مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الحادي والعشرون، إبريل 2009

 

 

 

تكرم تشارلز دامبروچيو بالموافقة على نشر قصة "الفاصل العالي" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. D'Ambrosio was so generous to permit the publication of the Arabic text of “The High Divide" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. D'Ambrosio a great debt of gratitude for his kind permission.

"The High Divide" by Charles D'Ambrosio. Copyright © 2003 by Charles D’Ambrosio. Originally appeared in The New Yorker. Part of D'Ambrosio's story collection, The Dead Fish Museum, Copyright © 2006. Published by arrangement with Mary Evans Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Devin McIntyre from Mary Evans Inc.

 

 

 

 

 

الفاصل العالي

تشارلز دامبروچيو

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: April-01-2009

Photo: Andy Rash

 

 

 

3 فبراير عام 2003، مجلة ذا نيو يوركر

مجموعة دامبروچيو القصصية متحف السمك الميت

 

 

أستيقظ مبكراً في الملجأ والراهبات لا يزلن نائمات لأتجه إلى متجر الرجل الصيني الهرِم. كان الصيني الهرِم رجلاً ملوح البشرة ذاوي العود تبرز منه النتوءات ليبدو مثل قطعة غليظة من جذر الزنجبيل. كان يدير أحد هذه المتاجر الضيقة التي تبيع الليمون الهندي والنبيذ وورق الحَمام، ولا يسع أحد قط أن يدرك كيف يتكفلوا بمعاشهم. لكنه تكفل بمعاشه، توصل إلى طريقة ما. كانت زوجته الصينية الهرِمة امرأة كما الغصن الهزيل، جلستْ على أحد الكراسي دون أن تند عنها كلمة واحدة. لم يتحدث إلا ما يكفي من إنجليزي ليدير العمل ويقول أهلاً ومع السلامة ويفك الفكة وإن كنتُ أحاول تعليمه بعض المفردات المفيدة حين آتي كل صباح لشراء الليمون الهندي.

خلَّفتُ الرذاذ الرمادي لأَعبر باباً زجاجياً لا تزال العلامة القديمة المعلنة ’فيشباك لتصليح الأدوات‘ مرسومة عليه، رن فوق رأسي جرس نحاسي من أجراس البقر، وجدتُ المتجر بارداً بل إن الأنوار لم تكن مضاءة. مضيت إلى الصندوق وتفحصتُ الليمون الهندي لألفي واحدة لم ينل منها الفساد، كرة صفراء، ناعمة مربعة من طول ما جلستْ  في الصندوق ثم ذهبتُ إلى الطاولة. غاب الرجل الصيني. قعدتْ زوجته الضئيلة الأشبه بالغصن على كرسيها، منحنية الظهر غاية الانحناء. تظاهرتُ بالبحث في جيوبي وأنا أعلم طيلة الوقت أن نقوداً قليلة ستعوزني. عثرتُ على سبعة وعشرين سنتاً ونصف مشبك للورق وغطاء قلم وكرة من النسال الأزرق. أودعتُ النقود في يدها فسددتْ إليها عينين شاخصتين. علمتُ أيضاً مما صدر عن نكلاتي وسنتاتي من صوت موحش حين فرزتْها في الشقوق الضيقة أن درج النقود فارغ.

تطلعتُ خلفها عبر الستارة ذات الخرز نحو الشقة الواقعة خلف المتجر. استقرت بجوار حوض المطبخ تفاحة قضم أحدهم منها قضمة، استحالت القضمة بنية شأنها شأن ضحكة قديمة.

أمسكتُ ليمونتي الهندية ورميتها في الهواء ثم التقطتُها.

أين هو؟ سألتُ.

كانت تمضغ شريحة من الزنجبيل فعرَضتْ عليّ قطعة قبَلتُها. كانا يمضغان الزنجبيل في الأصباح بدلاً من احتساء القهوة.

الزوج؟ سألتُها.

طرفتْ عيناها وبصق فمها على الأرضية.

مياياو زيوانج، نبستْ. مياياو زيوانج.

طوت يديها لتُشبك الجذور البنية الصغيرة معاً. مياياو زيوانج، نطقتْ وهي تلامس قلبها ثم ترسل يديها لتطير الواحدة بعيداً عن الأخرى. صدَم صوتها الرتيب الحيطان العارية بالصدى. رفرفتْ بيديها كما الخفاش. هززت رأسي. مياياو زيوانج، أصرت. هه؟ قلت لكني كنت أعلم أننا قد نواصل إلى الأبد بدون فهم كلمة واحدة. حضنتْ نفسها كمن يشعر بالبرد. تاهت مني الكلمات. ارتحلتْ كل هذه المسافة، غادرتْ الصين وقطعتْ المحيط قادمة إلى بريميرتِن وافتتحتْ متجراً صغيراً لتضع ليموناً هندياً في الصناديق ونجمة داود على الأرفف لكنها ذهبتْ إلى أبعد مما ينبغي لأنها لم تعد قادرة الآن على إطلاع أي أحد على ما يحدث لها.

كان عندي مشروعان في الملجأ. طالعتُ الموسوعة متعاملاً مع دائرة المعارف الكاملة المتاحة للإنسان حسبما صرحتْ المقدمة. بدأتُ بإجنيَشِس لويولا، فقد سُميت باسمه، ومحكمة التفتيش مما أفضى بي مباشرة إلى موضوع التعذيب.

تضمن مشروعي الآخر تعلم اللاتينية كي أصبح خادماً من خدام المذبح. خطرتْ الفكرة ببالي في أحد الأصباح داخل كنيسة القلب المقدس وأنا أُحدق إلى المذبح البارد والصليب وأغمز المسيح المُسمَّر بعيني لأرى إن كان سيرد الغمزة. جاهر قسيسنا بأنه لم يلجأ إلى العامية لِما يشوبها من سوقية. لو كنتَ الرب الأبدي، قال، هل سترغب في الاستماع إلى مثل ذلك العواء؟ أنهى إلينا بأن كل ما في الكنيسة رمز لشيء آخر، والقسيس رجل يقف على كل هذه الرموز بيد أن خادم المذبح يقف هو الآخر على بعضها. تردد بصري في أرجاء المَقدس. ومع بلاط المذبح الرخامي ثلجي البياض، والقبة الذهبية لوعاء القربان المقدس وأبوابه الصغيرة، وكؤوس القربان وأوعية النبيذ المقدس، والزهور الملتقطة للتو، وضوء الشمعة المتلألئ، تراءى المَقدس كدولة أجنبية، ولو كنتُ أتحدث اللغة لاستطعت الذهاب إلى هناك.

