مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم ناثان إنجلاندر بالموافقة على نشر قصة "تناسخ الأرواح في بارك أفينو" وقصة "فاكهة مجانية للأرامِلَة الشابات" في مجلة البوتقة.

ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Englander was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Gilgul of Park Avenue" and "Free Fruit for Young Widows" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Englander a great debt of gratitude for his kind permission.

“Gilgul of Park Avenue” by Nathan Englander. Copyright © 1999 by Nathan Englander. Originally published in The Atlantic Monthly, March 1999. From his story collection, For the Relief of Unbearable Urges. Copyright 1999 by Nathan Englander. Reprinted by kind permission of The Marsh Agency. All rights reserved. Special thanks go to Ms. Annina Meyerhans from The Marsh Agency.

“Free Fruit for Young Widows” by Nathan Englander. Copyright © 2010 by Nathan Englander. Originally published in The New Yorker, 17 May 2010. Reprinted in The Best American Short Stories 2011, 2011. Published by kind permission of the author & The Marsh Agency. All rights reserved.

 

 

 

ناثان إنجلاندر

http://www.nathanenglander.com/

تناسخ الأرواح في بارك أفينو

تاريخ النشر: 1-يوليو-2006

فاكهة مجانية للأرامِلَة الشابات

تاريخ النشر: 1-أكتوبر-2013

ترجمة: هالة صلاح الدين

 

 

لراحة الرغبات غير المحتملة

 

 

 

استهل اليوم اليهودي عمله في هدأة المساء لئلا يصدم الكون بوفوده. حدث ذلك عندما فطن تشارلز مورتون لوجر إلى أنه يحمل روحاً يهودية فيما تبدت ثلاثة نجوم بسماء مانهاتن وانقضى يوم جديد.

كالرنة! هكذا أتت، كرنة سكين يرتطم بالزجاج.

أدرك تشارلز لوجر، لو كان بمقدوره إدراك أي شيء على الإطلاق، أن روحاً يهودية تعمل في داخله.

لم يكن ممن يتجاذبون أطراف الحديث مع سائقي سيارات الأجرة لكنه أحس أنه ملزم بمشاركة مثل هذا الحدث الجلل. إنها قصة نيويوركية من الطراز الأول كأن تلد امرأة في مصعد أو أن يقوم بائع شطائر سجق بجراحة قلب مفتوح باستخدام مطواة وقلم ماركة بيك. ألم تكن هذه ولادة جديدة في حد ذاتها؟ أضمر يقيناً بأنها شيء عظيم الأهمية. لذا مال في جلسته إلى الأمام ثم رفع قبضته وطرق الحاجز البلاستيكي.

نظر السائق إلى المرآة العاكسة لما يدور خلفه.

"يهودي،" أعلن تشارلز. "راكب معك يهودي هنا بالخلف."

رفع السائق يده وزحلق الحاجز فارتفع صوت ارتطامه بالشق.

"غريبة، يظهر أني يهودي، يهودي بسيارتك."

"لا مشكلة عندي. فالعَداد يتكتك بنفس الطريقة مع كل العقائد." أخبره السائق مشيراً إلى العرض الرقمي.

أعمل تشارلز فكره في الأمر. إنها تجربة إيجابية – على الأقل هي ليست ضارة. أجل، ليست ضارة. ما الذي توقعه؟

أطل ببصره من النافذة على شارع بارك أفينو، نظرة يهودي على العالم. لم تتبد الألوان أزهى أو أعتم وإن اعترف بأنه كان يفتش بالفعل عن مرتد للقلنسوة اليهودية، عن يهودي قد يتطلع ناحيته ويغمز بعينه مؤكداً ما سبق ووقف عليه.

تباطأت السيارة إلى أن توقفت خارج مبناه، فتقدم ’بيتي‘ البواب إلى حافة الرصيف. أزاح تشارلز مشبك أمواله ونزع خمسين دولاراً. مد يده فوق المقعد قابضاً على  الورقة.

"يهودي،" قال تشارلز وهو يضغط الورقة ذات الخمسين على يد السائق. "لديك يهودي بسيارتك."

 

علّق تشارلز معطفه ووضع حافظة أوراقه بجانب المشجب المليء بالعُصي والمظلات المنمقة التي لا تسمح له سو بلمسها بعد أن نقبت عنها بكل دقة في أنحاء المدينة. كانت قد جددت أثاث الردهة وحجرة المعيشة والسفرة كلها بقماش قطني طُبعت عليه أعداد غامرة من أشكال الزهور والحيوانات مما خلق امتداداً فسيحاً غامض المظهر. اندفع تشارلز عبره نحو المطبخ حيث كانت سو تُخرج العشاء من الثلاجة.

قرأت الملحوظة التي خلفتها الخادمة فأشعلت عيون الموقد وأدارت أقراص التحكم وفقاً لها. أقبل تشارلز من خلفها فاستنشق أريج العطر ورائحة سجائر خفيفة تتخلله. التفتت وقبلته قبلة حملت من العواطف ما يفوق الود، قبلة لم تتكرر يومياً وإن لم يندر حدوثها تماماً. كانت لا تزال تضع عدساتها اللاصقة؛ فأشعت عيناها باللون الأزرق.

"لن تصدقي ما جرى،" قال تشارلز دهشاً حينما ألفى نفسه في قمة السرور. فقد كان رجلاً متزناً لا يقع في الغالب ضحية للأمزجة المتطرفة.

"ما الذي لن أصدقه؟" ردت سو. ابتعدت عنه وبحركة سريعة أدخلت مقلاة إلى الفرن.

كانت تعمل مديرة فنية لمجلة من المجلات المصقولة مما جعل حياتها المهنية غاية في الإثارة مقارنة بحياته. شعر تشارلز بأن الأنشطة اليومية لمحلل مالي لم تكن لتستحق حتى الفوز باهتمام من قبيل التهذب. لم يسبق له قط أن أنبأها بشيء لم تصدقه.

"حسناً، ما الأمر يا تشارلز؟" أمسكتْ بكأس أمام ماكينة الثلج الراقدة بتجويف الثلاجة. "اللعنة،" قالت. فقد ترك تشارلز الماكينة أثناء الإفطار مضبوطة على "سحق الثلج."

"لن تصدقي ما حدث وأنا راكب السيارة الأجرة،" قال واعياً بغتة أن مَن تحبطها رقاقات الثلج لن تتقبل اكتشافه بنفس راضية.

"وجهَك،" قالت منتبهة إلى ما ارتسم على وجهه من تعبير غريب.

"لا شيء – أنا أتذكر فقط. يا لها من ركوبة، كانت مجنونة. خالف سائق السيارة إشارات المرور ثم اعتلى الرصيف."

أعدت الخادمة دجاجاً بالقشدة. عندما جلسا إلى مائدة العشاء، حدق تشارلز في طبقه. قطع نصف ساعة يهودياً على أنه شعر بالفعل بالالتزام. كان يعلم أن هناك قوانين للنظام الغذائي، حرام أن يلمس اللبن اللحوم، بيد أنه لم يكن يعرف ما إذا كان الدجاج يعتبر من اللحوم ولم يتجاسر على سؤال سو ويخاطر بوقوع مواجهة – ليس قبل أن يصيغ خطة. سوف يتصل مع الصباح بالطبيب بيرنباويم، معالجه النفسي. أو ربما يعثر على حاخام. فمَن أحسن منه ليدله على مثل تلك الأمور؟

وهكذا مثله مثل الأسباني الذي أرغم على التنصر في العصور الوسطى إنما لبث يهودياً في السر، تناول تشارلز العصر الحديث الدجاج كما يفعل غير اليهود – بينما نطق قلبه باليهودية.

 

في الصباح التالي بالعمل باشر تشارلز البحث على الفور. أخرج الصفحات الصفراء،  المزودة بالمراجع والأسانيد، وتتبع قائمة "انظر" في دليل الهاتف. أكثر من قيد تحت كلمة "صهيون" أوصله بمنزل للمسنين. "الخلاص" أبعدته عن سبيله أكثر. اكتشف في النهاية منظمة بدت مناسبة لدرجة مخيفة. فهي من ناحية لها هاتف في رويال هيلز، وهو حي يغص باليهود.

حمل القيد اسم مركز الإصلاح اليهودي الصوفي برويال هيلز أو كما قال الصوت المسجَل، "الميم-إيصره"— هكذا تماماً، بوقفة بعد حرف "الميم" الأول. كان أشبه بمكتب للمعاملات اليهودية الخارقة للطبيعة: "اضغط واحد لميعاد قدوم المخلّص، اثنين لتفسير الأحلام والاستشارة، ثلاثة لدراسة التأثير السحري والتنجيمي للأعداد، وأربعة لبرنامج الاعتزال." زعزعت "وأربعة" من ثقته، فقد كانت إشارة سيئة. فالتسجيلات لا تقول أبداً "وأربعة" ثم "وخمسة." إلا أن الرسالة استمرت، معجزة صغيرة. "لكل حالات تناسخ الأرواح أو حالات تناسخ الأرواح المحتملة أو استعادة الذاكرة، من فضلك اتصل بالحاخام زالمان ماينتز على الرقم التالي."

كتب تشارلز الرقم وقد بلغ من الزهو مداه. لهذا السبب بالضبط انتقل منذ سنوات عدة من أيداهو للعيش في نيويورك، إنه هذا السبب تماماً. لأن بوسعه أن يعثر على أي شيء في الصفحات الصفراء لمانهاتن، أي شيء. فقد كان كتاباً في مثل سُمك قالب البناء.

