مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت ماري يوكاري وترز بالموافقة على نشر قصتيّ "حصص الطعام" و"وجه البيضة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا تقديم كل آيات الشكر لها.

Ms. Waters was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Rationing" and "Egg-Face" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Waters a great debt of gratitude for her kind permission.

Copyright © Mary Yukari Waters. Reprinted by kind permission of Joy Harris Literary Agency, Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Adam Reed from Joy Harris Literary Agency, Inc.

 

 

 

 

وجه البيضة

حصص الطعام

ماري يوكاري وترز

ترجمة: هالة صلاح الدين

 

 

قوانين المساء

 

 

 

بلغت كيكو ناكاجيما الثلاثين من العمر، ولم يسبق لها أن واعدت رفيقاً. كما أنها لم تشغل وظيفة قط. قد تُعتبر الوضعية الأخيرة مقبولة؛ حتى في تلك الأوقات العصرية، فالعديد من نساء الطبقة المتوسطة بمنطقة كين-نانجي لم يعملن خارج البيت. لكن مثل هؤلاء النسوة متزوجات في الغالب.

"أي حاجة جديدة عند فتاة ناكاجيما تلك، الوسطى؟" قد تسأل إحدى ربات البيوت وهي تقشر البسلة مع أطفالها في الشرفة أو تثرثر مع الجارات في أحد الأزقة الضيقة المفضية إلى السوق المكشوف. ما جد جديد قط. التقطت الأعين كيكو وهي تتمشى في الغسق أو تقضي مشاوير السوق بين الفينة والأخرى؛ وفي الأصباح يبصرها الأطفال في طريقهم إلى المَدرسة وهي تطعم الكناري بالقفص في شرفة الطابق العلوي. شأنها شأن شخص متقاعد على حد قول الجيران. مثلها مثل بوذا في حديقة لوتس.

ألم يحل بها الاكتئاب؟ ألم ينل منها اليأس؟ كمنوا لها في الأزقة: مارست ربات البيوت الشابات ضغطاً خفيفاً فيما أجرت العجائز تحقيقاً فظاً آمنات لِما ينلن من احترام مرجعه أعمارهن. قابلت كيكو أسئلتهن (هل تريدين أطفالاً في يوم ما؟ ماذا تصنعين في وقت الفراغ؟) بـ "سااا" يسودها التردد، ورأس مائل، وتعبير يوحي بأن مثل تلك الأحجية لم تخطر حتى ببالها مطلقاً من قبل. تعاملت مع التعليقات والنصائح على حد سواء بـ "هااا" تشي باستنارة لا ينقصها التواضع.

"لا محل للأخذ والعطاء،" صرحت السيدة واكامي العجوز. كانت امرأة فضولية تبث الخوف في القلوب، كمنت للسابلة من دكتها الأمامية المريحة حيث تريثت بحجة رواية دِست من زهور بالغة الصغر تستقر في القدور. "إن الكلام مع تلك الفتاة يشبه –" نبست السيدة واكامي العجوز ثم هزت رأسها واستشهدت بمَثل قديم عن مصارع سومو ينطلق عبر أقمشة قطنية مربعة تتعلق بالمداخل.

بيد أن كيكو لم تكن غبية. انكمشت على نفسها انكماشاً لا يليق حتى بفتاة ولكنها أجادت على الدوام أداء واجباتها الدراسية. كانت شهادتها في الأعمال من كلية ننجو لتضمن لها وظيفة لو لم يضرب البلاد هذا الكساد – الآن في عامه التاسع – في نفس توقيت تخرج دفعتها. بدأ تسريح المديرين رغم عقود من الخدمة؛ وانخفضت حصص مجندي الكليات إلى أقل من النصف. رُفضت كيكو تكراراً كالكثيرين من دفعتها في المقابلات الشخصية أثناء الصيف السابق على تخرجها في شهر مارس.

وكما هو الحال مع زملائها في الدفعة، انتظرت موسم المقابلات التالي. وحتى تلك المرحلة لم تلفت انتباهاً يتجاوز الحدود. لكن في الصيف التالي حين سأل الجيران السيدة ناكاجيما بنبرة مؤدبة عن سبب امتناع ابنتها عن إجراء المقابلات الشخصية – أو على الأقل تدبير حالها بعمل يشغل نصف الدوام – قيل لهم إن كيكو ستتزوج من البيت مباشرة متجاهلة المعتاد من التوظف ثلاثة أعوام أو أربعة قبل الزواج. ومع ذلك انصرمت تسع سنوات دون أن يحدث حدث.

