مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم بيرسيفال إفيريت بالموافقة على نشر قصة "الإصلاح" في مجلة البوتقة.

Mr. Everett was so generous to permit the publication of the Arabic text of “The Fix” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Everett a great debt of gratitude for his kind permission.

"The fix" by Percival Everett. Copyright © 1999 by Percival Everett. Originally published in New York Stories, 1999. From his story collection, Damned If I Do. Copyright 2004 by Percival Everett. Reprinted by kind permission of Percival Everett. All rights reserved.

 

 

 

الإصلاح

بيرسيفال إفيريت

ترجمة: هالة صلاح الدين

 

 

 

كان دوجلاس لانجلي يمتلك محلاً صغيراً لبيع الشطائر يقع عند تقاطع الشارع الرابع عشر وشارع تي بالمنطقة. ثمة إلى جانب محله زقاق نادراً ما يختلف إليه أحد ويعيش فوق محله رجل يُدعى شيرمان أولني شاهده دوجلاس في إحدى الليالي وهو يُضرب ضرباً كاد يودي بحياته على يد اثنين من الرجال المتأنقين بديا وكأنهما يعرفان شيرمان ويرغبان في الحصول على شيء محدد منه. كان دوجلاس ينظف المخزن عندما لفت انتباهه صوت مكتوم متواتر كالصوت الصادر عن إلقاء أحدهم دليل الهاتف على مائدة مراراً وتكراراً. فخطا إلى الخارج فيما كانت برودة نوفمبر تلف الجو واكتشف أن الصوت كان في الواقع صوت قبضات الرجل الأضخم وهي تلتقي المرة بعد الأخرى ببطن شيرمان أولني الذي أبقاه المعتدي الثاني واقفاً على قدميه. هرع دوجلاس إلى الداخل نحو حجرة مكتبه وانتزع المسدس الذي كان يحتفظ به تحت الغطاء المتحرك للمكتب. عاد إلى مسرح الأحداث وهو يحمل مشعلاً كهربائياً باهر الضوء كان ابنه قد أعطاه إياه وأضاء المصباح في وجهيّ الوغدين. 

لم يرهب الضوء الرجلين، إذ صاح أضخمهما، "أيها الرجل، أحسن لك أن تبعد ذلك الضوء عن وجهي!"

غير أنهما أظهرا الاحترام الواجب إزاء الطلقات المندفعة من مسدس عيار 32 بأن وليا الأدبار. انهار شيرمان أولني على الأرض وهو يئن ويقبض على خصره قائلاً إنه لم تعد لديه القدرة.

"هل أنت بخير؟" استفسر دوجلاس ثم فطن إلى ما في السؤال من غباوة حتى قبل أن يتفوه به كاملاً.

إلا أن رد شيرمان كان بائخاً شأنه شأن السؤال، إذ أجابه، "أجل."

"هيا. فلندخل." عاون دوجلاس الرجل حتى ينهض ويدخل المحل. رد الباب الزجاجي ورائه ثم مضى بشيرمان نحو الطاولة وساعده على الجلوس على أحد الكراسي.

"شكراً،" قال شيرمان.

"أتريدني أن أطلب الشرطة؟" سأل دوجلاس.

هز شيرمان أولني رأسه. "فات الأوان، لن يلحقوا بهما."

"سأعد لك شطيرة،" قال دوجلاس وهو يخطو خلف الطاولة.

"لا تتعب نفسك."

"ستروقك. أنا لا أفقه في الإسعافات الأولية لكني ماهر في إعداد الشطائر." صنع دوجلاس للرجل شطيرة مخبوزة من دقيق الجاودار تتخللها بسطرما بالجبن الطري وصب له كوباً من اللبن البارد قليلاً، ثم صحبه واتخذا مجلسيهما إلى واحدة من ثلاث موائد بالمحل. قعد دوجلاس إلى المائدة في مواجهة الرجل مراقباً إياه وهو يقضم الشطيرة.

"ماذا أرادا؟" سأله دوجلاس.

"أن يؤذياني،" رد شيرمان وفمه يلوك الخبز عسير المضغ. التقط بذرة من بين أسنانه ووضعها بالطبق. "أرادا أن يؤذياني."

"أنا دوجلاس لانجلي."

"شيرمان أولني."

"إلام كانا يسعيان يا شيرمان؟" سأل دوجلاس بيد أنه لم يظفر بجواب.

وهما لفي جلستيهما هناك، أقلق هدوء الحجرة صوت مرتفع ناتج عن محرك الثلاجة وهو يخبط. أحس دوجلاس بالاهتزاز يتسرب إلى نعليّ حذائه.

"ضاغط الغاز بثلاجتك تالف قليلاً،" نبه شيرمان.

رنا دوجلاس إليه غير مدرك عما يتحدث.

"ثلاجتك. ضاغط الغاز بها معطوب."

"آه، أجل،" انتبه دوجلاس. "صوته عال."

"أستطيع إصلاحه."

ما بدر من دوجلاس إلا أن نظر إليه.