 

كان الميم-إيصره منزلاً مبنياً بالحجر الرملي البني على الطراز القوطي أعيد تجديده تجديداً جميلاً في قلب رويال هيلز. تم توسيع السلالم الأمامية لتكون بعرض المبنى وهدْم الواجهة الكلية لأول دورين ليحل محلها قنطرة حجرية يقع خلفها حائط زجاجي. كسا الرخام ردهة المدخل فخلف في نفس تشارلز انبهاراً. ثمة أموال توضع في أعمال الرب، علّق في ذهنه.

هذا ما جرى: وقف وسط الأرضية الرخام شاعراً بالفراغ البارد، ما وجد مألوفاً سوى نفسه غير المألوفة. ثم عادت. إنها الرنة! مرة أخرى جاءه الإدراك.

بالأمس القريب كانت حياته كلها تنحصر في حياته – مألوفة وليست لأحد سواه، كانت شيئاً يحيا داخله كمن يحيا في سترة قديمة من الصوف. أما اليوم: فهو في بروكلين بمدخل مقنطر يقف على رخام أبيض.

 

"من هنا، من هنا. اتبع صوتي. تعال إلى النور."

ارتقي تشارلز السلالم حتى أتى عليها ثم وطئت قدماه ما بدا كحجرة علوية، أسقفها مائلة تعلوها الغبار، طافحة بما يُخزن في مثيلاتها – كراسٍ وحصان هزاز وطقم كروكيه وصناديق تنتشر في كل مكان – كما لو أن كل ما تبقى من حياة المنزل السابقة دُفع إلى الطابق العلوي.

"انعطف يمينك. شق طريقك. يمكنك فعلها؛ فقد وصلتُ أنا إلى هنا." قوطع الحديث بما يشبه الضحك. كان ابتهاجاً منطوقاً، تمتمة سعيدة.

 أفضى الطريق إلى مقدمة المبنى، إلى حجرة مفتوحة يحدها حاجز شرقي الطراز. اتخذ الحاخام مجلسه على كرسي جلدي بذراعين يقوم قبالة أريكة بالية – من الواضح أن الاثنين قد تم إنقاذهما من بين ما تكوم من أثاث بال بالحجرة.

"زالمان،" قال الرجل وهو يثب من مكانه ليشد على يد تشارلز. "الحاخام زالمان ماينتز."

"تشارلز لوجر،" قال تشارلز وهو يخلع معطفه.

كانت الأريكة نظيفة وإن دارت عليها في الماضي أيام أسعد. توقع تشارلز أن يثير جلوسه الغبار. ما أن لامس القماش حتى حلت عليه الكآبة، إذ ألفى المزيد من القماش القطني المطبوع، زهوراً أبهتها ضوء الشمس تزحف على الأريكة كلها.

"لقد انتقلتُ للتو،" أنهى زالمان إليه. "مكان جديد، أكبر بكثير من السابق إلا أنه كما ترى لم تطله يد التنظيم." أشار إلى أشياء معينة: مرآة وخزانة لحفظ الخزف. "من فضلك اعذر أو اصفح – من فضلك اعذرنا على مظهرنا. فالأمور المهمة لها الأولوية. مشغول جداًَ مؤخراً، مشغول جداً." وكأن مثالاً ود أن يقدم نفسه، بدأ رنين تليفون يجثم على منزل لعبة. "رأيتَ؟" قال زالمان. مد يداً أغلقت الجرس. "هو على هذه الحال طوال اليوم، وبالليل كذلك. بل إنه أكثر انشغالاً بالليل."

لم يوح المكان المحيط بالثقة بيد أنها نبعت من زالمان. لم يكن قد تعدى الثلاثين بأية حال إلا أنه لاح كاليهودي الحق في عينيّ تشارلز: لحية طويلة سوداء وبذلة سوداء وقبعة سوداء بجانبه وأنف كبيرة لطيفة إنما كاريكاتورية كأنف فاجن* لكنها تشي بالمزيد من المودة.

"حسناً يا أستاذ لوجر. ما الذي أتى بك إلى عريني؟"

لم يكن تشارلز متهيئاً للكلام. فقد أعار انتباهه إلى لوحة للبحر معلقة على الحائط. "أتلك بحيرة طبرية؟"

"آه لا." قال زالمان ضاحكاً ثم استراح بظهره في جلسته ووضع ساقاً فوق أختها. لاحظ تشارلز للمرة الأولى أنه كان يلبس في تباه جورباً صوفياً سميكاً وصندلاً من الجلد الناعم. "إنها بحيرة بوليناس، موطني السابق."

"بوليناس؟" تساءل تشارلز. بكاليفورنيا؟"

"أنا مدرك لما يجري هنا. فهو واضح كالشمس." رفع زالمان ساقه من على الأخرى ومد يده واضعاً إياها على ركبة تشارلز. "لا تخجل،" قال. "لقد قطعتَ كل هذه المسيرة إلى هنا، نقّبتَ عني حتى وجدتني بركن مشرق من حجرة علوية ببروكلين. إن كان هذا اللقاء مقدراً، وهو لطبيعته هكذا، إذن فلنستغله على أحسن وجه."

"أنا يهودي،" جاهر تشارلز. باح بها بكل ما يصاحب الاعترافات العظيمة بالحياة من قوة وإثارة وارتياح. لزم زالمان الصمت. كان يبتسم وينصت في تركيز وعلى ما يبدو ينتظر.

"أجل،" قال والابتسامة لا تفارقه. "و؟"

"منذ الأمس،" أنبأه تشارلز. "داخل سيارة أجرة."

"آه،" قال زالمان. "آه! فهمتك الآن."

"ما أدري إلا وقد حدث."

"روعة،" علق زالمان. صفق بيديه وارتقى بطرفه نحو السطح وتصاعدت ضحكته. "معجز."

"مستعص على التصديق،" أردف تشارلز.

"لا! عاجله زالمان وقد انجابت ابتسامته وأقام إصبعاً وحيداً إزاء وجه تشارلز. "لا، ليس بمستعص على التصديق. ذلك لا يستعصي على التصديق. أنا أصدقك. لقد وقفتُ عليه قبل أن تتكلم – لذلك بالضبط لم تلق مني رد فعل. يهودي يجلس بإزائي ليخبرني أنه يهودي. هي ليست بمفاجأة. عندما أبصر رجلاً تتغلغل فيه اليهودية، شخصاً من الممكن أن يكون أخي، وهو بالفعل أخي، يقول لي إنه لم يكتشف سوى الآن أنه يهودي – فذلك يا صديقي، ذلك معجز بحق." أثناء حديثه تراجع إصبعه كما كان في بطء؛ هو الآن يقحمه أمام وجه تشارلز مجدداً. "لكنه ليس بمستعص على التصديق. فلقد شهدتُ حالات مثل هذه طوال الوقت."

"إذن فهو ممكن؟ هو صحيح؟"

"تهودتَ تهوداً بالغاً بهذه السرعة،" قال زالمان وضحكته تصحبه، "تسأل أسئلة أجبتَ عليها من قبل. إن علمك بالحقيقة يفوق علمي. فأنت من وقعتَ على الاكتشاف. كيف حالك؟"

"بخير،" رد تشارلز "مختلف إنما بخير."

"طيب، ألا تظن أنك كنتَ ستتضايق لو لم يصح ما عرفته؟ ألا تظن أنك لن تكون بخير لو أن هذا كابوس؟ ألم تكن لتعاني على نحو ما لو أن جنوناً أصابك؟"

"مَن ذكر أي شيء عن مسألة الجنون تلك؟ سأل تشارلز. فهو لم يكن مجنوناً.

"أذكرتُها أنا؟ سأل زالمان بدوره. قبض على صدره. "مجرد مصادفة، زلة لسان. فالعديد ممن يأتون عندهم مشاكل في البيت بسبب ما لديهم من أخبار، فعائلاتهم تساورها الشكوك."

تململ تشارلز في موضعه. "أنا لم أخبرها بعد."

رفع زالمان أحد حاجبيه وعطف رأسه ليداري ما وشت به عيناه من اتهام.

"زوجة لا تعلم؟"

"ذلك هو سبب مجيئي إلى هنا، كي توجهني." رفع تشارلز قدميه فوق الأريكة واستلقى عليها كما يفعل بعيادة الطبيب بيرنباويم. "أنا في حاجة إلى أن أخبرها، إلى أن أتوصل إلى طريقة إخبارها. أحتاج أيضاً إلى أن أعرف ماذا سأصنع. لقد شربتُ لبناً وأكلتُ لحمة الليلة الفائتة."

"فلنبدأ بالتاريخ،" قال زالمان. انسلت إحدى قدميه من الصندل. "أمك ليست يهودية؟"

"لا، ولا واحد. أبداً. لا أحد على حد علمي."

"هذا أيضاً محتمل،" قال زالمان. "عل روحك كانت في سيناء. ربما ظهر لها عبد مصري. لكن بمجرد أن شهدتْ الروح المعجزات في سيناء وصدّقتْ كلمة الرب هناك، صارت روحاً يهودية. هل تؤمن بالروح يا سيد لوجر؟"

"بدأتُ أومن بها."