عل هناك إرثاً؟ هناك منزل مدفوع الثمن بالكامل وفقاً لكلام السيدة تاتسومي التي اشتغل زوجها ببنك ميتسوي. لكنه لن يُمثل الكثير بعد القسمة بين ثلاث بنات. علاوة على أن السيد ناكاجيما لم يقبض إلا مرتباً متواضعاً من شركة تصدير صغيرة في شيبو-كين. كم سيكون حجم مدخراتهم بأية حال بعد دفع مصاريف كليات خاصة لثلاث بنات، فضلاً عن تكاليف زفاف الابنة الكبرى؟ لاحظت السيدة واكامي العجوز أن السيدة ناكاجيما تشتري سمكاً إسقمرياً مخفَّض السعر اصطاده الصيادون من الشواطئ الأمريكية وأرزاً رديء النوعية من إندونيسيا وتايلاند.

ثمة القليل مما يمكن اكتشافه عن الابنتين الأخريين. البادي أن العلاقة بين الأخوات ناكاجيما لم تكن وثيقة؛ إذ لم تنفذ ساتشيكو وتوموكو إلى عقلية كيكو إلا قليلاً بل إنهما أبدتا اهتماماً أقل. كانتا على كل تأخذان بأسباب حياة طبيعية. تزوجت ساتشيكو، الكبرى، بابن صانع حلويات مؤخراً، وهي الآن تعيش في جيون. لم تكن توموكو البالغة من العمر خمسة وعشرين متزوجة، وعليه لم تزل مقيمة في البيت. كانت تواعد رفيقها الحالي منذ خمسة أشهر. اصطادت وظيفة أمينة صندوق في أحد المصارف بعد سنتين من المقابلات؛ كانت تستقل كل يوم الحافلة رقم 72 ذاهبة إلى العمل وراجعة منه لتَلوح كمضيفة في الفستان الكحلي الرسمي لبنك شينوا.

"كان لا بد أن يجبروها على الشغل لمصلحتها." "فالحياة بحق تفوتها." "يجب على ذلك الأب أن يدعو مرؤوسي الشركة إلى العشاء. أليس هكذا تقابل آل فوجيوارا؟" تلا كل تعليق موافقة جذلة لتُذري وهجاً من سعادة لبث وربات البيوت يذهبن إلى حال سبيلهن. تحركت تأملاتهن في دوائر لا نهائية كدوامة خيل بمقدورهن الترجل عنها في أية لحظة لو طرأ على حديثهن موضوع أفضل.

 

~

 

اتصلت السيدة واكامي العجوز بأم كيكو ودافعها الطيبة الحقة – وكذا الفضول، ذلك النوع الذي يحمل الأطفال على وخز الحيوانات النائمة. شعرت بأن لديها سبباً وجيهاً للاتصال بها، فعندها هذه المرة معروف حقيقي لتسبغه على عكس مناسبات أخرى بالخارج تمكنت فيها السيدة ناكاجيما من الإفلات منها. جعل ذلك الشعور بالهيمنة صوت السيدة واكامي العجوز خالياً من أي تحفظ. أبلغت السيدة ناكاجيما بأن هناك شاباً – طالباً سابقاً عند زوجها المتقاعد – يرغب في الزواج. هل تقوم بدور الخاطبة وترتب لقاء؟

 

ما زايل الاثنين صمت وجيز.

"يا لطيبتك،" نطقت السيدة ناكاجيما بنبرة وقار. "نحن موافقون."

تزوجت السيدة ناكاجيما نفسها على يد خاطبة لكن منذ عقود خلت؛ أمَّا في هذه الأيام فقد شاع الزواج عن حب. ونتيجة لذلك لم تتلق كيكو إلا عرض خاطبة واحداً منذ خمس سنوات، عرض يخص مدير مدرسة ابتدائية عمره ثلاثة وأربعون في مقابل سنوات كيكو الخمسة والعشرين. رفضت السيدة ناكاجيما، الواثقة من العروض المقبلة، بدون حتى أن ترتب مقابلة. "كهل! كيف أقوى على فعل تلك الفعلة بفتاة شابة؟" اعترضت. "ستتحطم روحها تحطيماً."

