![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد الثالث والعشرون، أكتوبر 2009 |
|
تكرم جيمز لي بيرك بالموافقة على نشر قصة "يسوع يَخرج إلى البحر" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Burke was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Jesus Out to Sea" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Burke a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"Jesus Out to Sea" by James Lee Burke. Copyright © 2006 by James Lee Burke. Originally published in Esquire, April, 2006. From his story collection Jesus Out to Sea. Copyright 2007 by James Lee Burke. Published by kind permission of Philip G. Spitzer Literary Agency, Inc. All rights reserved. Special thanks go to Mr. Lukas Ortiz from Philip G. Spitzer Literary Agency. |
|
يسوع يَخرج إلى البحر ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: 01-Oct-2009
الموقع الرسمي للكاتب جيمز لي بيرك http://jamesleeburke.com/index.html
|
|
|
نشأتُ في الفاسدة الكبيرة* – مدينة نيو أورلينز – شمالاً في شارع متفرع من شارع ماجازين, بين أشجار بلوط لا تفارقها الخضرة وأفراد العصابات والموسيقيين وشجيرات الجهنمية التي قال الرهبان المسيحيون إنها انغرست هناك لتذكرينا بدماء المسيح في بستان جثسيمانى*. كان توني كاردو ومايلز كاردو أقرب أصدقائي. قامت أمهما بأودها من غسل شعر الجثث بالشامبو في إحدى دور الجنائز بشارع تشابِتوليس. كنتُ بصحبتهما عندما عثرا في ظهيرة أحد الأيام على صندوق من الأذرع البشرية تركه شخص من كلية الطب بجامعة تولين إلى جوار محرقة حرم الجامعة. أقحم توني الأذرع في حقيبة من الثلج المجروش, وفي الساعة الخامسة من اليوم التالي عندما كان ترام سانت كلود يستقبل حمولته من جميع موظفي مصنع السيجار, علَّق هو ومايلز الأذرع على سيور يدوية وظهور المقاعد في العربة بأكملها. طفق الناس يصرخون بأعلى صوت ويشقون طريقهم عبر الأبواب. تسلق النافذة رجل أسود ضخم القامة بدين الجسم ليرتطم بعربة تبيع كعك الشوكولاتة بجوز الهند. توني ومايلز, كان هذان الشخصان مسخرة. كان توني معروفاً باسم جوني واد* المافيا لأنه تمتع بقضيب متهدل يشبه قطعة غليظة من خرطوم المشعاع طولها خمس عشرة بوصة. انضم ثلاثتنا إلى الوقعة السوداء – مشاة البحرية – وذهبنا إلى فيتنام, إلا أن توني كان وحده العاجز عن التعامل مع بعض المناظر التي رآها في فيلا لا تبعد كثيراً عن معسكر تشو لاي. تقلد توني ميدالية القلب الأرجواني ونجمتين برونزيتين لكنه تطوع للعمل في مستودع الجثث كيلا يضطر إلى رؤية مشاهد كهذه مرة أخرى. عدتُ أنا ومايلز إلى بلدنا وعزفنا الموسيقى بما فيها عروض للجاز بملهى العازف شاركي بونانو ’الغرفة الحالمة‘ الكائن في شارع بوربون. جلب توني فيتنام إلى نيو أورلينز ونقَلها معه إلى كل مكان قصَده أياً كان. ليت الحرب لم تبهدل نفسية توني, وليته أيضاً لم ينقلب مجرماً. لقد كان شخصاً طيب السريرة ذا قلب حنون, وكذلك كان مايلز, لذا كنا أصحاباً. وقد علِمنا بطريقة ما أن الموت لن يمسسنا أبداً لو لبثنا معاً. تتذكر مشاجرات العصابات في الشوارع؟ حين بلغتُ سن الصبا, كانت العصابات أيرلندية أو إيطالية. شغَل البِيض جميع مساكن الإيواء كمساكن إبيرفيل بيد أن الصِبية سكانها اتسموا بغلظة لم أشهدها في غيرهم طيلة حياتي. كانوا يسرقون الجماجم من سراديب مدافن سانت لويس ويتزلجون في شارع نورث فيلير وقد اعتلت الجماجم عصي المقشات. كنت في الصف العاشر عندما انتزع نفر منهم آلة السكسوفون مني داخل عربة الترام. توجه توني إلى مساكن الإيواء بمفرده وجعَل شخصيين يبللان سراويلهما الداخلية ثم مرَق إلى شقة هذا الصبي والأسرة تتناول العشاء ليَخرج بعدها بآلتي. لم يقو مخلوق على النطق بحرف. كان للمجرمين وضعية مريبة في نيو أورلينز إبان الخمسينات والستينات. إذ سرى نوع من التفاهم بين قسم شرطة نيو أورلينز وعائلة إجرام إيطالية أدارت كل الرذيلة. أية بَغِي وعدت زبونها بممارسة الجنس ثم تعاونت في عملية للقبض عليه داخل الحي الفرنسي نالت تذكرة حافلة متجهة إلى بلدة سنيكس نيفِل في تكساس على حين سقط قوادها من فوق سطح أحد المباني. أي شخص اعترض طريق سيارات السياح أو المسنين ليغتصب نساءها تحطمت سيارته بالهُرى وانقذف من سيارة متحركة بالقرب من حدود المقاطعة. ما تأكد أحد من مصير المتحرشين بالأطفال. فلم يعثر عليهم أحد قط. إلا أن المدينة كانت مكاناً جميلاً. هل تمشيتَ أبداً عبر ميدان جاكسون في الصباح الباكر والسماء تتلون باللون الوردي, واستنشقتَ رائحة المِلح في الرياح ورائحتيّ القهوة والفطائر تُقْبلان من قهوة كافيه دو موند؟ اعتدتُ أنا ومايلز الجلوس في هذه القهوة برفقة المغني لويس بريما والعازف سام بوتيرا. إنني لا أضحك عليك يا رجل. كنا ننفخ في الآلات الموسيقية حتى شروق الشمس, وبعدها نأكل ملء حقيبة من كعك فرنسي ساخن يحليه مسحوق السكر ونرشف قهوة باللبن على مقعد من الصُلب والنخيل يظللنا بينما يُقِيم فنانو الأرصفة حوامل الرسم والدهانات في الميدان. تراءى السديم وضوء الشمس من خلال الأشجار كغَزْل البنات. كان ذلك قبل أن تتلاشى المدينة من الوجود, وقبل أن أتلاشى أنا ومايلز معها. نزَلتْ أحجار الكوكايين بمساكن الإيواء في مستهل الثمانينات. ذكَّرني الصِبية السُوْد المنتشرون في كل شبر من منطقة وسط البلد بشخصيات فلم ليلة الموتى الأحياء. فقد أحبوا هم أيضاً المسدسات الأوتوماتيكية عيار 9 مليمتر. اقتطع الجيبِر* – رونالد ريجان – من المعونة الفيدرالية المقدَّمة إلى المدينة نصفها, وبات معدل الجريمة في نيو أورلينز هو الأعلى في الولايات المتحدة. تسنى لنا رؤية السياسي ديفيد دوك كثيراً. أعاد تشكيل وجهه بجراحات التجميل وكف عن ارتداء الملاءة المميِّزة لجماعة ’كو