرد أن يصله الخط بها، يجاهد ليسمع صوت أمه الواهن. لا يجدها إلا والغضب يستبد بها وكثيراً ما يلفيها سكرانة. يضع يداً على أذنه ليقلل من ضوضاء هابطي السلالم الأسمنتية بالأخفاف المطاطية ومسقطي المقالي في المطبخ ومرسلي الأبواق المزعجة بالطريق السريع المزدحم أسفل النوافذ الأمامية.

 

على الرغم أنها لا تسأل، ينبئها أنه في أمان وأن لا صلة تربطه بالمعارف القدامى. يردف موضحاً أنه ينبغي أن يظل تاركاً للجيش حتى وإن لم يظفر بموافقتها. يسأل عن حال ليام لكنها لا تنهي إليه بالجديد. يثبت عينيه – والسكون يشمله – على وحدات كارت التليفون وهي تتكتك في بطء. ولأمد وجيز ينساق ذهنه شمالاً. يرى الشقة ذات الأرضية المائلة؛ يرى المسدس الصغير متوارياً في ثقب بالحائط القائم خلف حامل المياه المقدسة وبقع المياه في السقف. يستدعي كيف كان بخار الغلاية يطبع بقعة مبللة على الملاءة المعلقة بين غرفة نومه القديمة والموقد. يخبرها بأنه يحبها ثم يغلق السماعة سريعاً قبل أن يشعر بزوال هذا الحب. لن يعترف لها بأن بلفاست – ذلك المكان الهادئ المفعم بخطر على أهبة الاشتعال – لا تزال مندسة في أفكاره بل إن ذكرى شوارعها المألوفة تبعث في نفسه السلوى أحياناً. يستحضر الجري على الأسمنت والنجوم تعلوه برفقة رجال وحدته فيما تملأ كل أجسامهم الزوايا الناعمة لليل الدامس. يتمنى أن يقول – بدون أن يبدو سخيفاً ولا مغرقاً في عواطفه – إنه لن ينسى سنوات أنفقها بتلك المدينة في أركان الشوارع والمقاعد الخلفية للسيارات مع الفتيان الآخرين وهم في طريقهم إلى مكان ما، إلى المعركة التي لم تزد في الغالب على الاتكاء على سور وهم يحتسون جعة جينيس من العلبة أو الجلوس بحانة ليتكلموا كلاماً لا ثمرة فيه دون أن يند عنهم سوى الانتظار.

 

 

*

 

30 يناير، 1972. تنظم عدة جماعات قومية مظاهرة صاخبة في الشوارع احتجاجاً على السياسة البريطانية في الاعتقال بدون محاكمة. تقرر الفرقة القومية بالمنطقة الغربية الخروج في مظاهرة. يقضي مواطنو ديري مشاويرهم ويباشرون أعمالهم.

 

تسير نورا في مقدمة صف المظاهرة فيصطدم بصرها بشاحنات ضخمة تبلغ شارع روسفيل وجنود بريطانيين يندفعون بالبنادق وقد تدلت سلاسل من الذخيرة عبر صدورهم. يعدو المتظاهرون وآخرون بحي بوجسايد محاولين الاحتماء فيما تبدأ طلقات الرّشاشات في التدفق من الأبواب المفتوحة. يرش خرطوم المياه صبغة أرجوانية بطول الشارع، والآن تركض نورا مع جيش صغير من الأشكال الأرجوانية كما الكائنات الفضائية. تتسبب رائحة الصبغة في أن تستفرغ على الأرض وهي تجري من قعقعة الدبابات وأزيز الرصاص وذراته، رصاص يرتطم بالمحال والزجاج والناس. الغريب أنها لا تستشعر خوفاً؛ بل خفة وكأن الهواء يحملها. تبصر محطة ’آبي تاكسي‘ مشتعلة على حين تعدو بأقصى سرعة في الزقاق الواقع خلف المخبز القديم. تجثم داخل شجيرة من شجيرات متنزه جلينفيدا وتنبش الأرض لتقبض يداها على حجرين كبيرين بينما تشاهد رجلاً يُضرَب ضرباً مبرحاً بعقب بندقية أمام حانة نوك.

