مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

 

تكرم جيس رو بالموافقة على نشر قصتيّ "بحيرة الفردوس" و"القطار المتجه إلى لو وو" في مجلة البوتقة.

Mr. Row was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Heaven Lake" and "The Train to Lo Wu" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Row a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

بحيرة الفردوس

القطار المتجه إلى لو وو

جيس رو

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.jessrow.com/

 

 

القطار المتجه إلى لو وو

 

 

أوشكت ابنتاي على إدراك طور النضج: فواحدة في السادسة عشر والثانية أكملت عامها الثاني عشر. ماي-لين، الابنة الكبرى، تعد فنجان القهوة بنفسها وتضفر شعرها بإهمال كما الحبل وهي جالسة إلى مائدة الإفطار؛ ماي-بو، طويلة القامة هيفاء القد كفرع نبات الأرز، تحمل على ظهرها حقيبة تزن ثلاثين رطلاً وكأنها ستُستدعى في أية لحظة لتسلق جبل إفيريست. يبدآن في الحركة بالشقة مع انشقاق الفجر: تنفتح عيناي على صوت ماء الدش يجري، كعوب عارية تدق أرضية الصالة، موسيقى تنطلق، باب ينغلق غلقاً يصك الآذان. حينما أدلف إلى المطبخ، تتردد أعينهما بين المائدة والأرضية والتلفزيون دون أن ترتقي إلى أعلى. تساو، أقول، "صباح الخير"، فتتحجر ملامحهما وكأني أوقعتُ كأساً أو حككت أظافري بسبورة. أتصور أحياناً أني تعثرت داخل الأوبرا خلال الوقفة بين المقطوعة التي تُعزف في المقدمة والغناء المنفرد. سوف تتشابك أصواتهما معاً في أية لحظة لتندب قائلة، أبونا يأسرنا في قلعته، بوسعي سماعهما تغنيان. أنقذونا!

لا عيب فيهما من دون شك. هما حساستان، كائنات لم تمسسها يد – مثلهما مثل فراشتين شقتا للتو شرنقتيهما. لو كانت أمهما على قيد الحياة، لقالت، اتركهما على راحتهما. استمتع بالهدوء. ربما هذا ما يجب عليّ فعله. منذ رحيلها عن هذا العالم من ست سنوات تعلمتُ أن أصنع جدائل فرنسية ومعكرونة سريعة التحضير كما حفظتُ عن ظهر قلب أسماء مئات من مغنيي الموسيقى الشعبية. أخالني مدرس الفلسفة المقارنة الوحيد الذي صافح أفراد فرقة ’باكستريت بويز‘. ما وجه الصعوبة، بعد كل ذلك، أن أعتاد على التجاهل. لكني عندما أجلس بجوارهما، منحني الظهر فوق فنجان الشاي وجريدة ’مينج باو‘، فيما لا تخرجان هما عن صمتهما، يشملني إحساس يتعذر على الوصف، وكأن قلبي ينتفخ داخل صدري كما البالون وكل نبضة تضغط على أضلعي كما لو كانت ضربة صادرة عن طبلة مكتومة. "لا علة بك"، نقل إليّ الطبيب إلا أنه مخطئ. ذلك النبض ما هو إلا صوت الزمن يتقدم. أغض الطرف محدقاً في جريدتي وأفكر، لا، ما هو بالسهل الهين، أنا لا أرى الهدوء رفاهية.

"انظري"، خطفتْ ماي-لين انتباه أختها وهي تقلب صفحات مجلة من مجلات الأزياء. سوف تقصد باريس في يوليو لتكمل السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية بالجامعة الأمريكية هناك. أقحمتْ إصبعاً في إحدى الصور. "هناك تعيش كل عارضات الأزياء"، قالت، "بالدائرة الخامسة."

رنت إليها ماي-بو من فوق كتفها رنوة تنم عن الفضول. "خلتِك قلتِ بموناكو،" استفسرتْ.

"ذلك في الشتاء. أما ربيعاً فلا بد أن يتواجدن بباريس. الكل يعرف ذلك."

رفعتُ رأسي. "لا تلعب بعقلك الأفكار،" نبهتُها. "أنتِ ذاهبة إلى هناك لتدرسي، لا ليلتقط لك الرجال الصور."

"عارفة"، قالت. "عارفة". اختلج جفناها وهي تنظر إليّ ثم أشاحت برأسها عني. رجل عجوز، سمعتُها تقول في سرها، ماذا لديك أيضاً لتخبرني به؟ قل لي شيئاً لم تقله من قبل.

عندي إجابة على هذا السؤال أيضاً. ذلك أسوأ ما في الحكاية.

 

بعد أن غادرتا – وضوء الصباح الباهت يلفهما – وضعتُ القرص المضغوط المفضل لديّ – روستروبوفيتش يعزف عزفاً منفرداً على آلة التشيلو من تأليف باخ – ومشيت فوق الأرضية بقدمين وئيدتين تنتعلان جوربين دون أن يصدر عني صوت. بددت شمس مارس الضباب خارج النوافذ. بإمكاني – ولو وددت – أن استشرف عبر ميناء تولو قمم الجبال الثمانية المسماة باسم الثمانية الخالدين، تلتقي عيناي بمنحدرات عريضة تكللها الخضرة وتتناثر أمامها ظلال السحب. إلا أني لا أرسل بصري من النافذة. عشت في هونج كونج لمدة ثلاث عشرة سنة وطالما تراءت لعينيّ جزءاً من الخيال، غاية في النظافة والإشراق مثلها مثل صورة ببطاقة بريدية أضفى عليها مصور ماهر لمساته. تتكوم بحجرة مكتبي أوراق في انتظار التصحيح وكتب من المفترض أن أكون قد قرأتُها وراجعتُها منذ شهور خلت، لكن ينقصني التركيز: فالوقت ينساب بين أصابعي انسياب المياه. أهمس باسميّ ابنتيّ في الهواء وأقول، استمعا. استمعا إليّ.