كلاكس كلان‘ المتعصبة للبِيض ووضع شارة النازية حول ذراعه, وهكذا عامله الحشد الأبيض الهارب من أحياء دخَلها السود وكأنه جيفرسِن ديفِس رئيس الولايات الكونفدرالية أيام الحرب الأهلية وكاد ينتخبه حاكماً. غدَت نيو أورلينز ساحة مفتوحة لإطلاق النيران. هِمْتُ أنا ومايلز على وجوهنا حول شاطئ الخليج ودخنا الكثير من سجائر الماريجوانا وتظاهرنا بأننا لم نزل نعزف الجاز. لا أتحرى الأمانة هنا. لم نكتف بالماريجوانا. فقد نشِطنا بمنتهى الحدة والعنف للانضمام إلى نادي الهيروين وعدة الحَقن. رمانا توني نحن الاثنين في إحدى المستشفيات الكاثوليكية وأنهى إلي رئيسة راهبات وزنها ثلاثمائة رطل أن تُشبع مؤخراتنا ضرباً بخرز سُبحتها – تلك المكوَّنة من خمس عشرة مجموعة من الخرز, كل مجموعة من عشر خرزات – لو حاولنا المغادرة قبل أن نبرأ من الإدمان. غير أن كل هذه الأحداث وقَعت قبل أن تضرب العاصفة نيو أورلينز. فبعد أن اجتازتنا العاصفة, ما تراءى أي شيء صنعناه أنا ومايلز وتوني على أي قدر من الأهمية. تتبدى المياه بلون الشوكولاتة البني بينما يلتمع على السطح لون أزرق ضارب إلى الخضرة مثل الجازولين عدا أنه ليس جازوليناً. استقرت في القاع كل محتويات الخطوط الرئيسية للبالوعات المكسورة. عندما يحاول الناس الخوض فيها, تنتفخ حول صدورهم وأذرعهم سحب قاتمة. لم يسبق لي قط أن شممت رائحة تماثلها. الشمس لهب أصفر على المياه البنية. لا بد أن درجة الحرارة بلَغت الآن 95. أبصرتُ عند الفجر امرأة سوداء في الشارع المجاور – شارع انخفض مستواه عن شارعي. وقفت على سطح إحدى السيارات. كانت ضخمة الحجم يتغلف جسمها بلفائف دهنية أشبه بكومة من الإطارات الداخلية. كانت ترتدي فستاناً أرجوانياً طفا عالياً فوق خصرها وتُلوح نحو السماء طالبة العون. جدف مايلز قارباً من حانة يمتلكها عند الزاوية, ومضينا نحن الاثنان إلى حيث هبَط سطح السيارة أسفل المياه مسافة علها كانت ست أقدام حين وصلنا هناك. توارت السيدة السوداء عن الأنظار. لا أنفك أقول لروحي إن مروحية تابعة لخفر سواحل الولايات المتحدة رفَعتها. فهؤلاء الرجال التابعون لخفر السواحل شجعان. بيد أني لم أسمع صوت أية مروحيات خلال الساعة المنصرمة. أربط أنا ومايلز القارب إلى أحد منافذ الهواء أعلى سطح بيتي ونجلس فوق حافة السطح في الانتظار. يُخرج مايلز صورة تُظهره هو وتوني وأنا مجتمعين في حديقة الملاهي القديمة عند بحيرة بانشيترين. ارتدينا كلنا بناطيل من الجينز وقمصاناً قطنية وقصصنا شعورنا قصة ’طيز البطة,‘ نبتسم ونرفع الأباهيم تحيةً أمام آلة التصوير. لن يسعك تصديق مدى وسامة توني ومايلز أيامها, بشعور سوداء شأن الجلد اللَّماع ووجهين إيطاليين كوجه الممثل رودولف فالنتينو. لم يكن أحد ليصدق أن مايلز سيدس هيرويناً في ذراعه أو أن توني سيؤوب من فيتنام وأصوات ريش الهليكوبتر لا تزال نابضة داخل رأسه. أحضر مايلز معه في القارب أربعة أباريق من مياه الحنفية