مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم دان شون بالموافقة على نشر قصتيّ "النحل" و"خمس غرائز منسية" في مجلة البوتقة.

Mr. Chaon was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "The Bees" and "Five Forgotten Instincts" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Chaon a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

خمس غرائز منسية

النحل

دان شون

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

أفضل القراءات غير الإلزامية 2005

 

 

 

I.

 

يطيب لي أن يرمق الناس ندوبي. أرصد أعينهم وهي تستقر عليها فتنفتح بقعة صغيرة مشرقة داخل نفسي، إذ يسودني شعور وكأنهم يرزحون للحظة تحت رحمتي. يبصرون خطاً سميكاً كما الأخدود يمتد عبر خدي، قطعاً آخر يمر بحاجبي، حزاً لا استواء فيه يحل محل أذن مفقودة. فيهتفون في قرارة أنفسهم، يا يسوع المسيح، ماذا حصل له؟ ماذا لو رأوني عارياً؟!

 

أحياناً ما يسألون وإن يستعين أغلبهم بالصمت. اكتسبتْ عيناي تدريجياً نظرة معينة تجمع بين الصراحة والتوقع فيتحول فضولهم إلى ارتباك وضيق. يظن أكثريتهم: حادثة سيارة؟ يتساءلون عن جراحات التجميل لكني لا أقدم أية تفسيرات. لو أن المنظر لا يلذ لك، لا تتطلع إليه، يا ابن المنيوكة! لكن لا حيلة لهم، فهم يتساءلون.

 

القصة ليست مثيرة كما يتخيلون. كنت في السادسة من العمر، أغيظ كلبة جدي الدوبرمان فما كان منها إلا أن خرجتْ فجأة عن طورها وقطعتْ لحمي إرباً، ومن نواح عديدة استحققت ما لحق بي. كنت طفلاً صغيراً لا يفقه شيئاً، تحلى مع سبق الإصرار والتعمد بقسوة لا تلين. لقد دفعتُ الكلبة إلى حافة الجنون.

 

كانت نجاتي معجزة. أتصور أن الناس قد يُحَدثون أنفسهم – يا للصبي الصغير المسكين، لا بد أنه كابد رعباً أي رعب! إلا أن أغلب ما حدث تاه من ذاكرتي. أتذكر ضغطي لقطعة من الجلد على وجهي وكأنها جزء من أحجية أحاول وضعها مكانها. أتذكر ظهري المنحني في ركن حوض الاستحمام وأنا أضرب الكلبة على رأسها بسلاكة المرحاض فيما تندفع هي بكل قوتها نحوي. سالت مني الكثير من الدماء لكني لم أستشعر غير اليسير من الألم. ما نزل بي الألم إلا بعدها.

 

أحياناً ما يسأل الناس: مَن كان من المفروض أن يعتني بك؟ أين راعيك الأساسي؟ كان هذا جدي بيد أني لا أقصد توريطه فيما وقع. فقد كان رجلاً عجوزاً يشارف السبعين ولا يستأهل أن يتحمل عبء رعاية طفل صغير يومياً. كان سكيراً، يحسو كل صباح ويسكي جاك دانيالز. ثمة باعث إنساني على لومه بما أنه كان ولا شك في حالة تقترب من النوم حين هوجمت. اعتاد الناس أيضاً توجيه اللوم إلى أمي لتركي مع مثل هذا الشخص لعلمهم – كما علمتْ هي – أنه متكاسل يعاقر الخمر. لكن ماذا كان يجب عليها فعله؟ لقد كانت شابة بطفل خارج إطار الزواج. لا بد أن تتوجه إلى العمل، لا بد أن تكسب عيشها.

 

عندما أحكي القصة، يتصور الناس أن جدي استغرق بالقطع في غيبوبة حتى يسمح بوقوع مثل هذه الحادثة، وصحيح أنه كان بالتأكيد راقداً على الأريكة، ناعساً أمام أحد برامج المسابقات لكني لا أتذكر أني أطلقت صياحاً. لا أخالني هتفت طالباً العون أو أرسلت الصرخات، وأنا متأكد من أنني لو صرخت لاستيقظ؛ لأنقذني. لكن الحقيقة هي أني لا أتذكر صوتاً ند عني. ها هي الكلبة، أسنانها الحادة ووطأة أكفها الثقيلة. لا أحسب أغلبية الناس تعي معنى أن يكون المرء حيواناً – أن يكون فريسة، أن يؤكل. يحط عليك سلام يكلله الهدوء. يسترخي جسمك؛ تتقبل كل شيء.