"أتريدني أن أصلحه؟"

حار دوجلاس فيما يقول. لا ريب أنه رام تصليح الجهاز، لكن ماذا لو أن هذا الرجل يحلو له فحسب تفكيك الأشياء؟ ماذا لو أزاد الطين بلة؟ ارتسمت في مخيلة دوجلاس أجزاء الثلاجة وقد تناثرت على أرضية المطبخ، بيد أنه أعلن، "بالطبع."

حالما أبدى دوجلاس موافقته، قام شيرمان متجهاً إلى الخلف نحو المطبخ وسار دوجلاس في أعقابه. نزع الرجل النحيف الصفيحة المعدنية من أسفل الآلة الضخمة التي بلغ عتقها حداً أشعر دوجلاس بالإحراج. جال شيرمان ببصره حوله ثم سأل، "هل معك علكة؟"

تبين أن دوجلاس يحتفظ في جيبه بآخر قطعة علكة بعلبة جوسي فروت فمنحه إياها على الفور. فتح شيرمان القطعة وطواها في فمه ثم تمدد على الأرضية وفكه يواصل المضغ.

"ماذا تصنع؟" تساءل دوجلاس.

أسكته شيرمان بإشارة من إصبعه، ثم بدا كمَن يستشعر بنية العلكة بلسانه، أخرجها من فمه وألصقها بالأجزاء المحركة للثلاجة. ثم وبكل بساطة أصدرت الآلة طنيناً هادئاً ثابتاً مثلها مثل الجديدة تماماً.

"كيف فعلتَ ذلك؟" سأل دوجلاس.

رفع شيرمان، الواقف الآن، منكبيه رداً عليه.

"شكراً، هذا رائع. ما استخدمتَ غير العلكة. هل بإمكانك تصليح أشياء أخرى؟"

كان الجواب إيماءة من رأس شيرمان.

"مَن أنت؟ هل أنت عامل تصليح أو كهربائي؟" استفسر دوجلاس.

"بوسعي إصلاح المعطوب."

"أتود شطيرة أخرى؟"

هز شيرمان رأسه قائلاً، "عليّ المضي. شكراً على الطعام وكل ما قدمته من عون."

"لعل هذين الرجلين يتربصان بك،" حذر دوجلاس. ثم لم يدر إلا وقد تذكر مسدسه، ووسعه أن يشعر بثقله في جيبه. "البث هنا لبرهة." راود دوجلاس شعور عميق بالشفقة حيال الرجل سيئ التغذية الذي أصلح لتوه ثلاجته. "أين تقطن؟ أستطيع توصيلك إلى منزلك."

"الحق أنه لا مأوى لي." سدد شيرمان نظرات شاخصة إلى الأرضية.

"تعال معي." قاد دوجلاس الرجل إلى الحوض المعدني الكبير بالمطبخ. أدار المقبض العتيق فطفقت المواسير تبعث صفيراً واهناً استحال إلى صرير عال مع تدفق الماء. "أنبأني، هل بمقدورك إصلاح ذلك؟"

"أتريدني أن أصلحه؟"

"أجل." أغلق دوجلاس الماء.

"هل لديك مفتاح ربط؟"

ابتعد دوجلاس قاصداً مكتبه حيث نقب في كومة من السترات والجرائد إلى أن عثر على مفتاح هلالي 12 بوصة ومفتاح أنابيب. حملهما إلى شيرمان. "هل ينفعان؟"

"نعم." تناول شيرمان مفتاحاً ونزل أسفل الحوض.

انحنى دوجلاس في محاولة منه لاستطلاع ما يقوم به الرجل، لكن قبل حتى أن يتمكن من استيعاب أي شيء، كان شيرمان ينهض.

"انتهت المشكلة،" أنهى شيرمان إليه.

دب الشك في قلب دوجلاس فمد يده للصنبور ليفتح الماء. فإذا بالماء يجري في سلاسة وهدوء. أغلق الحنفية وجرب فتحها ثانية. "لقد أصلحتَها. تعرف؟ أستطيع بحق أن أستفيد من شخص مثلك بالمحل. أعني، هل تبحث عن وظيفة؟ ليس بمقدوري أن أدفع الكثير، فقط أقل أجر ممكن، لكني أستطيع أن أوفر لك الشقة العلوية لتقيم فيها. الحقيقة هي مجرد حجرة. هل أنت مهتم بالعرض؟"

"لكنك حتى لا تعرفني،" قال شيرمان.

أمسك دوجلاس عن الكلام. كان الرجل بالطبع على صواب. فهو لم يكن يعلم عنه أي شيء. غير أن إحساساً قوياً قد خامره بأن شيرمان أولني رجل صادق النية، رجل صادق النية يسعه تصليح الأشياء. "أنت على حق،" سلم دوجلاس. "لكني أجيد الحكم على الأشخاص."

"هذا أمر محير،" قال شيرمان.

