


http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/614/0504.html
تكرمت جريدة أخبار الأدب المصرية بنشر "حادث بعيد" في العدد 614

أطلت شمس سبتمبر مع حلول المغيب في أوج توهجها خلال الأسبوع الذي قرر فيه الأستاذ زيارة قرية عين تادورت القابعة في الريف الدافئ. كان يستقل الحافلة مساء عندما هبط من المرتَفع المنبسط حاملاً معه حقيبتين صغيرتين من حقائب الرحلات تمتلآن بالخرائط وكريمات الحماية من الشمس والأدوية. كان قد زار القرية منذ عشر سنوات لمدة ثلاثة أيام؛ مدة كافية مع ذلك لإقامة صداقة وطيدة بعض الشيء مع صاحب قهوة راسل الأستاذ عدة مرات خلال أول سنة من رحيله ولو أن رسائله قد انقطعت تماماً منذ ذلك الحين. "حسان راماني،" كرر الأستاذ المرة بعد الأخرى على حين تخبطت الحافلة وهي تهبط عبر طبقات من الهواء تحمل المزيد من الدفء. أما وقد واجهت السيارة السماء المتوهجة غرباً والجبال الحادة، طرقت الممر المترب نزولاً نحو الأودية الضيقة في جو طفق يتضوع بروائح أخرى غير الهواء النقي المنعش اللانهائي بالمرتفعات: روائح زهر البرتقال والفلفل وبراز حمصته الشمس وزيت زيتون محترق وفاكهة متعفنة. أغمض عينيه سعيداً وعاش للحظة في عالم من الروائح النقية. عاوده الماضي البعيد – أي جزء منه، لا يسعه التحديد.
سأل السائق الأستاذ – الذي كان يشاركه مقعده – دون أن يشيح بناظريه عن الطريق. "حضرتك جيولوجي؟" ]سأل بالفرنسية[
" جيولوجي؟ آه، لا! أنا دارس للغات."
"لا يوجد لغات هنا. فقط لهجات."
"بالضبط. أنا أقوم بعمل دراسة عن الاختلافات بين اللهجات المغربية."
انجلت نبرات السائق عن سخرية: "استمر في الاتجاه جنوباً. وستجد بعض اللغات التي لم تسمع عنها طيلة حياتك."
حملتهم السيارة عبر بوابة البلدة فانشق الغبار عن السرب المعتاد من الأولاد العابثين الذين عدوا صائحين بجانب الحافلة. طوى الأستاذ نظارته الغامقة وأودعها جيبه؛ وما هي إلا أن توقفت العربة تماماً حتى قفز منها وشق طريقه عبر الصبيان الساخطين الذين حاولوا التشبث بحقائبه من غير جدوى. سار متعجلاً نحو فندق ’جراند أوتيل ساهاريان.‘ من بين غرفه الثماني كانت هناك غرفتان شاغرتان – إحداهما في مواجهة السوق والأخرى أصغر وأرخص تشرف على فناء بالغ الضآلة يغص بالنفاية والبراميل ويجول به غزالان. أخذ الحجرة الأصغر وهناك صب إبريق الماء بالكامل في الحوض الصفيح وشرع في غسل وجهه وأذنيه مما علق بهما من حبيبات الرمل. أوشك الشفق أن يأفل عن صفحة السماء وتوارى اللون القرنفلي الذي صبغ الأشياء بلونه، تقريباً في الوقت الذي كان يتطلع فيه إلى السماء. أضاء مصباح الكربيد فجفل من رائحته الكريهة.
أصاب الأستاذ من عشائه ثم تمشى في الشوارع المؤدية إلى مقهى حسان راماني، كانت الحجرة الخلفية بالمقهى تتدلى فوق النهر على نحو خطير. كان المدخل شديد الانخفاض فاضطر إلى الانحناء قليلاً كي يدخل منه. أبصر رجلاً يتولى إشعال النار وزبوناً يرشف الشاي. حاول القهوجي أن يُجلِسه إلى مائدة قائمة بالحجرة الأمامية، غير أن الأستاذ سار قدماً بخطوات غير عابئة صوب الحجرة الخلفية واتخذ مجلسه. التمع القمر من خلال تعريشة القصب في حين لفّ السكون المكان بالخارج عدا نباح كلب ترامى من بعيد بين الحين والآخر. جلس إلى مائدة أخرى حتى يشاهد نهر لحقه الجفاف إلا من عدة برك هنا وهناك عكست سماء الليل الساطعة. دلف القهوجي ومسح المائدة.
"أما زالت هذه القهوة مِِلك حسان راماني؟" سأله باللهجة المغربية التي استغرق تعلمها منه أربع سنوات.
أجاب الرجل بفرنسية رديئة: "لقد توفي."