 

II

 

بالطبع لم أعدم القبح بعد ذاك لكني وجدته غير ذي بال. فثمة شيء فيّ يجتذب الناس برغم ذلك، وإن اعتاد الفتية قذفي بسخرياتهم في حوش المدرسة (فرانكنشتاين! وجه الندوب! رأس السوستة!) وإن كانت الأعين تحملق إليّ – أجل يا فاغرو الأفواه، لقد أجريت بالفعل جراحات تجميل. ماذا لو رأيتموني قبلها؟

 

إلا أن بعض الناس مختلفون كما نعلم. فلعب دور الممرضة يبعث فيهن الشهوة، ولا يسعني أن أنبئك بعدد المرات التي لامستْ فيها حبيبة صدري العاري واستنشقتْ ذلك النفَس الواهن. آه! وكأن الرغبة ما هي إلا انزعاج طفيف، صدمة بلا حراك. آه! تتتبع أصابعهن تجاعيد خلفتْها فيّ أسنان كلبة. وهن لسن القبيحات فقط، لسن اليائسات أو المشوهات نفسياً فقط، فقد نمت مع الكثير من النساء اللطيفات.

 

لِم يجب أن يتملكني الغضب أو المرارة إذن؟ لقد أسبغ العالم عليّ ألغازه الجميلة كما أفضي إلى بعض عشيقاتي. إلا أن الفظاظة تسودني مع أخريات: بمقدوري أن أعملها سبع ليال في الأسبوع، أُخبرهن. بصي: أدخل حانة من الحانات وأنا أعلم أن إحداهن سترافقني إلى البيت. لا يسعني فهم المسألة لكني أتقبلها ولا ريب كحق من حقوقي.

 

لا أقصد أن تحمل كلماتي مثل هذا الانطباع الفج. فلستُ شاباً دون جوان تعمه الندوب، لستُ شهوة لا تنقطع عن الإغواء. ولا، لا أريد أن أؤذيك أو أساعدك على استكشاف الجانب المظلم منك. لن أقيدك وأرسم على جسدك الوشوم أو أدعك ترتدين طوق كلب وتقضمين جلدي – "بالراحة خالص!" مثلما أكدتْ لي إحدى السيدات ذات مرة. لستُ أيضاً من الورع في شيء، زهرة ضعيفة بعينيّ يسوع في انتظار أن تعبدي ندوبي. كما أني لا أعبأ بالرغبات السرية لروحك المشوَهة المهشَمة.

 

أمّا ما سنفعله، أنا وأنت، معاً فمختلف كل الاختلاف. لكني يجب أن أريك إياه كي تفهمي.

 

كانت معي في اليوم الفائت فتاة تَدرس بإحدى الكليات، كاريسا – أظنها اختلقت هذا الاسم لنفسها لكنها كانت فتاة ذات وجه مستدير ينم عن صراحة، صاحبة وركين ممتلئين وشعر مزيج من الأسود والأشقر أخبرتني أنها صبغته بنفسها. رصدتُها في الصباح وهي تمشي بخطوات خافتة في أرجاء شقتي، حافية إلا من قدمين حمراوي الباطن طالتهما القذارة. أوليتها انتباهي لأني أتساءل أحياناً عن سبب مجيئهن معي إلى البيت. راقبتُها وهي تجمع عدة حبوب من حقيبتها – دواء حساسية، بروزاك، مجموعة فيتامينات – لتبتلعها مع القليل من اللبن الذي صبته في كوب قهوة كبير. ارتقت إليّ بعينين نال منهما الإحراج لكني كنت أرتدي قميصاً قطنياً وبنطال جينز، مستوراً بكل أدب.

 

"يا،" نبستُ فندت عنها ابتسامة مرتبكة ثم غضت طرفها إلى مائدة المطبخ وعيناها تتسعان وتضيقان مأخوذتين بفكرة ما سرية.