"قلتَ إنك بلا مسكن. بإمكانك العيش والعمل هنا ريثما تجد وظيفة أخرى." لم يكن دوجلاس موقناً من السبب الذي حمله على التوسل إلى الغريب كل هذا التوسل والواقع أن إحساساً غير مريح على الإطلاق انتابه بشأن المسألة برمتها، بيد أنه، ولسبب ما، ود حقاً لو أنه مكث بالمكان.

"حسناً،" وافق شيرمان.

 

ارتقى دوجلاس ومعه الرجل السلالم الخلفية ليريه الحجرة ضيقة الأركان. تدلى المصباح الوحيد بالغرفة من سلك معلق بوسط السقف ليكشف ضوؤه الخافت عن السرير الوحيد المرتب أعلاه غطاء أصفر محاك من قماش سميك ناعم. نام دوجلاس القيلولة هناك عدة مرات.

"ها هي الغرفة،" قال دوجلاس. "الحمام آخر الصالة ويوجد به مقصورة ضيقة للدش." 

"أنا واثق أني سأرتاح هنا. شكراً."

لوهلة داخل الصمت شيء من الارتباك، إذ وقف دوجلاس متسائلاً عما بقى لم يعْلمه به. ثم أبلغه، "طيب، أظن أني يجب أن أعود إلى زوجتي بالبيت."

"وأنا يجب أن أخلد إلى النوم."

أومأ دوجلاس برأسه ثم برح المحل.

 

اعترضت زوجة دوجلاس، "أجننتَ؟"

جلس دوجلاس إلى مائدة المطبخ وخبأ وجهه بين يديه. بعد يوم عمل مع مختلف الأطعمة، كان بوسعه استنشاق روائح لحم الخنزير وشرائح السجق المتبلة ولحم الديك الرومي والجبن الطري والجبن الأصفر الجامد والجبن السويسري. اختلس النظر من بين أصابعه ليرصد زوجته قصيرة القامة ممتلئة الجسم وهي تمد يدها لتخفض صوت التلفزيون المستقر أعلى الطاولة على حين لم تزل الأفواه الخرساء لمذيعي الأخبار تتحرك. 

"لقد وجهتُ إليك سؤالاً،"

"بدا لي تأكيداً لشيء أكثر منه سؤالاً عنه." تطلع إلى عينيها اللتين ضاقتا وحدجتاه بنظرات حانقة. "إنه شخص طيب. كل ما هنالك يا شيلا أنه ابتلي بالقليل من سوء الحظ."

علت ضحكة شيلا ثم كفت عنها بكل فتور. "وهو بالمحل بمفرده تماماً." هزت رأسها وهي تعض على شفتيها. "لقد فقدتَ عقلك. ارجع حالاً إلى هناك وتخلص من ذلك الشخص."

"لا رغبة لي في القيادة،" رد دوجلاس.

"سأقلك."

ندت عنه تنهيدة. كان من الواضح أن شيلا محقة. حتى هو لم يفهم الدافع الذي جعله يعرض على الرجل وظيفة ويدعوه للإقامة في الغرفة الكائنة بأعلى المحل. لذا تركها تقود السيارة إلى هناك كي يبلغ شيرمان أولني بأن عليه الرحيل.

وهكذا استقلا السيارة القديمة ذات اللون الزيتي ماركة بويك لو سابريه، اتخذت شيلا مجلسها خلف عجلة القيادة بينما غاص دوجلاس في المقعد الأمامي الذي هرسه لدرجة التسطح وزن شيلا المتزايد عبر السنين. كان في المعتاد يكره أن تقود هي السيارة وخاصة في تلك اللحظة بالذات، وهي تموج بالغضب وتصر على قضاء مهمة ما. انعطفت بالسيارة بسرعة الريح عند زاوية شارعهما بمدينة أندروود وأسرعت إلى المحل مخترقة المدينة وحركة المرور معتدلة الكثافة.

"يجب بحق أن تقللي من سرعتك،" قال دوجلاس. وقعت عيناه على رجل ببذلة زرقاء يرمي حقيبته بين عربتين واقفتين ويغطس ورائها ليخلي لهما الطريق.

"هل صرتَ من أهل النصح الآن؟ أنت؟ مغفل عجوز يأوي إنساناً ضالاً ويخلفه بمفرده في محل عمله والآن يعطيني النصائح؟ الأرجح أنه نهبنا بالفعل."

تفكر دوجلاس في الوضع وخالجه إحساس بالغباء المطلق. الحقيقة أنه عجز عن أن يؤكد لشيلا عدم صحة ظنها. لعل شيرمان قطع نصف الطريق إلى فيلادلفيا بعد أن استولى على اثني عشر رطلاً من سجق جنوة. الله أعلم، ربما أطلق شيرمان أولني غاز الفرن فشوى المطعم وفجره إلى شظايا. فتح نافذته قليلاً واسترق السمع إلى أية صفارات إنذار.

"لو وقعتْ أي مصيبة، سأسجنك،" توعدته شيلا. تعالت منها صرخة مقتضبة فيما قعقعت عجلة القيادة وهي تديرها. "بعدها سأبيع القليل الباقي لدينا وسأمضي بقية عمري في برمودا. ذلك ما سأفعله."