"توفي؟" كرر الأستاذ دون أن ينتبه إلى عبثية الكلمة. "حقاً؟ متى؟"
"لا علم لي،" رد القهوجي. "واحد شاي؟"
"أجل. لكني لا أفهم..." كان الرجل قد غاب بالفعل عن الحجرة وأخذ يهوي على النار. جلس الأستاذ صامتاً والوحدة تتسلل إليه فيما أكد لنفسه أن ما بدر منه كان سخيفاً. سرعان ما رجع القهوجي بالشاي فمنحه الأستاذ إكرامية سخية أحنى لها القهوجي رأسه انحناءة تنم عن احترام جم.
"اخبرني،" قال والآخر يهم بالخروج. "أما زال بإمكان المرء الحصول على تلك العلب الصغيرة المصنوعة من ضروع الجمال؟"
لاحت على الرجل آيات الغضب. "أحياناً ما يُحضر أفراد قبيلة الرقيبات تلك الأشياء. نحن لا نبتاعها هنا." ثم أردف بلهجة وقحة مستخدماً العربية: "ولِمَ علبة مصنوعة من ضروع الجمال؟"
"لأنها تعجبني،" أسرع الأستاذ بالرد. ثم أضاف بدافع قليل من الرفعة ساوره، "تعجبني كثيراً حتى إني أود أن أقتني مجموعة منها، سوف أدفع لك عشرة فرنكات لكل واحدة تأتيني بها."
"خمسة عشر" قال القهوجي ]بالعربية[ فاتحاً يده اليسرى ثلاث مرات متتالية بسرعة.
"أبداً. عشرة."
"لا يمكن. لكن انتظر حتى وقت لاحق وتعال معي. تستطيع أن تعطيني ما تشاء. وستحصل على علب ضروع الجمال إن وجدناها."
خرج إلى الحجرة الأمامية تاركاً الأستاذ يشرب شايه وهو يستمع إلى جوقة من الكلاب تتزايد أعدادها وهي تنبح وتعوي مع ارتفاع القمر في السماء. دلفت مجموعة من الزبائن إلى الحجرة الأمامية ثم جلسوا وراحوا يتجاذبون أطراف الحديث زهاء الساعة. أطفأ القهوجي النار عقب مغادرتهم ووقف في المدخل مرتدياً برنسه ثم قال: "تعال."
خلا الشارع من الحركة إلا فيما قل. أُغلقت كل الأكشاك ولم يتبد غير نور القمر. كان أحد السابلة يعبر من حين لآخر ليلقي على القهوجي تحية مقتضبة بصوت عميق منخفض.
"الكل يعرفك،" قال الأستاذ ليكسر حاجز الصمت بينهما.
"نعم."
"ليت الكل يعرفني،" قال الأستاذ قبل أن يعي ما لا بد وقد بدا على تعليقه من طفولة.
"لا أحد يعرفك،" قال رفيقه بنبرات فظة.
بلغا الجانب الآخر من البلدة. امتدت عينا الأستاذ فوق لسان صخري يرتفع أعلى الصحراء ونفذتا من خلال صدع هائل ينشق في الجدار لتبصرا امتداداً أبيض لانهائياً اعترضته في المقدمة واحة تناثرت على هيئة بقع غامقة. اجتاز الاثنان الفتحة وسلكا طريقاً متعرجاً تحفه الصخور لينزلا باتجاه أقرب غابة صغيرة من أشجار النخيل. فكر الأستاذ في قرارة نفسه: "عله سيقطع رقبتي. لكن قهوته – سيعثرون عليه بلا ريب."
"أهو بعيد؟" سأله على نحو عابر.
"أتعبت؟" أجابه القهوجي.
"إنهم يتوقعون رجوعي في ’أوتيل ساهاريان‘،" قال كاذباً.
"لا تستطيع أن تتواجد بمكانين في نفس الوقت،" قال القهوجي.
فرت من الأستاذ ضحكة. فتساءل في سره إن بدت قلقة لأذن الآخر.
"هل تمتلك قهوة راماني منذ فترة طويلة؟"
"أنا أعمل هناك عند واحد من أصدقائي،" أتعس الرد الأستاذ أكثر مما تصور.
"آه. هل ستذهب غداً للعمل؟"
"لست متأكداً بالمرة."
تعثر الأستاذ في أحد الأحجار فسقط على الأرض كاشطاً يده. "احترس،" قال القهوجي.
علقت في الهواء فجأة رائحة لحم متعفن، كانت رائحة نفاذة لا تطاق.