"كل ما أقوله هو إن الروح لا تحيى ولا تموت. فهي ليست كياناً عضوياً كالجسد. إنها موجودة وتبطن تاريخاً."

"وروحي كانت تنتمي إلى يهودي؟"

"لا، لا. ذلك ما أرمي إليه بالتحديد. يهودي، غير يهودي، لا يهم. فالجسد غير مهم. إن الروح نفسها هي اليهودية."

 

جرى الحديث بينهما لأكثر من ساعة. أعطاه زالمان بعض الكتب: المختار وسياج من الزهور ومبادئ الناموس اليهودي. وافق تشارلز على أن يلغي موعده مع طبيبه النفسي اليوم التالي؛ سوف يحضر زالمان إلى مكتبه ليدْرس معه. ولا شك في أن مبلغاً من النقود واجب دفعه: أتعاب بسيطة، من أجل النفقات، بعضها لأعمال الخير ولضمان الحظ السديد. ليس المال بالأمر الهام، أكد له زالمان. فمن الحيوي أن يحصل على مرشد لمؤازرته خلال عملية التحول. ومَن أفضل من زالمان لقضاء هذه المهمة، رجل آمن باليهودية بنفس الطريقة؟ كان تعساً في بوليناس، أدمن الأسى والمخدرات وشارف على الانهيار حينما اكتشف روحه اليهودية.

"وأنت لم تكن في حاجة أبداً إلى تسجيل رسمي لتحولك؟" سأل تشارلز مصعوقاً.

"لا،" أجابه زالمان. "تلك الأشياء متروكة للآخرين، لمحبي رفع القضايا ومتصلبي العقول. فمَن دعتهم أرواحهم ليسوا في حاجة إلى مثل هذه الشعائر."

"قل لي إذن،" قال تشارلز. خرجت الكلمات من جانب فمه وقد داخلته ثقة وحميمية. "ومِن أين لك بالصفات اليهودية؟ أنت تبدو يهودياً وتتحدث مثله – يهودي أصيل. لقد تحولتُ إلى يهودي ولم أفز بشيء. في حين تنحدر أنت من بوليناس وكلامك يبدو وكأنك لم تبرح بروكلين ما حييت."

"ولو اكتشفتُ أني إيطالي، كنتُ سألعب البولنج الإيطالي كالمحترفين. تلك هي طبيعتي يا سيد لوجر. أنا منفتح تماماً على عملية التشكل لما هو موجود بالفعل داخلي."

تعتمد هذه المسألة بالتأكيد على الخبرة الشخصية. خبرة زالمان الخاصة. ومن المحتم أن تختلف خبرة تشارلز، أن تصير متفردة بذاتها. وإن تباطأ التغيير، فليكن. فقبل كل شيء، لا يجب أن تُلتهم النواميس كقطع الحلوى لكن على المرء أن يعتنقها عند استعداده حسبما نصح زالمان. ألم يستغرق الأمر خمسة وخمسين عاماً كي يعلم أنه يهودي؟ أجل، لكل شيء أوان.

"عدا،" قال زالمان وهو ينهض، "ينبغي أولاً أن تبلغ زوجتك. فالأكل الحلال لن يطير، ولا الحجاب*. بيد أن هناك شيئاً لا يمكن للروح الغضة أن تتحمله – ألا وهو التضحية بالكبرياء اليهودي."

 

حشت سو إحدى أسنانها بعد أن فرغت من العمل. عادت إلى البيت متأخرة حاملة معها نصف لتر من الأيس كريم. كان تشارلز قد أعد بالفعل المائدة ووضع العشاء على افتراض -- افتراض بعيد -- أنها قد تستطيع الأكل. 

"كيف كان الحال؟" سأل. أضاء شمعة وصب النبيذ. لم يسخر منها ولم ينبس بكلمة حول ما شاب حديثها من تداخل أو ما ظهر على وجهها من تدلٍ. تظاهر بأنها إصابة دائمة، تلف في الأعصاب، تعاطى مع العشاء وكأنه عشاء عمل ومع سو وكأنها عميل بلسان مشلول.

دنت من المائدة ورفعت الزجاجة. "حسناً، أنت لن تهجرني، أستطيع أن أستشف هذا. فأنت لن تفتح مطلقاً زجاجة نبيذ نفيسة ماركة أو-بريو كي تخبرني أنه ستهرب إلى اليونان مع سكرتيرتك."

"صحيح،" قال. "كنتُ سأوفرها حتى أشربها بشرفتنا بجزيرة ميكونوس."

"أنا سعيدة لأن،" قالت وهو تقف على أصابع قدميها لتطبع على خده قبلة مبللة تراخت لحد مثير للشفقة، "خيالك الجامح وصل بالفعل إلى تلك الدرجة."

"النبيذ في الواقع محاولة واهية لطرق الموضوع."

نزعت سو غطاء الأيس كريم بصعوبة ثم حطت العلبة الكرتون وسط طبقها. اتخذ كلاهما جلستيهما.

"اخبرني،" قالت.

"أنا يهودي." خرجت منه الكلمات سهلة. فهي ليست المرة الأولى على أية حال.

"هل هناك تكملة للنكتة؟" تساءلت. "أم المفروض أن أكملها أنا؟"

لم تحظ بجواب.

"طيب. دعنا نحاول ثانية وسأسايرك. هيا – قل نهايتها."

"بالأمس في السيارة الأجرة علمتُ بلا مقدمات. أدركتُ الأمر وشعرتُ به يقيناً. و—" رنا إلى وجهها وقد التوت قسماته ونمِل من الخدر. نطق بتعبير حالم رداً على أخبار كالحلم. "وما اعتراني أي حزن، سوي خشيتي من إطلاعك. لكن بعيداً عن هذا، أحس في الواقع بنوع من الرضا وشيء من الاختلاف، كما لو أن حاجات، حاجات مهمة، استقامت أخيراً."

"دعنا نفرغ من شيء واحد أولاً." تقلصت سحنتها تقلصاً رهيباً. خال تشارلز أنها ربما تحاول أن تعض شفتها – أو أن تعبس. "موافق؟"

"تفضلي."

"ما تود في الحقيقة إخباري به يا حبيبي هو أنك تكابد انهياراً عصبياً وهذه هي أفضل طريقة لتوصيل هذه المعلومة لي. سليم؟" غمَدت ملعقة في الأيس كريم لتخرج بها طافحة. "وإذا لم يكن انهياراً عصبياً، أريد أن أعلم إن كنتَ تشعر وكأن جنوناً ألّم بك."

"لم أنتظر أن يجري الحديث بسلاسة،" عقب تشارلز.

"أنت تتظاهر بأنك كنت تعلم أني سأنزعج." عاجلته سو فيما سال لعابها (حاول تشارلز ألا ينتبه). "حقاً، ومع ذلك، وبما لا يشوب تفاؤلك من كلل، حسبتني سأرسم ابتسامه على فمي وأخبرك أن تغدو يهودياً. ذلك ما ظننتَه يا تشارلز." أقحمت الملعقة في العلبة ثانية وتركتها مدفونة. "دعني أقول لك إنك شطحت بعيداً هذه المرة. لقد أخطأ قلبك وأصاب عقلك. فلا يمكن للحديث أن يجري بسلاسة. هل تعرف لِم؟ هل تعرف؟"

"لِم؟" سألها.

"لأن ما تخبرني به، بلا إنذار أو تمهيد – لأن ما تخبرني به خبل متأصل."

أومأ تشارلز برأسه تكراراً وكأن حقيقة مريرة قد تأكدت. "قال إنك ستقولين ذلك."

 "مَن هذا الذي قال يا تشارلز؟"

"الحاخام."

"بدأتَ تتعامل مع الحاخامات؟" ضغطت على شفتها المخدرة.

"بالقطع الحاخامات. فمَن غيرهم ينصحون اليهود؟"

 

طالع تشارلز الكتب بالعمل اليوم التالي وملأ مفكرته القانونية بالملاحظات. عندما انطلق أزيز من السكرتيرة تعلمه بأن الطبيب بيرنباويم على الخط ويسأل عن الإلغاء المفاجئ، لم يستقبل تشارلز مكالمة الطبيب للمرة الأولى منذ بدأ علاجاً كلفه خمس عشرة ألفاً من الدولارات. لم يتلق أية مكالمات؛ فقد كان منهمكاً في قراءة سياج من الزهور، الدليل الجامع لزواج موفق من خلال شعائر الطهارة، وكان في انتظار الحاخام زالمان.

عندما تناهى إلى تشارلز صوت زالمان خارج مكتبه، أطلق أزيزاً لسكرتيرته. كانت تلك أيضاً حادثة أولى. فتشارلز لا يطلق لها أبداً أزيزاً ما لم تطلقه هي أولاً. إنه بروتوكول يحكم عملية الدخول إلى مكتبه. فالزوار يجب أن يلتقطوا أزيزاً يليه أزيز رداً عليه. فهذا يضفي على المكان طابعاً مميزاً.

"حسناً،" ابتدره زالمان وهو يجلس دون دعوة. "هل أخبرتها؟"

أودع تشارلز قلمه الحبر في حامل الأقلام وضبط القاعدة بيديه الاثنتين. "صدقتني نصف تصديق، رد فعل كاف لإقلاقي إنما غير كاف للإطاحة بي. لكنها تفطن أني لم أكن بالمازح. وهي فعلاً تحسبني مجنوناً."

