مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد السابع والثلاثون، يناير 2013        Thirty-seventh issue, January 2013

 

 

تكرم روب ميمبريس بالموافقة على نشر قصة "امتداد هارت" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Mimpriss was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Hart's Reach" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Mimpriss a great debt of gratitude for his kind permission.

"Hart's Reach" by Rob Mimpriss. Copyright © Rob Mimpriss. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

امتداد هارت

روب ميمبريس

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يناير-2013

 

 

 

 

 

رآهما على الضفة الأخرى يتسللان أعلى السور. أسقط الرجل حقيبة ظهره بين سيقان القصب مخْفضاً السور الشائك بيده على حين وضعت المرأة ثِقلها على كتفه. لا بد أنهما اختصرا الطريق بعبور أرض ديوي توماس، وكانا الآن يتعديان على أرضه، ربما اعتزما التخييم هنيهة في مروج البرية المحاذية للنهر. توقفا لحظات على رقعة خضراء تعلوها الطحالب، يتفحصان حقيبتيهما، سرواله، بنطالها القصير، يشقان طريقهما في اتجاه العيادة المهجورة. تعثرت المرأة بجِذْل شجرة من أشجار جار الماء، كابحة صرخة، طار مالك الحزين ببطء تعوزه الرشاقة من المياه الضحلة إلى مصائد الأسماك عند نهاية امتداد النهر. كلما أمعنَا في التعدي على الأرض، زادت فرصة ما قد يحْدثاه من ضرر، ولو جلبتْهما هنا لافتة الطريق المعلِنة، 'للبيع،' كان ينبغي إذن أن يعملا بنصيحتها ويتصلا بالسمسار لترتيب موعد.

لم يكن كذلك جواً يليق بالتخييم. فقد أمطرت السماء معظم النهار، وحذَّر المذياع من وقوع فيضانات خلال الليل، فعرَّج على ديوي الأرمل الأصم كي يحذره مما سيجيء. كان يجدف إلى البيت، يجر الزورق والقارب المنفوخ إلى الضفة ويكافح لإعادة المحرك الخارجي إلى السقيفة، ولو سيصطاد هذين الحبيبين، لا بد أن يفكه ثم يعيد تركيبه. قاوم الإجهاد والضيق إحساساً بالشفقة وذاكرته تستحضر متعدِّين جادلوه شر جدال، بل وسددوا إليه أصابع الوعيد. لاح هذان الاثنان مسالمين، بل إن قدراً من قلة الحيلة داخَلهما. سوف يمضي.

كان يأخذ العشاء إلى زوجته حين وقَعت عليهما عيناه. وضع صينيتها على المكتبة خارج غرفة نومها. الستائر مسدلة، الضوء مطفأ، وريتا ترقد نائمة على جانبها بوجه مقلوب على دفء غطاء من الصوف. أزاح ثنية قبعتها الصوفية ليربت وجنتها. أرسلت أنيناً لاعقة شفتيها ثم نبست، "هارت؟"

رد هارت، "آن أوان العشاء."

"كنتُ أحلم." تقلبت على ظهرها ثم مدت يدها طالبة المساعدة، مالت إلى الأمام لتسمح له بترتيب الوسائد. "كان من الممكن أن أنام وأحلم طيلة الأمسية."

أنبأها هارت، "آن أوان الأكل." أحضر الصينية ليحطها بعناية على حجرها. رانت عليها علامات الاستنزاف والإعياء من جراء الأدوية والنوم، واستحال وجهها الرقيق الجذاب أنحف وأشحب بفعل قبعة سوداء أخفت فروة رأسها. فاهت، "أشعر بالغثيان."

"سوف يساعد اللبن على تهدئة معدتك. تناولي القليل من الأرز لمَّا يَبرد." اتكأ على خزانة الأدراج منتظراً أن تأكل. وضعت كوبها على الصينية نصف مملوء.

"كنتُ أحلم بأن لا يزال لديّ شَعر."

"جربي الأرز الآن يا ريتا."

