مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت شارون باميرانتس بالموافقة على نشر قصة "السكين الشبح" في مجلة البوتقة.

ولا يسع المجلة إلا تقديم كل آيات الشكر لها.

Ms. Pomerantz was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Ghost Knife” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Pomerantz a great debt of gratitude for her kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

السكين الشبح

شارون باميرانتس

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

بلاوشيرز، خريف 2002

 

 

كنت أنا وديميتري شبه عاريين إذ ظهرتْ السيدة وكلابها. كان جالساً وأنا أعتليه منفرجة الساقين وقد التف فستاني حول خصري. ما حسبناه متنزهاً منعزلاً يشرف على بركة تقريباً مهجورة اتضح أنه في الواقع فناء كائن خلف أحد المنازل.

 "نحن ناس نعيش بنظافة هنا،" وبختْ السيدة. صك آذاننا الهرير المنخفض المتواصل للكلبين وهما يشدان مقوديهما. إنهما من فصيلة ’بيت بول،‘ هددتنا السيدة فيما كنا نحاول التقاط ما تبعثر من ملابسنا. أرخت المقودين فاقترب الكلبان قليلاً. كشر أحدهما عن أنيابه بالقرب من كتفي والآخر بجانب كاحليّ ديميتري. "هذا حي تقطنه العائلات، أنا لا أدري من أين تأتون يا ناس لكن..."

"أنا فاهم يا سيدتي، أنا فاهم،" قال ديميتري وهو يمد يده إلى قميص خلعتُه عنه منذ لحظات وألقيته على إحدى الشجيرات. "نحن في غاية الأسف." ذو صوت عميق، صوت جنسي كأصوات مذيعي برامج منتصف الليل بالمذياع. لن يخدم هذا موقفنا بأية حال. طوّلتْ السيدة للكلبين أكثر.

"القذارة،" انتهرتْ. "القذارة التي تأتي إلى هذا الحي."

نهضنا على أقدامنا. "لا تقلقي يا سيدتي،" نبس ديميتري. "أرجوك لا تقلقي."

"ماذا!" سألتْه. أبصرتُ سيلاً مثالياً من اللعاب يتدلى من اللسان الوردي الساخن لأحد الكلبين.

"لا تقلقي يا سيدتي،" كرر وهو يقبض على يدي لنركض نحن الاثنان ناحية الموقف حيث تستقر سيارته وقد تأجج شعورنا بما دب في جسدينا من أدرينالين وما أصابنا من خجل. لم تلحق بنا، ما بلغنا سوى بعض النباح. جلسنا في سيارته يشملنا الصمت وأنفاسنا العالية. تناهى إلينا من مكان ليس ببعيد أصوات أطفال يغنون أغنية نط الحبل. ماري ماري بوباري، بانانا فانا فوفانا...

أرحت رأسي على ظهر الكرسي.

"كم الساعة؟" سألني وهو يهز معصمه عابساً.

"إنها الثانية،" أجبته. "توقفتْ ساعتك؟"

"هذه ساعة أبي الروليكس،" قال وهو يخلعها ويثبتها لصق أذنه. "إنها واحدة من أشياء قلائل انتقلتْ إليّ منه." يتخلل صوته الارتعاش وتغرورق عيناه بالدموع متى يشير إلى أبيه الذي أودت به أزمة قلبية مفاجئة منذ ستة أعوام. ما تهيأتْ له الفرصة لتوديعه. إن ديميتري – فيما يخص وفاة أبيه والعديد من المسائل الأخرى – رجل تفتقر حياته إلى النهايات الكاملة. 

"أتمنى ألا تتذكرك تلك المرأة،" قلت. كان ديميتري يعتزم ترشيح نفسه لمنصب قاضي بهذه المنطقة مثلما فعل أبوه ذات مرة من قبل بمحكمة الأسرة. كان قد غيّر مؤخراً انتماءه الحزبي ليصير جمهورياً وذلك حتى يتم النظر في ترشيحه.

"لا تشغلي بالك،" طمأنني ديميتري. "فهي لا تعرف اسمي أو أي شيء عني."

خامرتني الدهشة لما طغى عليه من هدوء – فقد طُبع على الهوس برأي الآخرين فيه. إنه الذنب، إحساس نشأ معه وتربى عليه. كان يدفع ضرائبه مبكراً، يبكي لو حال حائل دون أن يشهد حفلة ابنته الراقصة، لا يستوعب الجنس بدون حب بل ويكن له احتقاراً. وبوصفه محامياً، كان يقبل قضايا مجانية تزيد في أعدادها عن الضروري ويرفع القضايا على آباء يتهربون من إعالة أطفالهم ويحصل للنساء على نفقات ضخمة من أغنياء اعتادوا ضربهن. كانت نقطة ضعفه الوحيدة: الجنس في أماكن خطرة وغالباً ما يمارسه في الأماكن العامة. فهو لا يبلغ بالفحولة أقصاها قط سوى عندما يخشى الجرسة الاجتماعية. وتلك الواقعة ليست بمختلفة عن مثيلاتها. مددت يدي لأفتح بنطلونه.

"لن أتأخر،" همس في أذني، فقد كان يعلم أن عليّ اللحاق بالقطار.

 

كنت قد قابلت ’ديميتريس كويد‘ للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات بقطار تابع لشركة أمتراك يتجه إلى مدينة بافالو. كنت في طريقي إلى ضاحية من ضواحي مدينة أولباني لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع ديبرا، صديقة كنت أسكن معها في نفس الشقة أيام الدراسة. هي الآن متزوجة وأم لطفلة. غادر القطار محطة بين فاستقبلنا ظهيرة مشمسة خالية من الغيوم تستهل الربيع، لكن كلما ابتعدنا عن مانهاتن، تلون كل شيء حولنا بالسواد. ولمّا انتهى القطار إلى مدينة بيكيبسي في حوالي الخامسة، كانت السماء قد اتشحت بظلمة دامسة. هبت بعدها عاصفة من حيث لا ندري فعصفتْ الرياح عصفاً أطاح بأمطار مدرار في مواجهة النوافذ.

كان ديميتري يجلس أمامي. قعد كل واحد منا بمفرده في صفه، أنا بجانب النافذة وهو جوار الممشى. حاز انتباهي عند ركوبي القطار. كان يفرد رجليه الطويلتين فطواهما كي أمر. ارتفعتْ عيناه وجرى الابتسام لحظة على ثغرينا – وحسبي لحظة حتى ألحظ أنه بهي الطلعة وإن لم يكن خارق الوسامة، كان شعره أسود وبشرته بالغة الشحوب. ثمة شيء في وجهه أنزل بي صدمة، شيء درامي لم أجد له استحساناً: فقد اعترض بصري حاجبان سميكان تقوسا في كثافة وأنف طويل يهيمن على ملامحه وشفتان ممتلئتان. لم نتبادل كلمة واحدة حتى بلغنا حدود مدينة هادسين حيث تمهل القطار ليتوقف بعدها تماماً ثم انطفأت جميع الأنوار.

"هاتفي معطل،" قال. وسعني أن أميز وجهه في الظلام وهو يميل نحوي. كان يشذو بعطر برائحة الفانيليا يوضع بعد الحلاقة وتتطاير منه رائحة صابونة ’أيفوري.‘ "ممكن أن أستعمل هاتفك؟" استأذن.

لم تغط الشبكة كلا الهاتفين.

"طيب،" قال. "على الأقل لن أسمع زعق أحدهم لبرهة."

"هل يزعق الناس فيك كثيراً؟" سألتُه.

"واضح أنك لستِ متزوجة،" قال.

"لا."

"ولستِ محامية."

"أيضاً لا."