"أي روح؟" قالت أختها الصغرى توموكو. ألحق ذلك التعليق الهازئ جرحاً عميقاً بالسيدة ناكاجيما، فمن بين بناتها الثلاثة كانت كيكو الأكثر شبهاً بأمها.

واليوم، قعدت السيدة ناكاجيما وكيكو إلى مائدة المطبخ لتتشاركا في دقائق محرجة أعقبت مكالمة السيدة واكامي العجوز. آنت الساعة حوالي الرابعة، وما زال السيد ناكاجيما وتوموكو في العمل. كانت الجدة في البيت – جلست بالطابق العلوي طيلة النهار ولم تنزل إلا لتناول الوجبات – لكنهما اتفقتا بدون أن تند عنهما كلمة واحدة ألا تتحركا وتذهبا إليها بالخبر.

هب النسيم من النافذة المفتوحة جالباً معه الرائحة العنيفة للعشب النضر. منذ أمطرت السماء آخر مرة، غزت الأعشاب الضارة الحي لتظهر بين عشية وضحاها في درجات مجفلة من النيون عبر شقوق الأسفلت ومن تحت قراميد السطح الخزفية بل وداخل المشكاوات الحجرية بالحديقة. والآن قبعت الحديقة نفسها، المعزولة عن الشمس الغربية بسور مرتفع من الخيزران، في ظلمة عميقة.

كذلك أقبلت صيحات متزامنة منساقة مع النسيم من جهة مَدرسة أساهي الإعدادية – "حارِب! حارِب! حارِب!" – صيحات أفراد فريق البيسبول وهم يركضون حول حلبة السباق. هلَّ إبريل مرة أخرى، بداية عام دراسي جديد.

فكرت السيدة ناكاجيما بغريزتها في إغلاق النافذة وفتح مذياع صغير مضبوط دوماً على محطة موسيقى شعبية في علو مريح خفيض. لأن الصيحات كانت تذكِرة مزعجة بأن الأعوام التسعة السابقة حولت الدارجين الغافلين إلى راشدين شبان ترتفع الآن أصواتهم بقوة وبشير بالفلاح على حين أمسكت حياة كيكو عن الحركة. آه، أقبل كل ربيع بسرعة البرق! ... وكأن بقية العالم يتبع ساعة مختلفة.

غير أن مكالمة الهاتف غيرت أشياء. إذ تَبدل على بغتة هواء المطبخ الذي لم يزل يفيح برائحة خفيفة تخلفت عن بخور الصلاة هذا الصباح – ليتناغم مع ذلك الزخم المحير المتقدم بالعالم الخارجي. وللمرة الأولى تجرأت السيدة ناكاجيما على أن تتمنى إنقاذ نصيب ابنتها، كمقلاة اُنتزعت من فوق الموقد في آخر لحظة.

وبتنهيدة حادة مشحونة بالتوتر، دفعت السيدة ناكاجيما نفسها لتقوم من المائدة المنخفضة. كانت كيكو تحاول بلا جدوى نزع العلامة من جرة برقوق مملح فارتقى ناظراها في شيء من الحيرة.

"تلك الجرة على وشك الانتهاء بالفعل،" قالت السيدة ناكاجيما بقصد التفسير.

"يمكنني شراء جرة أخرى،" عرضت كيكو. "سآخذ دراجتي." كانت تنجز المشاوير لكل فرد من أفراد الأسرة، وهو ترتيب في النهاية عادل بما أنها لا تعمل. اضطلعت السيدة ناكاجيما بتلك المهمة سنوات عديدة. لم تجد مانعاً من توليها بنفسها غير أن منتهى الأذى أصابها وهي تشهد نفس الخنوع الدمث يداخل ابنتها.

 

~

 

كان توشي فونابا طبقاً لسيرته الذاتية في الثامنة والعشرين – أصغر من كيكو بسنتين. حاز شهادة في الأعمال من جامعة نوراكو حيث درَّس السيد واكامي العجوز (ليست كلية راقية إنما جيدة). شغل منصب مساعد مدير شركة لترويج السلع تدعى سابين كوجيو. اشتملت السيرة الذاتية على صورتين، لقطتين خارجيتين عرضيتين: توشي بلباس بحر مبتل يجلس على الشاطئ ويحدق بتأمل حزين إلى ما فوق مياه خليج كوبي؛ توشي بقميص قطني ماركة نايكي يمسك عالياً كالمنتصر سمكة إسقمري صغيرة تتدلى من صنارة.