"ياه!" قال الأستاذ بصوت مختنق. "ما هذا؟"
غطى القهوجي وجهه ببرنسه ولم يحر جواباً. ما لبثت الرائحة النتنة أن ولت خلفهما وأصبحا فوق أرض ممهدة. ألفيا أمامهما طريقاً يتاخم جانبيه جدار عال من الطين. خلا الجو من النسيم فلم تند عن النخيل أقل حركة بيد أنهما سمعا صوتاً لمياه تجري وراء الجدران. لم تنفك رائحة البراز الآدمي تفوح طوال الوقت تقريباً أثناء سيرهما بين الجدران.
تريث الأستاذ إلى أن حسبه من المنطقي أن يسأل بشيء من الانزعاج: "لكن إلى أين نحن ذاهبان؟"
"المكان قريب،" قال الدليل وتوقف لجمع بعض الأحجار من القناة.
"التقط بعض الأحجار،" قال ناصحاً. "توجد بعض الكلاب المؤذية."
"أين؟" سأل الأستاذ ثم انحنى وتناول ثلاثة أحجار كبيرة مدببة الطرف.
تابعا السير بكل هدوء. انتهت الجدران وترامت الصحراء المتألقة أمامهما. استقر على مقربة منهما مقام متهدم لأحد الأولياء، كانت قبته الصغيرة على وشك الانهيار وجداره الأمامي محطماً بالكامل. قامت خلفه أجمة من النخيل معوقة النمو لا غِنَاء فيها. هرول كلب بثلاث أرجل نحوهما بجنون. لم يتناه هريره المنخفض المطرد إلى مسامع الأستاذ قبل أن يصير قاب قوسين منه. أطلق القهوجي حجراً ضخماً صوبه فارتطم بخطمه مباشرة. ارتفع صوت غريب من جراء الإطباق المفاجئ لفكيّ الكلب وجرى جانباً في اتجاه آخر، فسقط كالأعمى على الصخور واندفع وجلاً كيفما اتفق مثل الحشرة الجريحة.
بعد أن انعطفا عن الطريق، مشيا عبر أرض تناثرت بها صخور حادة. مرا بالأرض الخراب الصغيرة ثم اجتازا أشجاراً إلى أن بلغا مكاناً هبطت فيه الأرض على حين غِرة أمامهما.
"يبدو كمقلع،" علق الأستاذ مستعيناً بالفرنسية للتعبير عن كلمة "مقلع،" إذ غمض عليه حينذاك مرادفها العربي. لم ينبس القهوجي بجواب. إنما وقف بلا حراك وأدار رأسه كما لو كان يستمع لشيء. وبالفعل جاء من مكان ما بالأسفل، لكن من مكان سحيق، صوت خافت لناي ضعيف النغمات. أومأ القهوجي برأسه عدة مرات في بطء ثم أنبأه: "يبدأ الطريق من هنا. في استطاعتك أن تراه جيداً حتى نهايته. فالصخور بيضاء والقمر منير. لذا يسعك أن تبصر بوضوح. سأرجع الآن لأنام. فالوقت متأخر. يمكنك أن تعطيني ما تريد."
كان الأستاذ واقفاً هناك على حافة الهوة التي كانت تلوح أكثر عمقاً في كل لحظة – ووجه القهوجي الأسمر يلفه البرنس المُقمِر قريباً من وجهه – عندما سأل روحه عما ينتابه تحديداً. سخط، فضول، عله خوف، لكن قبل كل شيء ارتياح وأمل ألا تكون هذه خدعة، أمل أن يرحل القهوجي عنه فعلاً ويعود بدونه.
تراجع قليلاً عن الحافة وتحسس محتويات جيبه في ارتباك باحثاً عن ورقة نقدية بمعزل عن بقية النقود، فهو لم يرد أن يُظهر محفظته. ألفى لحسن الحظ ورقة من فئة خمسين فرنكاً، فأخرجها وأعطاها للرجل. كان يعلم أن القهوجي سيسعد بها لذا لم يعره اهتماماً لمّا سمعه يقول: "هذا ليس كافياً. عليّ أن أمشي مسافة طويلة حتى بيتي وسأقابل كلاباً..."
"شكراً وتصبح على خير،" قال الأستاذ وهو يجلس متربع الساقين ليشعل بعدها سيجارة. تولاه إحساس يقترب من السعادة.
"اعطني سيجارة واحدة فقط،" قال الرجل في توسل.
"لا مانع،" رد باقتضاب به القليل من الفظاظة ثم رفع إليه العلبة.
جلس القهوجي القرفصاء بجانبه. لم يكن وجهه لطيفاً للناظرين. "ما الأمر؟" تفكر الأستاذ وقد عاوده الشعور بالرعب وهو يمد له سيجارته المشتعلة.