يزن الواحد منها جالوناً مما يجعل حالتنا أفضل بكثير من أغلب جيراننا. إنه الحي التاسع الجنوبي من مقاطعة أورلينز. يلتقط بصري رؤوس نخيل تنتأ من المياه على بعد شارعين اثنين لا غير. يسعني أيضاً أن أرى منازل مغطاة عن آخرها. تناهت إليّ الليلة الفائتة أصوات ناس يطرقون الأسطح من داخل علالي هذه المنازل. يخالجني إحساس بأن أصوات هؤلاء الناس لن تفارق منامي قط, وأن باطن رأسي لن يختلف عن باطن رأس توني. شُيدت الكنيسة القائمة في الشارع من الجص الوردي. يتعرش على أحد جدرانها نبات الجهنمية. يصل ارتفاع المياه الآن إلى برج الجَرَس الصغير, ويقبع عميقاً أسفل المياه صليب كبير تعلق في الممر, صليب ذو يسوع خشبي منحوت يدوياً. حاول القسيس أن يَحمل الجميع على مغادرة الحي إلا أن الكثير من الناس لم يمتلكوا سيارات أو على الأقل سيارات يمْكنهم الاعتماد عليها, ولأن يومها سبَق قبض المرتبات بيومين عاز معظم الناس الأموال أيضاً. وهكذا أعلن القسيس أنه باق هو الآخر. فاتت ساعة ثم هبت الرياح من الخليج وشرَعت في تجريد جنوب لويزيانا من وجهه. وفي هذا الصباح اصطدم بصري بالقسيس طافياً بحذاء قمة شجرة بلوط دائمة الخضرة. رقَد على معدته وقد انتفختْ ملابسه بالهواء وامتدت ذراعاه إلى جانبيه كمن ينقب عن شيء أسفله في الشجرة. تحطمتْ السدود واندلعتْ النيران في أحد خطوط الغاز الرئيسية تحت المياه وأشعلتْ ألسنة اللهب سطح منزل مؤلَّف من طابقين في صف المباني المجاور. استولى على مايلز الاشمئزاز من الحال برمته. "لمَّا ينتهي هذا الوضع, سوف أنتقل إلى أريزونا," ينبس. "لا, لن تفعلها," أقول. "سترى بنفسك." "هذه هي الفاسدة الكبيرة. إنها جواتيمالا. نحن لا ننتمي إلى مكان غيرها." لا يحاول أن يجادلني في تلك النقطة. عزفنا في سن الصبا مع أشخاص اشتغلوا عند العازفِين كينج أوليفر وكيد أوري وبانك جونسِن, مايلز على الطبل, وأنا على السكسوفون الصادح. الأرجح أن فليب فيليبس وجو جونز لم يعتبرانا تحدياً لمسيرتهما المهنية ولكننا نلنا نفس ما نالا من احترام. شخص بمقدوره أن يقلب عُصي الطبل بسرعة هائلة تصبح معها ضبابية بيضاء بملهى ’الباب الشهير‘ سوف ينتقل إلى الصحراء ويعزف أغنية "غَنوا, غَنوا, غَنوا" للسحالي الضخمة؟ إن مايلز ذاك يُفطسني من الضحك. لا يزال شعره أسود اللون, يُسرحه إلى الوراء كما الخيوط على فروة رأسه. يتبدى جِلد ذراعيه في مثل بياض جلود الأطفال, جِلد متغضن أكثر مما يجب إلا أن عروقه لا تزال زرقاء, لا متقبضة ولا مغطاة بالندوب من تأثير إبر حقناها في جلودنا. لا تَنقص مايلز الصلابة غير أني أقف على ما يجول في خاطره. انطلقنا أنا وهو وتوني معاً, وبعدئذ انخرط توني في الحياة, وبالحياة أعني الحياة الحقة يا رجل: مخدرات, بغايا, ابتزاز أموال النقابات, الإقراض بفوائد باهظة, بل عله خلَّص على رَجلين. لكن مهما بلَغ عدد ما ربما ارتكب من جرائم, تمَسَّك توني بالشيء الصالح الوحيد في حياته, صبي