"هل تتذكر شهر عسلنا يا هارت؟ لم تستطع أن تترك شعري في حاله؛ قضيتَ الأسبوع بأكمله تلعب به."

"هناك متعديان على الأرض بجوار العيادة. يجب أن آخذ القارب حين تَفرغين."

قالت ريتا، "أمر مؤسف." شرِبت بقية اللبن ثم رفَعت شوكتها لتقحمها في الأرز المتبل وتختار قطعة من السلمون. وبمسحة من نفاد الصبر أردفت، "ألا تستطيع أن تتركهما فحسب يواصلان طريقهما؟ لم تعد تحوي شيئاً سوى حجرات شاغرة."

رد هارت، "الأمر مهم على ما يبدو."

اعتدل وقطَع الغرفة نحو النافذة مائلاً إليها. تناهت إليه صلصلة علَت من حين لآخر من شوكة ريتا على الطبق. رصَد والزوجان يتوقفان على الضفة، الرجل يبسط خريطة حتى تتلقى المطر على حين تربض المرأة متفرسة في ركبتيها. قالت ريتا، "لا زلتُ أشعر بالغثيان. أكلتُ بما يكفي الآن. هارت؟"

خامره التردد ثم وقَف بجانب فراشها ليأخذ الصينية.

"لا تمكث طويلاً في الخارج. من فضلك؟"

عندما يؤوب، سوف يضطر إلى إضرام النار من جديد. وقَف في برودة سادت غرفة الطابق السفلي، يرتقي بطرفه إلى بندقية رش أثرية تخص أباه، وفي لحظة مجنونة تموج باحتقار الذات تخيل نفسه – رب المنزل الصارم ومعه زوجته المحتضرة – يجابه ذلكما المتعدين ببندقية. انسل عقله لحظةً إلى الماضي – طارحاً ذلك الادعاء المرهِق بالرُشد – إلى فبراير منذ ثلاثين عاماً: برودة معدن البندقية لِصْق يده، رياح صادرة من رُقَع القصب بين عظامه، مركب التجديف متململ أسفل قدميه وأبوه يوجه طلقته صوب تلك الجلبة من الإوز في السماء. أطلق النار بسرعة أكثر مما ينبغي؛ وخَز ارتداد السلاح كتفه. وفي إحباطه رمى البندقية بعنف على سطح المركب فأخذها أبوه بغضب متحجر لا يلين ثم أدار المركب راجعاً إلى البيت. أنهى إليه أنه لا يجب أن ينفعل أبداً أثناء حمل بندقية.

مضى إلى الدولاب المجاور للباب ليَلبس معطفه وبنطاله الواقيين من المطر ثم غادر المنزل.

تراءى برهة قصيرة كما الهارب. ولكن مستنقعات كامبريدج، محل دراسته، بثت فيه منتهى الاشتياق إلى الأراضي السِبَاخ بمسقط رأسه. وعندما عرَض عليه أبوه المريض شركة بينهما، تجاهل نصيحة معلميه ووافق على الرحيل. ألفى المشروع يحتضر. كان أحد الأطباء البيطريين قد افتتح عيادة جديدة في القرية إلا أن أباه والى فرض أسعاره الباهظة والتشاحن مع جيران كافح هارت لاستعادة ودهم. حمَل المحرك إلى المياه ثم عاد لجلب المجدافين، خاض في المياه بالقارب المنفوخ حتى مسَّت المياه وركيه قبل أن يوجهه خارج منعطف النهر لينطلق في اتجاه المجرى.