 

"هواياته،" قرأ السيد ناكاجيما أثناء طقطقة الأعواد الخافتة على مائدة العشاء. "الغوص بأجهزة التنفس والإبحار وركوب الدراجات البخارية والصيد في المياه العميقة."

"هاااا...!" ارتفعت حول المائدة زفرات تخيم عليها رهبة مبالغ فيها.

"هوايات مكلفة،" علَّقت الجدة. أمسكت بالصورتين على امتداد ذراعها فيما قبضت على إطار نظارتها بيدها الفارغة وكأنها تلسكوب. دب في نفْسها الاهتمام – ففي النهاية لا يحدث أبداً الكثير بالطابق العلوي – وأشارت إلى أن ذلك الصبي أجمل من كيكو.

لَفَّت الحوار بأسره هالة من عدم الواقعية. فقد سرت في غضون السنوات قاعدة غير منطوقة بإعفاء كيكو من أية تذكِرة بوضعها؛ ومع ذلك أطلقت الضرورات العملية لعرض السيدة واكامي إحساساً بالإثارة والانتعاش في نفوس الأسرة ليلتها.

أمضت توموكو – المولودة في عام النمر – للتو نهاراً مضنياً بالبنك. ليست هذه هي الحياة التي تخيلتها لنفسها. ألمت الأوجاع بقدميها. سوف يتورم كاحلاها في واحد من هذه الأيام شأن عقيلة عجوز. ولن يجلب الغد ما هو أفضل، ولا اليوم التالي. آه، ما جدوى الكفاح والمجيء إلى البيت منهكة لا لشيء سوى رؤية ’الأخت الكبرى‘ مبتسمة دون أن تصنع شيئاً، أي شيء على الإطلاق، وفوق ذلك تنال تعاطف الجميع؟ بل إن الجدة أعطتها مصروفاً من معاشها لأن "الفتاة المسكينة ليس لديها دخل يخصها." والآن يَسقط في حجرها عريس محتمَل، لُقطة خير من رفيق توموكو بالمكتب. لم تطق الوضع.

"فلنأمل أن تَقدري على مجاراته،" وجَّهت الكلام إلى أختها الكبرى.

أمالت كيكو رأسها بطريقتها المتملصة المعتادة بيد أنها لم تفه ببنت شفة.

استنكرت السيدة ناكاجيما تعليق توموكو بإيماءة مصطنعة ناقضت نظرة عنيفة يائسة سددتها في اتجاه ابنتها الصغرى. "لا يبالي الرجال بمثل تلك الأشياء، أليس كذلك يا بابا؟" سألت. غمغم السيد ناكاجيما المتفرس ما زال في السيرة الذاتية. مضغت توموكو بوجه متحجر. ومض طلاء أظافر يدها الأحمر تحت الضوء الكهربائي.

"حسناً، حسناً،" قالت الجدة بلسان مبتهج، "لقد تفوقتْ تلك المرأة واكامي على نفسها مجدداً."

مر وقت منذ عدة سنوات كانت توموكو تصر فيه على معرفة كل تفاصيل مغازلة أبيها لأمها. "ساا،" أنهت السيدة ناكاجيما إليها، "تواعدنا ثلاثة أشهر. اعتاد أن يزورني مرة كل أسبوع وهو في طريقه إلى البيت من العمل. أذكر أننا كنا نقطع مسيرات جميلة في الغسق."

"هل عبثتما معاً؟" سألت توموكو. نزل السؤال على أمها من حيث لا تدري. لم تسأل أي من ابنتيها الأخريين مثل ذلك السؤال الجريء.

"طبعاً لا!" ردت السيدة ناكاجيما. "لم نفعل شيئاً من هذا القبيل." انتشر تأثير كلماتها – الآن بلا سبيل إلى استردادها – بحركة بطيئة لتملأ اللحظة.