       

"ماذا؟" سألتُ. "فيم تفكرين؟"

 

هزت رأسها. "ولا حاجة،" أجابتني ثم هزت كتفيها. "كنتُ فقط أتساءل عن أمك،" أنهت إليّ بنبرة تشي بالخجل. "قصدي، ماذا فعلتْ حين – رأتك؟"

 

"صرختْ،" قلت فرنت كاريسا إلى وجهي قبل أن تومئ برأسها إيماءة الرزانة.

 

"آه،" قالت.

 

تُقدم الأفلام عموماً نوعين من أمهات الأطفال المعاقين. فهناك الصالحات منهن – ذوات الشجاعة والتصميم، اللاتي يقلن لك إن باستطاعتك أن "تصبح ما تشاء،" وإن "الجميع سواسية تحت الجلد،" وتزودك بفيض من الدعم والرعاية، وربما تتخلى عن أياً كان ما تحلم به في سبيل دعمك ورعايتك أربع وعشرين ساعة في اليوم. وهناك الأمهات الطالحات – الخانقات اللاتي لا يدفعنك إلى استغلال إمكانياتك كاملة، اللاتي يوهن عزيمتك بما يركبهن من شعور بالذنب بل إنهن يجعلنك أحياناً سجيناً إلى أن تُقْبل فتاة مبتهجة القلب طليقة الروح لتخطفك وتُعَلمك كيف تحب نفسك.

                                                

أخال عقل كاريسا أخفى أحد هذين النوعين أو كليهما وهي ترنو إلى وجهي لكن الحق أن أمي لم تكن أيهما. لم تكن تَكبُر كاريسا كثيراً حين طرأت "حادثتي،" ولم تعلم ماذا تصنع بي. امرأة فقيرة تؤمن بالخرافات، يقترب سلوكها قليلاً من الهيبيز وتعتقد بعلم التنجيم وبعض الأفكار المضللة عن أسطورة قوم السلتيين. وقد تجاهلتْ في أغلب الأوقات ندوبي بمجرد أن التأمتْ. كانت تخبرني بين الفينة والأخرى بأني جميل – "كشجرة متغضنة،" لفظتْ. وأحياناً ما كانت تعتقد أني قد أتمتع بقوى استثنائية. مهما يكن من أمر ما ضايقني أحد من رفقائها العديدين على الإطلاق.

 

"لم تكن امرأة سيئة،" أنهيت إلى كاريسا. "اعتادت أن تقولي لي إني وسيط روحاني. أو إني أستطيع التواصل الآن مع الحيوانات لو ركزتُ ذهني حقاً بقوة."

 

نظرتْ كاريسا إليّ بما يشي بسرعة تصديقها لِما أقول بينما حفلتْ عيناها الواسعتان باهتمام بالسحر والمعاناة. "ذلك كلام منطقي، على ما أظن،" قالت.

 

تبسمتُ وأنا أصب لنفسي بعض القهوة. "أنا في الواقع أكره الحيوانات. أي حيوان يَقشعر له بدني. لو بمقدوري التكلم معها، سآمرها بأن تروح تنيك نفسها."

 

لاحت على فمها ابتسامة خامرها شيء من عدم الراحة لعبثي. "آه،" فاهت بلهجة مؤدبة ورشفتْ اللبن.

 

إلا أن الموقف فكّرني بطريقة أو بأخرى برجل – دكتور بي – كنت معه قبل كاريسا ببضعة أسابيع. لم ترقه نكاتي هو الآخر، إذ صرح بأن ثمة شيئاً "سلبياً-عدوانياً" يساور لهجتي. ترك زوجته وأطفاله الأربعة مؤخراً فكان مثقلاً بجسامة الهجران. استرحنا هناك على فراشي وأخذ هو يتعقب خطاً سميكاً قسّم حلمتي إلى نصفين، إلى نصفيّ قمر بنيين.

 

"تستطيع أن ترى أشكالاً هناك، أنتَ عارف،" باح الدكتور بي. لم تغب عني تلك المعلومة. فقد تبين الناس أنهاراً وخرائط طرق وبروجاً. "إنه أشبه باختبار رورشاخ،" أضاف ثم أجرى إصبعه على منتصف صدري. أسر إليّ بأن الشكل الممتد على عظمة كتفي يماثل رمز برج الليث. "الأسد،" قال.