دلف عند ذاك رجل إلى عربتنا؛ كان جهاز الاتصال الداخلي معطلاً. نحن في انتظار عبور العاصفة على حد قوله. داهم ماسيتشوسيتس إعصار على بعد ساعات فقط وليس بإمكانهم تحديد فترة التوقف. غادرنا وسط صيحات الإحباط وتهديدات – كما هو الحال دائماً وأبداً – بمقاضاة أمتراك.

طفقتْ محادثتنا بشيء من التردد ثم تسارعتْ: بدءاً من طموحه أن يسلك العمل السياسي إلى وظيفتي كوكيلة دعاية للكتب؛ من اهتمامه بالسمك الاستوائي (أفضى إليّ بأن التحديق في حوض السمك يهدئ أعصابه قبل دخول قاعة المحكمة) إلى حبنا المشترك لأفلام العقد الخامس من القرن العشرين. كانت حياتانا سلسلة من المصادفات المتشابكة. فكلانا نحب ديلفينز، مطعماً يونانياً في مانهاتن قائم عند تقاطع شارعيّ إيتي فيفث وكولومبوس. يقطن ديميتري في شمال الولاية لكنه يترافع عن زبائن كبار بالمدينة، لذا احتفظ بشقة في حي أبر ويست سايد تبعد عدة مبان عن شقتي. ألف تناول طعامه في ديلفينز أيام الأربعاء بينما كنت عادة أمضي إليه أيام الثلاثاء. التحق أبوه وأمي بنفس المدرسة الثانوية في مدينة أتلانتيك سيتي بولاية نيو جيرسي. وُلدنا نحن الاثنان في نفس اليوم من شهر يونيه بفاصل أربع سنين.

كان قد انتقل عندئذ إلى صفي. أطلعني على اسمه بالكامل، ديميتريس كويد، من أصل يوناني أيرلندي. كنت دائماً أضمر انجذاباً إلى المنحدرين من أعراق مختلفة، إلى امتزاج الثقافات. عل ذلك راجع إلى أن عائلتي الضخمة الممتدة عبر الأجيال، آل ليبرمان، هي نتاج سخيف لسلالة واحدة وحيدة. فقد تزاوج العديد والعديد من أبناء العموم في الماضي بل ولا زالوا يتزاوجون حتى الآن، وفي بولندا منذ أجيال خلت ثمة عم أنجب من ابنة أخيه. لا اختلاف يشوب ملامحنا وكلنا يعيبنا قصر النظر. كنت وحيدة والديّ وكذلك أصغر أفراد العائلة – نشأتُ وحولي أقاربي الأكبر سناً، فكنت أرشق وجوهاً تعكس دوماً الكثير من تعبيراتي أنا. ومع أول فرصة واتتني، جريت إلى مانهاتن بحثاً عن الحرية التي ينهل منها المرء وسط ملايين الغرباء. هناك ما يسمى بالألفة الزائدة عن اللزوم، قلت له.

أعلم قصدك تماماً، تفوه دون إسهاب.

العجيب أن أجدادنا المتناقضين أنتجوا خصائص متشابهة: ملامح سمراء درامية؛ عائلات تعتمل فيها الضغائن؛ نزوعاً إلى السلوكيات الرعناء؛ الجنون؛ الذنب. إلا أن ثمة اختلافاً واحداً غريباً كل الغرابة بين العائلتين: فبينما كان يجب أن تحفل عائلتي بالأمراض المزمنة لِما بها من جينات ضعيفة لتناسل أفرادها من بعضهم البعض، أنعم الله علينا في الواقع بالعمر المديد. أما عائلته – التي من المفترض أن تكون معافاة قوية البدن لامتزاجها المتكرر بتشكيلة من المؤثرات الخارجية – لم تشتمل على رجل واحد عاش إلى ما بعد الخامسة والستين. "أمراض القلب،" قال ثم لاذ بالصمت.

سألتُه عن مدة زواجه. "عشرة أعوام،" أجابني. التقى بزوجته بيث في كلية الحقوق. رزقا طفلة اسمها لوسي.

"كم عمرها؟"

"عشرة،" قال.               

انقضت شهور أدركتُ بعدها غرابة أن يفصح عن قصته بعد وقت قصير من تعرفي إليه معترفاً من فوره أنه وبيث لم يكونا متزوجين عندما حبلتْ بيث بلوسي. كان في العادة يستعين بالكذب ويدعي أنهما كانا متزوجين خلال السنة الإضافية، فما شأن أحد وهذا؟ ما تعود على مشاطرة الآخرين أسراره. لكنه ولسبب ما باح إليّ ليلتذاك ببقية الحكاية.

كان الاثنان يدرسان بجامعة نيويورك. اكتشفتْ بيث أنها حامل فأخبرتْها إحدى صديقاتها عن عيادة تُجري عمليات الإجهاض عند تقاطع شارعيّ ثيرتيز وبارك. ما من امرأة في مانهاتن إلا وملمة بالعنوان، فقد كانت إعلانات العيادة ملتصقة بحيطان محطات المترو. كنت قد واكبت العديد من صديقاتي عبر السنين، نساء سكرن أحياناً زيادة عن اللازم في إحدى الحفلات ثم خرجن بصحبة الرجل الخاطئ أو انقطع الواقي أو كن متزوجات لكن لم تقدرن على تحمل مصاريف طفل آخر. كانت العمليات قانونية آمنة زهيدة الثمن فيما لم تنج النسوة من اليأس ثم الامتنان. إلا أن المكان قد اكتنفه شيء من الإهمال يمتزج بالاستعجال، إذ كانوا يُجلسون كل النساء في حجرة متسعة كما الفصل ترتفع بها منصة في المقدمة وكأننا في حصة الصحة العامة بالمرحلة الثانوية. تقعد نحو ثلاثون حاملاً مع المرافقات لهن، كانت النسوة تحضر في أغلب الحالات مع نسوة أخريات، إذ قلما جاء معهن رجال.

كان هو يومذاك واحداً من أولئك القلائل. كانت بيث من التعاسة في حال، مضت تقرض أظافرها حتى أدمت جلدها. لم تكن قد ذاقت النوم منذ أيام. بالكاد احتمل النظر إلى وجهها، كان جفناها السفليان حمراوين من فرط الأرق والبكاء. فقد كانت كاثوليكية لأبوين أوروبيين، تلقت تعليمها في مدرسة أبرشية، بل إنها لم تقو على التفوه بكلمة إجهاض. علها كانت ستواصل العملية، طلب منها وهي من جانبها كانت مستعدة للإذعان لولا تلك الغرفة التي يتركونك بها دهراً لتأتي بعدها موظفة الاستقبال لتعلن اسمك أمام جميع الحضور. كان الإجفال يلسع بيث في كل مرة يرد إلى مسامعها أحد الأسماء. مضت ساعة لم يطق بعدها ديميتري تحمل المزيد، فمال هامساً في أذنها أنهما يستطيعان المغادرة لو أرادت العدول عن الأمر.

نهضتْ على قدميها ووجهتها الباب قبل أن يتم جملته. سارا بشارع بارك أفينو ثم ساقتهما أقدامهما غرباً باتجاه منطقة الألماس بشارع فورتيز. زعم أن الخطوة لم تكن نيته على الإطلاق غير أن تلك التمشية حسمت تقريباً مستقبلهما. حكى لي ما ران على وجهها حين صوبتْ عيناها إلى الخواتم في النوافذ، كان هذا مرادها منه منذ البداية. تمت خطوبتهما مع نهاية اليوم وتزوجا بعد مضي شهرين. حدّث نفسه في يوم الزفاف أنه من الأفضل لرجل يحمل تاريخ عائلته، رجل محتمل ألا يعيش حتى السبعين، أن يتزوج صغيراً وينجب سريعاً ذرية تخلفه من بعده.