حينما وسمت سيارة شيلا الطريق بعلاماتها من فرط قوة المكابح، كان المحل لا يزال على حاله وليس مشتعلاً. كانت كل الأنوار مطفئة وخلا الشارع من السابلة عدا اثنتين من فتيات الليل تقفان بالزاوية البعيدة. فض دوجلاس قفل الباب الأمامي بالمحل وفتحه ثم لحق بشيلا إلى الداخل. سارا بحذاء الموائد والطاولة ثم دلفا إلى المطبخ حيث أضاء دوجلاس الأنوار الساطعة فوق رأسيهما. خفقت مصابيح الفلورسنت ثم ملأت المكان بأزيز مطرد.

"تفقد الخزينة،" أمرت شيلا.

"لم يكن بها أموال،" أجابها دوجلاس. "هي خالية منها دوماً." كانت تعرف ذلك، فقد أخذ النقود إلى البيت وكان يهم بإيداعها في المصرف في طريقه للعمل اليوم التالي. كانت تلك عادته.

"تفقدها على أية حال."

مشى إلى مكتبه وأشعل المصباح القائم بالقرب من الباب. ردد طرفه عبر الحجرة فتحقق من أن الخزينة لا تزال مغلقة وأن كومة الجرائد لا تنفك قبالتها. "لم تُلمَس،" أكد.

"ما اسمه؟" سألت شيلا.

"شيرمان."

"يا شيرمان!" صوبت نداءها إلى الطابق العلوي. "يا شيرمان!"

ما لبث أن هبط شيرمان السلالم وهو يرتدي سروالاً وفانلة. كان يفرك عينيه محاولاً أن يتكيف مع الضوء الباهر.

"يا شيرمان،" قال دوجلاس، "إنه أنا، دوجلاس."

"دوجلاس؟ لِمَ عدت؟" وقف أمامهما بقدميه الحافيتين إلا من زوج من الجوارب قائلاً، "على فكرة، لقد أصلحتُ المرحاض وكذا ذلك الشيء الغريب الذي يدلك."

"قصدك مدلك القدم الخاص بي؟" تساءلت شيلا.

"إن كان هذا اسمه."

"قلتُ لكِ إن شيرمان بمقدوره إصلاح الأشياء،" وجّه دوجلاس كلامه لشيلا. "لذلك وظفته." ابتاعت شيلا مدلك القدم من محل راق بجورج تاون. وعندما كانت تعمل بالمحل، دأبت على الاختفاء كل ساعتين لمدة خمس عشرة دقيقة لتعود مبتهجة الأسارير منتعشة المزاج. كانت تمكث في الحمام بالطابق الأعلى، تجلس على المرحاض المغلق لتستقر قدماها على الآلة. كانت شيلا تحب الجهاز بيد أن عطلاً لحق به.

"أنبأني الرجل بالمحل أن مدلك القدم لا يمكن إصلاحه،" قالت شيلا.

هز شيرمان كتفيه. "طيب، إنه يعمل الآن."

"سأرجع حالاً،" نبست شيلا ثم ابتعدت عن الرَجلين صاعدة السلالم.

راقبها شيرمان ثم حانت منه التفاتة إلى دوجلاس. "لِمَ رجعت؟"

"مم، شيلا غير مرتاحة لوجودك هنا. تعلم ما أعنيه، وجودك بمفردك بالمكان، بما أننا لا نعرفك حق المعرفة." أرسل دوجلاس زفيراً طويلاً بطيئاً. "أنا في غاية الأسف."

وردت علي مسامعهما صيحة شيلا بالدور العلوي. رجعت وهي تحث الخطي ووقفت أعلى السلالم. "إنه يعمل! يعمل! لقد أصلحه بالفعل." نزلت وقد افتر ثغرها عن ابتسامة ناحية شيرمان. "شكراً جزيلاً."

"العفو،" رد شيرمان.

"كنتُ أخبر شيرمان للتو بأننا آسفان، إلا أنه سيضطر إلى المغادرة."

"لا تكن سخيفاً،" احتجت شيلا.

حملق دوجلاس في وجهها ومرر يده على وجهه ضاغطاً عليه. رمق شيلا بنظرة تشي بالبلبلة.

"لا، لا، لا مانع على الإطلاق من أن ينام شيرمان هنا. وبإمكانه غداً أن يباشر عمله." أمسكت بذراع شيرمان ووجهته نحو السلالم. "ارجع الآن إلى أعلى واسترح."

لم يفه شيرمان بحرف إنما اتبع تعليماتها في حين راقباه دوجلاس وشيلا وهو يحتجب عن الأعين بالطابق الأعلى.

تحولت عينا دوجلاس إلى زوجته. "ماذا حل بك؟"

"لقد صلح مدلك قدميّ."