 

تململتُ. "أنا في الحقيقة من مواليد السرطان،" نقلتُ إليه. "أظنه أكثر ملاءمة لي."

 

سدد إليّ نظرة كالحة ووسعني أن أتبين عينيه الأبويتين والحزن يخالجهما. "أنتَ تنام مع كثيرين، أليس كذلك؟" سأل الدكتور بي.

 

"لا أدري،" قلت. "أظن."

 

"رجال ونساء؟"

 

"نعم."

 

"ولستَ قلقاً،" سأل.

 

"مم،" نبستُ. "أنا في منتهى الحرص، بجد."

 

"لا أتكلم بالضرورة عن الأمراض،" أنبأني مبتسماً ابتسامة واهنة رداً على ابتسامتي. "كنتُ فقط أفكر في أنك لو استمررت في جلب اليائسين إلى بيتك، سوف يقتلك أحدهم عاجلاً أو آجلاً."

 

"أنتَ لست يائساً،" قلت. وللمرة الأولى بدرتْ منه ضحكة على شيء قلته.

 

III

 

تحلو لي فكرة الطيبة. لا علم لي إذا ما كانت الطيبة تظهر في الطبيعة، إذا ما كانت تتطور من ضرورة من الضرورات أم أنها شذوذ إنساني لكن البادي لي أن أغلب مَن قابلتُهم يضمرون حاجة سرية إليها. عل موهبتي – لو لي موهبة – تكمن في القدرة على اكتشافها، على شمها من بين العيون المحدقة المارة بي. أخال الحاجة إلى الطيبة لا تختلف كثيراً عن شيء كالشبق وإن قد تكون أندر.

 

اعتادت أمي أن تقع في غرام أبغض الرجال – سكارى ومدمني مخدرات وكذابين ومتنمرين ذوي طباع حادة، يضربونها ويدفعونها لترتطم بالحائط وأصابعهم الضيقة تحيق بحلقها.

 

لكن العسير على التصديق هو أن أحداً منهم لم يضربني على الإطلاق. لم يسبق لأحدهم أبداً أن سخر من فوضى ندوبي أو ضايقني. والحق أن أسوأ مَن عامل أمي، مَن اضطرت معه إلى اللجوء إلى المحكمة لإصدار أمر بعدم التعرض كان نات: رجلاً أتذكره بشغف ما بعده شغف. ألِفنا، أنا ونات، أن نقصد دور سينما السيارات لنتفرج على أفلام الرعب. كان يطوق كتفي بذراعيه عندما يلم به الإجفال ويُضيق قبضته لمّا يبزغ القاتل على حين غرة ليذبح المراهقة؛ وفي الثامنة من عمري جلستُ على حجره وقدت سيارته في الطريق السريع، يداي على عجلة القيادة ويداه خلف رأسه. غنينا نحن الاثنان والمذياع، وقد كان أشبه بطفل آخر إلى أن أوقف سيارته في الممر. رمى كلانا بناظرينا إلى الباب حيث تقف أمي وإذا به لم يعد طفلاً. كان يتهيأ لخوض المعركة المحتومة، يحكم قبضته بالفعل غضباً مما ستقوله – أياً كان ما ستقوله.

 

شغل نات فكري. انتهى به الأمر إلى دخول السجن، ليس بتهمة إيذاء أمي بل لجريمة أخرى كقتل أحد الأشخاص خلال معركة بحانة من الحانات – تساءلتُ إذا كان من الواجب أن أفتش عنه أو ربما أزوره. شاهدتُ السجناء في التلفزيون وهم يلتقون بزوارهم داخل كبائن ضيقة يفصلها لوح سميك من البلاستيك. ضغط السجين بيده على البلاستيك الشفاف فجاوبه الزائر بكل عطف واضعاً أصابعه وكأن الكفين يتلامسان، وإن لم نفعل ذلك في الحقيقة قط، لم نتقابل مرة ثانية قط.

 

نمت مرة مع شخص يشبه نات، فتفكرتُ، ماش، هذا منطقي، عل هناك نمطاً واحداً في سلوكي. جرت أصابعه على أضلع وجهي وأنا أمص زبه. ولوهلة ظننتني مستوعباً لِما يجري لأن التالي كانت سيدة في منتصف العقد السادس، في مثل عمر أمي تقريباً. نحيفة إنما قوية لِما نعِمتْ به من جسد رياضي. غرستْ أصابعها بحزم الأوتاد في جلد ظهري الخالي من الندوب وأنا أقتحمها. تولتني سعادة عارمة.