عندما كنتُ في مثل سنكما، كنتُ مثلكما تماماً. كنتُ أحسب أن كل ما بحياتي صدفة. عقدتُ العزم على أن أمضي إلى الجانب الآخر من العالم حين أشب عن الطوق. أنبأني  الكل بأنه ضرب من المستحيل غير أني عملتُ جاهداً وانتظرتُ وأخيراً تيسرت لي الفرصة. وبعدها –

وبعدها؟

لِم يتعسر الشرح؟

 

في خريف عام 1982، عندما كنتُ في التاسعة عشر، رحلتُ عن مدينة ووهان الصينية إلى نيويورك؛ كنتُ قد فزت في مسابقة حكومية ونلت منحة خاصة للدراسة بجامعة كولومبيا. يصعب عليّ الآن تخيل مدى براءتي وقتها. لم تكن نيويورك عند ذاك تلك المدينة التي تشاهدها ابنتاي في برامج التلفزيون، حيث يتمشى الشباب بالشوارع وتجرى الضحكات والنكات على الثغور. فقد كان السطو وقتذاك شائعاً للغاية لدرجة أن أحداً لم يكن يخرج – حتى خلال النهار – إلا عند الضرورة القصوى. كان أصحاب المحلات يسحبون البوابات لتغطي الواجهات بعد الغروب كي يحولوا دون أن يكسر اللصوص النوافذ؛ حتى داخل مباني الطلبة كنا نوصد حجراتنا بثلاثة أقفال. خلال الليالي الدافئة من شهر سبتمبر ذلك كنتُ أطل برأسي من نافذة المنزل الدولي وأقلب ناظري في شارع ’كليرمونت أفينو‘ مفتشاً عن شخص واحد وحيد يسير بالشارع. عطلتْ المباني من أي ملامح تميزها شأنها شأن السجون. كنتُ أعلم أن نيويورك هي أكبر مدينة في العالم وأن هناك اثنى عشر مليوناً من البشر يختبئون وراء تلك الجدران، مع ذلك ران عليّ شعور بأني محبوس داخل غرفة معزولة. قلت في قرارة نفسي، إما سأجن هنا وإما سيقتلني مجنون في الشارع. كيف يقوى أي شخص على أن يحيا هكذا؟

المشكلة هي أنه كان من الضروري أن أجني بعض النقود. فحتى مع دفع مصاريف الدراسة والكتب والحجرة، لم أكن أملك ما يكفي لأن آكل ثلاث وجبات يومياً. وعلى الرغم أنها كانت تمطر طيلة أول شهر أكتوبر قضيته هناك، لم أقدر على شراء مظلة أو حذاء جديد بدل الحذاء الذي جلبتُه معي من بلدي. كنتُ أذهب إلى الفصل كل يوم مرتدياً نفس البذلة الرثة فكان الطلبة يرشقونني بأعينهم المحدقة. اعترتني المهانة. لم تكن أسرتي بالصين فقيرة؛ إذ نجا أبي من محنة الثورة الثقافية وأعيد تعيينه في وظيفته بقسم التاريخ في جامعة هوزونج. لكن لا مراء أن كل الصينيين يرتدون نفس الملابس يوماً بعد الآخر اللهم إلا إذا كانوا فاحشي الثراء. حدث خلال ذلك الفصل الدراسي أن مددت نظري عدة مرات من نوافذ الفصل إلى الطلبة الأمريكيين، كانوا يلبسون قمصاناً ممزقة على أحدث طراز وبنطلونات بالية عند الرُكب. تمنيت لو أستطيع التوجه إلى مكتب المنحة لأطلب تذكرة متوجهة إلى بيكين حيث هناك على الأقل لا يبرمون وعوداً لا يفون بها.

غير أن الحل كان أسهل منالاً. انصرف نظري يوماً إلى لوحة الإعلانات بردهة المنزل الدولي لألفي بطاقة عليها كلمات انكتبت في عجالة. "اكسب أموالاً الآن بدون تصريح عمل. كل ما عليك هو الاتصال بوو،" وأُضيف رقم تليفون.

"أنتَ طالب؟" سأل بالصينية بمجرد أن بلغه صوتي.

"أقيم بالمنزل الدولي – "

"تعال إلى تقاطع شارعيّ ’فيفتي-سيكث‘ و’برودواي‘،" أمرني. "ابحث عن التنين المحظوظ."

"حاضر –"

أغلق الهاتف في وجهي.