صغير وُلد معاقاً. لقد أحب توني ذلك الصبي الصغير. "تُفكر في توني؟" أسأل. "أرسل لي بطاقة بريدية في الأسبوع الماضي. حمَل ختم البريد اسم مدينة مكسيكو سيتي. لم يُوَقعها لكني أَعلم أنها منه." يفضي مايلز إليّ. يَرفع عن صدره فانلة ذات حمالتين رفيعتين ليمسح قطرة عرق عن أرنبة أنفه. تَلوح كتفاه جافتين صلبتين, يَنْشَّد الجلد انشداداً على العظم؛ تبدأ الشمس لتوها تنثر عليهما سفعتها. يحتسي المياه من أحد أباريق اللبن, يقتصد فيها مبتلعاً كل رشفة ببطء. "ظننتُك قلتَ إن توني كان في الأرجنتين." "أجل, إنه يتنقل هنا وهناك. فهو لديه العديد من المشاريع القانونية الآن. ولا بد أن يضع عينه عليها ويُكثر من السفر." "آه, كان توني دوماً رَجلاً عملياً," أتفوه متحاشياً عينيه. تَعْلم ما هي رائحة الموت؟ سمَكٌ دفنه أحدهم في حديقة أزهار تتفتح ليلاً. أو ساحة لدفن الجثث خلال الموسم المطير في دولة استوائية بُعيد تعطل المولدات الكهربائية. أو محتويات دِلاء اعتادت البغايا العاملات في زراعة قصب السُكَّر سكبها في مصارف الأمطار خلف مواخيرهن الحقيرة في أصباح الآحاد. لو هبَّتْ إليك تلك الرائحة مع الرياح أو في منامك, سوف تحرص على أن تُولِي كل الاهتمام إلى شروقك التالي. أبدأ في التطلع إلى القارب والمياه الجارية في كل الاتجاهات نحو الأفق. تؤلمني مؤخرتي من الجلوس على حافة المنزل وتَحْرُق الألواح الخشبية راحتيّ. أدري أن هناك أرضاً أعلى في مكان ما غرب موقعنا, طريقاً عاماً مرتفعاً ينتأ على دعائم ومباني سكنية تناطح السحاب وتعلوها أسطح يمكن للمروحيات الهبوط عليها. يحيط مايلز بالفعل بما يَقُوم في خاطري. "اِنتظر حتى يحل الظلام," يأمر. "لِمَ؟" "لن نجد نفس عدد مَن يريدون القارب," يجيبني. أسدد إليه نظرة ويرين عليّ الخجل منا نحن الاثنين. من المفترض أن يكون للإعصار بداية ونهاية. يمزق الأرض تمزيقاً ويملأ الهواء بالأشجار والطوب والحيوانات الطائرة بل والناس أحياناً. يدفعك إلى أن تتكور مثل الكرة تحت مائدة وتصلي إلى أن تنفجر قطرات الدماء على حاجبك, ثم يولي تاركاً إياك لتنظف ما خلَفه وكأن شخصاً خدع البلدة برمتها بمزحة كبيرة. بيد أن هذا الإعصار لم يَصنع ما صنعه غيره. إنه يقتل على مراحل. تقع عيناي على طفل أسود بحفاض في شجرة بدت لطخة خضراء ليس إلا تحت سطح المياه. بوسعي أن أشم رائحة جيراني في عليتهم. لا تختلف الرائحة عن رائحة فأر غارق في دلو من المياه داخل مرأب مفرط الحرارة. ثمة شخص أبيض يعوم فوق إطار داخلي ويَسند على معدته مذياعاً يعمل بالبطارية. يمر بنا وينبئنا بأن قناصة أطلقوا النار على رأس شرطي وقتلوا ضابطين من ضباط حماية الأسماك والطرائد. سرَقت عصابة قَتَّالين قَتلة قارباً في محاولة منهم لإنقاذ المرضى من مستشفى الصَّدَقة. اكتسى ملعب ’القبة الضخمة‘ ومركز المؤتمرات بطبقة من البراز, وعازتهما المياه والطعام لآلاف الأشخاص الذين نال منهم الغضب الشديد كل منال. حاولتْ زمرة منهم دخول أبرشية جيفرسِن فصدهم رجال من الشرطة صوبوا فوق رؤوسهم الطلقات. لا يحتاج الحشد الأبيض الهارب من أحياء دخَلها السود إلى مشاكل إضافية. يقول الرَجل معتلي الإطار الداخلي إن تمساحاً التهم غزالاً كان في الطابق الثاني من أحد منازل الشارع المجاور. المفروض أنها معلومة مسلية؟ "عندكما يا جماعة أي شيء ليؤكَل فوق؟" يسأل رَجل الإطار الداخلي. "آه, سُفرة كاملة بنت وسخة. زوَّدتُها بالطعام من مطعم جالاتوار قبل مجيء العاصفة بالضبط," يرد مايلز عليه. مايلز ذاك. ومع اقتراب المساء تحتجب الشمس وراء السحب وتنقلب السماء أرجوانية غاصة بالطيور. تُقْبل مروحيات خفر السواحل منخفضة فوق المياه, يدفع تيار الهواء السفلي منخفَضاً طويلاً ضيقاً على السطح, يتأرجح رجال الإنقاذ من الحبال الغليظة بسهولة وكأن أي شخص بإمكانه القيام بما يقومون به. يأخذون الأطفال والعجائز والمرضى أولاً ويطيرون بلا راحة. أُضمر كل الحب لهؤلاء الأشخاص. غير أن مايلز وأنا نعلم كلانا كيف سيؤول الحال. فقد رأيناه من قبل – الخروج السلس من شمس تتوهج توهجاً عبر الأغصان العلوية للغابة, طلقات الأسلحة الآلية ترتطم مدوية ببنية الطائرة, تأوهات مجروحة تنتظر في مهبط طائرات يوشك جنود شمال فيتنام النظاميون على اجتياحه. ليس بمقدورك أن تعيد الكل إلى الوطن يا تشاك. هكذا ينتهي الوضع في بعض الأحيان. ثمة شخص يجلس على مدخنة منزله ويضع سماعتيّ مذياع ووكمان في أذنيه. يقول إن رئيس الولايات المتحدة طار إلينا وأشرف علينا من طائرته ثم رجع أدراجه إلى واشنطون. لا أخالها قصة حقيقة مع ذلك. لو أن الرئيس كان بالفعل في تلك الطائرة, لهبط بها وحاول الاطلاع على حالتنا, لتوجه إلى ملعب ’القبة الضخمة‘ ومركز المؤتمرات وتحدث إلى الناس هناك ليُعْلمهم أن الدولة تقف إلى جانبهم. تهب الرياح على بغتة من الجنوب, وأتمكن من استنشاق روائح الملح والمطر وما يفيح من السمك حين يضع بيضه. أخالني ربما أحلم. "توني قادم," يقول مايلز من حيث لا أدري. أرنو إلى وجهه المنتفخ بتلويح الشمس وكتفيه المغطيين بطبقة ناشفة من الملح. أتساءل في قرارة نفسي إن كانت قدرة مايلز على الاحتمال قد خارت. "توني يَعرف مكاننا," يخبرني. "عنده أموال ونفوذ ومعارف. نحن عصابة ’الماكينة بنت اللذين من ماجازين.‘ هكذا كان يقول دوماً. ’الماكينة بنت اللذين‘ تضرب الظيز وتُخَلِّص على العدو." كدتُ أصدقه للحظات. ثم أستشعر كل الكدمات والتعب, وتعصف أصوات الرياح الصارخة بحيي وتنضح مني شأنها شأن مياه سوداء يمتصها قعر حوض هائل الحجم. يغوص رأسي إلى صدري ويغلبني النوم وإن كنت أَعلم أني أتخلى عن يقظتي في أسوأ وقت ممكن. أُرسل الطرف إلى توني وهو يقف عند باب مروحية من المروحيات الخضراء المرحة* والرياح تُسطح ملابسه على بنية لا تَعدم العضلات القوية. أرى المروحية تَلوح فوق المنازل لتحمل الكل على متنها, وتُسقط للناس أطواق نجاة منفوخة صفراء اللون