 

لم تعطل السيدة من السعادة هي الأخرى، في البداية. أخبرتني إني كنت سأصبح وسيماً – راقتها عيناي فاتحتا الزرقة وشعري الأسود الجعد ووجهي الذي قالت إنه كان سيكون ناعساً ناعماً كوجه صبي يركب الأمواج. "لكنه الآن شيء مختلف تماماً،" نبستْ ثم مالت نحوي. "شيء لا أقدر على تحديده،" أسرت إليّ ومدت يدها لتلمس شفتيّ بسبابتها.

 

إلا أنها لاحت بعدئذ حزينة منزعجة في ظلمة غرفة النوم. سحبتْ ركبتيها تحت الأغطية واعتمد ذقنها عليهما. "أف،" لفظتْ مما يعني على ما أحسب "ماذا أفعل هنا؟" أو: "ماذا فعلتُ؟"

 

"هل أنتِ بخير؟" سألتُها. جالت أمي بخاطري، ألِفتْ أن تجلس هكذا، عارية تحت الأغطية، تحتسي النبيذ من قدح بلاستيكي وتطالع كتباً حول ألغاز تتعذر على التفسير. ورد ببالي أن لهذه المرأة ابناً مصاباً بإصابة خطيرة – أو عله مقتول – وأن ذهنها مشغول به لحظتها. "اسمعي،" قلت. "لا تحزني. الأمور بخير."

 

"لا،" نفت بلسان مفعم بالمرارة. "الأمور ليست ’بخير.‘ إنها في الواقع مختلفة كلية عن ’الخير.‘"

 

ماش، حدّثتُ نفسي. الأرجح أن ما قالته صحيح. انتظرتُ أن تردف لكنها أحجمت عن الكلام. "لكِ أن تفضي إليّ لو وددتِ،" نطقتُ في النهاية فما كان منها إلا أن هزت رأسها. "الكلام مفيد أحياناً،" قلت. "هل المسألة تتعلق بابنك؟"

 

"لا ابن لي!" فاهت بصوت مشحون بالضغينة، تطلعتْ إليّ فألفيت غشاوة من الدموع تتجمع على عينيها ورموشها.

            

"يا يسوع،" هتفتْ. "أنت إيه؟"

 

استولى عليّ الصمت هنيهة دون استيعاب حقيقي من جانبي لسؤالها. "أنا مجرد شخص،" صرحتُ. "لستُ شيئاً محدداً." بث الموقف في نفسي غرابة. أحسب أن الناس تتوقع أحياناً – بسبب ندوبي – أن تخوض تجربة تتعدى النيك. لقد توصلتُ إلى الاعتقاد بأني شريك جنسي لا بأس به على الإطلاق غير أن هذا لا يكفي في بعض الأحيان.

 

"لماذا تظن أن عندي ابناً؟" سألتْ هذه السيدة التي تبدت شديدة الشبه بأمي. اتسعت عيناها الآن وخيمت عليهما الريبة. هممت بالحديث فهبت من الفراش، مالت على الأرضية والتقطتْ ثيابها لاصقة إياها بصدرها وحجرها كما لو كنت قد تسللت إلى منزلها وهي عارية. حملتْ ثيابها وكأنها تحميها ثم تقهقرتْ نحو الحمام وردت الباب.

 

"ما الخطب؟" هتفتُ بها. ترامى إلى أذنيّ نخيرها من وراء الباب وهي تبذل الجهد لارتداء ملابسها. "أنتِ بخير؟" صحت. لكني لم أحظ بجواب.

 

IV.