تراءى لي هذا التفكير فهماً مَرضياً للزواج بيد أني لم أكن أعي كلية وقتذاك أن فكرة الفناء تحوم حول ديميتري كويد. فقد تشبث بمعلومة افترضها عن مدة حياته وأضمر اعتقاداً بأنه لا بد أن يحشر كل الأدوار – الحب الملتهب ومنزلة مهنية من الطراز الأول وزوج مخلص وأب حنون – ليختصرها في سنوات أقل من أغلبية الناس. أسر إليّ أنه يعتقد بموته صغيراً من جراء أزمة قلبية مثل والده وجِده تماماً كما افترضتُ أنا أن لدي دوماً متسعاً من الوقت كي تتوهج مشاعري.

"وهل النهاية سعيدة؟ نهاية زواجك؟" تساءلتُ ولم تخف عني الإجابة لحظة. فالرجل لا يكاشف امرأة بمثل تلك القصة داخل قطار مظلم لو كان يعرف السعادة، لو لديه مَن يفضي إليه بدخيلة نفسه، لو أنه لم يفكر مليون مرة فيما قد يحدث منذ عشرة أعوام إن كان مشى ناحية منطقة فيليدج بدلاً من الاتجاه شمالاً.

مست يده كتفي والظلام يلفنا فارتج جسدي.

"وماذا عنكِ؟" سألني. "أخبريني بالمزيد عن نفسك."

قبل أن تنفرج شفتاي بكلمة عن زيارتي لديبرا، زميلة الكلية، أو عن رغبتي في الاستقالة من الشركة التي أشتغل بها لأستهل عملاً مستقلاً لولا ما ينقصني من شجاعة، هذا فضلاً عن سلسلة من العلاقات الفاشلة أو العابرة أو الطائشة التي انخرطتُ فيها – باختصار، قبل أن أبسط بين يديه تفاصيل حياتي بأكملها مثلها مثل تشكيلة من أحاسيس الحيرة والتردد – التمع في الأفق سهم ضخم من البرق، توقد فضياً طويلاً لا يعوزه الكمال.

خيم الصمت على العربة بينما دوى هزيم الرعد وتصاعد أزيز السماء. تلا ذلك عدة سهام صغيرة أضاءت لحظات وجهه القريب من وجهي. ثم مال بجسده لاثماً شفتيّ. كانت شفتاه ناعمتين ممتلئتين لم تسلما من برودة طفيفة.

أضاءت العربة بأنوارها.

تراجع كلانا في ركنه الخاص وقد ألم بنا الإجفال. كنت أعصر ذراع الكرسي بقوة آلمت يدي. جرت أصابعه بين خصلات شعره. استرق كلانا نظرات جانبية غلب عليها الارتباك وكأننا نتطلع إلى أغراب. كنا بالفعل أغراباً. سددتُ نظرة ثانية إلى وجهه فألفيته أكثر وداً هذه المرة. نم حاجباه عن القوة بيد أن عينيه الواسعتين الزرقاوين زرقة رمادية تراءتا ناعمتين تلوح بركنيهما خطوط دقيقة ناجمة عن تعبيرات الضحك. ورد إلينا صوت من جهاز الاتصال الداخلي. "سوف يتحرك القطار في القريب العاجل. نعتذر عن الإزعاج..."

"إلى أين تذهبين؟" قال همساً. خف المطر، إذ كف عن الهطول بغزارة وجعل ينقر السقف بنقرات متواترة.

"رينسلير،" نقلتُ إليه. "اسم العائلة جيساب، توم وديبرا جيساب."

طفق القطار يتحرك.

"أنا رائح إلى حدود سكينيكتيدي،" أخبرني. "إلى نيسكيونا، ليست محطتي بعيدة، سأنزل قبلك."

تعوذنا بالصمت حتى أتت محطته.

"أتمنى ألا تظني أن من عادتي أن أفعل هذا،" قال وهو ينهض.

"تفعل ماذا؟" سألتُه. "تتكلم؟"

"أفصح عن متاعبي لـ..."

لم يتسن له إنهاء جملته. انفتحتْ الأبواب فتدافع الركاب. كان مخرج عربتنا هو المخرج الوحيد بعدة عربات فلم يملك إلا أن يسير معهم منساقاً مع التيار.

 

خلال اليومين التاليين لتلك الرحلة، ما برحتْ صديقتي ديبرا تتغنى بمزايا الحياة في شمال الولاية.

"الكل هنا بدين،" أنهت إليّ. "إنها حياة مدهشة. قد تزيدين ستين رطلاً أثناء الحمل ولا ينتبه إليكِ أحد."

وهل هذا سبب وجيه لمغادرة مانهاتن؟ سألتُها

كانت ديبرا تعمل كاتبة إعلانات بوكالة كبيرة في وسط المدينة ثم غدت مديرة علاقات العملاء وكانت على وشك الترقي لتصبح نائبة الرئيس عندما قابلتْ توم، مهندس معماري من قرية أكورد بنيويورك. ديبرا التي كنت أعرفها كانت تقص شعرها بمائتيّ دولار وتستعين بمدرب رياضي خاص بها وشخص بمتجر ’نيويورك لوك‘ ينتقي لها كل ملابسها. لم تكن تتناول الحلوى على الإطلاق. أما المرأة التي اتخذتْ مجلسها أمامي وهي ترضع طفلتها فكانت ربلة الجسم منتفخة الوجه مسترخية البال، طفحتْ بشرتها بالبثور وطال شعرها وتشعث.

"الناس هنا لا يفكرون في الطلاق،" قالت. "بوسعك أن تشتري منزلاً بثمن شقة من غرفة واحدة بالمدينة. النساء هنا لا يحقن وجوههن بالبوتوكس*؛ فهن يتقبلن تجاعيدهن مسرورات. إنها أمريكا الحقيقية."

فرغتْ الطفلة من الرضاعة فأبعدتْ ديبرا حلمتها برفق وأغلقتْ صدريتها. أفضت إليّ بأنها لا تطوق صبراً على توظيف مربية. "لشد حبي لها،" قالت وهي تغض عينيها نحو كلير التي أتمت أربعة شهور وأسبوعين. "لكني أشعر وكأني لم أبرح هذا المنزل منذ سنين."

كانت كل صديقاتي المرضعات يندبن نفس الوضع: توقف بهن الوقت. كن يتساءلن: مَن هن؟ وأين؟ كأنما يعشن حلماً، كما لو كن محبوسات مع رضعهن داخل رقصة جبارة يغشاها الغموض. كنت أراقبهن فيراودني خليط من الافتتان والنفور، من الاشمئزاز والخشية.

"الأمر يستأهل،" فاهت وهي ترفع كلير لتتعلق بكتفها وراحت تربت على ظهرها. "إن مشكلتك يا آني،" أفصحتْ. "ممكن أن تسمحي لي أن أخبرك بمشكلتك؟"

"تفضلي." منذ بلغتُ الثلاثين، بدأتُ أتلقى مختلف النصائح من صديقاتي المتزوجات. لم آبه كثيراً لها، فأغلبيتهن وضعن وظائفهن على الرف وقبعن في البيوت بصحبة أطفال صغار وشرائط فيديو لعالم سمسم. انتهين إجمالاً عن العلاقات العاطفية التي تستهلك قدراً لا يستهان به من التفكير والطاقة. واعتبرن تقويم حياتي تحدياً لهن، فقد أبقت تلك المهمة على يقظة عقولهن شأنها شأن الكلمات المتقاطعة بجريدة التايمز.