"ألم يصحبك حتى إلى وسط المدينة أبداً؟" كانت توموكو تشير إلى تلك المقاهي الأنيقة التي عُرف عن الأحباء الشبان أنهم يصطحبون رفيقاتهم إليها منذ ما قبل الحرب.

"لا أذكر،" أجابت السيدة ناكاجيما باقتضاب. قابلت عيناها تحديقة توموكو الثابتة فخامرتها للحظة وجيزة طعنة كراهية. "كنا نُفضل أكل كعك الخنزير أو شرائط المعكرونة المقلية في واحد من الأماكن المحلية."

ليلتها حول مائدة العشاء أسهب السيد ناكاجيما في الكلام عن محل عمل توشي فونابا. وردت إليه معلومات جيدة عن سابين كوجيو. على الرغم مما لحق بالبلد من كساد طويل، ظلت سابين كوجيو مستقرة: فنسبة الأصول-الديون لديها ممتازة، والانخفاض السنوي لدخلها الإجمالي السنوي أخف من معظم مثيلاتها في الصناعة. ألّم الصمت بالأسرة أمام هذه الإحصاءات غير القابلة للجدل.

"قد يتم الموضوع بالفعل، نا!" همست السيدة ناكاجيما لزوجها في وقت متأخر من تلك الليلة وهما راقدان ليناما على فراشين مختلفين.

"نن، ربما!" رد.

"كوبي ليست بعيدة،" نبست السيدة ناكاجيما. "بإمكانها أن تركب القطار وتزورنا." حدقا في الظلام وهما يُعملان فكريهما.

ما صاحبت السيدة ناكاجيما رفيقاً قط قبل زواجها. واعد السيد ناكاجيما النساء على نحو متقطع، أقصى إنجازاته لقاء جنسي لليلة واحدة بإحدى نادلات منشأة كان هو وزملاؤه في العمل يترددون عليها بعد الشغل. لا نصيحة لديهما لينقلاها إلى كيكو. ما استوعبا بالكامل كيف ارتبطا أنفسهما معاً؛ أمِلا فحسب أن تنضج كيكو بالتدريج لتصير زوجة مثلما حدث معهما – بنفس الطريقة الغامضة التي تعلمت بها الزحف وبعدها المشي.

 

~

 

خالجت السيدة واكامي العجوز شرارات الشك الأولى. لم يسبق لها أن قابلت توشي فونابا ووالديه قبل هذه الظهيرة – خطوة كان لا بد أن تقوم بها قبل مفاتحة آل ناكاجيما في الموضوع لكنها لم تستطع وقتها الانتظار. شاب صامت، كاشفت ربات البيوت المحيطات بدكتها الأمامية. إنما ليس خجولاً. فقط صامت...

 

أمَّا ما لم تشر إليه السيدة واكامي العجوز فهو أن هذا الشاب ذكَّرها بحفيدها المراهق الذي جاهر وهو في السادسة، "جدتي، أنا أحبك أكثر من أي أحد ثان." لا تزال تلك اللحظة تتقد في صدرها لكنها امتزجت الآن بالألم. فمؤخراً، متى أحضره والداه لزيارتها، يجلس أمام التلفزيون وقد ران عليه التحفظ والضجر. ومن آن لآخر يتعطف بلفظ "هااا" قصيرة متكلفة رداً على أفضل عروضها بالثرثرة. فقط عندما تحدث مع أصدقائه – اتفق أن سمعته السيدة واكامي وهو يستخدم هاتفها بالطُرقة – يتخذ صوته تلك النبرات المفعمة بالحيوية الدالة على الحميمية التي خاطبها بها في يوم من الأيام. نضح الشاب توشي فونابا بنفس سيماء حفيدها.

"سوه—" نطقت إحدى السيدات وهي تومئ بقوة. "أبواه يضغطان عليه."

ستدب فيه الحياة بمجرد أن يلتقي بكيكو، أكدت لهن السيدة واكامي.

تكمن المشكلة، وفقاً لواحدة من ربات البيوت، في تغير فكرة الخاطبة عما كانت عليه ذات يوم. إذ لم يعد الرجال المستعينون بها في هذه الأيام يفهمون الفرق الدقيق بين تقييم احتمالية الزواج المرتب واحتمالية الزواج عن حب. وقد تراءى هذا الولد توشي بهواياته المكلفة (رأت الجارات الصورتين بعد أن نسختها السيدة واكامي العجوز) نموذجاً لنوعية جديدة تخلط بين عمل الخاطبة ومكاتب خدمات المواعدة.