قرأتُ كتاب القدَّاس عدة مرات إلى أن وصلتُ إلى الرفع الصغير*، جزء من القدَّاس يلي مباشرة الدعاء للموتى. بِر أومنيا سيكيولا سيكيولوروم. آمين. عالَم بلا نهاية. آمين. لكني كنت أحاول تعلم اللاتينية مع نطق أصواتها – كان كتاب القدَّاس لاتينياً من جانب وإنجليزياً من الجانب الآخر – ولا حاجة إلى القول إن درجة استيعابي لم تتعد الصفر، وكنت ألفي نفسي دائماً عائداً إلى البداية، لأبدأ من جديد. بِر أومنيا سيكيولا سيكيولوروم. آمين!

تركزتْ أغلب دروسنا المدرسية على كيفية بلوغ الفردوس. علَّمتنا أمنا يوليليا – راهبة كتاب ’أصول التعليم المسيحي‘ – ما هي الخطيئة وفرص الخلاص. كانت عجوز قصيرة عريضة ذات نظارة سميكة وعينين زرقاوين انجرفتا خلف النظارة مثل السمك الاستوائي. ما فتئتْ تدعو يسوع بالضحية المقدسة والكلمة صار جسداً والذبيحة النقية. قالت إن الذبيحة لا تعني القتل بل التقديس. لقد خُلقنا على شاكلة السر العظيم للرب إلا أن جهلنا ويأسنا يحجبان رؤيتنا. أبلغتْنا بأن الخلاص هو وجودنا في نور ساطع حيث نصبح في النهاية صورة مثالية لخالقنا وانعكاساً له.

تفرجنا على عرض للصور يتناول شارة الكرْمل*. كان أحد الصبية يركب دراجة بالقرب من محطة بنزين. كان أحد الرجال يضخ البنزين فيما تنتظر أسرة في السيارة. انفجرتْ محطة البنزين ليطير الصبي في الهواء. فارق الجميع الحياة عدا الصبي الذي كان يرتدي شارته. وزعتْ أمنا يوليليا علينا نماذج طلبات فارغة وسألتنا أن نملأها ونجلب 2.50$ لو ظننتَه من الحصافة أن تحصل على شارة لنفسك. لكني أنفقت كل أموالي على الليمون الهندي.

تدربتُ على صلواتي في الفراش ليلاً. كان علينا أن نحفظ العديد منها في الملجأ: ’أبانا،‘ ’السلام لك يا مريم،‘ ’المجد للآب،‘ ’فِعل الإيمان،‘ ’فِعل الرجاء،‘ ’فِعل المحبة،‘ ’فِعل التوبة.‘ حمَلتني الصلاة على النوم أو جعلتني أفكر في الفتيات. مرَّرتُ ذات مرة رسالة إلى إحدى الفتيات في الحصة فاعترضتْها أمنا جوزيفين، الراهبة المسؤولة عن الانضباط، وقالت إن شخصاً في مثل سني لا يفقه أدنى شيء عن الحب ولا ينبغي أن يستخدم هذه الكلمة مثلما فعلتُ. فمثل هذا النوع من الحب خاص حسبما قالت. إنه هبة نادرة من عند الرب، إنه إكمال للزواج، ولا شك في أنه ليس شيئاً للأطفال. أطلقتْ عليه أمنا جوزيفين فعل الزواج. يساورني الإحراج لهذا الاعتراف لكنها دفعتني إلى البكاء، فقد زعقتْ بأعلى صوتها. لم أبعث رسالة ثانية قط. ومع ذلك ربطتُ فتيات مختلفات بشعور غامض بالأمل، شعور بـ، لا أعلم، بأي كان ما خالجني في بعض الليالي وأنا أصلي.

كان علينا أن نحفظ الصلوات لأننا صلينا لكل شيء: صلينا للطعام، صلينا للنوم، صلينا لكرات سلة جديدة. صحبتنا أمنا كاثرين، راهبة الطعام، إلى كافتيريا الكنيسة لتناول الوجبات ثلاث مرات يومياً. قدَّمتْ سيدات متطوعات الطعام لنا – كن جميعهن عجائز طيبات، تكللهن شعور تليق بقصص الخيال العلمي، سُحب من الغاز الأزرق تحرق وقود صواريخ شديد الاتقاد لدرجة الابيضاض، انفجارات شعور مجعدة ذرية. لذَّت لي أكوام الخبز الأبيض اللانهائية وشرائح الزبد البارد. حين قالت الراهبات إني أعيق طريقهن، كنت أهبط إلى الطابق السفلي لأَدرس الموسوعة أو أقرأ كتاباً باللاتينية أو أَخرج لأصوب الطلقات إلى الحافلات ببندقيتي الرش. مرت الحافلات بالملجأ كل ست وعشرين دقيقة. قويت ذراعي بقذف شجرة بالصخور حتى تعرت في اللحاء دائرة من لب الخشب الأبيض. زرعتُ ذات أصيل زهرة عباد الشمس في علبة لبن من الكرتون.

تلهفتُ على الذهاب إلى مكان ما لكني لم أدر أي مكان مسل لأقصده. وذات يوم وجدتُ فناء المدرسة الحكومية.

ماذا تفعل هنا أيها الخراء الغبي؟ سأل أحد الأولاد، فتى مكتنز قصير ذو بشرة لا تختلف عن بشرة الرضع.

دفعني هو وبعض الفتيان الآخرين في دائرة.

سأل المكتنز، مَن أنت؟

وعندما لم أحر جواباً، أردف، أنت واحد من هؤلاء اليتامى الحقراء، أليس كذلك؟

احتشد الأولاد وقربوا مني أكثر فخفت أن أنبس بحرف. استطاع الناس أن يميزوا أنك من الملجأ من خلال قصة شعرك. فقد حلَقنا جميعاً كالدالاي لاما.

وفي النهاية ارتسم الابتسام على شفتيّ وغمغمتُ، لك ما تراه.