"وذلك يجعله شخصاً طيباً؟ بهذه السهولة؟"

"لا أعلم،" قالت والريبة تخالجها. لاحت وكأنها تعيد النظر في الأمر للحظة. "أظن. تعال، هيا إلى البيت."

 

انصرم أسبوعان. لم يبح شيرمان بالمزيد عن نفسه مجيباً فقط على الأسئلة التافهة المطروحة عليه. إلا أنه قَوّم فعلاً كل أجهزة المطعم أو جعلها أكثر كفاءة. إذ أصلح فرن المحمصة وأنابيب الغاز بالصاج الكبير وغسالة الأطباق والهاتف واللوحة النيون المكتوب عليها مفتوح والجرس الطنان ذا العين الإلكترونية بالباب الأمامي وآلة تقطيع اللحمة وماكينة القهوة وآلة توزيع الخردل اليدوية وماكينة النقود. ألفى دوجلاس مهارات الرجل لا تقدر بمال وتساءل كيف كان يدبر حاله قبلاً بدونه. رغم ذلك أوقع وجوده القلق في الأنفس، فهو لم يتكلم بتاتاً عن ماضيه أو عائلته أو أصدقائه وما وطأت قدماه الشارع على الإطلاق ولا حتى أي متجر، إذ كان طعامه متوفراً بالفعل بالمكان. من أجل هذا راح القلق يساور دوجلاس من أن يكون هارباً من العدالة.

"إنه لا يترك المحل البتة،" عبّرت شيلا عن تذمرها. كانت تجلس بالمقعد الأمامي بينما كان دوجلاس يقود إلى السينما.

"ذلك محل سكنه،" قال دوجلاس. "وكل ما يحتاج إليه من طعام موجود هناك. أنا أنقده أقل القليل من المال."

"أنت تدفع له الكثير. فهو لا يدفع إيجاراً ولا يشتري طعاماً."

"لا أرى أية مشكلة في الأمر،" قال. "فهو في النهاية قد أصلح ذاك الشيء، مم، جهازك الخاص بالتدليك وأصلح مكواة شعرك وجهاز الفيديو الخاص بك وكذا ساعتك بل إنه خلّص حذاءك من الصرير."

"عارفة. عارفة." ارتفعت من شيلا تنهيدة. "ومع ذلك، ما الذي نعرفه تحديداً عن هذا الرجل؟"

"أعلم أنه نظيف اليد. إنه حتى لا يرسل نظرات خاطفة إلى درج النقود. إنه أقل البشر اهتماماً بالنقود." انعطف دوجلاس يمناه باتجاه ولاية كينيتيكيت.

"ذلك هو بالضبط الانطباع الذي يريد المحتال أن يظهره."

"حسناً، إن شيرمان ليس بمحتال. إني آتمن الرجل على حياتي. ثمة القليل ممن أستطيع أن أقول عنهم نفس الشيء." 

ضحكت شيلا ضحكة ناعمة وإن بدت لا تصدقه. "طيب. لا داعي للميلودراما."

الحق أن دوجلاس لم يقو على الجدال معها. فكل حرف مما فاهت به كان صحيحاً وقد وقف إزاء الأمر حائراً لأنه لم يسعه تفسير دفاعه المستميت عن رجل كان في النهاية غريباً عنه نسبياً. أوقف السيارة في أرض فضاء موازية للطريق ثم أغلق المحرك.

"لمْ تفعل السيارة ذلك الشيء الذي كانت تفعله،" قالت شيلا. كانت تشير إلى أن السيارة ترفض عادة إغلاق محركها مما أحرق المحرك العنيد مرتين من قبل.

رمى دوجلاس بناظريه إليها.

"شيرمان،" خمنت.

"هذا الصباح فتح الغطاء، أمسك بشيء ما وهز شيئاً آخر ثم أغلقه."

كانت الحقيقة في نهاية المطاف أن شيرمان لم يسرق أي شيء ولم يظهر كمصدر تهديد بأية حال، لذا كبح دوجلاس مخاوفه وشكوكه وواظب على عد مدخراته. لم يعد يستعين بكهربائي أو سباك أو عمال صيانة من أية نوع. بيد أن براعة شيرمان لم تظل في طي الكتمان رغم محاولات دوجلاس الجادة.

 

كانت البداية حينما عرض شيرمان أن يصلح سيارة صغيرة تُوجَه باللاسلكي يمتلكها ولد بدين يدعى لوميس رامب. أبلغ لويس رامب البدين وأصحابه النحاف أصدقاءهم فجلبوا لعبهم المكسورة ليصلحها شيرمان. أخبر أصدقاء الولد السمين آباءهم فألفى دوجلاس محله يزدحم بالزبائن وأجهزتهم الصغيرة بشكل متزايد.

"أخبرني الولد رامب أنك صلحت عربته اللعبة وأخبرتني السيدة جونسون أنك صلحت مذياعها،" قال الرجل القصير الذي كان يلبس زي العاملين بمحطة المياه.

كان شيرمان يمسح الطاولة.

"أحق ذلك؟"

أومأ شيرمان برأسه.