"وما هي مشاعرك تجاه الوضع؟"

"راض." اعتمد بظهره على كرسيه الدوار وذراعاه تتدليان على الجانبين. "يهودي وراض. متحمس، لازلت متحمساً. الأمر كله لا حد لغرابته. لقد تقلبتُ من حال إلى حال. وكلاهما لا يحمل أي مغزى حقيقي. لكن عندما اكتشفتُ أني يهودي، أظنني اكتشفت أيضاً الرب."

"مثل إبراهيم،" قال زالمان وقد رفع إلى السقف عينين متعبدتين. " حان الآن أوان تحطيم بعض الأوثان." أخرج كتاباً دل مظهره على جدية محتواه، غلافه جلد ونقوشه ذهبية. أيقن تشارلز أنه كتاب زاخر بالأسرار. درسا فيه حتى أخبر تشارلز زالمان أن عليه الرجوع إلى عمله. "الساعة معي ليست من خمسين دقيقة،" قال وقد تورد وجهه وهو يرشق المعالج النفسي بالانتقاد. اتفقا على الاجتماع يومياً وتصافحا مرتين قبل أن يغادر زالمان.

لم يكن قد انتهى إلى المصعد بعد حينما اقتحم والتر، المدير التنفيذي، مكتب تشارلز ليتوقف بعد العتبة مباشرة.

"مَن هو عازف الكمان على السطح*؟" تساءل والتر.

"سمسار."

"وماذا يبيع؟" قال والتر وهو ينقر خاتم زواجه على لوحة الاسم المثبتة على الباب.

"بضائع،" أجاب تشارلز. "معادن."

"معادن." قال وقد ارتفعت منه نقرة أخرى وأرسل غمزة عليمة. "عِدني يا تشارلي، إذا حاول هذا الشخص أن يبيع لك صُلب جسر بروكلين، على الأقل ساوم الرجل."

 

انقضت بضع ليال من الهدوء النسبي وسلسلة من الأعشية لم تتطلب مواجهة، من بينها أرز بالجبن ثم سلمون مرقط بالفلفل وقرع شتوي مع صلصة طماطم بالخضراوات والبصل المسيل للدموع و – استجابة لاشتهاء من سو – سمك النهاش الأحمر بالطماطم وتلك القطع الصغيرة من الثوم المُتكرَمل الذي تبرع الخادمة في إعداده.

تجاهلت سو اعتراف تشارلز تجاهلاً تاماً وبالأساس تجاهلته هو نفسه. أنفق تشارلز وقته بالمكتب يقرأ ما منحه زالمان من كتب. هكذا تعامل الزوجان حتى أقبل يوم خلفت فيه الخادمة قِدراً من اللحم البقري بصلصة النبيذ الأحمر.

"هذا اللحم ليس لحماً حلالاً وكذا النبيذ،" علق تشارلز مشيراً إلى ما تخلل عشاءه من نبيذ وما صُب منه في كأسه. "وهذه الصلصة بها رطل من دهن الخنزير. أنا لا أشتكى، كل ما هنالك أني أطلعك. حقيقي. حسبي الخبز." مد يده وتناول بضع شرائح من السلة.

صوبت سو إليه نظرات غضبى. "أنت لا تشتكي؟"

"لا، رد عليها ومد يده إلى الزبد.

"طيب، أنا أشتكي! أنا أشتكي حالاً!" ضربت قبضتها بقوة انقلبت معها كأسها مريقة ما بها من نبيذ فوق مفرشها الحبيب. رأى الاثنان المفرش وهو يمتص النبيذ؛ الدانتلة والتطريز يسمنان وينتفخان واللون ينتشر عبر النسيج المتقن كانتشاره عبر سلسلة من العروق. لم تند عنهما حركة.

"سو، مفرشك."

"في داهية مفرشي،" قالت.

"يا لك من غضبى." حسا حسوة من الماء.

"أجل غضبى. بالقطع يا أستاذ." علا منها صوت بدا لأذنيّ تشارلز زمجرة. زوجته منذ سبعة وعشرين عاماً وتزمجر في وجهه.

"لو ظننتني سأسامحك أبداً على بدء هذا العراك وأنا مشلولة بمخدر النوفوكين، هجومك عليّ وأنا بالكاد أستطيع التحدث. لو ظننتَ،" قالت. "لو ظننتني سأبدأ في دفع اثني عشر-خمسين مقابل دجاجة مشوية، فأنت غلطان، غلطان أشد الغلط."

"ما هذا الذي قلتيه عن الدجاج؟" سأل مستعيناً بنبرات خفيضة.

"السيدة المتدينة بالعمل تقدم طلباً بوجباتها يوم الأربعاء. كل أسبوع تطلب نفس الوجبة اللعينة، دجاجة مشوية باثني عشر دولاراً وخمسين سنتاً." هزت سو رأسها. "كان الواجب أن تتزوج طباخة جوية إن كنتَ تود وجبات حلالاً."

"هذا شجار مختلف يا سو. نحن مقبلان على شجار لكني أظنك تميلين نحو الشجار الخاطئ."

"لِمَ لا توجهني إذن؟" "بما أن كل شيء قد تكشف لك، لِمَ لا تنور لي طبيعة الخلاف؟"

"بصراحة، أعتقد أن تهديداً يخامرك. لذا أريدك أن تعلمي أني لا أزال أحبك. أنت لا تزالين زوجتي. يجب تسعدي من أجلي لهذا. فقد وجدتُ الرب."

"هذه هي أس المشكلة. أنت لم تجد ربنا. كنتُ سأرضى عن الأمر لو أنك وجدت ربنا – أو حتى رباً أقل في مطالبه." مسحت المائدة بعينيها كمن تريد العثور على واحد من تجاوزاته أهمله بذهنه الشارد مثل مفاتيح المنزل. "اليوم راح الجبن. لقد رميتَ كل الجبن يا تشارلز. كيف للرب أن يكره الجبن؟"

"خليق بامرأة تظن البذاءة في وضع الخوخ بسلطانية الفاكهة ألا يكون عندها مانع من عادة غريبة أو اثنتين."

"تحسبني لا ألاحظ ما يجرى – لا ألاحظ أنك تغتسل صباحاً؟" غمست منديلها في كأس الماء خاصتها. "كنتُ في انتظار مرورك بأزمة منتصف العمر. غير أني توقعت شيئاً أستطيع التعامل معه – اختباراً هيناً، طلباً ثقيلاً، شيئاً أستطيع تخطيه كي أبرهن على حبي لك في عرض ضخم لمرونتي. لِمَ لم تنقلب نباتياً؟ أو ديمقراطياً ليبرالياً؟ لِمَ لم تخني فعلاً مع سكرتيرتك؟" ربتت على بقعة النبيذ. "أي من تلك الأفعال، وكنتُ سأتصرف.

رمقها تشارلز بعينين فاحصتين. "إذن فأنت بالأساس تقولين إنك كنت ستتقبلين الأمر إذا ما تحولتُ إلى يهودي كيهود الحي الغربي، كما لو أننا أصبحنا نعيش فجأة بمبنى الأبثورب*."

تفكرت سو قليلاً. "حسناً، لو أنه من الضروري أن تصير يهودياً، لِمَ يهودياً إلى هذه الدرجة؟ لِمَ لا تكون مثل أسرة براون المقيمة في شقة 6ك؟ فابنها يقصد كلية هافرفورد. لماذا؟" قالت وهي تغلق عينيها وتضغط بإصبعين على صدغها. "لماذا يتطرف دائماً مَن يعثرون على الدين كل هذا التطرف اللعين؟"

 

"تطرف،" انتاب تشارلز إحساس بأن الكلمة متطرفة أيما تطرف إذا ما أخذ بعين الاعتبار كل ما عليه تعلمه وكل ما لا يزال عليه تطبيقه من نواميس. فهو لم يمض إلى المعبد بعد ولم يلتزم بالراحة والعبادة أيام السبت. ما أقدم إلا على تبديل نظامه الغذائي وترديد بعض الصلوات.

ومن أجل هذا طُرد من غرفة نومه.

كانت سو تفتش عنه بين الفينة والأخرى ولم تخفق مرة في اختيار توقيتاتها. دلفت إلى الخلوة أول صباح ارتدى فيه شال الصلاة والحجاب الذي بدا حتى لعينيّ تشارلز غاية في الغرابة. التف الصندوق الجلدي والطوق بإحكام حول ذراعه، ثبّت صندوقاً آخر وسط رأسه بالضبط. كان قد بلغ منتصف الدعاء الثامن عشر عندما دخلت سو وأُجبر على الاستماع صامتاً إلى تقريعها المطول.

"تشارلي زوجي دائماً يتفوق على الجميع،" قالت راصدة إياه وهو يتهزهز إلى الأمام والخلف فيما تتحرك شفتاه. "أنا سمعت عن رجال يُمسخون ثعالب وناس ممسوسين. بل إني شاهدتُ بالتلفزيون مصاصي دماء في عصرنا هذا وناساً حقيقيين يشربون الدماء. لكن هذا يغلب الكل." غادرته ثم عادت وبيدها فنجان من القهوة.