ماذا؟ نبس المكتنز. لم أسمعك.

طوقتني دائرة الفتيان تطويقاً كما العقدة. لاحت رؤوسهم عالياً في السماء.

آه، قلت.

جلستُ بعدها أسفل قضبان الملعب وأخذتُ أمضغ شطيرة من الزبد راصداً الفتى المكتنز وعصابته بجوار نافورة المياه بصحبة بعض الفتيات لأدرك أني سأضطر إلى بهدلته عاجلاً أو آجلاً. وجدتُ كل شيء آخر جديداً وغريباً إلا أن هذا بدا متوقعاً، شيئاً بمقدوري الاعتماد عليه.

تجرأ المكتنز ربيعها على المنافسة للانضمام إلى فريق البيسبول. ارتدي جزمة رياضية جديدة تماماً وقذف الكرة كالنساء، كان قفازه، الجديد تماماً هو الآخر، برتقالياً ناصع اللون متيبساً تيبساً حال دون طيه. الأفضل له أن يقف أقصى يمين الملعب بقطعة من الخبز المحمص. كان يُسقط كل شيء. وفي اليوم الثاني من التدريب، لعبنا مباراة فيما بيننا وخبطتُه ثلاث مرات. كنت ببساطة أختار أماكن في جسمه البدين لأرمي عليها الكرة. وفي آخر الأمر تملك الصبي المكتنز الخوف من الوقوف بمربع ضارب الكرة. ظن المدرب أني أعاني مشكلة في التحكم لكن جانبه الصواب. فتحكمي لم يخل من المثالية.

تسببتُ في إخفاق تسعة أشخاص في رد الكرة الثالثة وانضممت إلى الفريق فيما تم استبعاد المكتنز. سار مبتعداً وهو يبكي. ركضتُ نازلاً التل ووثبتُ على ظهره. لطمتُ وجهه ورقبته ثم ضربتُ أذنه تكراراً. سامع ذلك؟ صرختُ. سامع ذلك أيها المنيوك السمين؟ أما وقد استفردتُ به فركبني الجنون. تدحرج المكتنز على العشب ممسكاً بأذنه. سالت الدماء. تصاعد صراخه فتنخعتُ كتلة من اللعاب لأبصق مباشرة في فمه الأسود المولول وشتمته، يا حقير.

كنت نائماً ليلتئذ والموسوعة منصوبة نصب الخيمة فوق أنفي حين دلفتْ أمنا سيليستاين، رئيسة الراهبات.

لِم لم تأت إلى العشاء؟

تناهى إليّ صوت قعقعة الأحجار المصقولة بسبحة أمنا سيليستاين وهي تقلقلها بين أصابعها.

سحبتْ الموسوعة من على رأسي.

ألن تتكلم؟ سألتْ

أقحمتْ خصلة شعر جافة مبعثرة خلف ردائها الرهباني. ربما ستشعر بالمزيد من الارتياح لو اعترفتَ لي؟

رحت أجذب الكرات الزغِبة في بطانيتي المرة تلو الأخرى.

أنهيت مكالمة للتو مع أم ذلك الصبي، أعلمتني.

جست جرحاً في شفتي ثم أخذتْ نفساً عميقاً. قالت إنك شتمته. هل تعلم ما معنى تلك الشتيمة؟

هززت رأسي.

خلعتْ شارتها ووضعتْها حول رقبتي. قطعتان صغيرتان من الصوف البني تتدليان من حبل، واحدة على الظهر والأخرى على الصدر.

حككت الصوف بين إصبعي وإبهامي.

إنه ليس سحراً.

لا؟

إنه أقرب إلى الرمز، قالت، يساعد على توجيه الناس – أمسكتْ – من أمثالنا. حين تصلي به لا تقل أبداً آمين لأن الصلاة مستمرة. لا نهاية لها. قبل أن أتلقى الدعوة الإلهية، كنتُ أشبهك كثيراً. خامرني إحساس بأني واقعة في شرك. شعرتُ وكأنما أعيش في ركن صغير مظلم من عقلي. علت تنهيدتها. إجنيَشِس، هل تعرف ما هو نقيض المحبة؟

الكراهية، قلت.

اليأس، باحت أمنا. اليأس هو نقيض المحبة.

عندما أقبل المكتنز إلى الفناء، ظهرتْ عليه أمارات الضرب بوضوح وأراد الكل أن يعرف ما جرى له. وقبْل أن يسعني قول أي شيء، أتى مندفعاً عبر رقعة الأرض ليقول، هدنة، هدنة. تصافحنا وجلسنا تحت قضبان الملعب، مكان أصبح منطقة خاصة بي.

حسبتُ الكاثوليك مخنثين، قال.

كان إجنيَشِس لويولا محارباً، نقلتُ إليه.

ذلك اسم غريب، قال المكتنز. اسمي دوني.

وأنا إجنيَشِس، أخبرتُه.

آسف لأني دعوتك بالحقير، اعتذر دوني. قشَّر شريطاً من المطاط الأحمر من حذاء تنس كان يلبسه ثم مطه وفرقعه في الهواء. وضعه بعدها في فمه وطفق يمضغه.

لا بد أن تتعرف بأبي، قال.

اعتاد أبي أن يُقِيم سباقات للحَمام، أخبرتُه. كان يمتلك نحو مائة منها.

تجسدتْ آيات الانبهار على دوني. كيف للواحد أن يُقِيم سباقات للحَمام؟ استفسر.

ما عليك إلا أن تسوق إلى الريف وتطيرها – وهي تجد دائماً طريقها إلى الخم. بمقدورك أن تستخدم الحَمام لتوصيل الرسائل.

بابا أكل حمامة مرة، أنبأني دوني. في فرنسا.

أفضى إليّ دوني بالإقليم اليوريكي، إقليم اختلقه خلال إحدى العطلات الصيفية. أتت تسمية الإقليم اليوريكي من مدينة يوريكا بكاليفورنيا حيث يعيش أقرباء له لا يحبهم. كل ما كان منهم هو احتساء كوكتيل جرايهاوند، قال، والكلام عن ناس لم تعرفهم. كانوا دوماً يضربون ركبهم بكفوفهم ويقولون يا ربي، أليس ذلك مضحكا؟ على حين لا يوجد أي شيء مضحك.