"المشكلة أنك تتراجعين عن كل شيء. فأنا لم أرك قط تسعين جدياً إلى الفوز برجل أو وظيفة أو حتى شقة. فكل ما تصنعينه هو أنك تأخذين ما يقدمه إليك الآخرون وتتعاملين مع قد يطرأ من نتائج إلى أن يصيبك السأم فتأخذين الشيء التالي المعروض عليك. إنها المقاومة في أضعف حالاتها."

"إنها استراتيجية،" أنبأتُها.

"ولن تفضي سوى إلى كارثة،" حذّرتْ. "أتحسبين أنك سترفلين في الشباب إلى الأبد؟"

أطلقتْ كلير تجشؤاً قوياً. "دعيني أحملها،" قلت وأنا أمد ذراعيّ. كانت تعبق بغسول شعر الأطفال ورائحة الأطفال الحلوة النقية. طبعتُ قبلة على حرف أذنها.

"هل ترغبين في إنجاب أطفال؟" سألتْني ديبرا. "لم يسبق لك أبداً الحديث عن الأطفال."

"لا أعلم،" قلت وأنا أسند كلير إلى ذراعي. قبضتْ على إصبعي بقوة وراحت تشده. وددت أن أخبر ديبرا أني لا أعتقد أن إنجاب طفل يعد واحداً من تلك الأشياء التي يمكن للمرأة نشدها بكل ما أوتيت من قوة كما هو الحال مع شقة أو وظيفة أو حصة من منزل بمنطقة هامبتينز. أردت أن أقول لها إن الرجل المتزوج الذي قبّلني بالقطار ما فارق خيالي منذ يومين. وهكذا لو قصدتُ مطعمنا المفضل بتقاطع إيتي فيفث وكولومبوس أحد أيام الأربعاء – حين أعلم أنه هناك – بدل يوم الثلاثاء، يومي المعتاد، هل ستمسي هذه الخطوة تراجعاً عن الحياة أم سعياً إلى شيء لي رغبة فيه؟ هل كنت أريد حقاً ما ظننتني أريده؟ وأنا في انتظار الحياة أن تعترض سبيلي، كنت على نحو ما أمسك بزمام الأمور. فباستطاعتي أن أقبل ما يفد إلى طريقي أو أرفضه دون أن أتحمل مسؤولية الفشل لأني لم أعمل جاهدة على جلب الكارثة على روحي، لم أعمل جاهدة على أي شيء. وددت لو أسألها الرأي عن كل هذه المسائل لكني أحجمت، فأنا أعرف رد فعلها حق المعرفة. ستقول، بالله عليك جازفي لكن ليس مع رجل متزوج. فالمجازفة بعلاقة مع رجل متزوج كعدم المجازفة على الإطلاق. ثم شرعتْ الطفلة في الصراخ فأرجعتُها إلى أمها.

 

لا تلذ له المغامرة سوى بشمال الولاية.

انصرم أسبوعان على حادثة السيدة والكلبين. أغلق سرواله ومنحني منديلاً. "هذا جنون،" همستُ والظلمة تحيق بنا. "أنتَ على وشك الترشيح لمنصب عام وفي منطقة محافظة."

لم أظفر منه بجواب.

 "لو أنتَ بهذه التعاسة، اطلب الطلاق، لا تجلبه على نفسك،" قلت. "بهذه الطريقة."

"ولوسي؟" همس. "إنها صغيرة لا تزال ويشق عليّ أن أؤذيها. لا يوجد في فصلها أطفال آبائهم مطلقين."

"في أي سنة نحن؟" سألتُه. "أين أنا الآن؟"

التقطتُ صوتاً خافتاً أمامنا يطالبنا بالهدوء.

"حتى لو قدِرتُ على مشكلة لوسي،" أردف، "بيث لن ترغب البتة في الطلاق وسوف تحيل حياتي إلى جحيم." أمسك لحظة عن الكلام. "أنتِ وأنا نشبه سبينسير تريسي وكاثرين هيبورن."

"أنتَ لستَ بسبينسير تريسي،" قلت. "ولستُ أنا بالقطع كاثرين هيبورن."

"صحيح،" قال بصوت هامس. "فهي لن تمص أبداً قضيبي داخل المسرح الرابع بمجمع مسارح سكينيكتيدي."

 

لا تحلو له المخاطرة أبداً في الجنوب. فسينترال بارك متخمة بملامح المدنية الحديثة ومناظرها الطبيعية لا تعجبه. أنفاق الميترو قذرة زيادة عن اللزوم على حد قوله ودور السينما ضيقة كالجحور غاصة بالرواد. لكن ها هو السبب الحقيقي: في مانهاتن لو ضبطك الناس تمارس الجنس علانية، ثمة احتمال كبير ألا يعبأ بك أحد.

نحن في مانهاتن أحرار، أمضينا ثلاثة أعوام أحراراً. تجمعنا ليالي الأربعاء ليبيت بعدها في العادة حتى الخميس. وأحياناً لو استطاع تدبير حاله، يستقل القطار يوم الجمعة ويلبث حتى السبت. غالباً ما كنا نمكث بشقته وأحياناً بشقتي. نقصد على الدوام مطاعم راقية، ومن حين لآخر نتناول العشاء مع صديقاتي، صديقاتي الآنسات. كثيراً ما لا يتمكن من البقاء – تمنعه أعياد الميلاد أو مواعيد أصهاره أو في الأغلب الأعم مثول أمام إحدى المحاكم بشمال الولاية. خلفني مرات لا حصر لها ولا عد بلا رفيق خلال حفلات افتتاح بمتحف ويتني ومسرحيات برودواي ونشاطات أخرى تتطلب تخطيطاً، لذا امتنعتُ منذ عهد طويل عن التخطيط. ما شاركني أيام رأس السنة قط لكنه لم يخفق مرة في قضاء عيد ميلادنا المشترك معي ثم يتمكن بطريقة ما من الرحيل. تخالني أمي لم أواعد رجلاً منذ ثلاث سنوات. طالما خنقتْها العبرات وهي تكلمني عبر الهاتف. أخبرتْ عمتي أني قد أكون مصابة بالشذوذ.

ومع ذلك، وبعد مرور كل هذا الوقت، عندما يمرق من الباب، تنفجر شغاف قلبي. أستطيع أن أشعر بها داخل صدري وهي تتسع مع كل نبضة. عندما يهبط الليل ونخلد إلى الفراش، يقيس طولي بسبابة تجري على امتداد عمودي الفقري فيرتعش جسدي. تأتي ليال يهجم فيها كلانا على الآخر جائعين لِما تحملناه من فراق. وفي أوقات أخرى أنسل بين ذراعيه وأنا أشهق متأهبة لنوم هنيء لا تنغص عليه الأحلام. شعره أسود كثيف ولحيته دوماً واخزة إلا أن بشرته شاحبة تفوح منها رائحة ذكية، ناعمة كبشرة امرأة.

عندما يكسب قضية من القضايا – وهو ما يحدث في معظم الحالات – يتصل بي من المحكمة أو السيارة أو المكتب ليزف إليّ حجم التسوية. غالباً ما يسهب في التفاصيل لكنه يحجب أسماء موكليه. ها هي راقصة ذات عشرين ربيعاً تمتهن الرقص العاري تزوجتْ رئيسها وكان في الستين؛ خلال السنة الأولى من الزواج هشم لها كثيراً من عظامها حتى إنها رفعت قضيتيّ طلاق وإصابة عمل. ثمة آباء، أغنياء بما يكفي لتوكيل فرق من المحامين المكلِفين، يخسرون حضانة أطفالهم لأنهم حاولوا غصبهم على ابتلاع الأدوية أو تركوهم في غفلة منهم خارج المتجر وابتعدوا بسياراتهم. ثم قضاياي المفضلة، زيجات المواطنين مستقيمي السلوك –  مدرسات الحضانة وعازفي الأرغن بالكنيسة وموظفي الأحوال الاجتماعية – زيجات تنتهي لأن أحد الزوجين رفض أن يبول عليه الآخر أو ضُرب بمجداف معدني أو تورط في علاقة جنسية مع اثنين أحدهما من إخوته. إنها العبودية، لن يصدق المرء كم من الزيجات تفشل من جراء العبودية.