"لقد تحدثتُ مع الدكتور بيرنباويم. كنتُ في طريقي إلى الاتصال به بنفسي كي أرى كيف يتعاطى مع ما حل بك من تغيير." نفخت في قهوتها. "خمن ما جرى يا تشارلي؟ سبقني واتصل بي. اعتذر لتخطيه حدوده وأنبأني بأنك انقطعت عنه وأنك لا ترد على مكالماته. فقلت له، آه، ذلك لأن تشارلي يهودي ومشغول على آخره باجتماعات الحاخام. كان طبيبك متقبلاً وعلى مثل هدوئه. ثم سألني وهو جامد كالحجر عن نوع الحاخام وكأن ذلك يشكل فرقاً. فأخبرتُه بما قلته لي بحذافيره، إنه من بوليناس وإنه ليس في حاجة إلى أي رسامة لأنه كان حاخاماً في حيواته التسع السابقة. فسألتُه عما يحتاجه رجل، رجل هو نفسه حاخام منذ عشرة أجيال، من دبلوم يمنحه له أي شخص؟" حطت الفنجان على قاعدة مصباح.

"الدكتور بيرنباويم قادم على العشاء الأسبوع المقبل، يوم الاثنين. بل إني طلبت طعاماً حلالاً وأطباقاً ورقية وكل شيء. ستتمكن من الأكل بمنزلك مثل بني آدم. ستكون أمسية بلا خصومة، يسعنا فيها بحث هذه المسألة كما يليق بالراشدين. كانت فكرته أن أطلب طعاماً حلالاً مرة قبل أن أهجرك، لذا طلبتُه." أرخت حاجبيها في انتظار رد فعل منه. "يمكنك الكف عن صلاتك يا تشارلز." دارت على عقبيها لتغادر. "دجاجتك على وصول."

 

لم تتبق ولا بذلة لتشارلز، فالأقمشة التي تمزج الكتان بالصوف محرمة تحريماً تاماً. وبناء على نصيحة من زالمان، بعث ملابسه إلى رويال هيلز لاختبارها واضطر إلى الذهاب للعمل اليوم التالي وهو يرتدي بنطلوناً ترفعه حمالتان وقميصاً أبيض وربطة عنق. لم يدعه والتر بمفرده منذ وصوله. "اليوم ليس الجمعة يا تشارلي،" قال. "الزي غير الرسمي مرة واحدة فقط في الأسبوع." ثم استطرد "لِمَ تكبد المشاق يا تشارلي؟ فبرنس حمام مكوي جيداً سيلائمك."

كان تشارلز قد شمل روحه بحالة من الاكتئاب الشديد بحلول الوقت الذي دلف فيه زالمان إلى مكتبه. لم يكن قد أنجز أي شيء طيلة الصباح.

"أنا أضعف،" قال تشارلز. "الوحي يدوم نحو الثانية، يجيء ويروح، كوهج حار في خلفية سيارة أجرة. إلا أن ما يخلفه من صداع، صداع لا حد له، هو ما يستمر."

حك زالمان منخره بخنصره، شكل مهذب من أشكال تنظيف الأنف. "هل انضممت إلى أخوية* بالكلية؟"

"بالطبع،" أجابه تشارلز.

"إذن اعتبر هذا تعهداً. لقد تم اختيارك ودعوتك، والآن أوان الجانب العسير قبل أن تفوز بكل طيب. الآن تبتاع الحروف خلسة لتجربها بالبيت أمام المرآة."

"رائع يا زالمان. لا فض فوك. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. عليّ أن أخبر رئيسي قريباً والتوترات تتزايد بالبيت. سنتناول العشاء يوم الاثنين، زوجتي وطبيبي النفسي معاً ضدي. بل إنها طلبت أكلاً حلالاً في محاولة منها أن تكون ودوداً."

"أكلاً حلالاً." ضرب على ركبته وضحك ملء شدقيه. "إنها أول خطوة. ما هي إلا خطوة إيجابية حسبما يتراءى لي. هل هناك احتمال أن تكون قد ذهبت إلى حمام الاغتسال من الجنابة؟"

أدار تشارلز كرسيه ملقياً نظرة من النافذة ثم رجع بطيئاً لوضعه السابق.

"يا زالمان،" قال، "ذاك طلب عسير المنال. وهو يجعلني على نحو ما أظنك غير مستوعب للوضع. تأبي سو الذهاب لسببين. الأول لأنها تكرهني وزواجنا ينهار. والثاني لأنها تؤكد – وهي نقطة وجيهة وحجة قوية من جانبها – أنها لا تدين باليهودية."

"مفهوم."

"أريدك أن تأتي يوم الاثنين يا زالمان. فلسوف أستفيد من صوت العقل بعد عطلة نهاية الأسبوع. سأحافظ على الراحة والعبادة في أول سبت يمر عليّ. وإن ظلت سو تتصرف كما هو متوقع منها، سأكون في موقف لا أحسد عليه"

"استعلم عن مكان الطعام. ولو كان بالفعل حلالاً، سأحضر."

 

لم يطرأ تغيير على توقيتات ذلك الفصل، فظل السبت يبكر في الحضور. ارتدى تشارلز سترة البذلة الوحيدة التي اعتبرت حلالاً وفوقها معطفه وتوجه إلى البيت بدون تفسير. لم يلمس الشمعدانات القائمة على رف المدفأة، لم يرد أن يخاطر بإثارة غضب سو. استخرج بدلاً منها زوجاً منبعجاً باهتاً من خزانة منخفضة بحجرة التخزين المكتظة التي لا يستعملها أحد. اجتازته الخادمة مطبقة الفم. تناولت حقيبتها وزبالة اليوم إلى مدخل المدخل.

في غياب الزوجة والابنة، يضطلع الرجل الوحيد بشرف تدشين العبادة يوم السبت. أفرغ تشارلز مساحة على عتبة النافذة بحجرة المكتب وغطى عينيه قبالة الشموع المضاءة ثم تلا صلاته. أمسك عند الجزء الذي يُسمح فيه للمرأة بأن تلتمس من الرب الرغبات والبركات الخاصة ثم وقف وقد بردت راحتاه المنبسطتان أمام عينيه وجعل يتخيل سو.

كانت الشموع تخفق بجوار النافذة فيما يهبط محترقاً أحد جوانبها.

مد تشارلز مسند القدمين بكرسيه مضطجعاً عليه. أغلق عينيه واستعاد أول ليلة أمضاها بعيداً عن بيته، نام على حشية بحذاء سرير ابن عمه. كان في الرابعة أو الخامسة. نام ابن عمه الأكبر منه سناً بعد أن أوصد باب حجرة النوم إيصاداً لم يتسلل معه حتى بصيص نور من المدخل. جالت بخاطره تلك الليلة عندما تفكر في أقرب اللحظات شبهاً بهذه التجربة – أقرب ما يمكنه تذكره بشأن فقد عالَم ثم استعادته.

انطفأت الشموع عندما ورد على مسامع تشارلز صوت سو تعبر إلى حجرة النوم. حاول أن يتوصل إلى موضوع، ودود ويومي، ليتحدث عنه. فخرج خالي الوفاض، لم يستطع تذكر ما كانا يتكلمان فيه خلال حياتهما معاً. ما الذي تحدثا عنه فيما لا يلح عليهما مُلح؟ فيم كانا يثرثران لمدة سبع وعشرين سنة؟

نهض من مكانه واتجه ناحيتها.

كانت تجلس إلى النافذة البعيدة على كرسي أثري صغير ما له غرض سوى الإعجاب به. أمسكت بسيجارة ونفضت الرماد في طبق صغير من الخزف يرقد على ركبتها. انعكس شبح نصفها العلوي على صفحة الغسق المتلألئ بأنوار المدينة الكهربائية فبدت سو لعينيّ تشارلز في استرخاء تام لم يرها عليه منذ أمد بعيد قبل أن يبوح بما باح. استطاع، أو ظن أنه يستطيع، أن يدرك أنها تركز طاقتها لتجاهل حضوره. فهي لن تخاطر بتبدد لحظة السكينة تلك.

كانت تلك زوجته، امرأة تقوى، لو آثرت، على التظاهر بعدم وجوده. امرأة قادرة دوماً على أن تحيى واقعين في آن واحد. بوسعها قضاء يوم بالعمل، تخبط سماعة الهاتف وتندفع في الممرات قابضة على تصاميم ممزقة نصفين ثم تعود إلى البيت لتستضيف مَن تستضيف كي تقدم إليهم العشاء وتمرر عليهم أقداح الشاي ليرين بعدها الهدوء على الحجرة.

كيف له أن يفسر ما يفتقده من تعدد الوجوه؟ ها هي امرأة عاشت واقعين في نفس الوقت. كيف يوضح صراعه للعيش في واقع واحد؟ وكيف يخبر المرأة ذات الحياتين أنه دعا زالمان الحامل داخل روحه عشر أرواح كاملة؟

 

كان تشارلز يطالع يوم الأحد نسخة من رواية ليون يوريس المحكمة العليا، قاعة 7 لمّا ركضت سو – ركضت بالفعل – إلى حجرة المكتب وقبضت على ذراعه. تملكه الذهول وصدرت عنه حركات خرقاء كالمبهوت والمجرور في الوقت ذاته، شأنه شأن سائح قبضت عليه الشرطة بالخطأ.

"ماذا تفعلين يا سو؟"

"يمكنني قتلك،" توعدت سو. رغم أنها أقل حجماً لكنها جذبته بالفعل حتى وقف على قدميه. لحق بها حتى الردهة.