لم يكن دوني كاثوليكياً لكني تركته يرتدي شارتي التي لم ينفك يدعوها بشارة الكراميل.

يجب أن تزور منزلنا، قال دوني. إنه كبير. أبي يكسب فلوساً كثيرة.

قلت، تريد أن نذهب لنرى أبي؟

رنا دوني إليّ. أين؟ سأل.

ماذا تعني بـ أين؟

أليس ميتاً؟

اتبعني، قلت.

كان مستشفى القديس جود عبارة عن مبنى قديم ضخم من القرميد. أحدق سور مقاوم للأعاصير بفناء تبعثرتْ فيه المقاعد وصناديق النفاية. سرْنا حول السور وأصابعنا تشد الأسلاك الباردة شداً.

كان أبي جالساً على مقعد وفي يديه رغيف وبرتقالة. ارتدي بيجاما خفيفة كما الورق مثبَتاً في ظهرها الأبازيم. لاحت عيناه كالفتائل المتفجرة، وحفت بفمه قشرة من القرف الأبيض الجاف. نكشتْ الرياح شعره. برُد الجو برودة لا ينفع معها الجلوس في الخارج برداء خفيف خفة الورق.

ألا تريد سترة؟ سألتُ.

تسلقتُ السور المصنوع من الأسلاك الحديدية.

هذا صديقي دوني، قلت. دوني، هذا أبي توني بانِر.

كان أبي حافي القدم وإن لبس خفاً مطاطياً في قدمه الثانية. قبض على السور فنزل الارتعاش بالحلقات. تطلع غرباً تجاه جبال أوليمبِك وتطلعنا معه. كان الظلام يرخي سدوله.

بابا؟

ماذا؟

أسقط قطعة خبز عبر السور، فأخذتْ حمامتان ساجعتان تقفزان بحذاء القناة وتتصارعان عليها. لم تَعدم الحمامتان القبح، قذرتان قذارة الرصيف. استقرتا أسفل قدميّ وقدميّ دوني تماماً. ركلتُ وجه واحدة منهما. فوقعتْ ليرتطم جناحاها بالوحل.

أتعلم الكثير من الصلوات في المدرسة، قلت.

حملتْه تلك الجملة على الضحك. كانت الجروح في يديه تندمل. في ذلك الأسبوع الأخير بمنزلنا أفرغ كل علب الحساء في المرأب واحتفظ بالمسامير الصدئة داخل جيوبه. وذات صباح قدَّم إليّ في الإفطار سلطانية مسامير باللبن ثم عصَر قبضة منها في يده حتى سالت منه الدماء. ما برح يقول بصوت في منتهى الارتفاع والسرعة، معي المسامير، معي المسامير هنا يا ولد – أين صليبي، هه؟ تحلى الآن بالرقة. دفَع الخبز عبر السور حتى نفد الرغيف وطار الحَمام عدا تلك التي رفستُها.

لا بد أن أَرجع إلى البيت لآكل، أبلغني دوني.

لا بد أن يَرجع دوني إلى البيت ليأكل، وجهتُ الخطاب إلى أبي مترجماً له. لا بد أن أروح لآكل أنا الآخر.

التفتُ مرة بسرعة شديدة فألفيته قابضاً على السور رانياً إلى لا شيء، ثم زحفتُ أنا ودوني عبر فتحة في سياج الشجيرات.

سألنا أبو دوني، مَن يريد أن يغور من هنا؟ مَن يريد أن يتمشى على جبال أوليمبِك؟ كنت قد أمضيت معظم الصيف في منزل دوني، وعليه عرفتُ والديه. كانت السيدة شيتام امرأة جميلة يعلو رأسها شعر يجمع بين الفضي والذهبي. اشتغل السيد شيتام بائعاً متجولاً وكثيراً ما غاب عن بيته لكن صحيحاً أنه كسب فلوساً كثيرة. اشتريا لدوني كل شيء. أسر دوني إليّ بأن أختاً له ماتت بسرطان الدم. شغَّل لي شريط فيديو يصور وداعها الأخير. قالت بالقرب من نهاية الشريط، دوني؟ تَذَكر أني أحبك. أريك أن تعرف أن أياً كان مكاني وأياً كان مكانك، سوف أرعاك. لن أفارقك مطلقاً. أحبك. هل تسمعني؟ دوني؟

حينما فاهت بذلك – أحبك. هل تسمعني؟ دوني؟ – ألَّمت بي قشعريرة مثقلة بالوحدة.

نحن الآن نغادر الإقليم اليوريكي! جاهر دوني والسيارة تبتعد بنا، فقلت، صحيح. مع السلامة أيها الإقليم اليوريكي!

استمع السيد شيتام إلى أشرطة مختلفة من مجموعة كبيرة احتفظ بها في حقيبة سفر. كانت برامج راديو قديمة، راقني واحد اسمه "الظل": مَن العالِم بالشر المتربص في قلوب الرجال؟ كان السيد شيتام ودوني يحفظان كل الكلمات ويكررانها مع الشرائط. الظل يعرف، قالا، ها ها ها!

استيقظ دوني في ساعة لاحقة وسأل، أين نحن؟ فأجابه السيد شيتام، أترى يا دوني ذلك النهر هناك؟ ذلك نهر كوينولت، سوف نتمشى بحذاء ما يسمى بالفاصل العالي، وحين نبلغ القمة سنجد أنفسنا عند منبع ذلك النهر. سوف تتمكن من العبور فوقه مباشرة، فاه، لذا تذَكر كيف يَلوح الآن كبيراً. سأل دوني، ماذا لو رأينا بيج فوت*؟ قلت إننا سنشتهر لو أسرناه. أو التقطنا صورة له، قال دوني. لكني لا أريد أن أراه، أضاف. أوقفنا السيارة عند محطة الجوالة وسجلنا أسماءنا. ساد المكان الصمت فنمت إلينا أصوات أقدامنا وهي تسحق الحصى. أحكمنا غلق الحُزُم الخلفية لحقائبنا وتبادلنا النظرات. ها نحن هنا، نبس السيد شيتام. ارتقى طرفه إلى الممر. هنا نفرق بين الرجال والصِبية.