 

تقرع أذنيها طلقات نار منفردة آتية من موقف السيارات القريب من شقق روسكومون حيث يقطن ديكلان. حالما تظن الشارع آمناً، تطويه لتتحقق إذا ما كان الرجل ميتاً. إنه ميت. تجتاز المتنزه جارية صوب الطرف الشرقي المتقاطع مع موقف سيارات الشقق. يرتطم الحجران في جيبيها بفخذيها ارتطاماً حتى إنهما يُحدثان الكدمات ويقطع جسمها الأشبه بالشريط الأرجواني هواء شوهته الحرارة المنبعثة من عوادم العربات المدرعة.

 

تنفق نورا ساعات في محاولة منها لعبور موقف السيارات لكن في كل مرة تكاد تفعلها تصك سمعها طلقة وحيدة أو صرخة عالية. تضرمت النيران في إطار قديم فلا تبصر عبر الدخان الكثيف الزنخ سوى لمحات من البزات. يعم السماء السواد والسخونة وتخيم عليها رائحتا المطاط والغاز المسيل للدموع. كل المصابيح استهدفتها الطلقات أو احترقت فيسود الشوارع إحساس بالتيقظ والقلق وكأنها حصن حربي تحت الأرض. ينتهي بها الأمر إلى الاستسلام لتسلك الطريق الخلفي نحو كينجز هيد حيث تعثر في النهاية على ديكلان – أصيبت ذراعه برصاصة وهو يحاول إيقاف مراهق بلغ به الذعر أن مشى مضطرباً مباشرة في مرمى قناص يربض فوق سقف الشقق.

 

يتقاطر المراسلون الواحد بعد الآخر طيلة الليل. وفي الصباح يصبح الحدث رسمياً – قُتل أربعة عشر شخصاً، أكثر من نصفهم مراهقون. تصدر الحكومة البريطانية بياناً تؤكد فيه أن اللجوء إلى القوة كان له ما يبرره وسوف يظل مبرراً. إنه الأحد الدامي. لقد بدأت الحرب.

 

يتعلق من رقبة ديكلان رباط بسيط لحمل ذراعه. يسهر طوال الليل لينقح مع قائدي الوحدات ورؤساء الكتائب استراتيجيات الانتقام. تتخيل نورا الكتائب متمركزة في مواقعها عبر الشمال لتضيء كما الشبكة الكهربائية. كان ديكلان قد قَبل بالفعل ترقية ليصير قائد منطقة في بلفاست حيث سيشرف على المجندين الجدد ويدربهم. سيصبح – في التاسعة عشرة – أصغر القادة سناً. سوف تنهي نورا وديكلان إلى أطفالهما في نبرات تشي بالجلال قصة جرح بابا. ستغدو قصة منسوجة في تاريخ العائلة، مهموسة في آذان الفتية الناعمة شأنها شأن الحكاية الخرافية.

 

وبمجرد أن تقيم في غرب بلفاست، تلفي نورا نشاطاً يلائمها تمام الملائمة؛ إذ تدير مخبأ الجيش الجمهوري الأيرلندي إدارتها لسفينة باعثة على الفخر، فهو يغص بالصداقات الطويلة وذكريات الجروح القديمة. لا يتفوق عليها شخص في معرفة شبكة المنازل والغرف الآمنة وأحسن مواضع للتسليم بالمباني المحترقة وأسماء أصحاب المتاجر المتعاطفين معهم. كيف لها أن تشرح لمايكل أن هذه هي أسعد أعوام حياتها؟ يشاركها ديكلان في كل شيء – الخطط وصناعة القنابل واستراتيجيات الحرب – إنها جزء لا يتجزأ من المعركة. يدرج مايكل وشون بخطى خافتة في المطبخ وفي يديهما زجاجات الحليب والبسكويت على حين تنظف نورا المسدسات فوق المائدة. تحصي الرصاص وتتقصى مواقع المنازل الآمنة الجديدة وباعتبارها سكرتيرة قائد المنطقة تكتب على الآلة الكاتبة محاضر كل اجتماعات الكتيبة بمنتهى الدقة.