كان التنين المحظوظ مطعماً صينياً يقع في وسط المدينة عند زاوية مزدحمة، كانت نوافذه ضخمة الحجم داكنة اللون تعكس ما يدور بالشارع. وقفتُ على الرصيف لبرهة، مشطتُ شعري بأصابعي ثم كورتُ يديّ لصق الزجاج فتملكتني الدهشة. خلا المكان من الصينيين، ما أبصرتُ سوى أمريكيين، بيض وسود ولاتينيين يأكلون من أطباق أمريكية ضخمة بشوك وسكاكين ويشربون الخمور والكوكاكولا. وقعت عينا السيدة الجالسة وراء ماكينة الدفع عليّ فزعقت بكلمات خرج على إثرها من المطبخ رجل بدين بدانة الفيل وفتح الباب. كان يلبس سترة بيضاء بدت وكأن شخصاً قد تقيأ عليها. "تتكلم الإنجليزية؟" صاح في وجهي بالصينية بلكنة كانتونية* واضحة.

"أجل."

"هل تجمع وتطرح من غير عداد؟"

"طبعاً."

"تركب دراجة؟"

فرت مني ضحكة رغماً عني. فسؤال الصيني ما إذا كان يستطيع ركوب الدراجة كسؤال السمكة ما إذا كانت تستطيع العوم. فبهونج كونج وحدها يركب الصينيون الدراجات على سبيل التريض.

"جيد،" قال وو. "سأعطيك خريطة. الدراجة موجودة بالبدروم."

"ماذا سأشتغل يا عمي؟"

"توصيل الطعام الصيني!" صاح بالإنجليزية وعيناه تكادان تجحظان من محجريهما. "عشرون دقيقة أو أقل. ماذا كنتَ تحسب يا أستاذ ’بطة بيكين‘؟*"

 

في البداية لم يكن الخوف يزايلني على الإطلاق. درَستُ الخريطة التي أعطاني إياها وو إلى أن استطعت تحديد كل تقاطع في عقلي لئلا أضطر قط إلى التوقف للسؤال عن الاتجاهات. كنتُ أركب الدراجة وسلسلتها الثقيلة تحيط بكتفي والقفل مفكوك؛ لو أمسكني أحدهم من الخلف، قلت لنفسي، سوف ألوح بها وأسدد ضربتي. أراني أحد عمال التوصيل كيف أربط قماشة بيضاء حول جبهتي لكي أبدو كممثل الجونج فو ’بروس لي‘. "لو حاول أحد سرقتك،" نصحني، "ما عليك سوى أن تلوح بذراعيك مقلصاً عضلات وجهك وتصرخ طويلاً. سيدعك لحالك." إلا أني كنت في الحقيقة أدرك أن الشجاعة لن تواتني أبداً على القتال. كنتُ سريعاً في قيادة الدراجة وكان ذلك ما اعتمدتُ عليه. كانت كل توصيلة بمثابة مهمة لاقتحام أرض العدو فكنتُ أعود على شفير الرعب، أخترق شاحنات التوصيل والسيارات الأجرة وكأن أشباح الثعالب أو عفاريت الثيران تطاردني.

اشتغلت على هذه الحال لمدة شهر، أربع ليال أسبوعياً؛ بعدها فارقني التوتر قليلاً وطفقت أتفرج على الطريق وأقرأ اللافتات أثناء ركوبي. ’جاك للمعلبات،‘ ’قنطرة الزهور،‘ ’شارع كولومبوس سيركل،‘ ’فندق شيري-نيزيرلاند.‘ وفي منطقة المسارح حفظتُ شبكة الأزقة والشوارع الجانبية حيث توجد أبواب خشبة المسرح، رأيتُ هناك رجالاً في حلل سوداء ينتزعون مني الأكياس انتزاعاً ويدسون لفائف من النقود في يدي: أحيانا عشرون دولاراً لقاء طلب بخمسين دولاراً، أحياناً عشرة لقاء طلب بثلاثة عشر دولاراً ونصف. كان البوابون بشارع ’سنترال بارك ويست‘ يلوحون لي بأياد نافذة الصبر كي أدخل، ألقت عليّ عجوز تعيش بمفردها محاضرة حول كيفية البقاء دافئاً والحفاظ على نفسي آمناً. قاطعتُ أناساً يتجادلون، فرت القطط من بين كاحليّ، حملتُ أطفالاً يتصاعد بكاؤهم فيما كانت أمهاتهم تحصين آخر سنت من طلبهم بلا زيادة.

كان العائد مزرياً – أعلم ذلك الآن. لكنه لاح كالثروة وقتها: كاف لابتياع معطف للشتاء وزوج من الأحذية برقبة طويلة من محل ’وولورث‘ وخمسة قمصان الواحد منها بخمسين سنت من جيش الخلاص*. عندما كانت الدراجة تنزلق على الزقاق خلف التنين المحظوظ، كانت السعادة تغمرني. كنتُ أرى في عملي مغامرة أي مغامرة، مغامرة لم تدر بخيالي قط وأنا في شقة والديّ بووهان. مَن كان يتصور أني سوف أتجول وحدي بحرية في شوارع نيويورك، أتحدث اللغة وأتعامل مع النقود وكأن المكان مكاني وأقوم بذلك ببساطة متناهية؟

ليت القصة انتهت هنا. سأضحي بأي شيء لتكون تلك النهاية.