 

أنا لا شيء. مجرد شخص. أعمل طباخاً في أحد المطاعم. ينصب أغلب شغلي على تقطيع الخضراوات وفرمها: أجيد أداء عملي. بمقدوري تشريح واحدة من عيش الغراب إلى قطع رقيقة كما الورق، بمقدوري تحويل رأس بروكلي إلى زهيرات صغيرة في غضون دقائق. بالكاد ألاحظ الجروح الناشبة في أصابعي. أحياناً ما يجد الناس هذا مضحكاً، ربما لِما يشملني من ندوب. أخال أعصابي ربما مصابة بعطب ما لأني في معظم الأوقات لا أستشعر حتى الألم. سبق وشرّحتُ بناني وقد كانت الدماء هي المنبه الوحيد إلى وقوعي في الخطأ. "بريمو،" ينادون بي. "بريمو، الدم يسيل منك." أكثرية العاملين معي من المكسيك أو أمريكا اللاتينية أو مكان ما. لا يمسكون عن التحدث بالأسبانية ثم النظر إليّ بوجوه مرحة وإطلاق الضحكات. ألتقط بضعة أشياء. أعلم كلمات مثل ’سيبولا‘ و’كيتشيلو‘ و’كابرون.‘ وبين الفينة والأخرى يعلمونني بعض العبارات – ففي مرة من المرات جعلوني أقول، "ماتشيس بانوتشاس إن أميريكا،" وعندما كررتُها، ضجوا بالضحك، ففطنتُ أنها على الأرجح جملة لا تتجرد من فحش. لكني حين سألت الطباخ ألفونسو عن معنى ’بانوتشا،‘ انتابه شيء من الوقار ثم نقل إليّ، "معناها ’سكر‘ يا بريمو، ’سكر بني.‘"

 

هل نحن أصدقاء، أنا وهؤلاء الرجال؟ أظننا مقربين بمعنى ما بما أني أقضي وقتاً طويلاً بصحبتهم لكني لا أفقه ما ينطقون به في أغلب الأوقات. فكرتُ في تعلم الأسبانية بيد أني أعتقد في الواقع أنهم لن يحبونني هكذا لو وجدوني أتكلم لغتهم.

 

لم يعتر أي منهم فضول نحو ندوبي وإن أشار إليها ذات مرة غاسل أطباق قصير، إرنيستو، صبي نحيل قوي ذو عظمتيّ وجنتين مرتفعتين وملامح شعب المايا. كَور قبضتيه وندت عن لسانه "توك" خفيضة مقلداً شخص يقاتل. هززت رأسي قائلاً، "لا."

 

كشّرتُ عن أسنان تصطك.

 

"دينتس*." فاه.

 

"ذئب،" نبستُ محاكياً الكلاب. "هوو، هوو."

 

"بيرو*." نطق.

 

أومأ بما يوحي بالرزانة. تراءت عليه آيات الفهم وإن لم يفارقه الحذر. مد يده وأجرى إصبعه على جلد سميك ناتئ شاحب اللون امتد على جبهتي. "بيرو؟" سأل مجدداً بقدر من عدم اليقين فأومأتُ برأسي. فككت أزرار قميصي وأريته جانباً يسيراً من صدري. "آه،" لفظ فابتسمتُ له وهززت منكبيّ. انتظرتُ دون أن يصدر عني نفَس فيما أخذ هو يتحسس جلدي. "إل لوبو،" قلت، كنتُ أعرف أنها تعني ’ذئباً‘ بالأسبانية. فرت منه ضحكة خافتة متراجعاً قليلاً. "لا بأس،" طمأنتُه فقابل ابتسامتي بأختها. نفخ صدره بالهواء ثم رسم إصبعه حرف "X" على جلدي العاري، ضربة ثم الثانية، كالبطل زورو. "لا بأس،" كرر جملتي مقلداً إياي وكأني أتباهى بمنتهى الشجاعة. تصورتُ أنها بداية لشيء ما.

 

لكنه اختفى بعد عدة أيام، وقد علمتُ من ألفونسو أنه قُتل – طعنه أحدهم في شجار خارج إحدى الحانات في المنطقة المكسيكية من البلدة.

 

"يا يسوع،" قلتُ. "كان مجرد صبي، أليس كذلك؟ ما كان عمره؟"

 

"لا علم لديّ،" قال ألفونسو مصوباً إليّ عينين مثقلتين بالهم. "كبير بما يكفي لأن يموت على ما أظن،" رد عليّ وأراني راحتيّ يديه. لم تكن غلطتي بالتأكيد – وفاة إرنيستو – إلا أن الطريقة التي حدجني بها ألفونسو غشت نفسي بطبقة من الذنب لبقية النهار. تدبر عقلي في تلك المرتدة عني. "أنت إيه؟" قالت.