 

وبالليل يُقْبل الرجال إلى المنزل – كل رجلين معاً أو كل ثلاثة. ينسلون من الباب الخلفي للمطبخ ليلقوا التحية على نورا أولاً. تسحب عتلة مثبتة في الجدار فوق الحوض فيدور الجزء السفلي من خزانة المطبخ على مفاصله كاشفاً عن سلم ضيق يفضي إلى حجرة سفلية. ترد إلى أذنيّ نورا أوراق تخشخش وأصوات تند خفيضة وأعواد ثقاب تشتعل. وبعد أن يهبط الرجال إلى حجرة طافحة بالدخان، تدير الباب إلى وضعيته الأولى. وهكذا وبكل بساطة تخلو إلى صبييها – أسرة عادية بغرب بلفاست.

 

تصحب نورا مايكل وشون إلى القداس يوم الأحد بينما يذهب ديكلان كل ليلة للاعتراف أمام قسيس موثوق به يعلن المغفرة لكل رجال فرقته. تحلو لها فكرة وجودها في قلب تلك الحياة السرية التي تجري تحت واجهة الحياة العائلية.

 

لكن بعد فرض الحظر على مايكل لفراره من الجيش، تنسد عليها شبكات كاملة من الرفاق وتنغلق في وجهها أبواب عوالم برمتها بين عشية وضحاها.

 

 

*

 

يستقل مايكل في ظهيرة أحد الأسبت قطار خط دارت قاصداً هوث، منتجع يقع شمالاً بحذاء الشاطئ على بعد مجرد دقائق من ضاحية بلاكروك. يجتاز أفنية خلفية ينتفخ من حبالها الغسيل النظيف؛ ولمّا يقف القطار عند ضاحية راهيني، يلتقط ناظراه امرأة تضحك في مطبخ براق. تجلس قبالته مجموعة مراهقات لا تستر ثيابهن الكثير؛ يرسلن القهقهات وتطرف أعينهن الغارقة في مستحضرات التجميل طرفاً لافتاً بينما يرشفن من زجاجات الفانتا.

 

هوث بلدة يلفها الهدوء والسكون؛ تتفرع شوارعها الملتوية من قلعة عتيقة تستقر فوق تل مجلل بنبات الخلنج. تجثم فنادق تقدم الفطور ضمن الحساب بطول الشارع الرئيس المواجه للمياه. تتبدى غنية بالألوان مرتبة الأركان. يسير أناس بسراويل مكوية وسترات أنيقة معالَجة بالشمع على رصيف معبد بالأسمنت؛ يمسكون بمقاود تنتهي إلى كلاب صغيرة ويجاهدون لإبقاء قبعاتهم فوق آذانهم في مواجهة رياح البحر. يعي مايكل بأن ثمة أجساماً مهندمة تتحرك بالقرب من جسمه إلا أن تهديداً لا يتسلل إليه. يصعد أجراف البحر ماراً ببيوت تواجه الغرب ومقاوماً رئتيه المدخنتين. يخطو هابطاً الطريق نحو صفوف من الخلنج ثم يمشي إلى أن تستحيل أوراق النباتات الخضراء العالية إلى نفق تكاد تمس أوراقه قمة رأسه. وفي النهاية يعثر مصادفة على أرض مجردة من الشجر بيد أنها تحفل بزهور برية تتلون بالأرجواني والأزرق. يشرف على المنظر حيث يلتقي البحر بالأفق ويتفكر، ماذا فاتني؟ أين كنتُ؟

 

يتحسن المشهد في ربيع 1994. إذ تظل السماء منيرة حتى الثامنة ثم تتلون برفق بلون أسود ناعم مغسول بالوردي. تتجاوز درجات امتحان مايكل في الشتاء توقعات مرشده. فتزداد منحته ليتمكن من شراء مدفأة تُدخل على حجرته إحساساً دافئاً خانقاً.

 

يتخيل أنه يرافق أمه إلى هوث ليريها حقول الزهور البرية والعشب المتمايل ناحية البحر. سوف يبتاعا سمكاً ورقاقات بطاطس من متجر بيشوف ثم يجلسان بمتنزه البلدة ليراقبا المراكب الشراعية وهي تتهزهز إزاء الرياح.