"سوه سوه،" قالت أخرى. "يَكبرون وهم يشاهدون الممثلات في التلفزيون."

قطبت سيدة اسمها السيدة كونيشي – خُطبت ابنتها مؤخراً (زواج عن حب) – قطوباً مهموماً أيما هم. مسكينة يا كيكو، نبست. كانت لتصبح في خير حال في الأيام الخوالي. فكيكو تنعم بصفات الزوجة المثالية: الرقة والإذعان وحب الحياة المنزلية. زائد شهادة جامعية.

كانت السيدة توري ذات الثانية والثمانين تنحني فوق عصا مرتجفة. رفعت رأسها لتقول بلهجة متبرمة، حتى الرجال في أيامنا راقهم النساء اللاتي يستطعن على الأقل مواصلة طرفهن من الحوار.

 

~

 

قدِمت ساتشيكو، الابنة الكبرى للسيدة ناكاجيما، من جيون بحافلة تتوقف في كل المحطات.  كان يوم خميس. تحدد ميعاد كيكو في ظهيرة السبت.

 

"أنا لا أفهم،" أفضت ساتشيكو إلى أمها التي كانت تنتظرها في الخارج بالزقاق. "توموكو ملمة بمستحضرات التجميل مثلي تماماً. بالإضافة إلى أنها تسكن هنا."

"ليس من الملائم،" همست السيدة ناكاجيما ملقية نظرة عجلى على المنزل، "أن تُعَلم الأخوات الصغيرات الكبيرات. هذا غير أن..." رفعت رأساً – خصلاته متموجة في البيت ومكسوة بشبكة من الشعر الأبيض – لترتقي بعينيها إلى ابنتها الطويلة. "غير أن توموكو تتصرف بأسلوب غير لائق." نقل تعبيرها المضنى إلى ساتشيكو التي لم تر عائلتها كثيراً منذ زفافها مؤخراً لمحة مخيفة من أمها في سن الشيخوخة.

وفي حجرة طعام افتخرت بأفضل الأضواء الطبيعية، بسطت ساتشيكو الآن محتويات حقيبتها البلاستيكية الحاوية لمستحضرات التجميل على مائدة ضخمة منخفضة. "سوف نجمل جانباً واحداً من وجهك،" أعلمت أختها الصغرى، "حتى تري الفرق."

"هااا..." وافقت كيكو وأومأت برأسها دون أن تغامر بلمس أي شيء. تراجعت السيدة ناكاجيما إلى المطبخ بروح معنوية مرتفعة وراحت تدندن فالساً لشتراوس.

لعبت ساتشيكو وكيكو معاً على هذه المائدة وهما طفلتان عندما غاب أصدقاء الحي الأكثر حيوية، أصدقاء ساتشيكو. فقد تقاربت الأختان في العمر بينما تخلفت عنهما توموكو بخمس سنوات. استدعت ساتشيكو اليوم ذكرى مبكرة: منزلاً يغمره السكون، مطراً يرسل صوتاً وهو يسقط كالدبابيس على الأوراق العريضة لشجيرة الكوبية بالحديقة. وفي ضوء تسرب من نبات السرخس، رسمت هي وكيكو صوراً أو أطلتا من النافذة بعيون شاخصة. جيكوري-جاتا، غاظتهما أمهما: شخصيات متأملة. مر الوقت. لزمتا – في ذاكرتها – الصمت: غافلتان، لا يمسسهما الوقت، تَعلمان أن هناك مَن يعيلهما، تلاحظان على نحو طفيف جلبة خافتة مصدرها العالَم الخارجي. ضوضاء العشاء في المطبخ... صفارة سيارة إسعاف في الأفق.

تمكنت كيكو من البقاء في ذلك العالم. تدبرت ساتشيكو فيما ينتظرها عند الرجوع إلى البيت: الغسيل، الطبيخ، تغليف حلويات الشاي لزبائن الغد، رومانسية خبت بالفعل مع زوجها، توتر مهذب أبدي لازَم العيش بين النسباء. جلست على الأرضية فوق وسادة حمراء غير مألوفة لا بد أنهم اشتروها بعد انتقالها من المنزل. دار بعقلها أنها سرعان ما غدت زائرة في بيتها.