كانت عينا الرجل شبه مغلقتين على نحو يسجل أوضح تعبير شاهده الأستاذ في حياته عن التدبير المُركَز. بينما كانت السيجارة الثانية تحترق، تجرأ بسؤال العربيّ الذي ظل مقرفصاً: "فيم تفكر؟"
دخن الآخر سيجارته في تؤدة وبدا على وشك الكلام. ثم تبدل التعبير البادي على صفحة وجهه ليغدو تعبيراً عن الرضا بيد أنه لم يفه ببنت شفة. هبت ريح باردة في الهواء فارتجف الأستاذ. ارتفع من آن لآخر صوت الناي قادماً من الأعماق ومختلطاً في بعض الأحيان بالحفيف الناتج عن احتكاك سعف النخيل بالجوار. "هؤلاء الناس ليسوا بدائيين،" ألفى الأستاذ نفسه يقول في عقله.
"طيب،" قال القهوجي وهو يقوم ببطء. "احتفظ بنقودك. حسبي خمسين فرنكاً. إنه شرف لي." ثم رجع للفرنسية قائلاً: "ما عليك سوى النزول. اتجه يميناً." بصق على الأرض وضحك بينه وبين نفسه في خفوت (أم أن الأستاذ بدأ يهذي؟) ثم مشى مستحثاً الخطى.
اضطربت أعصاب الأستاذ أيما اضطراب. فأشعل سيجارة أخرى ووجد شفتيه تتحركان على نحو آلي. كانتا تقولان: "أهذا موقف عادي أم مأزق؟ يا للسخافة." جلس في منتهى السكون لعدة دقائق في انتظار أن يعاوده الإحساس بالواقع. تمدد على الأرض الصلبة الباردة وارتقي بعينيه نحو القمر. لاح له الأمر أشبه تقريباً بالنظر رأساً إلى الشمس. لو حوّل تحديقته قليلاً في كل مرة، لوسعه أن يتبين خيطاً من الأقمار الواهنة يرتسم عبر السماء. "مذهل،" همس قائلاً. ثم سارع بالجلوس وجال ببصره من حوله. لم يكن ثمة ما يضمن أن القهوجي رجع أدراجه حقاً إلى البلدة. نهض على قدميه ونظر من فوق حافة الجرف. بدا القاع في نور القمر على بعد أميال. ولم يكن هناك ما يقيس عليه؛ لا شجرة ولا منزل ولا شخص... . أنصت للناي فما نمى إليه سوى ما هب بجوار أذنيه من رياح. فإذا به تستحوذ عليه رغبة عنيفة في أن يعدو راجعاً إلى الطريق فاستدار وتطلع إلى الاتجاه الذي سلكه القهوجي. في الوقت نفسه تحسس برفق محفظته الموجودة بجيب قميصه. بصق على حافة الجرف ثم تبول عليه وأنصت مركزاً انتباهه مثله مثل الطفل. دفعه هذا إلى البدء في نزول الطريق متجهاً نحو الهوة. غريبة أنه لم يصب بدوار! غير أنه أمسك بحذر عن التحديق يمينه فوق الحافة. كان المرتفع عند نزوله مطرداً شديد الانحدار. وقد أوقعت رتابته في نفسه مزاجاً ليس بمختلف عما أحدثته رحلة الحافلة. جعل يتمتم مرة أخرى "حسان رماني" مُكرراً على نحو منغم. كفّ حانقاً على نفسه لما أوحى به الاسم الآن من تلميحات مشؤومة. قرر أن الرحلة قد أضنته. "والمسيرة،" أردف.
كان الآن أسفل الجرف الضخم إلا أن القمر الذي كان فوق رأسه مباشرة أرسل النور المعتاد. لم يخلف وراءه إلا الرياح التي كانت تطوف في الأعلى بين الأشجار وتهب على شوارع عين تادورت المتربة نحو ردهة فندق ’جراند أوتيل ساهاريان‘ وتحت باب غرفته الصغيرة.