انقضت قرابة ساعة ثم تحولنا عن السبيل الرئيسي لنتجه صوب النهر. هنا دفنتُ أبي، فسَّر السيد شيتام. لا أنقطع أبداً عن زيارته مرة في السنة. نهضتْ بجانب النهر مباشرة شجرة تتهدل على المياه لتلقي ظلالها على كل شيء. حفر أحدهم الحرفين الأولين لأحد الأسماء على جانب الشجرة المواجه للنهر. ب. ش. هو بيلي شيتام، نقل دوني إليّ. إنه جدي. هل هو تحت الشجرة؟ استفسرتُ. لا، لا، علت ضحكة السيد شيتام. لقد أحرقناه ونثرنا رماده في النهر. لكن هذه هي البقعة، أعلمني. اتصف النهر وقتها بالعمق والعرض. طلب السيد شيتام أن ينفرد بدوني كي يتأملا ويستعيدا الذكريات، فتمشيت راجعاً إلى السبيل الرئيسي. قعدتُ أمام زَّنْد ساقط حتى عاد دوني. إنه يتحدث إليه، باح دوني. ماذا يقول؟ سألتُ إلا أن دوني لم يكن يعلم.

أوقع أول مخيم نصبناه الإحباط فينا، فقد صكت آذاننا أصوات الكشافة وهم يصيحون استهجاناً ويطلقون الغازات حولنا، فرقة مكونة من حوالي ستين فرداً في بزات خضراء ومناديل حمراء وصفراء حول أعناقهم. تراءوا أشبه بالجيش، بخيام صغيرة في كل مكان. طلب منا السيد شيتام ألا نقلق، فلن نجد في الأعلى هناك أي كشافة.

وقعنا على أخشاب وأوقدنا ناراً وطبخنا عشاء – شرائح من لحم البقر بالصلصة وعيش الغراب – ومسحتُ كل المرق بأصابعي. غسلنا القدور والمقالي في النهر بالحصى والرمال. احتسى السيد شيتام الويسكي من قارورة فضية وراح يكفكف شفتيه ويقول، آآآه، محلاها العيشة!

علا صوت بوق الكشافة آمراً بإطفاء الأنوار. شاركتُ دوني في سيجار خشبي – شيء أشبه بعصا رمادية يمكنك تدخينها – وحين حل الصمت، كوَّر السيد شيتام يديه حول فمه وأنَّ قائلاً، مَن سرق ذراعي الذهبية؟ مااااان سرقاااا ذراااعي الذااااهبية؟ بمقدورك أن تسمع صدى صوته في الغابة. ماان سرقااا ذراااعي الذاااهبية؟ أنت الحرامي! صرخ السيد شيتام وهو يقبض على دوني. زحفنا إلى خيمتنا ورحت أنا أضحك فيما أغرق دوني أيضاً في نوبة من الضحك. كان للسيد شيتام خيمة أخرى فأمرنا بأن نخرس.

همس دوني إليّ بأنه يكره اليابانيين ولا يريد قط الوقوع في أسرهم – إنهم يَعلمون كيف يرغمونك على الكلام. حكيت له عن محكمة التفتيش وما ابتكروه من وسائل للتعذيب من أجل الحصول على الاعترافات.

كانوا يتَبعون طريقة اسمها المعصرة، أخبرتُه. لو تم اتهامك بجريمة ولم تتقدم بدفع التهمة، يأمرك الملك بالرقود ثم يكدس عليك الصخور حتى تعترف بالحقيقة أو تنسحق.

ما حجم الصخور؟ سأل دوني.

لا علم لي.

ماذا لو عليك ثلاثين – ماذا لو عليك مائة – لا، انتظر، ماذا لو عليك ألف صخرة ثم قررتَ إفشاء الحقيقة؟

ممكن، قلت. لكن لو نفيت التهمة، لا يصدقك الملك ولا يبدر منه إلا وضع صخرة أخرى إلى أن تقر بأنك فعلتَ الفعلة بحق.

اكتنف دوني التردد، وظننت أني فهمتُ.

عارف، قلت. عارف.

لم نجد في المخيم التالي إلا شخصين، رجلاً وامرأة كانا يجلسان أول ما وصلنا عريانين على إحدى صخور النهر لكنهما انفردا بأنفسهما بعد ذلك. قضى دوني والسيد شيتام هنيهة في الصيد لكنهما كفا حين علِق خطاف دوني بالأشجار عدة مرات. قال له السيد شيتام، لا تزعل يا دوني. فالمكان هنا ليس صالحاً. المياه فوق أبرد وسوف نصطاد أطناناً من أسماك قوس قزح، وربما بعض من تروتة دولي فاردِن.

تناولنا وجبة رائعة من دجاج تِترازريني المجفف وبسكويت البحر وشوكولاتة للتحلية. شاركتُ دوني في المزيد من السيجار الخشبي. أضفنا بين الفينة والأخرى العصي إلى نار نفثتْ نوراً كوَّن دائرة حولنا. أحب الابتعاد عن كل شيء، قال السيد شيتام.

أمال قارورته ثانية فأبصرتُ النيران المضطرمة تنعكس على القارورة المقوسة فضية اللون زاهيته.

يُحكى ذات مرة، ابتدأ السيد شيتام الكلام، أن كان هناك فتى وفتاة يحب أحدهما الآخر حباً جماً.

أين حصل ذلك؟ سأل دوني.

آه، تفوه السيد شيتام، لا يهم، أليس كذلك؟ الحب هو الحب في كل مكان، لذا فلنخترع مكاناً فحسب.

ماذا عن الإقليم اليوريكي؟ اقترحتُ.

ماشٍ، وافق السيد شيتام. شهد الإقليم اليوريكي حبهما. كان إقليماً صغيراً، وجميع الناس يعرفون بعضهم البعض، وعليه فطنوا في النهاية إلى أن هذا الولد وهذه الفتاة بينهم حاجة. تَعرف معنى ’حاجة،‘ أليس كذلك؟

قال دوني إنه عارف.

شاطر، قال السيد شيتام. طيب، استنكر الجميع هذه العلاقة. اتخذ الناس مواقف مختلفة، ضد الفتى أو ضد الفتاة، ووجَّه الجميع أصابع اللوم إلى الجميع. إلا أن الفتى والفتاة تبادلا الحب بجنون، ولا يمكنك منع الحب، لا عندما يكون الحب الحقيقي.