زاهيته, وتُُمطر فاقدي الأمل بزجاجات المياه وعِلب الجرايات. لكنني أحلم. أصحو مجفلاً. غابت الشمس عن السماء, ولا تزال المياه ترتفع, والسطح تغطيه طبقة سميكة من القمامة. يتدلى حبل المركب من منفذ الهواء, انقطع بسكين. راح مركبنا, ومعه راحت أباريق المياه. إنها ليلة طويلة ساخنة. يحجب النجوم دخان نيران أضرمها المخربون في حي جاردن ديستريكت. أرضية منزلي تهبط. يطقطق زجاج النوافذ من الأُطر بينما تنبعج الأرضية وتند عن مسامير الجيزان أصوات وكأن شخصاً يُضَّيق سلك بيانو على مِلْوَى خشبي. يكاد الفجر ينشق الآن. مايلز جالس على حافة السطح وركبتاه مفرشحتان على الألواح الخشبية مثل مشبك غسيل بشري يُحَدق إلى بقعة في الأفق الجنوبي. يتغير اتجاه الرياح فأشم رائحة كرائحة أزهار تتفتح ليلاً في حديقة سُمِّدَت بدماء الأسماك. "مايلز؟" أنادي. "أيوه؟" يلفظ بلسان مثقل بالبرم راغباً عن تحويل انتباهه عن بقعة الأفق. "لقد عزفنا مع المغني لويس بريما. قال إنك في مثل مهارة الطبَّال كروبا. كسَّرنا الدنيا مع المغني جوني سكات في ملهي ’الغرفة الحُلم‘ وعزفنا الجاز ارتجالاً مع شاركي وجاك تيجاردِن. كم مِن الناس تأَتى لهم فعل ذلك؟" "إنها هليكوبتر خضراء مرحة. بُصْ," يقول. لا أريد أن أنصت إليه. لا أريد أن أنجذب إلى أوهامه. لا أريد أن يركبني الخوف. لكني خائف. "أين؟" أسأل. "هناك, هناك, عند شريط الضوء ذاك بين البحر والسماء. انظر إلى شكلها. إنها الخضراء المرحة. إنه توني يا رجل. لقد قلتُ لك." تقترب الطائرة من الجنوب كنجم يغمز بعينيه مساء ثم يختفي ثم يعود ليغمز مجدداً. لكنها ليست الخضراء المرحة. إنها طائرة ركاب, وقد عبَرتْ فوق رؤوسنا مباشرة بنوافذ مضيئة ومحركات نفاثة تشق الهواء بهدير بغيض. ينقلب وجه مايلز وعيناه إلى أعلى راصداً الطائرة وهي تختفي, فيُذكرني برأس يوحنا المعمدان الراقد على طبق. "سوف يَحضر بقارب هوائي, وسأُفَكِّرك بكلامي," يقول. "إدارة مكافحة المخدرات قتلته يا مايلز," أصارحه. "لا يا رجل, لقد قلتُ لك. استلمتُ بطاقة بريدية. كانت من توني. لا تصدق أكاذيب الحكومة." "فجروه من المياه خارج ميناء فيراكروز." "مستحيل يا رجل. لم يكن توني. لقد هجر تلك الحياة واضطر إلى أن يَبعد عن العيون. إنه عائد." أَرقد على ظهري ليميل قفاي مستريحاً على قمة السطح وتتدحرج الأمواج الصغيرة على عورتي وصدري مثلها مثل بطانية دافئة. لم أعد أفكر فيما قد تحويه المياه من مواد كيميائية وزيوت وبراز وأشلاء. أُذكر نفسي بأننا خرجنا من حساء بدائي* وأننا لا يجب أن نجد أي شيء غريباً أو كريهاً في تركيبة الأرض. أمد بصري إلى دخان ينجرف عبر السماء وأشعر بالمنزل يرتج أسفلي. ثم يرتج ثانية, فأَعلم أن مايلز قد يكون محقاً في رؤية توني, ولكن ليس كما ظن. عندما أدقق النظر بما يكفي إلى الدخان والنجوم من خلفه, تلتقي عيناي بنيو أولينز مثلما كانت في صِغَرنا. أرى الضباب تَحمله الرياح من سد ميسيسيبي