 

 

*

 

توافي المنية أحد السجناء القوميين المشهورين في إضراب عن الطعام عام 1981 مما يشعل احتجاجاً عنيفاً في كل أنحاء العالم فيتم إطلاق سراح ديكلان من السجن. بالكاد يستطيع ليام ذو الستة أعوام تذكر أبيه. ينطلق ديكلان نحو مدينة بيرمنجهام رأساً بصحبة جنود من فرقته السابقة. ينقضي أسبوعان ثم يتفق أن تنفجر بين يديّ ديكلان قنبلة معدَة لأحد السفراء البريطانيين. تقطع نورا أياماً بأكملها في الفراش ملتزمة بحمية صارمة من الجين والبيرة. يحمل مايكل ذو التسعة أعوام ليام حين يبكي فيما يزحف شون الذي لم يتخط الثامنة إلى فراش أمه ليمشط شعرها الزيتي بأصابعه النحيفة.

 

 

*

 

لا توجد خطط للانتقام مما وقع لأن الوفاة – رغم بشاعتها – تعتبر حادثة، ومن المستحيل لوم أي شخص بعينه. يتعرض رجال الجيش الجمهوري الأيرلندي لخطر القبض عليهم عند إذاعة خبر القنبلة فيتوارون عن الأعين. يقرر مجلس الجيش في دبلن أن أية جنازة لافتة للأنظار لن تسفر إلا عن المزيد من عمليات الاعتقال لأن الأوفياء لديكلان سوف يخاطرون بحيواتهم لحضورها. وعدوا نورا بمبلغ شهري لها ولأطفالها – معاش أرملة يفوق بمراحل ذلك المعاش الهزيل الذي كانت تتلقاه وديكلان في السجن. سوف تتسلم الشيك الأول – ومعه الوعد بشيكات أخرى في المستقبل – في حفلة تكريم بأحد منازل دبلن الآمنة. تستقل الحافلة إلى دبلن. إنها أول مرة تفارق فيها الشمال.

 

 

لا يزال ضباب الصباح الكثيف يعانق المباني الرملية والحافلة تدلف إلى المدينة من الجانب الغربي. تتوقع نورا أن تجد المدينة مختلفة غير أنها تتراءى لعينيها مثلها مثل أي جيتو كاثوليكي آخر، مجرد امتداد آخر من منازل عديمة الألوان مسطحة الواجهات تتراص بطول الشوارع الضيقة، ثمة أعلام بالية ثلاثية الألوان مسمرة في أبواب زال عن بعض أجزائها الدهان. تسير بحذاء نهر ليفي، ليس باهر المنظر في شيء – نهر قذر تعوم على وجهه هالة من الروث. تحدق إلى المحال بطول شارع ويستمورلاند التي تبيع القمصان القطنية الرخيصة وسلاسل المفاتيح والسجائر والصودا. تنبعث رائحة العيش المخبوز من قهوة بولي، تقف برهة لتحملق في نوافذ ملونة الزجاج، ترصد نساء في بزات بيضاء يُنزلن مقاعد خشبية لامعة تتكوم فوق الموائد.

 

يتفرس فيها أمين صندوق أحد محلات الصحف بشارع ديم أثناء شرائها علبة سجائر؛ تتلمس النقود بيد مرتبكة محاولة إخراج الفكة السليمة – فالجنيه في منتهى الخفة والرقة مقارنة بالإسترليني البريطاني المتداول في الشمال. لديها عدة ساعات لاستكشاف المنطقة قبل أن تلحق بالحافلة المتجهة إلى ضاحية راثمينز والمنزل الآمن. ترمق عيناها سلسلة من متاجر متألقة وحانات نظيفة تتعلق بواجهاتها نباتات لا تنقصها العناية. تتخذ مجلسها على مقعد. تلم الحكة بحلقها. ليتها تتمكن من تناول كأس لتسترخي.