 

في الساعة الحادية عشرة بليلة من ليالي الخميس في نهاية أكتوبر، جاء طلب أخير من شارع ’تينث أفينو‘. كيسان من الطعام ثقيلان ثقلاً زمجر له عامل المطبخ وهو يخرج بهما من الباب. سنحت مني نظرة على الإيصال – ثلاث دجاجات بصلصة البرتقال واثنان ’مو شو‘ بلحم الخنزير وست لفائف من البيض – ارتفع حاجباي عندما هبط بصري إلى أسفل، ثلاثة وأربعون دولاراً. مَن يملك مثل هذا المبلغ ليصرفه في أكل صيني؟

"قالوا إنها حفلة عيد ميلاد،" علا صوت وو من المدخل. أمسكتْ إحدى يديه بساطور والأخرى برقبة دجاجة مسموطة؛ سالت الدماء على حرف النصل وتقاطرت فوق حذائه. "لقد وعد بإكرامية سخية. لا تقلق."

"ظننتنا لا نوّصل بالليل أبعد من شارع ’إيتث أفينو.‘"

"إن كنتَ لا تريده، سيأخذه أي شخص آخر. ماش أم لا ]بالصينية[؟"

"ماش ]بالصينية[،" قلت. "طيب." دفعتُ الرصيف بقدمي بلا مبالاة متوازناً على دواسة واحدة كما أبصرتُ عمال التوصيل الآخرين يفعلون. إلا إني حينما عبرت آخر خمارة مضاءة عند زاوية شارعيّ ’فيفتي-ساكند‘ و’ناينث‘، لعنتُ تظاهري الشجاعة. فقد افتقرتْ مخازن الحي ومرائبه إلى حتى النوافذ، لم تقع عيناي سوى على حوائط مصمتة وأبواب من الصلب موصدة إيصاداً. كانت معظم مصابيح الشارع مكسورة: كنتُ أُسرع من رقعة صغيرة من النور إلى التالية التي كانت أحياناً على بُعد نصف شارع. عندما انعطفتُ إلى شارع ’تينث‘، شعرتُ بالعرق يتجمع تحت إبطيّ وعلى صدري وأسفل حلقي. لكني وجدت هنا نوراً على الأقل: ألفيت واجهة محل يغطي نوافذه ورق بني اللون يتوهج كتوهج مشكاوات مهرجان القمر. تفقدتُ الرقم: هذا هو المكان. لم ينفذ منه أقل صوت ومع ذلك شعرتُ براحة تساورني. طالما أن العنوان صحيح – طالما لم يتقدم أحد من العتمة ليفتح دماغي بطوبة – فالتوصيلة لا غبار عليها. كنتُ قد أنجزت بحلول ذلك الوقت مئات الرحلات من التنين المحظوظ؛ ربما خلت نفسي لا أقهر.

عندما طرقتُ الباب، انفتح بضع بوصات عن وجه يطل من الشق: أنف وشارب رفيع وشفتان بينما لم تظهر العينان للرائي.

"مَن الطارق؟"

"طلبتم طعاماً صينياً؟"

اختفى الوجه ثم انفتح الباب على مصراعيه. تقدمتُ خطوة فإذا بالأنوار تنطفئ ويدان تدفعانني إلى جانبي؛ أسقطتُ كيساً ولوحتُ بالآخر أمامي. أخفق الكيس في إصابة شيء وطار من أصابعي فسمعتُه يرتطم بالأرضية ارتطاماً ثقيلاً مكتوماً. انغلق الباب في عنف ووجدتُ نفسي حبيساً في الظلام. دفعتني اليدان ثانية فاصطدم كتفاي بالجدار. "ولا حركة!" أنذر الصوت. "معي مسدس! ولا حركة!"

"طيب!" قلت. "طيب! حاضر!" رفعتُ ذراعيّ في الهواء. "ماذا تريد؟"

"اخرس ثانية واحدة." سرى على الأرضية شعاع انبعث من مشعل وانتهى عند وجهي؛ لحق بي إجفال أغلقتُ معه عينيّ. "أين النقود؟"

أدخلتُ يدي تحت قميصي وفككت حزام اعتدنا أن نحمل به الفكة. "أنا لا أراك،" قلت وأنا أمد يدي بالحزام. "أنا لا أراك، دعني أذهب، ماش؟"

ولى الضوء عن وجهي. ورد على أذنيّ صوت سحاب الجراب ينفتح والعملات ترن على الأرضية. "اللعنة!" قال بصوت منخفض إنما غاضب. "اللعنة! أهذا كل ما معك؟ عشرة دولارات."

"لا يحمل عمال التوصيل غير عشرة."

"أين محفظتك؟"

أخذتُها من جيبي الأمامي ومددتها إليه. "لا أملك شيئاً،" قلت. "أنا فقير."

سمعتُه يقذف المحفظة على الأرضية بالجانب الآخر من الغرفة. محفظتي، حدثتُ نفسي. كانت أول شيء اشتريته من أمريكا من محل كريجر للأدوات المكتبية بتقاطع شارعيّ ’112th‘ و ’برودواي؛‘ وذلك كي أحفظ بها بطاقة الجامعة الجديدة ونسخة من التأشيرة وصورة لوالديّ وأخي وأختي. فاحت بالحجرة رائحة ما أريق من طعام صيني: ثوم وزنجبيل وصلصة البرتقال الحلوة زيادة عن اللازم التي تلذ للأمريكيين. إذا كان ولا بد من الموت، تفكرتُ، فلأموت هنا. لا أريده أن يبعدني عن وجهيّ والديّ ورائحة طعامي.