خطر على باله أن يسأل روحه عن سبب إقدامه على هذا العمل اللاعقلاني لكنه كان من الذكاء أن يعلم أنه طالما يقوم به بالفعل فليس من المهم تحري التفسيرات في ذلك الحين. استوت الأرض فجأة تحت قدميه. فقد بلغ القاع أسرع مما حسب. مع ذلك خطا إلى الأمام بريبة كما لو كان يتوقع هبوطاً غادراً آخر. تعذر عليه أن يميز شيئاً في هذا السطوع المتماثل الذي يغشي الأعين. ثم ما يدري إلا وقد اعتلاه أحد الكلاب، فألفى كتلة ثقيلة من الفرو تحاول دفعه إلى الخلف وبرثناً حاداً يحك صدره وعضلات منهكة في مواجهته تحاول غرس أسنان في عنقه. قال الأستاذ لنفسه: "أرفض أن أموت بهذه الطريقة." سقط الكلب؛ فبدا ككلاب الإسكيمو. وثب مجدداً فصرخ الأستاذ بأعلى صوته: "آه!" حط الكلب على صدره فتملكته فوضى من الأحاسيس وألم في مكان ما. صكت أذنيه أصوات قريبة للغاية لكن غاب عن فهمه ما تقوله. اندفع شيء بارد معدني اندفاعاً وحشياً في عموده الفقري وأسنان الكلب لا تزال تتعلق بكمية من الملابس أو ربما باللحم. فطن الأستاذ إلى أنها بندقية فرفع يديه زاعقاً باللهجة المغربية: "أبعد الكلب!" ما كان من البندقية إلا أن دفعته إلى الأمام. ما عاد الكلب إلى القفز بمجرد رجوعه للأرض فأخذ الأستاذ خطوة إلى الأمام. واصلت البندقية الدفع، وواصل هو التحرك. سمع أصواتاً مرة أخرى غير أنها لم تكن صادرة عن الشخص الواقف خلفه مباشرة. بدا وكأن هناك ناساً يجولون في المكان؛ على الأقل نم الصوت عن ذلك. إذ اكتشف أن عينيه لا تزالان مغمضتين بإحكام من جراء مقاومته لهجوم الكلب. فتحهما ليقع بصره على مجموعة من الرجال مقبلين عليه. كانوا يرتدون الملابس السوداء المميزة لقبيلة الرقيبات. "إن الرقيبي سحابة في وجه الشمس." "يظهر الرقيبي فينصرف الرجل الصالح." كم سمع هذه الأمثال تلفظ على سبيل المزاح بين الأصدقاء في المتاجر والأسواق. من المؤكد أن رجال قبيلة الرقيبات لم تبلغهم قط هذه الأمثال لأن هؤلاء الرجال لا يترددون إلى البلدة بل يبعثون بمن ينوب عنهم متخفياً كي يرتب مع العناصر المشبوهة هناك تصريف السلع المسروقة. فكر بسرعة، "إنها فرصة لاختبار دقة تلك الأقوال." ما داخله الشك للحظة أن المغامرة ستمثل تحذيراً من حماقته – تحذيراً سوف يغدو مشئوماً وهزلياً إلى حد ما عند تذكره فيما بعد.
ركض اثنان من الكلاب المزمجرة من وراء الرجال القادمين ورميا نفسيهما على رجليه. لاحظ مروعاً أن أحداً لم يعبأ بخرق آداب السلوك هذا. دفعته البندقية بصورة أعنف في حين حاول تجنب انقضاض الحيوانات المزعج. فعاد إلى الصياح: "الكلاب! أبعدهم!" دسرته البندقية بقوة هائلة فطرحته أرضاً تحت أقدام حشد الرجال المواجه له. كانت الكلاب تنتزع يديه وذراعيه. ركلها أحد الأحذية جانباًً فانطلق نباحها ثم وبقوة أزيد ركل الحذاء ورك الأستاذ. انهال بعدها عليه وابل من الركلات من شتى الجهات فتدحرج بعنف على الأرض لوهلة. وخلال هذا كان واعياً للأيدي الممتدة إلى جيوبه لتنزع كل ما بها. حاول أن يقول: "لديكم كل أموالي؛ كفوا عن ركلي!" بيد أن عضلات وجهه المكدومة تعطلت؛ فما قوي سوى على التجهم ليس إلا. سدد أحدهم ضربة رهيبة إلى رأسه فقال بينه وبين نفسه: "الآن على الأقل سأغيب عن الوعي، الحمد لله." ظل مع ذلك مدركاً للأصوات الجشاء التي تاه عنه فهمها ومدركاً أن كاحله وصدره مقيدان بإحكام. خيم بعدئذ جدار من الصمت التام انفتح بين الحين والآخر مثله مثل الجرح لتسري داخله النغمات الناعمة العميقة للناي الذي كان يعزف نفس السلسة من النغمات المرة تلو الأخرى. فجأة نزل به ألم راح يعذب كل جسده - عانى ألماً وبرودة. "إذن فقدتُ الوعي في النهاية،" قال لروحه. لاح له الحاضر رغم ذلك مجرد استمرار مباشر لما وقع من قبل.
تنامى الضوء خافتاً. ثمة بعض الجمال بالقرب من مرقده؛ أمكنه سماع قرقرتهم وأنفاسهم الثقيلة. لم يستطع أن يحمل نفسه على محاولة فتح عينيه خشية أن يتضح له استحالة الأمر. على أنه عندما سمع أحدهم يقترب، وجد أنه لم يستصعب الرؤية.