ربتت كيكو وجهها بإسفنجة كريم أساس رطبة في حرص لا يعوزه الخجل. ناداها أحد الصبية ذات مرة "بوجه البيضة" في الصف الرابع، فالتصق بها الاسم بقية سنوات المدرسة الابتدائية. هدأتها أمها قائلة ("الوجه البيضاوي علامة من علامات الجمال! البشرة البيضاء أحلى من السمراء!")، بينما علّقت الجدة الماهرة في الترويج لنفسها، "على الأقل تشبهني في مسألة البشرة." الحق أن ثمة صفة مُعينة في عظمتيّ وجنتيّ كيكو، فقد أُقحمتا عالياً كوجنات الإسكيمو مما أضفى على وجهها الإيحاء بالقوقعة الشاحبة. ظهرت ملامحها الأخرى – بعد أن هيمنت عليها تلك الكثافة العظمية – منكمشة بالمقارنة. التقط الأطفال جوهرها بمكر لا تعمد فيه: ذلك المظهر البائخ لشخصيتها الذي سمح بإزاغة أي هجوم بأقل القليل من المجهود.

"الآن كمية من أحمر الخدود." أعطت ساتشيكو كيكو فرشاة أكبر من المعتاد. "ضعي قدر ما ترتاحين إليه. لا، هنا بالضبط. الجزء المستدير من خدك." مست كيكو بشرتها بطرف الفرشاة: مرة ثم ثانية.

"أكثر من ذلك!" ارتفع صوت ساتشيكو ساخطاً. نفضت معصمها بسرعة بما ينم عن العديد والعديد من الضربات الإضافية.

"أرا!" لفظت بصوت خافت فيما توردت على خدها بقعة وردية خفيفة بالكاد تراها الأعين. "إنه جميل." ثم انتابها على ما يبدو الحرج لهذا التعبير المفاجئ فغضت تحديقتها إلى علبة أحمر الخدود المستقرة في حجرها وأغلقتها بطقطقة خافتة.

دخلت أمهما لمعاينة النتيجة: مهمة خليقة بإعلانات شيسايدو، في درجات رقيقة من الرمادي والخوخي. تفحصتها السيدة ناكاجيما بنظرات تمتلئ عجباً؛ لم تتعد هي نفسها كريم الأساس السائل أبداً مضيفة أحمر الشفاه وهي خارجة فقط. "جميل،" قالت، "منتهى الجمال. ألستِ سعيدة يا حبوبتي كيكو؟" أومأت كيكو وهي ترسل ضحكة مؤدبة. "أنظري إلى روحك في المرآة!" قالت أمها وهي تُديرها في مواجهة المرآة وترنو من فوق كتفها.

وعت السيدة ناكاجيما المحملقة إلى وجه كيكو المتورد في المرآة أن تغييراً قد طرأ. إذ شابت عينيّ ابنتها نظرة أبصرتها في أعين قطط الأزقة وهي تدنو بحذر من طعام ممتع معروض عليها. نظرة رهيبة عميقة الآمال عمقاً. تحركت معدة السيدة ناكاجيما مضطربة وكأن جسمها يلم بشيء غمَض عليها.

لم تكن السيدة ناكاجيما موقنة من معنى ذلك فأزاحته عن ذهنها. صعدت ثلاثتهن إلى الطابق العلوي ليُرين الجدة. كانت تجلس منحنية الظهر فوق وسادة على الأرضية، تتفرج على مصارعة السومو في التلفزيون. "هاك – أي جانبيّ وجهها أجمل؟" سألت ساتشيكو بلهجة حازمة دافعة كيكو إلى الأمام.

"مااا، يا له من تحسن!" هتفت السيدة العجوز وهي ترتقي بناظريها وتصفق بيديها. "ذلك الجانب بالقطع. أنظرا كيف تظهر البشرة ندية بيضاء!"

استعان الكل بالصمت.

"يا جدتي!" قالت ساتشيكو. علا صوتها وتباطأ رغم أنه لا يوجد ما يعيب سمع الجدة. "نحن حتى لم نعمل هذا الجانب. لقد عملنا الجانب الآخر." تبادلت مع أمها لمحة ساخرة. بل إن ابتسامة طفيفة فرت من ثغر كيكو وهي تدس شعرها وراء أذنها.