ذهب إلى حقيبته وجذب منها زجاجة كبيرة ليعيد ملء قارورته. ولمَّا عاد قال، هل تعلم ما هو ذلك الشعور، الحب الحقيقي؟

رد دوني، آه، عارف.

قصدي حقيقي بجد، أكد السيد شيتام.

ماذا تعني بجد؟ سألتُ.

تجاهلني السيد شيتام. طظ فيما يظنه أي أحد، قال هذان الولدان، هذان الحبيبان. وهكذا التقى الفتى بالفتاة ذات ليلة عند حدود البلدة، وقادا السيارة في طريق مظلم ملتو حتى بلَغا جرفاً ينتحر عنده المحبون. يسعهما أن يمدا البصر من هناك إلى كل شيء لكنهما لا يرسلان طرفيهما إلى أي شيء. طبعاً لا. يجلس الفتى والفتاة في السيارة ليغرفا من الحب كما كنا نقول في الأيام الخوالي – يتبادلان القبلات ويستمعان إلى أغاني الحب في المذياع إلى أن قاطعتْ نشرة أخبار خاصة إحدى الأغنيات. لقد هرب سجين من السجناء!

هل كان السجين بخطافين بدلاً من يدين؟ سألتُ.

آه، رد السيد شيتام، هو ذلك الشخص.

كيف عرفتَ؟ سألني دوني.

عرفتُ لأن القصة لم تكن حقيقية. تسمع الفتاة صوتاً ما في الخارج فيطمئنها الفتى، ياه، حبي يا حبي، لا تقلقي، نحن هنا فوق كل شيء، نحن في أمان. يحاول الفتى الوصول إلى الفتاة على حين لا تنفك الفتاة تسمع صوتاً في الخارج. وفي النهاية يخلو الموقف من المتعة فيرجع كل منهما إلى بيته. حين يفتح الفتى الباب للفتاة ليُنزلها يجد خطافاً ناشباً في مقبض الباب طارقاً إياه، فقط متشبثاً هناك، ممزَقاً من ذراع السجين مباشرة.

لم يبث السيد شيتام الفزع في قلبي غير أن الفزع لحق بدوني.

لذنا بالصمت دقيقة، ثم حكيت لهما أن أبي كان يسوق سيارته في مرة من المرات. باغتته السيارة الأخرى من حيث لا يعلم، قلت. تدلى نصف جسم أبي من الباب. كانت قدمه عالقة بدواسة الدبرياج فيما يقرع رأسه الطريق. انجر نحو مائتيّ قدم. رقد في المستشفى شهراً. وماما ماتت.

لم تند عنهما كلمة، لذلك أضفت، تلك قصة حقيقية من الحياة.

ألا تظن قصتي حقيقية؟ سأل السيد شيتام. رمقني بنظرة غريبة ثم غمز بعينه.

مم، قلت، آه. أظنها حقيقية. أنا عارف أنها حقيقية. سمعتُ عن هذين الحبيبين من قبل.

قام السيد شيتام وتمطى ثم سقط على الأرض. تبادلتُ أنا ودوني نظرة ثم دخل كل منا في كيس النوم.

لا شك في أن أباك يستمتع بالويسكي، علَّقتُ.

لفظ دوني في منتصف الليل، اسمع، أسمعتَ ذلك؟

بطل عبط، قلت.

أقسم لكَ أني سمعت صوتاً.

لا شيء في الخارج، قلت، ومع ذلك ذهب دوني لينام في خيمة أبيه.

بلَغنا لافتة أشارت إلى طريقين مختلفين: الفاصل العالي والفاصل المنخفض. سلكنا العالي، إلى أعلى، إلى أعلى. قامت أشجار أقل، وتسلقنا صخوراً متقلقلة اسمها ’الحتات،‘ وقلت كثافة الهواء. أصيب دوني بنفطة بشعة في كعبه وراح يشتكي، ضاق به السيد شيتام. فقط شد حيلك، هيا، أمَره. لا تتخلف عنا.

قطعنا أخيراً حقلاً زاخراً بزهور برية وردية وصفراء، وفي الطرف القصي حيث انتهى السبيل استقرت بحيرة. كان السطح صافياً رائقاً للغاية، واستطعنا رؤية أنفسنا.

ها نحن هنا، قال السيد شيتام.

نعوم عراة، اقترح دوني.

الأولويات أولاً يا بنات، قال السيد شيتام، وعليه نشِطنا في الحال لنصب المخيم والبحث عما يكفي من أخشاب من أجل الليلة.

تعريت أنا ودوني وقفزنا من الأجراف. أقفر المكان من آخرين لكننا حين سبحنا وصرخنا ورششنا المياه، ارتدَّت أصواتنا عن الصخور ذهاباً وإياباً. الارتداد، صحنا. غصنا وغصنا. ثم اضطجعنا على صخرة مستوية ساخنة. لاحظتُ أن هناك شعراً على خصيتي دوني وربما لاحظ هو أن شعراً عليّ أنا الآخر. تريد أن تدخن سجورة؟ سأل دوني. لا، فيما بعد، أجبته. تمددنا والهدوء يلفنا: السماء زرقاء والشمس صفراء والجبال بيضاء – ظهر كل شيء مثالياً غير أن ضجراً حل بدوني لعدم فعل أي شيء لفترة طويلة فأخذ غطسة أخرى. طلَع سريعاً وهو يقول، سمكة! رأيت سمكة! أحضر صنارته واصطاد سمكة قوس قزح وكأنه يسحب من المياه استجابة لصلواتنا.

شاطر يا دوني، أثنى السيد شيتام.

لم تكن السمكة ميتة تماماً بعد فاضطر السيد شيتام إلى ضرب صخرة برأسها. سالت الدماء من العينين. غاص نصل السكين في الجلد بصوت يدل على التمزيق. ماذا نفعل بالأمعاء؟ سألتُ. نلقيها في البحيرة، أجاب السيد شيتام. لا نريد أن نجذب الحيوانات إلى المخيم. دببة؟ سأل دوني. ليس مستحيلاً، رد السيد شيتام، إنما ليس محتملاً أيضاً. ربما بيج فوت، قال دوني. أمره السيد شيتام بأن يخرس ويُحجم عن الكلام عن ذلك البيج فوت اللعين. آن الأوان أن تكبر، قال وهو يهز ذراع دوني. يا يسوع، نبس دوني وهو يحك نفسه.