"أنا لا أراك،" قلت بصوت أعلى هذه المرة. "لن أفه بحرف. دعني أذهب لحالي."

لم أظفر بجواب. فتحتُ عينيّ لأرى المشعل قابعاًً فوق الأرضية وقد رسم هلالاً باهتاً على الحائط الأمامي. جثم الرجل لصق الأرض وظهره إلى الباب: كان ضئيل البنية شاحب السحنة، أضخم مني بقليل. كان يرتدي قميصاً مفتوح الرقبة وبنطلوناً أسود من البوليستر ويحوى رأسه بين يديه. استقر بجانبه مسدس فضي صغير يلمع وكأنه لعبة من لعب الأطفال.

"لا بد أن تساعدني أيها الصيني،" رجا في صوت أخمدتْه راحتاه. "أمامي عشر دقائق حتى أحصل على سبعين دولاراً."

"لكني لا أملك نقوداً."

"آه، عارف،" قال. "لديك أصدقاء؟ هناك هاتف في الخلف. عندك أهل هنا؟ شخص عنده سيارة؟"

"كل أسرتي بالصين."

"متأكد؟" أنزل يديه ورمقني: وجه وسيم الطلعة – نحيل ذو عظام بارزة – إلا من ندبة طويلة وردية اللون تنحدر من زاوية فمه. "أليس لديك أبناء عمومة بالحي الصيني؟ أليس من المفترض أن تكونوا كلكم أبناء عمومة؟ تشين، تشون، وانج، أسماء مثل تلك؟"

"اسمي لو."

"اللعنة." انطلقتْ منه ضحكة مفاجئة أشبه بنباح الكلب الصغير. "حظي العاثر. أنا وأكثر الرجال الصُفر وحدة في نيويورك."

"لِم تحتاج إلى هذه الدولارات السبعين؟"

رماني بنظرة غير مصدقة وكأني سألته عن سبب غروب الشمس بالليل. "أنا مديون يا رجل، ديوني ثقيلة."

"ألا تعمل؟ لا تجني نقوداً؟"

"آه، عندي عمل. في المراهنات. أتعلم ما هي المراهنات؟"

أومأتُ برأسي وإن لم أفقه معناها.

"أنا أشتغل عند روني فرانسيس،" أنهى إليّ وكأنه اسم يقف عليه الجميع كنيكسون أو الكولونيل ساندرز. "روني لا يهزر. آخر مرة أخذتُ فيها زيادة قليلة، كان هذا جزائي." رفع يده أمام وجهه فانفرجتْ أصابعه. تفرستُ في الضوء الخافت بعينين نصف مغمضتين فثبتت عيناي على إصبع صغير مقطوع من عند المفصل.

"هذه المرة سيقتلني،" كاشفني. "روني أكد لي. هو لا يُحذر سوى مرة واحدة."

"ليس بمقدوري معاونتك،" قلت ثانية في صوت لا حد لارتفاعه وبلكنة جعلتُها تبدو أمريكية للآذان. "ما أنا سوى عامل توصيل. إن لم أرجع إلى البيت، سوف يتصل زميلي في الغرفة بالشرطة."

سدد إلىّ عينين شاخصتين لحظة دون أن تند عنه كلمة. "أيها الصيني،" قال، "أنت لا تفهم. عندما تصل الشرطة إلى هنا، نحن الاثنان سنكون ميتين."

استشعرتُ وخزاً يصعد من أصابع قدميّ وكأني خطوت للتو داخل حوض استحمام متجمد. أنا فديته، فكرتُ. أنا سبيله إلى  الخلاص. لن يطلق سراحي أبداً. ثم تدبرتُ، امنحه شيئاً. إنه يائس – وسوف يصدقك.

"ولِم تمكث هنا؟" سألتُه. "اختبئ في مكان آخر."

التقط المسدس ونهض على قدميه. طوق صدره بذراعيه وراح يهتز يمنة ويسرة كالمتجمد من البرد. "لا أقدر،" أفضى. "عيون روني في كل مكان. لن أستطيع حتى أن أستقل حافلة لتخرج بي من محطة ’بورت أوثوريتي.‘"

"سأتصل برئيسي،" اقترحتُ. "سيجد مَن يأخذك إلى ’نيو جيرسي.‘ سهلة. ادفع له بعدها."

"بعد أن خطفتُ عامل التوصيل العامل لديه؟"

"هو لا يعبأ بي،" طمأنتُه. "هو لا يعبأ غير بالفلوس. قل له إنك ستدفع مائة دولار وسيقلك إلى أي مكان."

أمسك عن الكلام وسار إلى النافذة. نزع قطعة من الورق ليتمكن من التطلع إلى الشارع.