"ما هذا؟" صاحت وهي تفتح الباب بمنتهى العنف.

"إنها مزوزة*،" قال. "إذا كنت تقصدين تلك." قال مشيراً إلى الإطار المعدني الصغير المسمر في عضادة الباب. "أنا أحتاجه،" قال. "لا بد أن أقبّله."

"آه، يا ربي،" قالت وهي تغلق الباب في عنف مانحة الجيران عينة من العراك ليس إلا. "يا ربي!" تثبتت في وقفتها فيما وضعت يداً على الحائط. "حسناً، من أين لك بها؟ عليها دهان أزرق. مِن أين يشتري الواحد مزوزة مستعملة؟"

"أنا لا أعرف أين يبيعونها. لقد خلعتُها من على الشقة رقم 11د بسكين الخطابات. هم حتى لا يستعملونها. ستيف فريمان أدخلني شقته لأشاهد شجرة الكريسماس العام الماضي. ابنتهم تواعد رجلاً أسوداً."

"هل أنت مجنون؟ خمس سنوات على قائمة الانتظار حتى نسكن هذه العمارة وأنت الآن تخرب المداخل. هل تخال أحداً غيري سيصدق قصتك الحمقاء؟ آه، لستُ نازياً يا سيدة فريمان، أنا مجرد كهل استيقظ ليجد روحه يهودياً."

"حدث هذا في سيارة أجرة. أنا لم أستيقظ على أي شيء."

وضعت يدها الأخرى على الحائط وضربت رأسها في الحائط.

"لقد دعوت الحاخام،" أفضى تشارلز.

"هل تظن أن ذلك سيزعجني؟ هل تظنني لم أعلم أنك ستجرجره في الموضوع؟ طيب، أحضره. عل لديهم مكانين شاغرين بمستشفى بيليفو للمجانين."

"يا لك من متعصبة يا سو." مد يده ليلمسها.

"ارجع إلى المكتب،" أمرت. "رح امسك كالأخرق واحد من كتبك."

 

تأملا المائدة بنظراتهما. وقف تشارلز وسو عند نهايتيها المتقابلتين يقيّمان ما أنجزته الخادمة من عمل. بث في نفسيهما إعجاباً.

على مفرش ورقي توزعت أكواب ورقية وكؤوس بلاستيكية للنبيذ أسفلها قواعد من محل سناب-أون ومناديل ورقية منقوشة تنسجم مع نقوش الأطباق وأشواك بلاستيكية وملاعق بلاستيكية وبضعة أشياء أخرى – رخيصة لكنها ليست من تلك الأدوات التي تُستعمل مرة لتُرمى بعدها. كانت السكاكين على سبيل المثال سكاكين مائدة حقيقية جديدة تنتهي بمقابض خشبية. بل إن سو تجشمت عناء العثور على زجاجة نبيذ جيدة من النبيذ الحلال، واحدة فقط. كانت الزجاجة الأخرى نبيذ ثمر العليق. تساءل تشارلز ما إذا كان نبيذ العليق تحذيراً لما قد يفعله التدين المفرط المتواصل بحاسة التذوق المصقولة. نبيذ فاخر في مقابل آخر رخيص مُحلى بالسكر. هَمّ بالتعليق إلا أنه أولى نظرة أخرى إلى سخاء المأدبة وقد انضم الجناحان المتحركان إلى المائدة واستقرت الفضية اللامعة على الخوان فعدل عما انتواه. انطوت هذه الجلسة على ما هو أكثر من هدنة، إذ كانت محاولة للمكاشفة – أو على الأقل مطلباً لم تأل الخادمة جهداً لتحقيقه.

"فظيع،" علقت سو. "وكأنه عيد ميلاد طفل. لدينا كل شيء عدا حمار ورقي مثبت في الحائط."

"أنا مقدر مجهودك يا سو. أنا فعلاً فعلاً أقدره." مازج صوته رخامة، حب حقيقي للمرة الأولى منذ جاهر بما جاهر.

 "وجبة بثمانية وثمانين دولاراً من أكثر الوجبات التافهة التي تذوقتَها في حياتك. الحساء لا يُشرب، ملح خالص. تناولتُ ملعقة منه فاحتجت إلى حبة ضغط زيادة. احتمال أموت قبل انتهاء العشاء وعندها ستنتهي كل مشاكلنا."

"أكثر فأكثر،" قال تشارلز وهو يأخذ يرملك من جيبه ليثبته على رأسه، "أكثر فأكثر، كلامك أنت هو الذي يبدو وكأنه صادر عن يهودية."

 

عندما طرق طارق باب المكتب، خف تشارلز لفتحه. أخذته الدهشة حين ألفى زالمان واقفاً حياله، الدهشة لأن سو لم تأت لإحضاره.

"إنها لطيفة للغاية، زوجتك،" أخبره زالمان. "سيدة عاقلة، على ما يبدو."

"المظاهر مهمة،" قال تشارلز.

تطلق وجه زالمان فتطايرت من أسايره البهجة. "سيعتدل الحال،" طمأنه. شبك ذراع تشارلز في ذراعه وقاده إلى الصالة.

كانت سو والطبيب بيرنباويم – متباه بسترة صفراء – جالسين بالفعل. اتخذ تشارلز مجلسه على رأس المائدة ووقف زالمان خلف كرسيه.

بعدها كانت واحدة من أكثر اللحظات الصامتة إيلاماً التي لاقاها تشارلز في حياته. كان واعياً بتنفس رئتيه ونبض قلبه وحرارة جسمه. كان بوسعه أن يستشعر ما تحويه أمعائه وما يجري برأسه من دماء وما يرقد في طبلتيّ أذنيه من هواء، هواء هادئ كما البحيرة الساكنة.

بادر زالمان بالكلام. "هل هناك مكان أستطيع الاغتسال فيه؟" سأل.

عليه الاغتسال قبل أكل الخبز كما يعلم تشارلز. "أجل،" رد تشارلز. "سآتي معك أنا أيضاً."

وجه إلى سو نظرة وهو ينهض. كان تشارلز يعلم بما يدور في عقلها. ود لو يخبرها بأن تفصح به. هيا قولي للدكتور بيرنباويم. أجل، أنتِ على صواب. هذا صحيح.

الاغتسال.

الاغتسال دائماً وأبداً.

 

دعا الحاخام زالمان بأن تحل البركة على الخبز فتمتم الطبيب بيرنباويم، "آمين." وما كان من سو إلا أن رمته بنظرات شاخصة. رجل بلحية، لحية سوداء طويلة وخصلات مرسلة على جانبي وجهه، يجلس بمنزلها. أراد تشارلز أن ينبهها إلى عينيها المتفرستين، إلا أنه تمالك مكتفياً بـ "يا سو."

"ماذا!" قالت. "ماذا يا تشارلز؟"

"هيا نأكل؟"

"نعم،" قال زالمان وابتسامته تتسع كاشفة عن أسنان مشرقة البياض كأسنان سكان كاليفورنيا. "هيا نأكل أولاً. فالنقاش ونحن شباع أسهل منه ونحن جياع." مد زالمان يده أولاً في اتجاه ثم تحول إلى آخر والتقط زجاجة وصب لنفسه كأساً مترعة بنبيذ العليق.

أكلوا في صمت خفت حدته وإن ظل ثقيل الوطأة. خيم الحال على ملامحهم خلا زالمان الذي لم يشغله شاغل عن عملية الأكل. كف مرة واحدة ليقول، "اسم يهودي – بيرنباويم،" قبل أن يعود إلى الأكل. تناوبت نظرات الثلاثة الآخرين ما بين العيون والأطباق. حملقوا في زالمان عندما لم يجدوا شيئاً آخر يضعون أعينهم عليه.

"الشعير لذيذ." تبسم الطبيب بيرنباويم وكأن سو هي الطباخة.

"شكراً،" قالت وهي تنتزع الوعاء الفارغ من جانب زالمان وتتوجه إلى المطبخ لجلب آخر. انتهز الطبيب بيرنباويم تلك الفرصة كي يفاتح تشارلز في الموضوع.

"لا أظنني أبالغ لمّا أقول إن أخبارك روعتني."

"ما هي إلا ما يتكشف لك كل يوم، لا شيء مميز."

"ولو، كنتُ آمل أن ترتاح لمناقشتها معي، فأنتَ تأتيني منذ وقت طويل."

عادت سو حاملة وعاء به لتر من الشعير والغطاء البلاستيكي في يدها. ازدرد تشارلز ريقه ولم يفه أحد بكلمة. أمالت سو رأسها، إمالة قليلة رافقتها نظرة تشي بالتساؤل. هل حدث مثل هذا الصمت أبداً في واحدة من حفلات العشاء التي أقامتها؟ هل قطع حضورها أبداً إحدى المحادثات على هذا النحو المفاجئ؟

أسقطت الوعاء فجأة على المائدة فأجفلت زالمان. ارتفعت عيناه نحوها وأزال قطعة من الشعير عن ذقنه.

"كنتُ على وشك أن أبرر وجودي،" فسر الطبيب بيرنباويم. "أريد أن يعرف تشارلز أني لا أخفي أي خطة سرية. هذه ليست جلسة لتحديد أهليته. وأنا لا أحمل حقنة معبأة بمهدئ الثورازين."