غلَّف السيد شيتام الشريحتين بورق الألمنيوم ووضعهما على النار. خيم الآن ضوء رقيق، ليس معتماً وليس منيراً أيضاً. بهِتت ظلالنا حول النار، وتخضب جبل أوليمبِس باللونين الوردي والأرجواني، وخبت الرياح.

آه، قلت، وماذا عن نهر كوينولت؟

آه، نهر كوينولت! افتكر دوني. قلتَ أني سأقدر أن أمشي عليه.

يا للخراء، ماذا جري لعقلي؟ سأل السيد شيتام نفسه. أنت مشيت عليه بالفعل وأنا نسيت، اللعنة!

عدونا راجعين إلى الزهور البرية المظلمة. وجدنا مجرى ضيقاً عرضه قدم وعمقه ثلاث بوصات تقريباً لن تخاله قط نهراً لكنه كان نهراً. ها هو كوينولت الجبار يا دوني، قدَّم السيد شيتام. سأل دوني إن بنينا سداً هل سيجف النهر بالأسفل، ضحك السيد شيتام قائلاً، لا، للأسف لا يجري النهر بتلك الطريقة. انحنينا وشربنا ورششنا وجوهنا في المياه. أنصتنا إلى النهر الصغير وهو يقطر هامساً. بدا وكأنه لا شيء تقريباً.

كانت السمكة قد احترقت عن آخرها حين رجعنا إلى المخيم. استولى الانزعاج على دوني ولم يكف عن التذمر. آسف، اعتذر السيد شيتام، لكنها حادثة. ماذا أقول؟ ثم عرَض عليه، بكرة؟ تريد أن تَفْضل يوماً آخر؟ أرسل دوني إليّ طرفه ثم قال، نفضل! نفضل! ماشٍ، قال السيد شيتام، أظن لدينا كل ما نحتاج إليه – كمْ وافر من المؤن – وسنصيد المزيد من السمك.

سحَب السيد شيتام قارورته مجدداً بعد العشاء. شابه وجهه وجه أبي خلال الأيام الأخيرة، خشن يرين عليه التجهم. في إحدى الليالي قُرب النهاية ألفيته، أبي، في خزانة المقشات. أخرج كل أسطوانات بوب ديلان وطفق يكتب عليها كلمات جديدة بمسمار. حدَثتْ أشياء أخرى أُفضل الاحتفاظ بها لنفسي. وطوال الأسبوع تبدى صوته المرتفع صدى لأفكار راودته منذ أمد طويل. وبعدها ذات صباح عند النهاية نفسها ورد إليّ صوته يناديني من تحت المطر. اعتلى منزلنا بلباس تحتي قصير وأخذ يصرخ. حاول جارنا أن يُنزله من السطح فرمى عليه قِدراً من نبات إبرة الراعي. جعل أبي يحطم المدخنة ويقذف الطوب عليّ وعلى كل الواقفين في الفناء الأمامي المعشب. اضطررنا إلى الاتصال بالشرطة. ظن لفترة أنه يسوع في مستشفى اسمها القديس يهوذا لكنها كانت في الواقع مستشفى القديس تداوس ولم يكن أبي بالقطع يسوعاً. نفس الناس الذين أخذوه إلى المستشفى أحضروني إلى الملجأ. لم أكن قد أكلتُ منذ ثلاثة أيام.

وقعتْ أعيننا على مجموعة قريبة من فئران الحقل وهي تطفر هنا وهناك، فقال السيد شيتام إنه من الأفضل أن نُدخل حقائبنا ليلتئذ في الخيام. عقَف ذراعه حول عنق دوني سائلاً، ما رأيك في الذهاب إلى كاليفورنيا؟

لا يوريكا، قال دوني.

لا، نفى السيد شيتام، لوس أنجلوس.

قال دوني له إنه لا يعرف أي شيء عن لوس أنجلوس. عبِث السيد شيتام بالنار مرتباً الجمر. لمَّا تنطفئ، لن أمسها حتى الصباح، قال. أمال القارورة من جديد. ثم غطاها قائلاً، كفاني من ذلك أيضاً. تمطى وتأوه ثم سار إلى حيث تضاءل ضوء النار. نمى إليّ صوته وهو يصفر في الظلام.

يا ولد؟ نادى السيد شيتام.

نعم؟ رد دوني

تعال هنا دقيقة، طلب السيد شيتام.

قبعا في الظلام. سمعتُ دوني وهو يسأل، وما رأي ماما؟

تلك هي المسألة، قال السيد شيتام. سوف تبقى أمك.

لا أعرف، قال دوني. إلى متى سنغيب؟

دونالد، نبس السيد شيتام. لا تكن غبياً. نحن نتطلق، أنا وأمك. لن نرجع – سنعيش هناك في منزل جديد تماماً.

توسل دوني، لكن لماذا؟

دونالد، أنت عارف. أنت ترى الأحوال.

لزم الاثنان الصمت وحملقا إلى الأمام وكأن أفكارهما التالية قد تسقط من السماء.

ماذا بيدي أن أقوله؟ تفوه السيد شيتام.

ولا حاجة، رد دوني.

أنا أحبك يا دوني. أنت عارف ذلك.

زحفتُ داخل خيمتنا. فاتت برهة قصيرة ثم دخَل دوني في كيس النوم ودفن نفسه داخله. كان يبكي ويختنق. همستُ، دوني، اسمع، اسمع يا دوني؟ دوني؟ أظن أني أسمع صوتاً في الخارج. هل تسمعه؟ هيا نلقي نظرة! حويته بذراعيّ فطفق ينتفض في الكيس ثم قام صائحاً في وجهي، ها هي شارة الكراميل الغبية! ثم عبَر إلى خيمة السيد شيتام لكنه لم يمتنع عن البكاء والتوسل حتى بصوت أعلى كيلا يتطلقا.

بص، سمعتُ السيد شيتام وهو يقول، بعد موت أختك – انهار صوته. ذلك سهل للغاية، أَبلغه. لقد قابلتُ واحدة ثانية. لاذ بالصمت دقيقة. تلك هي الحقيقة.