"شاحنة توصيل صينية، بلا نوافذ، لن يراك أحد. تريدني أن أتصل به؟"

"عندي ابن عم في ’نيوارك.‘" صار صوته مبحوحاً وكأن شيئاً يتورم في حلقه. "أختي تعيش في ’فيلي.‘" أطرق بعينيه نحو المسدس الصغير ثم أعاد النظر من النافذة. "ممكن تخدمني هذه الخدمة؟"

"اعطني المشعل،" قلت فألقاه إليّ. سرت بخطوات محاذرة باتجاه نهاية الغرفة، وطأتْ قدماي كومة من الطوب المكسر وأزحت من أمام وجهي بيوت عنكبوت وأسلاكاً مفكوكة. رقد الهاتف على الأرضية بأحد الأركان وقد اتصل بسلك عار من النحاس. تربعتُ جواره واتصلتُ بالرقم الوحيد الذي أعرفه: مكتب قسمي بجامعة كولومبيا. غطيت فم السماعة وتكلمتُ بصوت عال بالصينية. أبونا، قلت مستخدماً الاسم نفسه، ليتك تسمعني الآن. أنا على وشك ارتكاب شيء فظيع. غفرانك. ثم كررتُ كلمة ’نعم‘ عدة مرات، هوو، هوو، كي يبدو وكأن اتفاقاً يُعقد ثم أغلقتُ الهاتف.

"سننعطف حول زاوية الشارع،" أخبرتُه. حانت مني التفاتة فرأيت محفظتي مرمية أمام الحائط على بعد عدة أقدام؛ التقطتُها وأرجعتُها إلى جيبي وأصابعي ترتعش. "اختبئ وراء صندوق قمامة،" قلت. "سيوافينا هناك."

 

عندما كنتُ طفلاً بمدينة ووهان إبان الثورة الثقافية، سيطر الحراس الحمر على مدينتنا ثم انشقوا إلى فرق ليشنوا المعارك في الشوارع بالعُصي والسكاكين والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية. علمتُ في تلك السنوات أن المسدس الصغير لا يمكنه التصويب بدقة على هدف يبعد أكثر من بضع أقدام. لو تمكنتُ من الابتعاد عن هذا الرجل والعدو، أكيد سيخطئني. هذا ما جال بخاطري ونحن نبرح المبنى لنسير في شارع ’تينث أفينو‘ باتجاه ’فيفتي-ساكند؛‘ بمجرد أن يوارينا المنعطف، فكرتُ، سأطلق ساقيّ للرياح في خط متعرج يميناً ويساراً ليشق عليه التسديد.

"لا أصدق،" قال ونحن نمشي. بدا أقل حجماً مما بدا بالداخل، كان مقوس الظهر، يصوب نظرات مهتاجة إلى الشارع بطوله. وشت نبرات صوته برغبة في البكاء. "ما إن أخرج، ستكون تلك هي النهاية،" قال. "لن يسعني العودة إلى نيويورك ألبته. إنه روني فرانسيس يا رجل، حتى لو ظهرتُ بعد موته، سيقتفي شبحه أثري ليقضي عليّ."

تعوذتُ بالصمت. كانت عيناي تتعلقان بالزاوية، تُقدران عدد الخطوات التي يتطلبها الفرار، تساءلتُ ما إذا كان عليّ أن أجرى فقط أم أدفعه أولاً لأمنح روحي ثانية أو اثنتين زيادة.

"اسمي ويليام،" عرّف نفسه. "أصحابي يدعونني ويلي. ما اسمك يا رجل؟"

"لو،" قلت. "اسمي لو."

"ما هذا الاسم العجيب؟ لو؟ إنه اسم فتاة يا أخي، مثل لوسيندا أو لولو وما شابهها. لا، سأدعوك باسم آخر. أنتَ تعمل لدى التنين المحظوظ، أليس كذلك؟ إذن فأنتَ السيد محظوظ. أنتَ تميمة حظي يا رجل."

"طيب. السيد محظوظ،" قلت وأنا بالكاد أسمعه.

"أنا عيني ترف." أخذ نفساً طويلاً لم يبرأ من الارتجاف وحوى صدره بين ذراعيه مجدداً رغم أنها كانت ليلة دافئة رطبة لا تليق بأكتوبر. "ينتابني إحساس بأني سأموت يا رجل،" باح إليّ. "أنا خائف."

 "بعد الشر،" قلت. "كل شيء تمام، سرعان ما ستأتي الشاحنة."

"احك لي قصة،" طلب مني. "ممكن؟ فقط كي تلهيني."

كنا الآن على بُعد عشرين قدماً من الزاوية، باق ست خطوات أو سبع. أحسست بوخز وأزيز يتنازعاني وكأني أقحمت إصبعي داخل مقبس كهربائي. راودتني رغبة في أن أثب عليه وأنتزع المسدس منه، لكن لم يغمض عليّ أن تلك الحركة قد تودي بي أسرع من أي شيء آخر. أطبقتُ قبضتيّ بقوة حتى إن أظافري جرحتْ جلدي. "لا علم لي بأي قصص،" قلت. "آسف."

"بالله عليك!" أوحى لي تنفسه الشديد بأن أزمة قلبية قد تنزل عليه. "الكل يعلم قصة. ارحمني يا أخي!"

"حسناً." أرخيت جفنيّ للحظة فانثالت عليّ من حيث لا أدري سلسلة من الكلمات الصينية؛ في البداية لم أتعرف عليها مطلقاً. "كانت هناك سمكة،" بدأتُ. "سمكة عملاقة تسبح في المحيط الشمالي. تحولتْ السمكة إلى طائر – طائر كبير كِبر السماء بأكملها. طار الطائر إلى بحيرة الفردوس."