"كان هذا في السابق،" قالت سو. "في الأسبوع الماضي، قبل أن يشرع مريضك في سرقة الحاجات اليهودية، قبل أن يشرع في إذلالي في هذا المبني. هل تعلم أنه ليلة الجمعة ركب المصعد صعوداً وهبوطاً كما الأبله في انتظار أن يضغط أحدهم على الزر الذي يقف عند طابقنا؟ مثله مثل الطفل المتخلف. يستقل المصعد ولا ينفك يفسر للجميع، ’لا أستطيع الضغط على الزر يوم السبت، ها ها.‘ كما أنه لا يستطيع أن يطلب من الناس مباشرة لأنه غير مسموح له سوى بالتلميح."

"جيد جداً،" امتدح زالمان. "تلميذ نجيب."

"أنتَ،" قالت سو لزالمان. "أيها المتطفل!" ثم أشاحت بوجهها نحو الطبيب بيرنباويم، "نمت إليّ الواقعة من السيدة دلال المسنة، فهي التي ضغطت على الزر. العجوز المسكينة جارتنا بالشقة الملاصقة اضطرت إلى ركوب المصعد مع هذا المخبول. حكت لي أنها كانت تتحدث مع ’بيتي‘ البواب ولم تستطع أن تفهم لِم لا يخرج تشارلز من المصعد في حين لا ينفك الباب يُفتح. نقلتْ لي أنها فعلاً سألته، ’هل تريد أن تخرج؟‘ الآن، هل هذا جنون يا دكتور أم لا؟ هل يحتاج العقلاء إلى أن يدعوهم أحد للخروج من المصعد أم أنهم يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم؟"

سبقه تشارلز إلى الكلام. "لقد أطفأتْ نور الحمام ليلة الجمعة مع علمها أني لا أستطيع لمس الأزرار. كان عليّ أن أقضي حاجتي في الظلام. إنها تتصرف تصرفات خبيثة."

"نحن إلى المائدة يا تشارلز. وسواء أمامنا أطباق ورقية أم لا، سواء معنا رجل يمسك الشوكة كالحيوان أم لا، لا بد أن نتحلى بسلوكيات مهذبة."

انطلقت ضحكة زالمان رداً على إهانة سو.

"وتلك هي سلوكياتك المهذبة – إحراج الضيف؟" الآن علا صراخ تشارلز. "وأي ضيف، حاخام."

"إنه يا تشارلي ليس حتى يهودياً. ولا أنت باليهودي. ليس بالمرء حاجة إلى أن يتأدب مع المجانين. وما دمت لا أرشهم بماء الخرطوم، فأي شيء يصح."

"إنها خبيثة يا دكتور. لقد أحضرتك إلى هنا كي تراها وهي تهينني."

"لو من المفترض أن أصرح برأيي الذي لا يساوي قرشين صاغ،" قال الطبيب بيرنباويم، "أعتقد أن الآن هو الوقت المناسب."

"قرشين صاغ؟" قال زالمان. "بماذا ستخبرنا – حرف ساكن؟"

"شكراً لك،" أجاب الطبيب. "هذا نموذج مثالي للعدوانية التافه التي يمكنها أن تحول أية محادثة إلى شجار."

"هذا راجع إلى أنك لا ترتدي ربطة عنق،" عزى تشارلز. "كيف يتأتى لك أن تسيطر على الناس من غير ربطة عنق؟"

"أنا لا أحاول أن أسيطر على أحد."

"هذا صحيح،" أقر زالمان. "كنتُ أذهب إلى طبيب نفسي لمدة اثني عشر عاماً بدءاً من الصف السابع بالمدرسة. هم لا يسيطرون؛ إنهم يحلونك من التبعات، كما يفعل القساوسة الملحدون. لا يحملونك المسئولية عن أفعالك، لا أحد يحاسبك. هم فوضويون حاصلون على شهادات متقدمة." سدد زالمان كلامه إلى الطبيب رأساً. "ليس بإمكانك أن تعطي الناس رخصة بتجاهل الرب. هذا ليس حقاً لك."

"يا سيدي،" قال الطبيب بيرنباويم. "أيها الحاخام، أنا أدعوك، باعتبارك المرشد الروحي لتشارلز، إلى أن تنضم إليّ في محاولة لتحسين الوضع."

 "هذا بالضبط سبب وجودي هنا،" أكد زالمان. دفع كرسيه إلى الخلف وارتفق المائدة. "ثمة طريقة لتحسينه، وهي أن تبارك تشارلز أو أياً كانت تسمية ما تصنعه. فالأطباء النفسيون يوافقون دائماً على كل شيء، قل له إذن إنك موافق، قل لها إنك موافق، وحينها ستطيب الأمور."

"لا يمكنني فعل ذلك – أنا في الواقع لا أفعل ذلك،" قال الطبيب. ثم خاطب مريضه. "هل ممكن نتكلم في حجرة آخر؟"

"لو كانت لي رغبة، كنتُ سأحضر جلساتك. إن كل العلاج النفسي الموجود بالعالم لن يجلب لي ما ألفيته في عبادة الرب من راحة خالصة."

"استمع إليه،" قالت سو. "هل تسمع ما عليّ تحمله من كلام؟ هذا الهراء!" رنا الطبيب إلى سو ورفع يده ليضرب بها الهواء.

"أنا سامع،" قال. "الحق أني فعلاً أريد أن أستمع إلي هذا الهراء، لكن من فمه هو. إن تحول تشارلز من مسيحي ملحد إلى يهودي أرثوذكسي لهو تحول واضح. هو أيضاً تحول محير." تكلم بلهجة تتخللها إيقاعات عاقلة. أنصت الآخرون متهيئين لمقاطعته. "لقد أقبلتُ إلى هذا العشاء لكي أستمع من تشارلز إلى ما دعاه للتحول."

"بسبب روحه،" أجاب زالمان وهو يقذف ذراعيه عالياً كالمحبَط. "هو يضمر هذه الروح على الدوام. وطالما تناغمتْ معها طريقه تفكيره غير أن الرب أبلغه الآن أنه ليس راضياً عن تصرفات تشارلي."

"هذا صحيح،" قال تشارلز. "هذا هو ما أشعر به – كما لو أنها كانت دوماً بداخلي لكن حان الوقت الآن كي أقوم بما يرضي الرب من أعمال."

لم تنبس سو بكلمة إنما أطبقت جسمها كله، قبضتيها وكتفيها وأسنانها.

"وما يرضي الرب من أعمال هو أن تعيش حياة اليهود الأرثوذكس؟" تساءل الطبيب بلين ما بعده لين. "هل أنتَ واثق من أنها قد لا تكون شيئاً آخر – كالبستنة أو التأمل؟ هل تفكرتَ في الإحسان إلى المحتاجين يا تشارلي – أقصد على سبيل المثال؟"

"ألا تفطن إلى ما يصنعه؟" نبّه زالمان. يتحدث بلسان الفيلسوف اللاذع." طفر زالمان على قدميه ولا يزال يتكئ بثقله على المائدة التي اهتزت بفعل وزنه وإن كان اهتزازاً صامتاً لم ينسحب إلى المجموعة المعتادة من الفضيات وكؤوس البلور سالبة منه بعض الدراما. "قل له ما قاله ملك الخزريين لفيلسوفه لاذع اللسان منذ خمسمائة سنة مضت." أشار بإصبع يوجه اتهاماً. "إن كلماتك لمقنعة إلا أنها لا تتوافق مع ما أروم العثور عليه."

"اخرس. ممكن لو سمحت؟" هتفت سو.

"لا بأس يا زالمان،" قال تشارلز. عاود زالمان الجلوس. "أنا لن أصيغ حالي هكذا،" أنهى تشارلز، "لكن تلك هي مشاعري. فأنت ترى يا دكتور – أعني ترى بعينيك – ترى مظهري وتصرفي. لم أختلف عما كنتُ. ربما أسلك شعائر مختلفة، آكل طعاماً مختلفاً لكني لا زلت نفس الرجل. الفرق هو أن قلبي يعترم بالسكينة والرضا."

بينما كان تشارلز يتحدث، انسلت سو من على كرسيها وحطت في هدوء على الأرضية كما تفعل السكرانة. لم تقع إنما ارتكزت على ركبتيها وقد شبكت أصابعها ونكست رأسها. استقرت في الوضعية التقليدية لصلاة المسيحيين. زوجته، التي هالها أن تجد حقيبة بيضاء بعد عيد العمال*، كانت راقدة على ركبتيها أمام الضيوف.

"ماذا تفعلين يا سو؟ انهضي من الأرض."

رفعت ذقنها فيما أبقت عينيها مغلقتين.

"ماذا؟" سألت. "هل تحتكر الرب؟ هل أنتَ الوحيد الذي يمكنه الصلاة؟"

"وصلني قصدك، وصلني."

"أنا لا أقصد شيئاً،" أعلنت. "أنا فاهمة الآن. لقد كنتَ في مثل يأسي. إن الرب لليائسين، حينما لا يجدون شيئاً آخر لفعله."

"هناك دائماً شيء،" قال زالمان. لم يبدر من أحد رد فعل على جملته.

"لدينا اختيارات يا سو." قال تشارلز وهو يتصبب عرقاً في قميصه.

فتحت عينيها وجلست متكئة على ذراع بينما امتدت ساقاها إلى أحد الجانبين.