رمقه الرجل في نور الصباح الرمادي بنظرة عاطلة من أية مشاعر. وبيد واحدة قرص منخريّ الأستاذ. عندما فتح الأستاذ فاه ليلتقط أنفاسه، سارع الرجل بمسك لسانه ليشده بكل ما أوتي من قوة. طفق الأستاذ يتقيأ ويلتقط أنفاسه؛ فلم ير ما كان. لم يسعه أن يفرق بين ألم الانتزاع الوحشي وألم السكين الماضي. ما ذهب عنه بعد ذلك شعوره بالاختناق والبصق الذي تتابع على نحو آلي وكأنه لا يحدث له بل لشخص آخر. ما فتئت كلمة "العملية" تراود ذهنه؛ فهدأت من وطأة رعبه بعض الشيء بينما غرق في الظلمة مرة ثانية.
رحلت القافلة في وقت ما قرب منتصف الصباح. وكان الأستاذ – الذي لم يكن غائباً عن الوعي إنما في حال من الذهول التام – لا يزال يتقيأ ويسيل لعابه دماً. رماه أحدهم وهو منثني الجسد في كيس ربطه إلى جانب أحد الجمال. وفي الطرف الجنوبي للمُنبسَط الشاسع الذي اكتنفته الكثبان قامت بوابة صنعتها الطبيعة في الصخور. نهضت الجمال، وكانت مهاري سريعة، بأحمال خفيفة في هذه الرحلة. قطعت الطريق في صف واحد ثم أبطأت وهي تعتلي المُنحدَر المتدرج الذي قاد إلى مشارف الصحراء. وفي تلك الليلة عندما توقفوا خلف بعض التلال المنخفضة، أخرجه الرجال وهو لا يزال في حالة لا تسمح له بالتفكير، وفوق الخِرَق المتبقية من ملابسه ثبتوا سلسلة من الأحزمة الغريبة المصنوعة من قيعان العلب الصفيح الموصولة معاً برباط. ربطوا هذه السيور البراقة الواحد بعد الآخر حول جذعه وذراعيه ورجليه بل وحول وجهه إلى أن أصبح مطوقاً كلية ببذلة مدرعة غطته بصفائحها المعدنية المستديرة. غلب عليهم المرح الصاخب خلال عملية تزيين الأستاذ هذه. أخرج أحد الرجال ناياً وقلد آخر أصغر سناً امرأة من قبيلة أولاد نايل وهي تؤدي رقصة بالعصا، قلدها بطريقة كاريكاتورية لا تخلو من رشاقة. لم يعد الأستاذ واعياً لما حوله؛ تواجد بالأحرى وسط ما قام به هؤلاء الرجال الآخرين من حركات. ولمّا فرغوا من إلباسه على النحو الذي حلا لهم أن يبدو عليه، حشروا بعض الطعام أسفل الحلي الصفيح المتدلية على وجهه. لاك الطعام بشكل آلي بيد أن أغلبه سقط على الأرض في آخر الأمر. أرجعوه إلى الكيس ومضوا عنه هناك.
صاروا بعد يومين إلى مخيم من مخيماتهم. قبعت بعض النساء والأطفال في الخيام، فاضطر الرجال إلى إبعاد الكلاب المزمجرة التي خلفوها هناك لتسهر عليهن. عندما أفرغوا الكيس من الأستاذ، انطلقت صيحات الهلع، واستغرق الأمر عدة ساعات حتى اقتنعت آخر امرأة أنه مأمون الجانب على أنهن لم يخالجهن أي ريب من البداية أنه مِلكية نفيسة. انقضت أيام قليلة طفقوا بعدها يرتحلون مرة أخرى آخذين معهم كل ما يملكون. لم يرتحلوا سوى ليلاً مع ازدياد دفء الأرض.
حتى عندما التأمت كل جراح الأستاذ وزايله الألم، لم يشرع في إعمال عقله مرة ثانية؛ كان يأكل ويتبرز ويرقص حين يؤمر في وثبات لا معنى لها صعوداً ونزولاً أشعلت البهجة في نفوس الأطفال، وبخاصة لما أحدثته من جلبة معدنية مدهشة. كان في الأغلب ينام خلال قيظ النهار وسط الجِمال.
تجنبت القافلة كل مراكز الحضارة وهي تمضي في سبيلها نحو الجنوب الشرقي. وخلال أسابيع معدودة وصلوا إلى نجد جديد تسوده الحياة البرية وتتناثر به النباتات. نصبوا مخيمهم هنا ولزموا المكان ثم أطلقوا الجمال لترعى. حطت السعادة على الجميع هنا؛ فقد كان الجو أكثر اعتدالاً كما وجدوا بئراً لا تبعد عنهم سوى ساعات قليلة فقط بطريق قلما يختلف إليه أحد. توصلوا هنا في هذا المكان إلى فكرة أخذ الأستاذ إلى فوجارا وبيعه للطوارق.