"طيب، أترى هذه الجروح بوجهي؟"

استطاع دوجلاس أن يبصر الجروح تحت اللحية التي لم تحلق منذ ثلاثة أيام من عند باب المطبخ. مال شيرمان للأمام متفحصاً الإصابة.

"يبدو أنها تلتئم جيداً،" أطلعه شيرمان.

"إنها ماكينة الحلاقة اللعينة هذه،" شكا الرجل ثم سحب الأداة الصغيرة من جيب بنطلونه. "إنها تجرحني بشدة في كل مرة أحاول أن أحلق."

"أتريدني أن أصلح ماكينتك؟"

"إن لم يكن عندك مانع، إلا أني لا أمتلك نقوداً."

"لا بأس." تناول شيرمان الماكينة وجعل يفككها. وكما يجري دائماً، دنا دوجلاس في محاولة منه أن يشاهد. تبسم لعامل محطة المياه الذي رد على ابتسامته بمثلها. تجمع آخرون حولهم ليرصدوا يديّ شيرمان. شاهدوه وهو يناول عامل محطة المياه الآلة الصغيرة بعد أن أعاد تجميعها. شغّل الرجل ماكينة الحلاقة ووضعها على وجهه.

"ياه،" هتف. "مدهش. إنها تعمل كما الجديدة تماماً. رائع. شكراً. هل ممكن أن أعطيك بعض النقود غداً؟"

"ليس ضرورياً،" أجابه شيرمان.

"مدهش."

أطلق كل مَن بالمطعم صيحات التعجب والانبهار.

"انظر،" قال عامل محطة الكهرباء. "وجهي لا ينزف."

 

كان شيرمان يقعد في سكينة عند نهاية الطاولة ليقوّم أي شيء يوضع أمامه. أصلح أجهزة تجفيف الشعر وآلات حاسبة وساعات وهواتف محمولة ومكربنات السيارات. وفيما كان الناس ينتظرون تتمة الإصلاحات، كانوا يتناولون الشطائر، الأمر الذي راق دوجلاس وإن لم يحل له تبديد وقت عامله على هذا النحو. لكن الواقع أنه لم يعد هناك سوى القليل مما يمكن إصلاحه بالمحل.

أقبلت إحدى السيدات ذات يوم إلى المحل. وأثناء تناولها شطيرة من لحم الديك الرومي والجبن الإيطالي المدخن، باحت لشيرمان بأنها تشك في إخلاص زوجها. جلس شيرمان بجانبها على الطاولة وأنصت إليها إلى أن فرغت: "... ثم يؤوب إلى البيت بعد ساعات طوال من مغادرته العمل وهو يفوح بروائح البيرة والعطور. يأبى مخاطبتي متحججاً بصداع التهاب الجيوب الأنفية. تُرى أيجب عليّ أن أتعقبه أو أن أتحقق من الأميال التي قطعتها سيارته قبل انصرافه صباحاً ؟ ماذا يجب أن أصنع؟"

"قولي له إن دوره في الطهو قد حان وإنك ستتأخرين في العودة ولا تطلعيه على خط سيرك،" قال شيرمان ناصحاً.

أومأ الكل بالمحل، علامة على اشتراكهم في الحيرة، لا الاتفاق.

"وأين سأذهب؟" تساءلت السيدة.

"امضي إلى المكتبة وأقرئي عن حشرة فرس النبي،" أجاب شيرمان.

اقترب دوجلاس من شيرمان عقب رحيل السيدة سائلاً إياه، "هل تخال تلك الفكرة فكرة جيدة؟"

هز شيرمان منكبيه.

حضرت السيدة في الأسبوع التالي وقد أشع وجهها بابتسامة عريضة وأعلنت أن حياتها الزوجية باتت عندئذ مثالية.

"أصبح كل شيء مثالياً بالبيت الآن،" جاهرت. "والفضل يرجع لشيرمان."

حيا الزبائن شيرمان بضربات من راحهم على ظهره.

وهكذا اتخذ الإصلاح بالمحل بعداً جديداً، فمثلما وفد الناس ومعهم أدوات البري الإلكترونية وأجهزة تنظيم ضربات القلب وأفران الميكروويف، أقبلوا بصحبة ويلات علاقاتهم ومشاكلهم مع الضرائب. وفر شيرمان لمالك مشروع تجهيز السيارات الواقع عبر الشارع اثنتي عشرة ألفاً من الدولارات واسترجع له سبعة وخمسين دولاراً كان قد دفعها من قبل.

 

وفي إحدى الليالي بعد أن أغلق المحل أبوابه، استقر المجلس بدوجلاس وشيرمان عند الطاولة وراحا يأكلان الكعك البائت المتبقي ويحتسيان القهوة. ألقى دوجلاس نظرة على وجه عامله ثم هز رأسه. "إنه لرائع توفيقك في أن تقوّم أسنان الولد راينهارت."

"إنها فيزياء،" أفضى شيرمان إليه.