خلت البكاء سيتواصل إلى الأبد لكن لا بد أن النوم غلب دوني في النهاية.

تقلبتُ المرة بعد الأخرى في كيس النوم ثم لبستُ شارة الكرمل الخاصة بأمنا سيليستاين وقبضتُ على المصباح لأزحف خارج الخيمة. ند عن النار الهسيس فركلتُ بضع جمرات أخيرة عند قاعدة الرماد. شخر السيد شيتام وهو نائم وبلَغني صوت دوني يقول، بابا؟ والسيد شيتام يجيب، نعم؟ لكني لم أسمع كلمة بعدها رغم أني وقفتُ خارج خيمتهما فترة طويلة، منصتاً.

صوبتُ مصباحي إلى الأمام نحو الحافة الصخرية المسطحة للبحيرة وتتبعتُ الشعاع الضيق إلى هناك. قعدتُ ودليت قدميّ ثم أطفأتُ المصباح. أحسبني كنت أتحسر على حالي. شعرتُ بغتة وكأننا غبنا دهوراً. هل كان يومها الأحد؟ جمعتُ عشرة أحجار كي أعمل سبحة لعد الصلوات. قعقعتُها في يديّ ثم شرعتُ في تلاوة صلاة ’أبانا‘ بيد أن صوتي خرج بنبرة مفعمة بالغرابة. هززت الأحجار في قبضتي شأن زهر الطاولة. رميت واحداً في البحيرة فأتاني بعد قليل صوت الرشاش. تفتحتْ الدوائر حيث تلاشى الحجر. فكرتُ في قول شيء باللاتينية لكن لم تسعفني الذاكرة على تذكر كلمة واحدة، عدا آمين. فصرختُ، آآمين! وسمعتُ الصدى، هآآآمين، هآآآمين، هآآآمين، أصغر وأصغر.

تمددتُ على الصخرة. كانت شارة أمنا سيليستاين قديمة، بلي صوفها ونعِم من كثرة المَسك. ارتقيت ذات مرة سلالم الملجأ، ست مجموعات من السلالم بدءاً من حجرتي الكائنة في البدروم لأشاهد مكان إقامتها. لم يكن مسموحاً لنا بالصعود إلى هناك. وقد وقفتُ على السبب. تعلقتْ الجوارب على أنابيب المياه. تكرمشتْ أغلفة الحلوى على الأرضية. استقر رداء رهباني أسود مثل الكيس الفارغ إلى جانب السرير. لم يكن السرير مرتباً، واستطعت أن أبصر تجويفاً تنام فوقه أمنا سيليستاين. التوت بطانية ذات لون أخضر باهت وملاءة علوية رقيقة صفراء في جديلة محكمة مرفوسة عند نهاية الفراش. كانت الزينة الوحيدة صليباً أسود من الخشب، سمَّره أحدهم على الحائط فوق السرير شأنه شأن الظل الدائم.

لم أزل مضطجعاً هناك عندما أقبل دوني والسيد شيتام وهما يجريان فوق الصخرة بملابسهما الداخلية. ماذا حصل؟ سألا. قالا إنهما سمعاني أصرخ وخشيا أن أكون تهت أو رأيت شيئاً.

ربما بيج فوت، قال دوني.

اللعنة يا دونالد، لا وجود لمثل ذلك الشيء، أخبره السيد شيتام. إنها خرافة فقط لا غير.

يا سلام، اعترض دوني. وكيف لك أن تعرف؟

لا تقلق، قلت. لم يكن هناك شيء.

أنت متأكد؟ سأل دوني.

لم يكن هناك شيء، قلت. أنا متأكد.

هبت الرياح وبرُد الجو قليلاً فوق تلك الصخرة. تاهت من الجميع الكلمات.

أتريان ما هناك؟ فوق جبل أوليمبِس؟ ذلك النجم الأخضر؟ قال السيد شيتام مشيراً إليه. مددنا أعيننا – ظِل أبيض مبهم، نور أخضر. إنه ليس نجماً بحق. إنه كوكب – ذلك فينوس، تابع السيد شيتام. آلهة الحب.

إنها مجرد خرافة، فاه دوني وهو يحدج أباه بعينيه. وغد.

لَم أسمعك، قال السيد شيتام. ماذا قلتَ؟

ولا حاجة، رد دوني.

ولا حاجة؟ لكني سمعت حاجة.

قذفتُ في البحيرة حجراً ثانياً، بعيداً هناك، أبعد ما يكون. أنصتنا جميعاً. تفتحتْ دائرة في المياه، أوسع وأوسع. وبعدئذ طوى دوني المرتعش من البرد ذراعيه حول نفسه وعلا صياحه، هاي، فترامى إلينا ثانية، هاي، هاي، هاي، ثم صحت، هاي، بل إن السيد شيتام انضم إلينا، وظللنا نسمع، هاي، هاي، هاي وكأن هناك ملاييناً منا في كل مكان.

 

 

 

 

* الرفع الصغير: رفع القسيس للقربان المقدس قليلاً إلى ما تحت مستوى العينين.

* شارة الكرمل Scapular: قطعتان صغيرتان مستطيلتان من الصوف تصل بينهما الخيوط، تَحملان نصوصاً أو صوراً مسيحية. يلبسهما بعض الروم الكاثوليك على الكتفين تحت الملابس علامة على الورع وطلباً للحماية. لا تعرف اللغة العربية مقابلاً للكلمة. سميتُها شارة لأنها تشبه الشارة، أمَّا كلمة ’الكرمل‘ فتعود إلى الرهبنة الكرملية التي تأسست على سفح جبل كرمل في فلسطين. يَذكر تاريخ الكرمليين أن العذراء مريم ظهرت للقديس سيمون ستوك، رئيس الرهبنة الكرملية، في 16 يوليو عام 1251 حاملة بيدها شارة بنية اللون، وقالت له: "استلِم يا بنيّ الحبيب، هذا الرداء لرهبنتك. سيكون امتيازاً لك ولكل الكرمليين، أي شخص يموت مرتدياً إياه لن يقاسي النار الأبدية." وعليه سَميتُ الشارة بشارة الكرمل.

* بيج فوت: حيوان ضخم أشبه بالإنسان يقال إنه يسكن براري الولايات المتحدة وكندا.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.