حالما يتصل من السيارة وأسمع صوته وقد حل عليه الهدوء، ينشق كمن يحبس دموعه ويخبرني أنه يجب أن يوقف السيارة إلى جانب الطريق، أعرف أنه خسر القضية. نادراً ما تقع تلك المرات. أعلم عندئذ أن القضية لا بد تتضمن حضانة أحد الأطفال، أب محترم سوف يُمنع من رؤية ولده، فتلك القضايا هي التي تدفعه إلى حافة الانهيار وتلازمه حتى يبيت مهوساً بها. تند عني كلمات تعزية عما بذله من جهد وعاناه من أرق أسابيع طويلة وهو يجهز القضية، لم يكن في الإمكان أفضل مما كان. تبدو كلماتي عادية تماماً، ومع ذلك بعد تكرارها عدة مرات، يلوح أهدأ نفساً، ربما لأني أقف – من غير أن يضطر إلى الإفصاح – على الجذور الحقيقية لمشاعره: إنها لوسي.

يعود إلى قيادة السيارة وهو يلهث بشكري، يبوح إليّ بحبه ثم يتشوش الخط وينقطع لحظة لضعف مباغت في الاتصال.

"اسمعي يا حبي،" يقول. "أنا الآن أمام البيت. وصلتُ. لا بد أن أتركك." يرد إلى مسامعي صوت طفلة في الخلفية، صوت عالي النبرة إيقاعي الوقع. أنتَ وعدتني يا بابا، تقول له.أنتَ وعدتني بأن تأخذني لشراء آيس كريم. ثم يصك أذنيّ صوت الهاتف وهو ينغلق انغلاقاً أجوف.

أغلقتُ السماعة ورددت عينيّ في الحيطان الأربعة لشقتي المؤلفة من غرفة واحدة ثم استحضرتُ ما قاله ديميتري ذات مرة عن كوننا نشبه كاثرين هيبورن وسبينسير تريسي. دائماً ما راقتني القصة الشهيرة التي تروي حكاية هيبورن معتزة النفس مستقلة الحياة – التي ترتدي سراويل الرجال بلا وجل وتتحكم بكل حسم في أدوار أفلامها – وهي تجثو عند قدميّ تريسي لتخلع حذاءه بعد يوم طويل أمضياه في موقع التصوير. خطر ببالي في تلك اللحظة بالضبط أن أياماً لا بد لم تُذكر في سيرتها، أياماً تتوقعه فيها كالمعتاد بيد أنها لا تسمع طرقاً على باب مقطورتها. وماذا عن أمسيات وضعتْ فيها يدها على الجلد الناعم لتجذبه – كاشفة عن جوربيه ومشط قدمه الناعم الحساس الذي لم يسمح لسواها بالاقتراب منه – ثم قيل لها إن عليه الرجوع إلى البيت. ’البيت،‘ كلمة مخصصة لمكان لا تصطحب إليه عشيقتك.

 

فاز ديميتري بالترشيح مما أرغمه على قضاء المزيد من الوقت في أولباني كي يعد العدة لحملته الانتخابية. كان يتصل كثيراً ويتوسل إليّ أن أزوره. يقول إنه في حاجة إليّ حتى أعاونه على تجاوز ضغوط الانتخابات. ذكّرتُه مرة ثانية بأن وجودي في شمال الولاية يمثل خطراً عليه ثم أعدت على مسامعه العديد من الحكايات التحذيرية لسياسيين أسقطتْهم الخيانات الزوجية بيد أنه أبى الإقرار بأن حبنا يمكن أن يتمخض عن شيء سيئ. آه، لشد ما أرغب في تصديقه غير أن إحساساً بالهلاك الوشيك يحدق بي. والخوف، خوف لا يذهب عني، خوف يقترن اقتراناً لا أود الاعتراف به بالخيال والرغبة، خوف من أني أنا – دون تعمد من جانبي – التي ستقوض أركان بيته بل وربما مسيرته المهنية في الشمال. وهكذا لن يبقى بين يديه بديل سوى اختياري والمضي قدماً.

أقمت بسكينيكتيدي في فندق صغير تشتمل خدماته على الإفطار. كان الفندق ملك زوجين عجوزين، جين وهاوارد وينتر، يُجلسان قطتهما على مقعد خاص بها حول مائدة المطبخ. كانت حجرتي قديمة مظلمة تفيح منها رائحة تشبه رائحة دولاب جدتي. زكى هذا المكان واحد من زملاء ديميتري في المكتب. الأرجح أنه أراد مكاناً يوقع في نفس المرء إحساساً بالبيت وليس بفندق. فهو – عندما لا يركبنا التهور كلية – يقلق أيما قلق على كرامتي، على خير الطرق لمعاملتي. هو يعرف أنها مهمة ليست بالهينة.

ثمة مفارش صغيرة تنبسط على المنضدة وصور لأولباني بالأبيض والأسود في بداية القرن تصطف على الحوائط داخل أطر نال منها الغبار. استيقظتُ في صبيحة الجمعة، تنبهتْ كل حواسي في السابعة بلا أدنى فكرة عما أصنع حتى الواحدة، ميعاد لقائي بديميتري على الغداء. ألقت ستائر النافذة بضوء بني باهت على الفراش. لمحتُ صورتي في مرآة يحيط بها إطار من خشب البلوط ويخترقها شق كبير. كان شعري ينتكش في زوايا غريبة وبدوت عجوزاً يحل بها الإعياء. قطبتُ جبيني وأنا واعية بكل غضن وجعدة تجرني إلى منتصف العمر. أجلت ناظري في أركان الغرفة فاعتراني إحساس بأني استيقظت داخل إحدى روايات إديث ورتين. هل أغدو واحدة من أولئك النسوة اللاتي يقول عنهن الجميع "يا خسارتهن؟"

وصلتُ إلى منزل ديبرا بعد ساعتين، فقد أخبرتُها أن غبار الفندق يفاقم حساسيتي وسألتُها لو ممكن أن أتناول معها الإفطار وأبقى عندها بضع ساعات.

"بدون محاضرات من فضلك،" قلت وأن أجتاز العتبة حاملة في يدي حقيبة سفر صغيرة. كانت ديبرا تقف طاوية ذراعيها أمام صدرها في مدخل منزلها العصري ذي المستويات المتعددة. تحمل الآن في أحشائها جنيناً عمره خمسة أشهر فبرزتْ بطنها من أسفل ذراعيها المطويين. كانت كلير، القادرة الآن على المشي والتحدث، على وشك دخول الروضة. ألفيتها جالسة أمام التلفزيون تتفرج على بارني.