استدار عام كامل قبل أن ينفذوا هذا المشروع. وبحلول ذلك الوقت صار الأستاذ أفضل تدريباً بكثير. كان يستطيع أن يتشقلب في الهواء ويصطنع أصواتاً مزعجة هادرة مخيفة تلونت رغم ذلك بشيء من الفكاهة؛ لمّا نزع رجال قبيلة الرقيبات القصدير عن وجهه اكتشفوا أنه يستطيع أن يلوى قسمات وجهه لوياً رائعاً وهو يرقص. علموه كذلك القليل من الإيماءات البسيطة الفاحشة التي لم تخفق مرة في انتزاع صرخات مبتهجة من النساء. أصبح الآن يخرج إلى الجمهور بعد الوجبات العامرة فقط خاصة حينما تعلو الموسيقى ويبدأ الاحتفال. توافق بسهولة مع إحساسهم بالطقوس فطوّر "برنامجاً" أولياً ليقدمه عند استدعائه: كان يرقص ويتدحرج على الأرض ويحاكي حيوانات معينة ثم ينتهي به الأمر إلى أن يندفع صوب المجموعة متظاهراً بالغضب ليشهد ما ينجم من اضطراب وقصف.
عندما انطلق معه ثلاثة من الرجال قاصدين فوجارا، اصطحبوا معهم أربع مهاري. امتطى مهريته منفرج الساقين على نحو طبيعي تماماً. لم يتخذوا أية احتياطات لحراسته عدا أنهم أبقوه وسطهم وظل أحد الرجال دوماً في مؤخرة الجمع. أقبلوا فجراً على مرأى من الجدران وانتظروا بين الصخور طيلة اليوم. وفي الغسق غادر أصغرهم ثم عاد بعد ثلاث ساعات بصحبة صديق يحمل عصا متينة. حاولوا أن يجعلوا الأستاذ يؤدي عرضه في الحال بيد أن الرجل الوافد من فوجارا تعجل الرجوع إلى البلدة لذا انطلقوا جميعاً على ظهر المهاري.
وفي البلدة قصدوا منزل القروي رأساً حيث احتسوا القهوة في الفناء وهم جالسون بين الجمال. هنا راح الأستاذ يؤدي عرضه ثانية، شملهم القصف لفترة طويلة هذه المرة وعم الكثير من المرح. تم التوصل إلى اتفاق ودُفع مبلغ من المال، بعدها انسحب رجال الرقيبات تاركين الأستاذ في منزل الرجل ذي العصا الذي ما توانى عن حبسه في حظيرة بعيدة عن الفناء.
كان اليوم التالي يوماً مهماً في حياة الأستاذ إذ راح الألم ينشط مجدداً في كيانه. وفد إلى المنزل نفر من الرجال من بينهم سيد جليل أحسنهم ملبساً حتى إن أولئك الآخرين أمضوا الوقت في مداهنته طابعين على يديه وحواشيه قبلات حارة. أبى الرجل إلا أن يتحدث بالعربية الفصحى من وقت لآخر ليخلف أثراً قوياً في نفوس الآخرين ممن لم يتعلموا كلمة واحدة من القرآن. لذلك جرى الحديث تقريباً كالتالي: "ربما بطريق ’عين صلاح.‘ الفرنسيون هناك مبتلون بالغباء. الانتقام الإلهي وشيك. دعونا لا نتعجله. سبح باسم ربك الأعلى وألقي بلعنتك على الأصنام. واروا وجهه بالألوان فيما لو رغبتْ الشرطة في التقصي." أنصت الآخرون وأبدوا موافقتهم بإيماءات بطيئة رزينة من رؤوسهم. وبالجوار أنصت الأستاذ من مربطه. كان واعياً لصوت اللغة العربية على لسان العجوز. نفذت الكلمات إلى إدراكه لأول وهلة منذ عدة أشهر. ضوضاء ثم: "الانتقام الإلهي وشيك." ثم: "هذا شرف لي. حسبي خمسين فرنكاً. احتفظ بنقودك. طيب." وصورة القهوجي جالساً القرفصاء بالقرب منه على حافة الجرف. ثم "اللعنة على الأصنام" والمزيد من الرطانة. تقلب لاهثاً على الرمال وغاب عن ذاكرته ما سمعه. بيد أنه أخذ يستشعر وجعاً. عمل الألم عمله في صورة اهتياج إذ طفق يسترد وعيه مرة أخرى. عندما فتح الرجل الباب ووخزه بعصاه، ندت عنه صيحة غاضبة فأغرق الجميع في الضحك.