"لا،" قالت. لم تذرف دمعاً لكن استطاعوا جميعاً إدراك أنها لو أصابت وتراً حساساً أو كلمة حساسة، لو أُثيرت أكثر من ذلك بأية طريقة، ستتهاوى رباطة جأشها تماماً. "يبدو أنك لا تفهم يا تشارلز، لأنك لا تريد أن تفهم. أنا لا أعرف ماذا أفعل."

لو أن ثمة تضحية واحدة ظن تشارلز أن لا قِبل لها بها، تلك كانت هي: أن تفتح قلبها أمام الغرباء، أن تظهر منهكة مرهقة أمام طاقم مائدة يضم أطباقاً ورقية.

"أهذا ما تود سماعه يا تشارلز؟ أنا لن أذعن لأي شيء على الإطلاق. أنا لن أقتلك أو أرميك في مستشفى المجانين أو أجرجرك إلى بيتنا بالريف لأبطل ما تلقنته من تعاليم." غمرت الراحة تشارلز وإن داخله رعباً في الوقت ذاته – لأنها من الواضح تدبرت كل الاختيارات المتاحة لها. "لكني سأفكر يا تشارلي وسأنتظر. لن يسعك أن تمنعني من ذلك. سوف أتمنى وأصلي. بل إني سأصلي لربك – سأتوسل إليه أن يجعلك تنساه، سأتوسل إليه أن ينبذك."

"ذلك خطأ يا سو." قال، فقد بدا كلامها خطأ.

"لا يا تشارلز. هذا هو العدل، العدل الذي لم تسبغه عليّ. لقد تجلى لك وحي وتريد من الجميع أن يشهد نفس الوحي. حسناً، إن شهدناه، حتى لو كان من خير الوُحي وأعظمها وأقدسها في العالم، إن حصل وشهد الكل نفس ذلك الوحي، فلن يتخلف لك ما هو أكثر من فكرة لامعة."

"لا أعلم إن كان ذلك صحيحاً من الناحية اللاهوتية،" أعلن زالمان وهو يفتل النهايات المسننة للحيته.

"هذا رائع،" فاه الطبيب بوجه يضيء بالافتخار.

نزل تشارلز إلى الأرض وجلس متربع الساقين حيال سو. "ماذا يعني كلامك يا سو؟ ماذا يعني بالنسبة لك؟"

"يعني أن لحظة النعمة الإلهية تلك قد ولت. وسواء كانت حقيقية أم لا، فقد انقضَت الآن. ما تبقى الآن بين يديك هو الحياة – الحياة اليومية. الأمر وما فيه أني أبلغك أنه بقدر قلقك على الاحتفاظ برضا الرب، يجب أن تقلق على الاحتفاظ برضاي. أنت أشبه بالعاشق الجديد يا تشارلز. عقلك مشوش تشوش التلميذات. لكن تذَكر مَن منا هبط على حياتك على حين غفلة ومَن منا قطع معك المسافة الأطول. سأحاول بالفعل أن أتحمل ما لا يُحتمل. لكن ها أنا أحذرك: مثلما اقتحم الرب حياتك بسرعة البرق، قد أغادرها أنا يوماً بنفس السرعة."

"لا أستطيع أن أعيش بهذه الطريقة،" أفضى تشارلز.

"تلك هي أمنيتي."

لمح تشارلز بطرف عينه الطبيب بيرنباويم وهو يحاول الانسلال من الغرفة دون أن يقاطع تيار الحديث. شاهد الطبيب وهو ينسحب ويتراجع في خطوات هادئة ثم انصرف إلى سو. آب إليها مُطلِقاً لأساريره العنان كي تعبر عن كل ما خالجه من استياء. أرسل عضلاته على سجيتها، شعر بارتخاء جفنيه وصلابتهما. تحدث معها بحميمية جعلت من زالمان كائناً لم يكن.

"هذا أعظم ما مر بحياتي وأنت تجعلينني أشعر وكأنه ما وجب عليّ البوح به."

تأملت كلماته. "صحيح. كان سيكون أحسن. أنا أُفضل أن أقع على صندوق بعد رحيلك عن الدنيا – به كتب للصلاة ويرملك، حُقن مستعملة وملابس داخلية حريمي. في تلك اللحظة، وأنا في تلك السن، لن يشق عليّ اكتشاف الأمر بعد رحيلك."

ألقى تشارلز نظرة على زالمان الذي كان، كما فعل الطبيب، يغادر ببطء. "أنتَ أيضاً خارج؟"

"لستُ في كياسة الطبيب لكن لستُ من الغباوة بحيث أبقى حين يجب عليّ الرحيل."

"دقيقة واحدة،" قال تشارلز لزوجته. "دقيقة واحدة وسأعود،" التمس منها وهو يفرد ساقيه. "سأوصله إلى الباب، إنه ضيفنا."

تبع تشارلز الحاخام حتى المدخل الأمامي. لبس زالمان معطفه وأمال قبعته على جبهته، حركة زيادة يتفوق بها على المدينة الممتدة بالأسفل.

"إنه وقت عصيب،" أنبأ تشارلز.

كانا بالقرب من مشجب المظلات، فسحب زالمان واحدة من العُصي. حك أنفه بخنصره. "إنها معضلة أزلية. لقد امتُحن كل العظماء. لن أندهش إن علمتُ أن ملك الخزريين واجه نفس المشكلة."

"وماذا جرى للملك؟" تساءل تشارلز. "ماذا يحل بالعظماء في النهاية؟"

أسند زالمان العصا إلى الحائط. "لا يهم. المهم أنهم فازوا جميعاً بالرب. آمنت قلوبهم بالرب."

وضع تشارلز يداً على كتف زالمان. "كل ما في الأمر أني أريد أن أعلم منك ما حدث."

"أنتَ تعلم بالفعل،" رد زالمان. تلاشت آي البهجة من وجهه. "تعلم لكن تريدني أن أكذب عليك."

"هل ذلك سيئ إلى هذه الدرجة؟"

ظهر وجه الحاخام طويلاً ناعماً؛ ما تولته النشوة من جديد. "لا أمل يا سيد لوجر. أنا يهودي يصارح يهودياً. لا أمل للأتقياء."

 

رجع تشارلز إلى المائدة فلم يجد سو، لاحت المائدة نظيفة مما كان عليها والكراسي في مواضعها. هل مرت أكثر من دقيقة؟ رأى صفيحة الزبالة بحجرة التخزين قابعة وسط المطبخ يبرز من قمتها المفرش الورقي. عشاء يُرمى بعد قعدة واحدة، تراءت حجرة السفرة وكأن يداً لم تمسسها.

تقدم إلى حجرة النوم لكنه توقف عند حجرة المكتب. كانت سو تقف إلى النافذة بجانب الشمعدانات الباهتة اللاتي التحمت في أماكنها بعد أن سال الشمع على القواعد. كانت تنزع التكوينات الصلبة، تقحم ظفرها تحتها لتزيحها بعيداً عن خشب العتبة المدهون.

"أتمنى ألا يكون ما أفعله تدنيساً للمقدسات" أزالت الشمع الذي جرى في ضفائر على الأعناق الفضية.

"لا،" قال تشارلز. "لا أعتقد."

اجتاز الغرفة ووقف جوار سو. مد يده إلى اليد التي كانت تحك طبقات الشمع الرقيقة على العتبة. "إذن سيبقى كما هو،" قال. "ماذا عليه؟"

"سيفسد الدهان،" أجابته.

"بل سيضفي الواقعية على إطار النافذة، سيقول إن ثمة أناساً يعيشون في الشقة ويستخدمون هذه الغرفة."

جال بصر تشارلز بحجرة المكتب، بالمصباح والمكتبة، ثم مد عينيه إلى خارج النافذة شطر المباني والسماء. لم يكن قد قرأ الكثير بالإنجيل بيد أنه ما انفك يعتقد أن الرب قد ينظم عملية لإنقاذه.

أمسك بيد سو الأخرى وثبت الاثنتين بين يديه. أرادها أن تستوعب أن تغييراً عظيماً قد طرأ بحق إلا أن ما خلفه من علامة لم يكن ذا بال. فالاختلاف الحقيقي تم احتواؤه داخل روحه قبل كل شيء.

وقعت تحديقة سو على ما ورائه قبل أن تلتقي بعينيه.

حاول أن يتبدى كالكتاب المفتوح أمام سو، أن يسمح لها أن تتفحصه بالوضوح العميق الذي لم يعهده سوى مؤخراً. تاق إلى رضاها. جاهد كيلا تنصب عليه الأحكام، كي يكون من أجل سو دون غيرها، كي تراه بلا نقصان، فقد أرادها أن تحبه هو، تشارلز المتحول.

 

 

 

 

* مبنى الأبثورب: مبنى بالحي الغربي من جزيرة مانهاتن.

* الأخوية: جماعة اجتماعية من الطلبة الذكور تحمل اسماً يتكون من ثلاثة حروف يونانية.

* المزوزة (علبة الدرج): مدرج أو رق صغير يُكتب به إصحاحان من سفر التثنية 6: 4-9 و 11: 13-21 وهما جوهر ديانة التوحيد اليهودية، ثم يُلف داخل علبة صغيرة تُثبت في الجانب الأيمن من عضادة باب المنزل إذ يدخل المرء.

* ليس من قواعد الذوق في أمريكا ارتداء الألوان البيضاء بعد عيد العمال! فهو يتزامن مع بداية الشتاء.

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2014 Albawtaka Review. All Rights Reserved.