ليتجمع في الشوارع, والمنازل الفيكتورية تنتأ من السديم شأن سفن الخليج. أرى عربات الترام المدهونة باللون الأخضر تُطلق رنينها وهي ذاهبة وقادمة في الحارة المُعْشِبة من شارع سانت تشارلز, أرى نفقاً من أشجار البلوط دائمة الخضرة تقود سيارتك عبره وصولاً إلى منطقة كارولتِن القريبة من السد. تتوهج أنابيب النيون الوردية والأرجوانية في صيدليات كاتس & بيسثوف توهُج دخان ملون داخل الضباب, وتتصاعد الموسيقى من كل مكان كالواقعة في شَرَك قبة كبيرة من الزجاج: تسير فرق الجنازات بآلاتها النحاسية في شارع ماجازين, ينسف رجال سود عُجُز قرميد قاعة ’بريزيرفيشِن هول‘ بموسيقاهم, تعزف الفرق الموسيقية الضخمة فوق أسطح الفنادق بحذاء شارع كانال. هكذا كان الحال وقتها. تستيقظ صباحاً على رائحة زهور الجردينيا ورائحة الكهرباء المنبعثة من عربات الترام وقهوة الهندباء وحَجَر تحول لونه إلى الأخضر بفعل نبات الأشنة. كان الضوء يتسرب دائماً من الأشجار ليخلو تماماً من أية حدة, والأزهار تتفتح طيلة العام. كانت نيو أورلينز قصيدة يا رجل, أغنية في قلبك لم تمت أبداً. لا آسف إلا على شيء واحد. لم يكترث أحد على الإطلاق لشرح سبب عدم قدوم أحد من أجلنا. عندما أتوغل أنا ومايلز في البحر, أود أن أسأله ذلك السؤال. ثم يقع شيء طريف. يطفو جوارنا طوال الوقت التمثال الخشبي الكبير ليسوع على صليبه, تمثال الكنيسة الجص عند نهاية شارعي. يرقد على ظهره بيدين ممدودتين وجِلد تنزلق عليه الأمواج. تتراءى الثقوب في يديه بالضبط كبتلات شجرة البوجنفيلية المتعرشة على حائط الكنيسة. أسأله ماذا حصَل هناك خلفنا. يرمقني ببصره طويلاً كمن يرمق شخصاً يتعلم ببطء لا مزيد عليه. "آه, فاهم قصدك. هو بالضبط ما دار ببالي," أقول غير راغب في إظهار مدى عبطي. ولكن مع الوضع في الاعتبار الصحبة المرافقة – يسوع ومايلز وتوني المنتظر إيانا في مكان ما من الطريق السريع – لا ينطوي صدري على أي استياء من العالَم.
* الفاسدة الكبيرة: اسم تدليع لمدينة نيو أورلينز, ومرجعه فساد استشرى في أعضاء حكومتها المحلية وأسلوب حياة متحرر أخذ به سكانها. * جثسيماني: بستان في شرق أورشليم كان المسيح يتردد إليه طلباً للعزلة, وهو المكان الذي قبض فيه الرومان على المسيح. * جوني واد: اسم بطل سلسلة أفلام إباحية, وقد أدي دوره الممثل جون هولمز المعروف بقضيبه الضخم. * لُقب الرئيس الأمريكي رونالد ريجان باسم "الجيبِر" لأنه مثَّل شخصية لاعب البيسبول جورج جيب المعروف بالجيبِر في فلم نوت روكني عام 1940. * المروحيات الخضراء المرحة: اسم مروحيات مقاتلة تابعة لسلاح الجوي الأمريكي. ويعود الاسم إلى العملاق الأخضر المرح شعار شركة الأغذية الأمريكية جولي جرين, وهو عملاق أخضر الجلد مبتسم الوجه. * الحساء البدائي: سائل غني بالمُركبات العضوية يَعتقد العلماء أنه كوَّن المسطحات المائية على وجه الأرض ووفر ظروفاً مواتية لنشأة الكائنات الحية ونموها. |