 

تشاهد حافلة رحلات طويلة فضية اللون تتوقف إلى جانب الرصيف. يتفرق من بابها عدد زوجي من نساء ورجال يكبرونها في السن؛ يرتدون بزات من بذل الهرولة المتطابقة والأحذية الرياضية. تتردد أعينهم يميناً ويساراً، يومئون برؤوسهم ويطلقون أنفاساً عالية، يستنشقون الهواء وكأنه معبأ بعطر غريب غير معهود. تهرول امرأة في معطف وردي من البلاستيك صوب تمثال برونزي قائم بجانب نورا – "آه بصواا، إنها موولي ماالون" – تمد حروف العلة وكأنها تخاطب حشداً هائلاً وليس مجموعة من عشرين شخصاً يقفون على بعد أقل من ذراع. إن التمثال لهو بحق تمثال مولي مالون، يتفتح الشق البرونزي بصدرها فوق أصيص من الأزهار. تمسك امرأة ذات شعر أزرق زرقة لا تطاق بكتاب مطبوع على غلافه كلمة دبلن. تقلب الصفحات ثم تنطق بنبرة المنتصر، "مولي مالون، المومس ذات العربة!" تنطلق من أفواه المجموعة ضحكات مرحة. لا تنفك المرأة ذات الرداء الوردي تتحسس مولي وتتفحصها. تعجب بمريلتها المكشكشة وصدريها الواقعيين بغرابة. لا ينصرف بصرها إلى نورا مرة واحدة رغم أن نورا تتفرس فيها بلا تحفظ، أول سائحة تراها في حياتها.

 

يعقد كل زوجين ذراعيهما ليسيروا جميعاً نحو متجر "كل ما عندنا أيرلندي" حيث يقفون خارجه في انتظار أن يكونوا أول الزبائن. يبدأ الذعر يدب في نفس نورا وهي تشاهد السياح ذوي القلنسوات يضغطون بجباههم على الزجاج ليسددوا نظرات الإعجاب إلى سترات منسوجة بأسلوب آران وبلور ماركة ووترفورد. تستقر عيناها على حانة بالجانب المقابل من الشارع. لن تحتسي سوى كأس سريع.

 

وفي داخل حانة لونج ستون يندس مدمنو خمر ترتسم على ملامحهم التجاعيد في الأركان المظلمة للحجرة الأمامية؛ يشخصون بأبصارهم إلى كؤوسهم كما لو كانت كرات بلورية على وشك الكشف عن رسالة مهمة. تتحرك نورا إلى مؤخرة الحانة حيث لا تراها العيون. تضمر استهزاء بالسكارى المصطفين عند البار وهم جالسون في هدوء بصحبة بعضهم البعض. استيقظت في الرابعة صباحاً لذا لو كانت قد صحت مثلاً في التاسعة، إذن ففارق الأربع ساعات سوف يتجاوز بها الآن ميعاد الغداء – وقت ملائم تماماً لاحتساء كأس.

 

تمكث في الحانة إلى أن يفوتها كل من الاجتماع والحافلة العائدة إلى بلفاست. تمشي – والسكر والحزن يفيضان بها – في طرق المدينة حتى انشقاق الفجر. لا يوقفها أحد ولا يتعرض لها أحد، لا يتحدث إليها أحد ولا يتعرف عليها أحد. تمشي بحذاء نهر ليفي بالكامل – من مبنى الجمارك حتى متنزه فينيكس – بدون أن يجول بخاطرها سوى قدمين تضربان بهما الأرض وديكلان، يأتيها صوته مع رشاش ماء النهر القذر المرتطم بحائط السد. وعندما تصير إلى البيت في الصباح التالي وقد حل بها الانشداه وفاحت منها النتانة، ترشقها أمها بنظرات مرعوبة تقابلها نورا بابتسامة. إنها البداية. لم تبلغ بعد الثلاثين وعلى استعداد لأن تمسي عجوزاً غير مرئية. هكذا ستكرم ذكرى ديكلان؛ وبمرور الوقت سوف يتداخل توقها الموجِع إلى الشراب وحزنها حتى إن إيجاد حل للأول سيعد بمثابة خيانة للثاني.

 

والآن، بعد انقضاء عقد من الزمان، عندما تفرط بحق في الشراب، يتوجب عليها البحث عن كل شيء: الباب، الحنفية، المرحاض، الزجاجة ذات العلامة الصفراء – تفتش بعواطف مشبوبة تفتيش طفل ينقب عن بيض عيد الفصح، منهمكة كل الانهماك في عملية القنص.