 

قامت مقام العيادة طاحونة مائية عندما كانت الزوارق الخشبية المستديرة مشهداً معتاداً في النهر، كانت قد آوت حرس هتلر المأسورين لفترة من الزمن إبان الحرب. طاف أبو هارت ويلز في صيف عام 1957، سنَد دراجته إلى جدار يعلوه جَمَلون ويكسوه لبلاب، وبعدها ألقى نظرة خاطفة فوق رأس رفيقته ليلمح أحد ثعالب الماء يَهبط منزلقاً إلى الضفة. رسَخت التفاصيل مستقرة في عقله: فخْر خالجه لتَخَرجه مؤخراً، مربي صقور يطْلق عاسوقاً فوق الحقول القصية، خصوبة لا تَعدم الهدوء تعم النهر. وحين غامت ذكريات تلك الرفيقة بعد انقضاء سنوات لتستحيل صورة مبهمة لجورب أبيض وفستان أصفر، استدعى هو الثري اليتيم ثعلب الماء واضحاً لا تتخلله شائبة، واشترى كلاً من الطاحونة لتصير عيادته ومرأب القارب على بعد نصف ميل ضد التيار ليكون بيته على الضفة الأخرى.

شرَح والتر هارت فيما بعد لابنه التلميذ أن ما اكترث له هو بلوغ تلك اللحظة عندما تمسي الحياة جلية – لا مع الفتاة مع أن اسمها كان طحَّاناً، وإنما مع ثعلب الماء والعاسوق وجدار اللبلاب: عالَمه المحتاج إليه، في انتظاره ليطالب به. وقد كان من المنتظَر أن يكرر هارت هذه الانتصارات ليستحوذ على فتاة ما، بَرِّية ما، ولكن العيادة المحتضرة كانت ولا بد البرية الخاطئة، وريتا الفتاة الخاطئة، وفي النهاية امتعض أبوه من استعداده للمساعدة. جدَّف بضربات بطيئة لا يَنقصها الصبر بينما أرجعت الأراضي السِبَاخ صدى الرعد وتوارت التلال خلف الأمطار. عندما تقدم بمحاذاة العيادة، ألفى الرجل جالساً في الشرفة ومعه خريطته والمرأة تحاول فتح بابها المغلق. أدار هارت مقدمة القارب المستديرة ناحية الضفة ليجر القارب إلى البر.

بادرت المرأة إلى سؤاله، "هل أنت المالك؟" تحلت بوجه مستدير يَنعم بالشباب وشعر قصير بني اللون. أبدت نظرة تشي بالود إلا أنها أطبقت أسنانها في مواجهة المطر والبرد. كانت قد أسندت حقيبة ظهرها إلى الحائط، ولكنها سقَطت لوزنها العلوي الثقيل رامية على الطريق علبة من وجبات المخيمين. تدحرجت وتقلبت مستقرة حيث انحنى هارت تحت المطر ليلتقطها دون أن يفغر فمه بكلمة. حط الرجل الخريطة في جيبه ثم نهَض قائماً.

أضافت المرأة، "أتمنى ألا تجد مانعاً من الزوار. فقد انزنقنا قليلاً."

سأل هارت، "ماذا تفعلان هنا؟ هل كنتما تخططان للتخييم في أرضي؟"

أجابه الرجل، "سمِعنا في البلدة عن الطاحونة. وأجل، كما قالت، نحتاج إلى مكان للتخييم الليلة إن لم نستطع العودة إلى البلدة."

"أتيتما بالحافلة؟"

ندت عن المرأة ضحكة خفيضة تنبئ عن إرهاق، ورمقت رفيقها بنظرة. أنهى إلى هارت، "لقد سرنا."

كاد الإغراء يدفعه إلى أن يأمرهما بالسير عائدين اثنى عشر ميلاً ونصْب خيمتهما حيثما يشاءان لتباغتهما مياه الفضيان، كاد يدفعه إلى أن يخبرهما أنهما يتعديان على أرضه مثلما تعديا على أرض دوي من قبل. ولكنه أخرج من جيبه المفتاح واندفع بحذاء المرأة الواقفة ليجر حقيبتها جانباً. كان لا يزال يمسك تلك العلبة الحاوية للحم، تهلهل غطاؤها الورقي وتهرأ بفعل المطر. راقباه. سأل، "هل ستَدخلان؟" ارتسمت على محيا الرجل ابتسامة. اتصف بهيئة حليقة الرأس خليقة براهب، رقعة يتزايد صلعها ووجه طيب تشوبه التجاعيد. برَقت السماء. أضاء الوهج أقصى أركان الردهة، قعقعت النوافذ وارتعد الهواء بفعل الصوت. فرَّت من المرأة شتيمة. وقَفا بجوار النافذة تتساقط من ملابسهما قطرات انقلبت معها الأرضية الخشبية داكنة. شاهدا الأمطار القارعة والنهر منبطح لا يبدر منه إلا الارتجاج أسفل ضرباتها. أبلغهما هارت، "يوجد ماء وغاز. يمْكنكما النوم على الأرضية لو تريدان."