 

V.

 

أستقل الحافلة من الشغل إلى البيت. تتطلب الرحلة حوالي نصف ساعة لذا أطالع الجريدة. سوف يجلس الناس إلى جواري أو لن يجلسوا. وبين الحين والآخر يبدءون في الحديث معي لكن عند اصطدام أعينهم بوجهي، تخور أصواتهم. أحياناً ما يغلبني النوم لأدع الناس تراني هناك، جالساً مغمض العينين في مقعدي، فيداخلني إحساس وكأني عار؛ فبوسعهم التطلع إليّ طالما يودون دون أن أدري بنظراتهم. أترجل من الحافلة عند محطتي لأسير نحو ثلاثة صفوف من المباني حتى شقتي. أمسك بمفاتيحي استعداداً. أفتح القفل ثم أغلقه ثانية. لستُ سعيداً لكني لست بالضرورة حزيناً كذلك.

 

فارق جدي الحياة، انتحر بعد سنة من إصابتي. كان من الواضح بحلول ذلك الوقت أني سأكون بخير. أحسبه كان في انتظار أن يسمع نبأ تجاوزي للخطر ويتأكد منه. قتلوا بالفعل إليزابيث، كلبته الدوبرمان، لِما ارتكبتْه من جرائم.

 

قطع حلقه بالموسى في حوض الاستحمام ثم غاص في المياه الدافئة وطفق ينزف تاركاً وداجه يضخ في المياه التواءات ودوامات قرنفلية. عندما عثرتْ أمي عليه، كنتُ لا أزال راقداً في المستشفى، أتفرج في التلفزيون على برامج تربوية أبطالها من الدمى المتحركة. تحركتْ أفواهها تحرك الإبهام والسبابة داخل جورب.

 

رانت عليّ السعادة وقتذاك، وأنا تحت رحمة التيارات فوق سرير المستشفى، تماماً كما أجدني في أسعد حالاتي الآن، في سريري والتلفزيون دائر والصمت يحل بي شأن مخلوق في سباته الشتوي. أنا هادئ، أعتقد بين الحين والآخر أني لا أعهد إلا الغريزة – كل الغرائز التي وُلدنا بها وينساها أغلب الناس. أستطيع أحياناً سماعه هناك: مياه الحمام تسيل، صدى خافت لدماء تُستنزف من جسمه على الخزف.

 

ألِف جدي أن يغيظني طوال الوقت، لا عن نفْس لئيمة، لا أظن، فقط ليسلي روحه ليس إلا. ففي يوم تمزيقي، بعد برهة قصيرة من توجه أمي إلى عملها، أتذكر أنه استدعاني إلى النافذة. كان يقيم في منزل على مقربة من خط السكة الحديد. أشار إلى حيث تقف عدة شاحنات من شاحنات السكة الحديد. "الظاهر أن الملاهي عبرتْ من هنا الليلة الماضية،" أنبأني. "بص! تركوا فيلاً هنا!"

 

"أين؟" سألتُه محاولاً تتبع إصبعه.

 

"هناك! ألا تراه؟"

 

"لا."

 

"إنه هناك قدامك – حيث أشير. ألا تراه؟"

 

"لا..." قلت وقد دب فيّ الشك ومع ذلك مددت عنقي متطاولاً.

 

"قصدك تقول لي إنك لا ترى فيلاً يقف هناك؟" سأل بلهجة حازمة.

 

"مم..." تفوهتُ. كان هذا قبل ساعات فقط من تمزيق الكلبة إليزابيث لجسمي شر تمزيق.

 

"مم..." تفوهتُ. عاودتُ تفحص الخطوط والأشكال الواقعة خارج النافذة. لم أبصر الفيل لكن بعد انقضاء فترة تبدى لي أني أبصرته. لا يزال منظر الفيل القائم عند طرف خط القطار يقبع في ذاكرتي. يلف خرطومه في تراخ وتأمل ليجلب إلى فمه قطعة من التبن.

 

 

  

*  Dientes: كلمة أسبانية تعني ’أسنان‘

*  Perro: كلمة أسبانية تعني ’الكلب‘

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.