أخبرتني أن توم خارج المنزل. الظاهر أن قدميه لا تطآن بيته على الإطلاق، فالناس لا يمسكون عن التشييد في هذه المنطقة من الولاية، إنها الهجرة الكبرى من مانهاتن. عزيت نفسي لحظات: كيف تختلف حياة ديبرا عن حياتي؟ فهي تلقي نظرة على زوجها ساعة صباحاً وساعة مساء، متى إذن تفوز باهتمامه؟ غير أني أقلب بصري في حجرة المعيشة: في الدببة الوبِرة البيضاء وأكوام كتب الأطفال، الأرائك المنجدة على آخرها ومجموعات الصور المعلقة على الحائط: زفاف ديبرا وتوم، كلير وهي تخطو خطوتها الأولى، عطلة قطعتْها الأسرة في وادي جراند كانيون. فجال في خاطري أن حياتي أشبه بحياة جاسوس ماهر أو مجرم حاذق أو ضحية من ضحايا فقدان الذاكرة: عارية من أي ركام أو مستندات.

جلسنا لنحتسي الشاي في المطبخ، قدّمتْ ديبرا كعكة إليّ لكنها عزفت عن تناول مثلها. بدت وقد اختلج في صدرها ضيق، كانت تحط كوبها على المائدة بشيء من العنف فتساءلتُ لو كان من الأفضل أن أتناول إفطاري مع السيد وينتر وحرمه وقطة تقعد على رجليها الخلفيتين لتنتظر طبق البيض بسلوك جدير بالإعجاب. دلفتْ كلير إلى المطبخ وطلبتْ كعكة. أعطيتها واحدة من علبة تستقر فوق المائدة. أخذتْ تقضم قضمات صغيرة هنيهة ثم فردتْ ذراعيها لأعلى راغبة أن أرفعها إلى حجري فجذبتُها نحوي. كانت الآن أكبر سناً، تضوع منها رائحتا العلكة ومنعم الأقمشة. راحت تمص كعكتها ثم سألتني إذا ما كنت أحب رسوم تيليتابيز المتحركة. هممت بالإجابة إلا أنها تملصت من بين يديّ. إن حبها يُقبل كالوميض ثم لا تدري إلا وهي ترحل عنك إلى مهمتها التالية. أنجب أبواي ولداً واحداً، فنشأتُ مثلها، ما كان عليّ سوى أن أبسط ذراعيّ كي تغمرني رعاية ترفرف حولي بلا انقطاع، رعاية لا تنضب. رُزقا إياي بعد سبعة أعوام من زواجهما. ’سبعة‘ رقم مذكور في الكتاب المقدس، لذا اعتبراني شيئاً أشبه بالمعجزة. فتركزتْ حياتهما على كل لفتة من لفتاتي وأقل تعبير من تعبيراتي. تطلق والدا ديبرا وهي في الثالثة؛ فتنقلتْ هي وأمها في أرجاء البلاد بعيداً عن أبيها. وفي حين خشيت أنا الالتزام وفقدان حريتي، نشدتْ هي الاستقرار والاستمرارية. وهنالك ديميتري، الساعي إلى القليل من ذاك وتلك. تُرى ماذا يجري في منزله؟

"مهما بلغ عدد ما أقرأه لكلير من كتب، أجدها مشغولة انشغالاً ما بعده انشغال بشرائط الفيديو والمنتجات الشهيرة،" أطلعتني وكلامها يشي بديبرا أيام عملها في الإعلانات. "أظنها ضجرة."

"أظن أمها هي الضجرة،" صححتُ.

"لم يخبرني أحد أن الأمومة قد تجلب كل هذا السأم،" أفضت. "وكل تلك الوحدة."

"ومع ذلك ستنجبين طفلاً ثانياً؟"

"أريد لها أخاً أو أختاً،" أنهت إليّ بنظرة ثاقبة قليلاً. "إنها مرتاحة زيادة عن اللزوم للعلب بمفردها."

لم تحظ مني بتعليق.

"ألم تبرمي بعد بكل هذا؟" سألتْ ديبرا. "بكل هذه المراوغة والتظاهر. بالله عليك، إنك في السادسة والثلاثين، كم لديك من الوقت لتضييعه؟"

"أنا أحبه،" قلت. "بصراحة، عندما قابلتُه يومذاك في القطار، لم يدر بخيالي قط أن تستحوذ عليّ تلك المشاعر." أحاول أن أشرح لها ما يداخل أحاديثنا من سهولة وما يخالج ارتباطنا من عفوية. "كما أن كلينا لا يطيق الابتعاد عن الآخر."

أطلقتْ ديبرا تنهيدة. "أذكر عندما كنت أنا وتوم مثلكما،" باحت. "قبل أن أنجب كلير ويشرع هو في العمل ستة أيام في الأسبوع."

وسعني أن أقرأ في عينيها الحزينتين – كما قرأتْ هي الأخرى في عينيّ – السؤال التالي: لِم تخل الحياة من طريقة مثالية؟ لماذا لا يرقى الزواج الآمن إلى مستوى العلاقة الرومانسية المتقدة؟ ولماذا لا تفضي العلاقة الرومانسية المتقدة إلى أمان الزواج إلا في النادر؟

 

كنت أقف بمكتب ديميتري في شمال الولاية منتظرة أن يأخذني إلى الغداء. نهض أمام الحائط الخلفي حوض يحوي سمكه الاستوائي. انصرف نظري إلى سمك النمر وكتلة سوداء غريبة الشكل لا معالم لها. إنها المفضلة لديه، سمكة السكين الشبح. عمياء تعتمد على السونار، تتحرك متمهلة بشيء من التردد وتسافر في أغلب الأحيان إلى الوراء. وضع ديميتري في الصيف الفائت ثلاثاً لم تتبق منها الآن سوى واحدة فقط. حتى سمكي مقصوف العمر، قال مازحاً.

"آسف، أنتِ جائعة جداً؟" سأل وهو يتفحص بعض الأوراق. كان يقتعد كرسياً جلدياً عريضاً وراء مكتبه. "سأخلص بعد لحظة، هذا وعد مني." إلا أن جهاز الاتصال أصدر أزيزه من جديد فتلقى المكالمة واضطجع إلى الخلف محدقاً من النافذة.

"أنا قلت لك من قبل، إن لم أر تلك الوثائق المكتشفة قبل الرابعة،" حذّر. "أنتَ أمك داعية لك لأني لن أجرك إلى القاضي دانبار! أنتَ عارف أن عندي حقاً وتحاول أن تستغفلني وأنتَ عارف كذلك أني لن أسمح لك..."

توالت كلمات ديميتري على هذا النحو، عالية النبرة تشف عن الوعيد. كان قد نمى إليّ من قبل هذا الجانب من شخصيته. شاهدتُه بقاعة المحكمة وهو ينتفخ ثقة، وهو يندفع بلا قيد محتلاً مساحة بطوله وعرضه غير أن نبرته لا تفتأ تبث في نفسي القليل من الذعر. إن المحامي لا تعوزه العدوانية ولا الاستبداد أما الرجل فطيع مفعم بالاهتمام. عندما يجمعنا فراش واحد، يطوق جسدي بذراعيه وساقيه كما الغريق؛ أحياناً وهو مستغرق في أحلامه يصيح تكراراً ’لا أعلم‘ ’لا أعلم‘ كمن يتلو نشيداً. بيد أنه لاح في هذه الغرفة رجلاً مختلفاً كل الاختلاف. على أي حال يكون في بيته يا تُرى؟ ينوي تصوير واحد من تلك الإعلانات بالتلفزيون المحلي من أجل حملته. ارتسموا في مخيلتي، هو وبيث ولوسي، يقفون متشابكي الأيدي أمام منزلهم ذي الطوابق الثلاثة. "إن عائلات أولباني لهي شغلي الشاغل،" يعلن فيما تدنو آلة التصوير من وجوه الثلاثة.