أوقفوه على رجليه فأبى الرقص. نهض قبالتهم مصوباً نظرات شاخصة نحو الأرض ورافضاً التحرك بكل عناد. استشاط المالك غيظاً وألم به ضيق بالغ من ضحكات الآخرين لدرجة أنه أحس أنه مجبر على صرفهم زاعماً أنه سوف ينتظر الوقت الملائم لعرض ملكيته لأنه لم يجرؤ على التنفيس عن غضبه أمام كبار السن. وما هي إلا أن برحوا المكان حتى وجه ضربة عنيفة بعصاه إلى كتف الأستاذ ورماه بشتى الصفات البذيئة ثم خرج إلى الشارع مغلقاً البوابة خلفه بكل عنف. سار مباشرة نحو الشارع الذي تعمل به نساء أولاد نايل، فقد كان موقناً أنه سيعثر على رجال الرقيبات ينفقون الأموال هناك وسط الفتيات. وهناك في إحدى الخيام ألفى أحدهم لا يزال في فراشه بينما كانت واحدة من نساء أولاد نايل تغسل أكواب الشاي. دلف إلى الداخل وضرب عنق الرجل قبل حتى أن يحاول الأخير النهوض ثم ألقي بمديته على الفراش وولى هارباً.
رأت امرأة أولاد نايل منظر الدماء فعلت صرخاتها وجرت خارج خيمتها إلى الخيمة المجاورة وما لبثت أن خرجت منها بصحبة أربع فتيات واندفعن معاً صوب المقهى ليبلغن القهوجي عن قاتل الرقيبي. لم تمر ساعة حتى ألقت الشرطة العسكرية الفرنسية القبض عليه في منزل صديق له وجرجرته لثكنتها. ليلتها لم يجد الأستاذ ما يتناوله. وفي ظهيرة اليوم التالي ومع تصاعد وعيه ببطء لتزايد جوعه، هام على وجهه في الفناء والغرف المطلة عليه. لا أحد بالمكان. عُلقت روزنامة على حائط إحدى الغرف. رمقها الأستاذ بنظرات عصبية كما يتطلع الكلب إلى ذبابة تطير أمام خطمه. ألقت الأشياء المكتوبة بالأسود على الورق الأبيض أصواتاً في رأسه. سمعها تقول: "بقالة سابل الكبرى. يونيه. الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء..."
كانت العلامات الصغيرة المكتوبة بالحبر بالسيمفونية أشبه، علها كانت هناك منذ زمن بعيد غير أنها حين تحققت كأصوات باتت مصلتة فوق الرؤوس جبارة. هكذا شرع نوع من موسيقى المشاعر يلعب في عقل الأستاذ، ارتفع صوتها وهو يرنو إلى الجدار الطيني فاعتراه إحساس بأنه كان يؤدي ما كُتب له من قديم. أحدقت به رغبة في البكاء؛ رغبة في الهدير في أرجاء المنزل الصغير، ود لو يقلب الأشياء القليلة القابلة للكسر ويهشمها. لم تتجاوز عاطفته هذه الرغبة الوحيدة الكاسحة. لذا شن هجوماً على المنزل بما فيه وهو يجأر بكل ما استطاع من قوة. ثم هاجم الباب المفضي إلى الشارع، قاوم الباب هنيهة إلا أنه انكسر في النهاية. تسلق الفتحة التي صنعها بعد تمزيق الألواح الخشبية وهو لا ينفك يجأر ويهز ذراعيه في الهواء ليُحدث أعلى ضجيج معدني ممكن. راح يعدو عبر الشارع الهادئ قاصداً مدخل البلدة. وقعت أعين بضعة أشخاص عليه فدب فيهم الفضول. وحينما تجاوز المرأب – وكان آخر مبنى قبل قنطرة طينية مرتفعة تأطر الصحراء من ورائها – رآه جندي فرنسي. "أنتَ،" وحدّث نفسه، "يا له من درويش."
عاودت الشمس بسط ردائها. جرى الأستاذ تحت البوابة المقنطرة رافعاً وجهه إلى سماء تخضبت بالحمرة وأخذ يهرول بحذاء طريق ’عين صلاح‘ نحو عين الشمس الغاربة. وبداخل المرأب من خلفه، سدد الجندي طلقة إليه جلباً للحظ السعيد. صفرت الرصاصة الخطرة قرب رأس الأستاذ فاستحال صراخه إلى عويل ينطق بالسخط، جعل يلوح بذراعيه وجموحه يتفاقم، راح يثب عالياً في الهواء كل بضع خطوات والرعب يستفيض به.
راقبه الجندي لبرهة والابتسام يجري على ثغره فيما تضاءل الشبح الوثاب في ظلمة المساء المقبلة وأمست جلجلة الصفيح جزءاً من الصمت الرهيب وراء البوابة. حينما اتكأ الجندي على جدار المرأب، كان لا يزال يبث ما تخلف عن الشمس من حرارة، وبرغم ذلك تزايدت في الهواء البرودة المرافقة لنور القمر.
نيويورك، 1945