حجَب الرعد كلمات الشكر. قصد هارت غرفة العاملين ليشعل عين الغاز ويفتح علبة شاي. تحرك الاثنان خلسة في الغرفة الأخرى، ينقران بكفيهما الحواجز الداخلية، يختبران طبيعة الأرضية. قالت المرأة، "من المؤكَد أنه لا يعيش هنا. أليس كذلك؟" انتقلا إلى غرف الاستشارة تحضهما ثقة أكبر. جلست المرأة على طاولة مبطنة من الصلب وشبَّكت يديها على ركبتها العارية متطلعة إلى حبيبها القائم عند النافذة، يحدد هيئته نور متقطع مبعثه العاصفة.

قالت، "ما حالفنا الحظ على الإطلاق."

رد الرجل بدوره، "إنها عاطفة جميلة."

"تَعلم أني أكره العواصف."

"إنها تتحرك." التمع وهج فتنحنحت المرأة قبل لحظة من دوي الرعد. استدار وأقبل متمهلاً ليَقعد على المائدة مولياً إياها ظهره. نادى هارت، "يا جماعة؟ لقد أعددتُ الشاي!" لم يُقْدم أيهما على أدنى خطوة.

"هل تختارين الانتقال إلى هنا؟"

"المكان جميل. ولكن لا. إنه هادئ أكثر مما ينبغي."

"عله ليس هادئاً كل الهدوء. فهو يعيش هنا."

قالت المرأة، "لقد سئِمتُ، سئِمتُ الملابس المبتلة وأكياس النوم وعدم خلع جزمتي. والآن يجب أن نعود إلى ذلك الرجل ونتوخى معه التهذب ونحتسي شايه."

"حان وقت الرجوع إلى البيت إذن."

اعتمدت إلى الوراء لتشبك أصابعها بأصابعه تاركة الرطوبة تتسرب بين الرقع المبتلة في ملابسهما. انتظرا. استأنف الرجل حديثه، "لا أحسبه سيلبث هنا طويلاً. أظنه ينتظر انتهاء العاصفة ليس إلا."

 

قاد هارت القارب إلى منعطف النهر ثم أسكت المحرك، أدار ظهره للمنزل الساطع الناعم بالدفء مستقراً هو على مجدافيه. تيبس جسمه من فرط البرد. بزغ حد رفيع من اللون القرمزي بين الأرض والسحب، وتراءت التيارات أرقة مفعمة بالقلق، تائهة بدون روتينها الخاص. الأسوأ في الطريق. رعَدت عاصفة أشد، ليست بعيدة. سحَب القارب إلى الضفة وربطه بشجرة صفصاف قبل أن يجر المجدافين والمحرك عائداً إلى السقيفة. أمسك لحظة ويده على الباب.

"هارت!"

وضع سترته وجزمته المطاطية في الدولاب ثم خلَع قميصه واغتسل. كانت ريتا ترتدي بُرْنُسها، جالسة على الأريكة بالقرب من المدفأة الخالية. "انتظرتُ طويلاً يا هارت."

"آسف. تأخرتُ غصباً عني."

"ماذا لو نزَل بك مكروه في ذلك القارب؟ ماذا لو انجرفتَ إلى البحر؟"

"سوف تجدين دوماً الرعاية." كان يحتضن زوجته بيد أن عينيه الشاخصتين تسلطتا على النافذة والنهر المضطرب، ينحت ضفتيه.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.