تناولتُ من المكتب صورة للوسي وهي بالمدرسة. إنها نسخة أنثوية مصغرة من ديميتري، صاحبة ملامح جميلة وعينين نجلاوين تتلونان بزرقة ضاربة إلى الرمادي ويعلوهما حاجبان كثيفان. نقل ديميتري إليّ أنها ليست مسرورة بظهورها في التلفزيون. ربما لأنها عظيمة الشبه بأبيها أو لأن لوسي هي الأخرى وحيدة والديها وحياتها تقترن بما ينتاب الاثنين من خيبة أمل وما يستبد بهما من رغبات. درت حناياي حباً مفاجئاً لها. استدعيت ذلك اليوم الذي أخبرني فيه ديميتري عن عيادة الإجهاض وشعوره وقتئذ بأن الطفل سيكون بمثابة ضربة قاضية على حياته. وضعتُ صورة لوسي فإذا بخوف يلم بي من أن يأتي يوم يغدو فيه عدم وجود طفل في حياتي هو الضربة القاضية.

أطلعني أثناء الغداء على كل الأشخاص الواثقين من فوزه. تمنى لو كانت أولباني مثل مانهاتن حيث يتولى المحافظ تعيين قضاة محكمة الأسرة وينتهي الأمر لكني استطعت أن أتبين إثارة تدغدغه لخوض المعركة. جعل يتعلم لعب الجولف وهو الآن يلعب مع عدة موظفين في الحكومة وأعضاء لجان وقضاة بالمحكمة العليا. أنبأني أنه سيدبر حاله ما بين ممارسة المحاماة ومنصب القاضي، سوف يقسم وقته بينهما. ثم ما أدري إلا وقد فاض صوته بالشك بل والقليل من الحزن.

"ما دهاك؟" استفسرتُ.

"أنا محام ممتاز لكني قد لا أصبح قاضياً ممتازاً." مال إلى المائدة وحوى يدي براحتيه. "لو فزتُ بالمنصب، لن يتاح لي وقت طويل بالمدينة،" كاشفني. "وذلك أكثر ما يشعرني بالـ... التردد."

قلت له إننا سوف نتوصل إلى حل. هو يروم المنصب بكل جوانحه، لذا أريده أن يظفر به.

"ربما يمكنك الانتقال إلى هنا،" اقترح.

"وماذا سأفعل هنا؟" تخيلتُ نفسي أعيش فوق هذه الأرض التي تحوي أشخاصاً متزوجين إلى الأبد واتحاد فرق البيسبول للناشئين وأقمشة فاتحة اللون. المرأة العزباء الوحيدة في مدينة نيسكايونا بنيويورك.

"أنا موقن أنهم سيسمحون لكِ بالعمل من البيت،" قال. "أو بإمكانك بدء شركة خاصة بك. طالما تحدثتِ عن ذلك المشروع، تعلمين أن تلك رغبتك."

"لو استقللت بعملي،" أعلمتُه، "إذن يجدر بي بحق أن أكون في مانهاتن."

"تلك سخافة،" اعترض. "ألا يوجد وكلاء دعاية هنا؟"

ثم قص عليّ حكاية. أخيراً! حكاية من طفولته. فهو نادراً ما يشير إليها على نحو فعلي. إنها عن أبيه الراحل، لمّا كان ديميتري صغيراً كانت سكرتيرة أبيه تقطن معهم في شقة فوق المرأب.

"سكرتيرة أبيك كانت تعيش بمنزلكم؟"

"أجل،" أجابني. "وكانت أحياناً ترعانا عندما يخرج أبوانا. وفي أوقات أخرى كانت هي وأبي يسافران في رحلات عمل طويلة لنلبث وحدنا مع أمي. اسمها إلين وكنا نكن لها حباً جماً. كانت تتحلى بروح دعابة وجمال فتان. علمتني كيفية لعب الشطرنج." أطرق لحظة. "لم تتزوج قط."

"وهل ساءها هذا؟" سألتُ وقد حل بي قدر من الغثيان.

"لا، كانت سيدة تنعم بكل سعادة وقد تذكرها أبي،" صرح. "في وصيته."

"وماذا عن أمك؟ كيف كان شعورها حيال الوضع؟"

استعان بالصمت لحظة. أبصرتُه يفكر في أبيه وما ابتلي به من أزمة قلبية مفاجئة أودت به في ملعب الجولف. قال لي ديميتري إن أباه كان بصحبة رجلين من الشغل بالكاد يعرفهما. ولا واحدة من المرأتين اللتين أحبهما كانت بالقرب منه، ولا واحدة أمسكتْ بيد الرجل المحتضر وقالت وداعاً. رنا ديميتري إلى وجهي مردفاً، "أخال أمي كانت متفهمة للوضع."

فجأة ألفيت نفسي امرأة طاعنة في السن، تستولي عليّ المرارة وأحيا فوق مرأب أحدهم، مرأب تتلقفه الرياح. أنام بحجرة مليئة بالمفارش الصغيرة والمرايا المشقوقة والستائر البنية. لا شيء يخصني، كل شيء ملك شخص آخر. إن هذا ليس مشهداً من رواية لإديث ورتين، تفكرتُ. إنه ستيفين كينج*.

"ما لكِ؟" سألني. "تغيرتِ."

أومأتُ برأسي وقد تملكتني رغبة في أن أعود أدراجي إلى مانهاتن. وددت أن أصحو في شقتي الضيقة المظلمة وأذهب إلى مكتبي المزعج.

ثمة قطار سينطلق في الثالثة، نطقتُ. ممكن أن تقلني؟

"انسي ما قلته بخصوص إلين والعيش هنا، فقط انسيه،" قال وهو يُخرج بطاقته الذهبية. "حسبتُ بطريقة ما أن الفكرة ستسعدك."

"هذا لو كنتُ أعيش في ولاية يوتاه." نهضتُ بدونه متجهة نحو الباب.

 

أدركه العبوس ولاحت عليه أمارات التعاسة ونحن في سبيلنا إلى المحطة.

"كم أكره امتناعك عن الكلام وتقلب مزاجك." حانت مني نظرة إلى وجهي في مرآة السيارة. تشعث شعري وتلطخ أحمر الشفاه. كيف تركني أمشي هكذا؟ أخرجتُ علبة البودرة من حقيبتي وأخذتُ أهيأ نفسي. توقف ديميتري عند موقف سيارات أمام المحطة ثم اتكأ على عجلة القيادة وضم وجهه إلى راحتيه. فرت من بين أصابعه نبرات لاهثة منخفضة "لقد أفسدتُ حياتي،" قال. "ولا أقوى على إصلاحها."

أخذتني الشفقة عليه وإن لم يزل الغضب يتولاني. هو يعتقد بالفعل أنه من الأفضل أن يحاول إرضاء كل واحدة منا قليلاً حتى وإن لم يسعه إرضاء واحدة كل الرضا. هو يعتقد بحق أن عدم فعل أي شيء هو شيء في حد ذاته. لا فكرة لديه على الإطلاق عن سبب تحديه للقدر في المواقف ودور السينما معرضاً أسرته للخطر وكذا سمعته ومستقبله المهني. لا فكرة لديه عن سر ندبه لأبيه بعد ستة أعوام من رحيله وكأن الرجل قضى بالأمس القريب. أسر إليّ مؤخراً بأنه يفكر في الاتصال بواحد من أولئك الأشخاص الذين يستدعون الموتى حتى يقف على مكان أبيه وحاله. لكنني الآن مدركة أن ديميتري يريد في الحقيقة أن يسأل أباه عما يفعله بعلاقتنا. كيف يتعامل معها؟ كيف يأخذ بأسباب الحياة وهو يحب امرأتين في نفس الوقت؟ نحن في ذلك لا اختلاف بيننا، هو وأنا، نتمنى أن يقرر الزمن أو الظروف أو آخرون نيابة عنا ما لا يسعنا تقريره بنفسينا.