حسا دوجلاس حسوة من القهوة ليسيغ قضمة جافة ثم حط فنجانه على الطاولة. "أعلم أني قد سألتك بخصوص هذا في الماضي غير أن علاقتنا قد توطدت الآن. كيف تعلمتَ تصليح الأشياء؟"

"إن إصلاح الأشياء أمر يسير. كل ما عليك هو أن تعرف كيف تعمل."

"هذا كل ما في الأمر،" لفظ دوجلاس بلهجة تقريرية أكثر منها متسائلة.

أومأ دوجلاس برأسه.

"ألا يسعدك أداء هذا العمل؟"

رنا شيرمان إلى دوجلاس كالمتسائل.

"أنا أسأل لأنك لا تتبسم قط."

"آه،" قال شيرمان ثم قضم قضمة أخرى من الكعكة.

أصلح شيرمان في اليوم التالي منشاراً كهربائياً وكمبيوتراً محمولاً واثنتين وثلاثين تذكرة خاصة بموقف السيارات. أمسى شيرمان، الهادئ  دائماً، أهدأ مما كان. فما ند عنه غير الإنصات والإيماء ثم الإصلاح. في ذاك المساء بعد أن حل شيرمان مشكلة السيدة مورادو المتعلقة بهويتها الجنسية وقبل غلق المحل بعدة دقائق، مرق من الباب مسعفان بصحبتهما مريضة تتمدد على نقالة.

"هذه زوجتي،" قال أحد المسعفين الذي لاح أكثرهما كرباً عن السيدة المستلقية. "صدمتها سيارة وتوفت بعربة الإسعاف ونحن في سبيلنا للمستشفى،" صاح.

نظر شيرمان إلى السيدة بعد أن أزاح عنها البطانية.

"لقد أصيبت باعتلال داخلي خطير و—"

أطرق الرجل في إثر إشارة من يد شيرمان الذي أزاح البطانية واختفى تحتها مع المتوفاة. تقدم دوجلاس ليقف مع المسعفين.

عمل شيرمان تحت البطانية، فتحرك هنا وهناك إلى أن ظهر والسيدة معاً على قيد الحياة وبصحة سابغة. أخذها المسعف في أحضانه.

"أنتِ حية،" هتف الرجل بزوجته.

صافح المسعف الآخر شيرمان. أما دوجلاس فكانت غاية أمره أن حدق في وجه العامل.

"شكراً، شكراً،" ردد الزوج ودموعه تنهمر.

شملت الحيرة السيدة إلا أنها وجهت شكرها هي الأخرى لشيرمان.

أومأ شيرمان برأسه وابتعد في سكون متوارياً داخل المطبخ.

برح المسعفان والسيدة التي عادت إلى الحياة. فأغلق دوجلاس المحل وسار نحو المطبخ حيث وجد شيرمان يجلس على الأرضية مستنداً بظهره إلى الثلاجة.

"لقد تاهت مني الكلمات،" قال دوجلاس والأرض تدور به. "لقد نفختَ في تلك السيدة الروح."

تراءى وجه شيرمان خالياً من أمارات الحياة. إذ بدا مستنزف الطاقة كلية. ارتقى بوجهه الحزين ليطالع به دوجلاس.

"كيف فعلتَ ذلك؟" سأل دوجلاس.

هز دوجلاس كتفيه.

"لقد أعدتَ للتو امرأة إلى الحياة وكل ما يصدر عنك هو هزة كتف؟" استطاع دوجلاس أن يسمع الخوف البادي في نبرات صوته. "مَن أنت؟ ماذا تكون؟ هل أنت زائر من الفضاء أو شيء من هذا القبيل؟"

"لا،" رد شيرمان.

"إذن ما الذي يحدث؟"

"أستطيع إصلاح الأشياء."

"تلك لم تكن شيئاً،" أشار دوجلاس. "لقد كانت إنساناً."

"نعم، عارف."

مسح دوجلاس وجهه بيده وما كان منه إلا أن صوب إلى شيرمان نظرات شاخصة. "تُرى ما الذي ستقوله شيلا."

"أرجوك لا تخبر أحداً عن هذا،" رجاه شيرمان.

 شخر دوجلاس مطلقاً ضحكة. "لا تخبر أحداً. لستُ مضطراً إلى أن أخبر أحداً. الأرجح أن الكل يعرف الآن. ماذا تحسب هذين المسعفين يصنعان بالخارج الآن؟ إنهما يخبران البشر كافة بأن شخصاً ما عجيب الأطوار بمحل لانجلي للشطائر بإمكانه إحياء الموتى."

أحاط شيرمان وجهه بكفيه.

"مَن أنت؟"

 

ذاع الخبر ذيوع النار في الهشيم. عسكرت شاحنات أنباء التلفزيون وفرقهم خارج الباب الأمامي لمحل الشطائر. كانوا ينتظرون مدججين بآلات التصوير على أهبة الاستعداد عندما لاح دوجلاس للعيان ليفتح محل عمله في اليوم التالي للنشور.