أومأ ويليام إيماءة عنيفة. "القصة جيدة،" قال. "تروقني. بحيرة الفردوس. أين هي إذن؟ أين هي بحيرة الفردوس؟"

اقتربنا من الزاوية فتوترتْ عضلات قدميّ تهيئاً للركض. شعرتُ وكأنما أمشي على رجلين خشبيتين كالبهلوان. استدارت عند الزاوية سيارة أجرة طوت ’فيفث أفينو‘ في ثوان. أرسلتُ بصري من فوق كتفي لأتيقن من أنها لم تتوقف فشاهدتُ سيارة زرقاء تقبل بطيئة من الاتجاه المقابل. كانت شيفروليه على ما أخال، كان لون أحد الأبواب مختلفاً عن البقية وكأنه حل محل باب آخر. كانت تسير بأنوار مطفأة. ثمة رجلان يجلسان في المقدمة، استطعت رؤية أذرعهما وصدريهما تحت نور مصابيح الشارع فيما غاب وجهاهما في الظلمة.

"بالله عليه يا رجل،" توسل ويليام. "بحيرة الفردوس! لا تكف الآن."

أسرعتْ السيارة ثم تمهلتْ بحذائنا، انفتح باب السائق وهي لا تزال سائرة.

"يا ويليام. إلى أين العزم يا ويلي؟"

توقف ويليام وتدلى فمه كطفل يسرق قطعة من الحلوى. تحول برأسه إليه فيما تراجعتُ أنا مبتعداً عنه. أردت أن أجري إلا أن قدميّ تسمرتا عند الركبتين؛ طويت ذراعيّ أمام صدري وكأن في ذلك حماية لي.

"أهلاً،" رد ويليام بصوت أجش النبرات. "لا عزم ولا حاجة يا كيرت. أنا كنت فقط أنتظرك."

خرج كيرت من السيارة وتفرس فيّ من فوق كتف ويليام. كان طويل القامة، يرتدي معطفاً بنياً من الجلد، كانت زرقة عينيه باهتة على نحو لم أره من قبل، كعينيّ القطة. عصرتُ صدري بذراعيّ؛ فشعرتُ بأضلعي على وشك التصدع.

"هذا السيد لو،" قال ويليام. "سوف يعطيني قرضاً صغيراً. سأحضر النقود لروني غداً. أقسم لك."

"ذلك صحيح؟"

ازدردتُ ريقي بصعوبة؛ بدا طعم فمي وكأنه مكسو تراباً. تطلعتُ إلى وجه كيرت ويديه اللتين تتدليان مفتوحتين إلى جانبيه وحدّثتُ نفسي، سوف يفطن. سوف يفطن لو كذبتَ عليه. هززت رأسي ببطء.

"اركب السيارة،" أمر كيرت ويليام.

"ماذا؟ لِم؟ قلتُ لك للتو إني –"

قبض كيرت على معصم ويليام وثني ذراعه خلف ظهره، أخذ بتلابيبه وطوح به ليرتطم بجانب السيارة. لوى ويليام رأسه وعيناه تحملقان إليّ. "اتصل بالشرطة!" صرخ. انفتح الباب الخلفي وحده وكأن سحراً انصب عليه، دفعه كيرت إلى الداخل وأغلق الباب. التفتْ بعدها نحوي وأخرج محفظته. "يا تشارلي،" قال. "اسمع يا تشارلي. إليك خمسون دولاراً." ألقى بالنقود أمامي فتبعثرتْ على الرصيف كمناديل مفكوكة أو أوراق مرمية بالقمامة. "كله تمام،" قال. "اركع على الأرض. لا تنظر إلى أعلى، من فضلك. فاهمني؟"

"فاهم،" أجبت.

"إذن اركع وعِد إلى مائة."

نفّذتُ ما أملاه عليّ. ضغطتُ بوجهي إلى الرصيف حتى دارت السيارة حول الزاوية ثم رفعتُ رأسي. ما تناهت إليّ أية صرخات أو صفارات إنذار؛ لا شيء سوى صدى نفَسي. وقفتُ ببطء وقد انحنى ظهري واتكأتْ يداي على ركبتيّ. انقضت دقيقة طفقتُ بعدها أسابق الريح. فتحتُ قفل الدراجة وقدتها والاهتياج يركبني. اجتزت طريقاً دائرياً طويلاً وعندما بلغتُ التنين المحظوظ في النهاية، خلفتُ الدراجة والسلسة عند الباب الخلفي.

 

أنا مدرس فلسفة. آلهتي – إن كانت عندي آلهة – تعود إلى العصور السحيقة، رجال جف ريقهم من السهر حتى بواكير الصباح وهم يتولاهم القلق من استبدال كلمة بأخرى. يي، تعني الاستقامة. رين، تعني فعل الخير: حب الأب لأبنائه، حب الفرد للبشر جميعاً. أتحدث عن هذه الموضوعات في حلقاتي الدراسية وغالباً ما يقول تلاميذي الشبان، الذين هم في مثل سني عام 1982، لا توجد استثناءات. كان ’إيمانويل كنت‘ على صواب. كان ’مينشييس‘ على صواب. ألقي نظرة عليهم وأجتر الذكريات: أنا ممدد بسرير المنزل الدولي ليلتها، أتقلب على الجنبين مراراً وتكراراً وقد التّفتْ الملاءة حول جسمي كما الحبل. استقر بجانب سريري هاتف التصق بأحد جوانبه شريط أبيض يقول ’اتصل بـ 911 للطوارئ‘. استرجعتُ وجه ويليام وملامحه المشوهة من فرط الألم ثم تفكرتُ في أبي وكيف أن الشرطة كادت تقتله ضرباً عام 1968 حين جرؤ على الإبلاغ عن مقتل صديقه. أتأمل هذه الحوادث ثم أرنو إلى تلاميذي لأخبرهم، لا. ليس لنا أن نقرر.