"هون عليك يا حبيبي،" قلت وأنا أضع أصابعي على أصابعه وأبعد يديه عن وجهه. تبللتْ عيناه بالدموع وأطل وجهه أشحب من المعتاد.

"لا أحتمل خسارتك،" قال همساً. جذبتُ وجهه نحوي ولثمتُ شفتيه المرة بعد المرة والجوع يفتك بنا وكذا الخوف. أمامنا أربعون دقيقة قبل وصول القطار، قال. أدار المحرك وذكر المتنزه الذي كنا نفتش عنه منذ أسابيع مضت حين ضللنا الطريق وقابلنا السيدة وكلابها. "إنه على بعد خمس دقائق من هنا،" أخبرني. "هيا، أستطيع أن أجده هذه المرة. هيا يا آني."

تطلق وجهه بالتفاؤل مجدداً وزخر بالنشاط. إنها نفسه المجنونة القديمة. لمّا تصيبه هذه الحالة، لا سبيل إلى مقاومته. وبرغم ما تنازعني من غضب وضيق واضطراب وخوف، لا زلت أرغب في إسعاده. فهذا هو الحب في النهاية. انطلقنا إلى المتنزه وصرنا إليه في دقائق، وقفنا على حافة بركة كبيرة تحوطها صفوف من الأشجار والشجيرات. كنا وقتها في عز الربيع، ساد الدفء وكللتنا الشمس بأشعتها وإن هبط رذاذ المطر. أفقر المكان من السابلة بل ومن أية سيارة أخرى بالموقف. خلع ديميتري معطف المطر وبسطه فوق العشب. وخلال دقائق كنا نتقلب على معطفه ثم على أرض طالها البلل وكلانا ينتزع ملابس الآخر.

عدنا إلى حيث بدأنا بل عدنا إلى حيث نبدأ دوماً. استنشق أنفي رائحتيّ الفانيليا والصابون وشعرتْ رقبتي بإيقاع تنفسه. رمقتُ عينيه وهما تتحولان في تلك اللحظة من الرمادي إلى الأزرق الباهت. تسمر بنا الوقت، لا أدري إن كانت مرت دقيقة أم ساعة. أرخيت جفنيّ وعندما فتحتُهما وقع بصري على رجل يحملق فينا بوجه لحيم عاطل من التعبيرات.

"حبيبي،" همستُ في أذن ديميتري. "شرطي. قم." لاح الشرطي طويلاً للغاية من هذه الزاوية. كان ذا شعر أشقر كثيف يسقط على عينيه الزرقاوين الضيقتين ومنخرين متسعين وشفتين رفيعتين. ثمة عصا مثبتة في حزامه. تذكرتُ جملة كنا نرددها بالمدرسة الثانوية لنفحم بها الآخر – مَن أنتَ، شرطي الفضيلة؟

تدحرج ديميتري عني وقد تورد وجهه، راحت أصابعه المرتبكة تغلق بنطلونه. سترتُ جسدي بمعطفه ثم مددت يديّ كي أشبك صدريتي وسارعتُ بلملمة ثيابي.

"ديميتري؟" سأل الشرطي. "ديميتري كويد؟ المحامي؟"

حاول ديميتري أن يجعل الشرطي يتغاضى عن الموضوع، ثبت ابتسامة على فمه وأحضر نقيباً يعرفه الاثنان إلا أنه لم يتزحزح عن موقفه؛ إنه شرطي مبتدئ ولا يعرف الهزار. "آسف،" اعتذر الشرطي. "لن أقيدكما لكن لا بد أن تأتيا أنتما الاثنان معي إلى القسم." أطلعنا أن إحداهن قدمتْ شكوى بالقرب من هنا. إنها زوجة شرطي وهي لا تنفك تثير جلبة حول الواقعة. اثنان عاريان يتسافدان فوق أعشاب فنائها والأوصاف تنطبق علينا. "نحن لا نتهاون هنا في العري علانية،" قال. "لا أتعمد توجيه أية إهانة."

تجاهل القواعد العامة للآداب، سلوك فاحش في منطقة يرتادها القصر، بلغ مسامعي شيء من هذا القبيل؛ لم أكن منتبهة، فقد كان الشرطي يقودني إلى سيارة الشرطة. فتح الباب فأحنيت رأسي وأنا أتعثر في التردد والارتباك. ترامت كلمات ديبرا إلي عقلي: إنك تتراجعين عن كل شيء، حتى خرق القوانين. امتد بصري عبر نافذة لم تبرأ من التلطيخ ناحية مصانع مهجورة ومبان مكتبية رمادية وما اكتظ من بيوت ضيقة متطابقة الشكل تقوم بوسط أولباني. تراءت عاصمة الولاية قاحلة كئيبة مجردة من الأمل.

فاتت دقائق توقفتْ السيارة بعدها في أحد الشوارع. لم نكن قد ابتعدنا سوى عدة مبان عن المتنزه ومحطة القطار ومكتب ديميتري. لا يمكنك الابتعاد كثيراً في هذه البلدة، فكل شيء متصل ببعضه بعضاً، كل شيء قريب. تحولتُ إلى ديميتري الجالس بالجانب الآخر من المقعد وأنا كلي ثقة أنه سيكون في منتهى الاضطراب والامتقاع، يقضم أظافره وشفتيه، كل ما يركبه من أسوأ مظاهر القلق إلا أنه كان هادئاً هدوءاً ما عهدتُه فيه من قبل. كانت وجنتاه تتخضبان باللون الوردي حين استدار ليرنو إلي عينيّ والابتسام يجري على ثغره. أخيراً، نطق وجهه، سوف يصدر حكم، حكم عام لا رجعة فيه. سوف يذوق المعاناة ثم يجد صفحاً أو سيهجره الناس ويُنزلون به العار ثم يتركونه حتى أغدق عليه من حبي. لكني أدركت أني في كلتا الحالتين سوف أغدو ملجأه وملاذه، وفي كلتا الحالتين، لم يُقدم أحدنا على قرار، ما بدر منا سوى انتظار مجيء القرار.

لا ريب أن الأوان لم يفت بعد. أخرج الشرطي ديميتري وشاهدتُ الاثنين يدوران حول السيارة لإحضاري. متى يا تُرى صارت حياتي فصلاً من حكاية أخلاقية خاصة بشخص آخر؟ متى تعلمتُ أن أطلب أقل القليل؟ انفتح الباب وأدخل الشرطي ذراعه ليجذبني ويدفعني إلى الأمام. قرأتُ المستقبل فيما ساور تعبيرات وجهه من استهجان: قسم الشرطة حيث يعرف الجميع ديميتري؛ اسمانا تلوكهما صفحات الجرائد؛ انتصار خصمه المؤكد في الانتخابات؛ الفتاة الصغيرة خائبة الأمل التي ستنظر إليّ إلى الأبد باعتباري المرأة التي هدمتْ حياتها. وأبوها الذي سيُحرم من كل ما يحبه عداي. ثمة شيء في خليلات الأزواج – هن أيضاً يمكن أن يصبحن زوجات ساخطات. كنتُ أقف على الرصيف على بعد يسير من محطة القطار، وأخيراً، أخيراً، فطنتُ إلى ما ينبغي عليّ صنعه لكن بمجرد أن خطوت خطوة ناحية الطريق متأهبة للانطلاق مد ديميتري يده قابضاً على معصمي وأصابعه تضيق كما القيد حول نبضي.

 

 

 

* البوتوكس: حقن تخفي التجاعيد وتضفي امتلاء على بشرة الوجه.

* ستيفين كينج (1947- ): روائي أمريكي مشهور برواياته المرعبة.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.