"نعم، إنه محلي،" أجاب. "لا، لا علم لديّ كيف جرى هذا،" رد ثانية. "لا، لا يمكنكم الدخول، ليس الآن،" قال.

كان شيرمان يجلس إلى الطاولة منتظراً فيما غلبت على وجهه آيات الأسى واحمرت عيناه كما لو كان من البكاء.

"هذا هو الجنون بعينه،" قال دوجلاس.

أومأ شيرمان برأسه.

"يرغبون في مخاطبتك." تفحص دوجلاس شيرمان بنظراته. "هل أنت بخير؟"

بيد أن شيرمان كان يمد بصره إلى ما وراء دوجلاس عبر النافذة الأمامية حيث كان الحشد المرابط يتزايد.

"هل ستتحدث معهم؟" سأله دوجلاس.

هز شيرمان وجهاً يقطر غماً. "لا بد أن أهرب،" قال. "الكل يعلم مكاني الآن."

حسب دوجلاس للوهلة الأولى أن شيرمان يشير بصورة ملغزة إلى الرجلين الذين ضرباه منذ زمن في الليلة إياها لكنه أدرك بعدها أن شيرمان يعني ببساطة كل الناس.

وقف شيرمان على قدميه واتجه إلى مؤخرة المحل. تبعه دوجلاس دون أن يفطن إلى السبب غير أنه لم يستطع أن يمنع روحه. الحق أنه تعقب الرجل خارج المتجر إلى الزقاق وابتعدا عن المحل والحشد.

أطلقا ساقيهما للرياح بهذا الشارع وعبرا ذلك الطريق، قطعا جسوراً وعدوا خلال أنفاق. انتهى الأمر بدوجلاس أن سأل عن وجهتيهما واعترف بأن الخوف قد تسلل إليه. استراحا على مقعد بالمتنزه بعد غروب الشمس بهنيهة.

"لستَ ملزَماً بأن تأتي معي،" قال شيرمان. "فكل ما أريده هو أن أبتعد عنهم جميعاً." ثم هز رأسه قائلاً لنفسه بالأساس، "كنتُ أعلم أن هذا سيحدث."

"إن كنتَ تعلم أن هذا سيحدث، لِمَ أصلحتَ كل تلك الأشياء؟"

"لأني أستطيع ولأنهم طلبوا مني."

استرق دوجلاس لمحات لا تخلو من عصبية يميناً ويساراً عبر المتنزه. "هذا له صلة بالسبب الذي دفع الرجلين إلى ضربك ليلتها، أليس كذلك؟"

"كانا يعملان لدى الحكومة أو إحدى المؤسسات، لستُ متأكداً تمام التأكد،" صرح شيرمان. "أراداني أن أصلح لهما مجموعة من الأشياء إلا أني رفضت."

"لكنهما سألاك،" نوه دوجلاس. "قلتَ لي تواً إن ––"

" عليك توخي الحرص فيما تصلح من أشياء. لو أصلحتَ صمامات محرك ما بينما كانت أسطح الارتكاز معطوبة، سينشأ المزيد من الضغط غير أن المحرك سيحترق رغم ذلك." تطلع شيرمان إلى وجه دوجلاس المحتار. "إذا رويتَ صحراء، قد تفرغ بحراً. إن تصليح الأشياء مسألة معقدة."

سأل دوجلاس، "إذن ما الذي سنصنعه الآن؟"

كان شيرمان عندئذ ينتحب، سالت الدموع على وجهه لتنعطف تحت ذقنه مباشرة قبل أن تسقط داخل الياقة المفتوحة لقميصه الأزرق الفاتح. راقبه دوجلاس غير مصدق أنه يرى نفس الرجل الذي أصلح العديد والعديد من الماكينات والعديد من العلاقات والمشاريع والشركات بل وعالج امرأة ميتة.

رفع شيرمان عينين ممتلئتين بالدموع إلى دوجلاس قائلاً، "أنا البحر الفارغ."

استدار دوجلاس فالتقت عيناه بالليل وقد اكتسى بالمشاعل الصفراء البرتقالية.

ركض الرجلان. كان دوجلاس يدفع شيرمان، فقد بلغ انشغاله بالنشيج أن عجز عن السيطرة على قدميه. انتهيا إلى الجسر الكبير الذي قطع الخليج ووقفا بالمنتصف، إذ اكتشفا أن الآلاف من الناس ينتظرون عند نهايتيّ الجسر.

"أصلحنا!" ارتفعت صرخاتهم. "أصلحنا! أصلحنا!"

غض شيرمان بصره نحو المياه الهادئة أسفله. كانت مسافة طويلة لا يأمل أحد أن ينجو منها. حوّل عينيه باتجاه دوجلاس.

أومأ دوجلاس.

أطبقت الحشود من الجانبين.

اعتلى شيرمان الحاجز ووقف على الحافة ثم وبطرفيّ حذائه دفع نفسه من على الحرف.

 "لا، لا!" انطلقت صرخات الجميع. "أصلحنا! أصلحنا!"

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.