يقول أرسطو في كتابه أخلاق نيكوماخوس، في بعض الحالات لن نلهث بالإطراء لكننا سنعفو، سنعفو عمن اقترف خطأ من جراء ظروف تستعصي على الاحتمال. يخالجني أحياناً ارتياح عظيم لتلك الكلمات. لا لأن إحساساً بالذنب يلسعني للإفلات بحياتي. لا، لكن لأني أعلم أن ثمة أشخاصاً سيقولون إن ويليام استحق معاناته وإني تحليت بشجاعة خليقة ببطل من أبطال أفلام الحركة. بل إني أظن أن ابنتيّ سيتولد لديهما إعجاب جديد نحوي، نظرتهما إلى شوارزنيجر الذي يتدحرج دوماً بعيداً عن الجرف أو ينقلب ليصيب السكين رجلاً آخر. لذلك أحب كلمة العفو. فالعفو فسحة صغيرة، ثغرة يتراجع عندها العالم ليتركك لحالك. إنه الباب الذي أمرق منه كل يوم لمّا أفتح عينيّ.

إليكم مشكلتي، مرة أخرى: أنا ملم بالأمر تماماً. إلا أن العفو ليس تبريراً؛ ليس أمراً يسعك أن تخلفه ميراثاً لأطفالك. فالعفو هو نقيض القصة.

 

انتهى القرص المضغوط بعد أن استمعتُ إليه أربع مرات. تدفقتْ أشعة الشمس من النوافذ واستحال لون مياه الميناء إلى أزرق زاه يضرب إلى الاخضرار كلون صابون الغسيل. تغْلب عليّ الدهشة الآن من حماقتي لتفكيري بهذه الطريقة. فأي رجل آخر كان سيقول، هذا ما تعلمتُه من حياتي. وسيروي كل ما لم أروه: امرأة تدعو آن يي التقيت بها بعدها في نفس تلك السنة بمطعم المنزل الدولي، كافحنا خمسة أعوام بنيويورك حتى أتممت دراستي، وُلدت ماي-لي في إحدى الليالي بمستشفى كولومبيا المشيخية أثناء عاصفة ممطرة عاتية بيونيه. سيسرد السارد قصة وفودنا إلى هونج كونج وكيف قضت آن يي نحبها بسرطان الثدي لتخلفني وحيداً مع طفلتين وقلب مجوف كطبلة البوذي الخشبية. يحاول عقلي استجماع كل التفاصيل في نفس الوقت بيد أنها تتسرب مني كمن يحاول اللحاق بظله، كمن يرفع يديه لالتقاط ما يسقط على الأرضية من ضوء.

أين هي بحيرة الفردوس؟

تروي الحكاية القديمة أنها موطن الخالدين، مكان لا نستطع نحن البشر الوصول إليه قط. لكن إليكم رأيي: لم يعد في هذا العالم خالدون. فنحن نقطع المحيطات خلال ساعات ونحادث بشراً على بعد آلاف الأميال بل إننا نزور القمر. لذا لو كانت بحيرة الفردوس تلك بحيرة حقيقية، فهي هنا حيث نحيا، أمام أعيننا. بل إنها قد تكون هنا، في تلك المدينة العجيبة حيث أصحو كثيراً لأتساءل ما إذا كنتُ لا أزال أحلم. ربما ليس من الضروري أن تنتهي القصص بنهايات نفهمها وهل نفهم حياة الإنسان نفسها؟ عل البدايات تكفي.

حانت الساعة الرابعة. ابنتاي في الطريق إلى البيت، تقفان معاً بعربة مترو مزدحمة، تشمران أكمام قميصيهما وتفكان ياقتيهما الضيقتين. تستمع ماي-لي إلى جهاز التسجيل فيما تطالع مجلة من مجلات الأزياء؛ تتصفح ماي-بو مجلة كاريكاتيرية يابانية استعارتها من صديقة، مجلة لا أسمح لها بقراءتها. لو كان الله أطال عمر زوجتي، كنتُ سأسألها: هل هذا هو الإحساس الطبيعي للأب؟ أن أراهما بالوضوح كله لكن دائماً وأبداً تخذلني الكلمات؟ لستُ أنا براو إلا أن ابنتيّ تتقدمان نحو بابي في هذه الأيام الأخيرة الغالية ولا بد أن أمنحهما شيئاً. تدلفان إلى البيت وتُسقطان حقيبتيهما الثقيلتين سقطة تهز أركان الشقة، تستديران فتبصران رجلاً عجوزاً يقف بذراعين مفتوحتين مثل فمه وكأنه يهم بالغناء.

 

 

 

* الكانتونية: لهجة يتحدث بها سكان مدينة قوانغتشو بالصين.

* بطة بيكين: أكلة صينية من البط المشوي.

* جيش الخلاص: جمعية خيرية أسسها ويليام بوث عام 1865.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.