 

يترامى إلى نورا صوت مجموعة الغلمان وهم يدنون مجدداً، تسري أصواتهم كما الراية أسفل نافذتها. تنهض والسرور يطغى عليها. لقد جاءوا أخيراً. سوف تحرص هذه المرة ألا يفوتهم لقاؤها. تدنو من النافذة لتُلوح عبر القضبان الحديدية. "يا أولاااد. تعالوا لنضعكم عن قريب على الطريق المضبوط."

 

"إيه؟" تبدر من أحد الفتية ضحكة توحي بالحقارة. "آه، أنتِ أيتها المنيوكة السمينة السكرانة، أنا متأكد أنكِ فعلاً تقدرين على وضعنا على الطريق المضبوط." يدفع فتى آخر وركيه إلى الأمام وإلى الخلف. يستغرق الأمر عدة دقائق من نورا حتى تعي ما يحدث؛ إذ تتولاها برودة مفاجئة فتكتشف أن رداءها سقط في مكان ما وهي الآن تقف عارية مرتعدة أمام النافذة فيما يضيء جلدها المتجعد تحت نور مصباح الشارع. يتسابق الغلمان فيتراءون بقعاً وثابة في الأفق. "أنتم خراء في خراء!" تصيح. "جهلة، جهلة!"

 

 

*

 

يبرح مايكل حانة كينيدي في إحدى الظهائر فإذا به يبصر أول خط من خطوط الدخان مثله مثل إصبع نحيف طويل يمتد إليه. لقد انفجرت قنبلة. يندفع الناس من المحطة اندفاعاً وكأنهم ماء يتفجر من أصمة مكسورة. يبحث عن الفتاة ذات الشعر الأسود في الزحام إلا أن هناك أقداماً لا عد لها تركض وذعراً ما بعده ذعر يدوي في الهواء. إنه القطار المتجه جنوباً وليس قطار 5:25 ومع ذلك...

 

يستدير. يشعر بالحرارة والغضب يستفحلان داخل صدره وهو يسير بشارع ديم. يحاول أن يقاوم فورة الأدرينالين القديمة المتصاعدة تصاعد القيء في حلقه. يمشي عبر منطقة ذا ليبرتيز ماراً بمحلات السلع المستعملة وأكشاك السمك والبطاطس ورجل نائم تحت لحاف وسخ برواق ترفعه الأعمدة ويتصدر كنيسة قديمة. يفطن إلى أنه يجب أن يقصد بيته – أن يستقل سيارة أجرة أو حافلة أو يتطفل على إحدى السيارات. لكن لا رغبة له في أن ينتهي وحيداً. فيسير بخطى ثابتة في ليل أسود سواد الفحم، يقطع نهر ليفي ثم يجتاز متنزه فينيكس نحو الطريق الدائري الشمالي. تحف بالشارع منازل خفيضة عريضة مشيدة بالقرميد، تتعلق بنوافذها ستائر متيبسة من الدانتيل؛ ينام قِط عتابي على عتبة إحدى النوافذ بجانب تمثال للعذراء. لم تقطع جلبة الانفجار بعد هذه المسافة الطويلة فلم يصدر عن الشارع حس. ثم بدأت صفارات الإنذار ترتفع.

 

يقف مايكل في الركن أمام المنزل الذي يتذكره، يولي وجهه اتجاهاً ثم الآخر المعاكس. لو طرق هذا الباب، سوف تسقط كلمة السر من بين شفتيه كبصقة سردين في يده. يشعر بأن كل ما وقف عليه – هويته السابقة وهويته الحالية وهويته المرجوة – ينسحق متحولاً إلى نبضة منتظمة تخفق خلف عينيه بالضبط. لا يفتأ يستدير تحت الضوء المرتعش المنبعث من عمود الإنارة في انتظار أن يقرر، أن يجده أحد، أن يختار.

 

 

  

* دارت DART: النقل السريع بمنطقة دبلن ((Dublin Area Rapid Transit: اسم خط السكة الحديد الجاري بموازاة ساحل دبلن.

* حركة فينيان: حركة ثورية سرية تأسست في الولايات المتحدة وأيرلندا في منتصف القرن التاسع عشر تهدف إلى الإطاحة بالحكومة البريطانية في أيرلندا.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.