عادت الجدة إلى جهاز التلفزيون بعد ذهابهن. لم تعد قادرة على التركيز في مباراة السومو؛ لم تزل على ما يبدو تسمع ضحكة ساتشيكو المكتومة وهي تنجرف صاعدة السلالم. ماا، ماذا لو لم يعد نظرها مثالياً؟ كانت على الأقل في أيام شبابها جميلة الجميلات. عينان مائلتان عالياً ("فاتنتان كأوراق الخيزران،" حسبما وصفهما أحدهم)، وجه شبَّهوه بذلك الوجه المطبوع على طبعة تونداي الحجرية الشهيرة، عنق طويل جميل الشكل كان محط حسد قريتها. وقَع تحت تأثيرها دستة من العرسان المؤهلين لتتزوج في النهاية بأسرة أستاذ جامعي رغم عدم حصولها على أي قدر من التعليم. كيف يجرؤون على النسيان! فكنتها وحفيداتها – رغم كل هرجهن ومرجهن المثيرين للشفقة حول دهانات الوجه – يفتقرن إلى ما يصلح للاستخدام. ريفيات حُق سخيفات. آه، سوف يغادرهما الشباب والغطرسة سريعاً. أخذ تقلص عصبي لا إرادي ينبض تحت عينها اليسرى.

 

~

 

"كيف جرت الأمور في ظنك؟" همست السيدة ناكاجيما للمرة الثانية في أذن السيدة واكامي العجوز الجالسة بجانبها في قطار يتجه إلى البيت. "هل أعجبتْه في ظنك؟ هل سيطلب أن يلتقي بها مرة أخرى؟" جلست كيكو أمامهما بثلاثة مقاعد، بعيداً عن مرمي السمع.

 

جرى موعد الغداء في مطعم اسمه مياجي اتضح أنه يقَدم طبق سوشي ذا جودة عالية استثنائية جديرة بموقعه المشرف على البحر. لذ السوشي للسيدة واكامي العجوز وبخاصة سمك الكامباتشي الذي قلما قدَرت هي وزوجها على شرائه الآن بمعاشه. إلا أن مهام الخاطبة أتت في المقدمة، وعليه أجَّلت الأكل خلال النصف الأول من المقابلة لتثرثر في كل شيء بدءاً من الطقس وحتى الأقحوان. محا الطعام المبشر علاوة على المحادثة اللطيفة (الدائرة في الأغلب بين الآباء الأربعة رغم أن هذا متوقع) ارتباكاً ساور لقاءها السابق بتوشي.

انقضى بعض الوقت من الغداء، وبعد أن غطوا مواضيع الوظائف والهوايات (هوايات كيكو هي المشي والقراءة) وذبلت طاقة المائدة من جراء حصص السلمون والهاماشي والأنقليس والحبار الوافرة، طفق توشي يسلي نفسه بأسئلة خاصة به. "ما هو لونك المفضل يا آنسة كيكو؟" سأل وهو ينقر سيجارته على المنفضة. "ما هو حيوانك المفضل يا آنسة كيكو؟"

رمقته السيدة واكامي العجوز بلمحة يغلفها الشك غير أن وجهه الوسيم بدا باعثاً على الطمأنينة حافلاً باهتمام رجولي رزين اجتذب المشاهدين اجتذاباً إلى مسرحيات الساموراي. ظهرت كيكو بمظهر المتماسكة مجيبة على كل سؤال إجابة صحيحة بعد وقفة طويلة تدل على التفكير، لكن الحق أنها قدَّمت إجابتها أحياناً بانحناءات سريعة خرقاء لا داع لها مثلها مثل الطفل. وعليه أولتهما السيدة واكامي قليلاً من الانتباه. إذ انحنت على علبتها المصقولة وانهمكت بمفردها في أكل السوشي المنتظَر مضيقة عينيها في متعة وتابل الواصابي المطحون للتو يدفئ جيوبها الأنفية.

استردت وعيها فجأة. رن سؤال توشي في أذنيها: "ما هو أكثر شيء تريدينه في الحياة يا آنسة كيكو؟" عم الصمت المائدة عدا صلصلة ثلج منتظمة بكؤوس ويسكي يحتسيه الرجال. حانت من أم توشي – سيدة بملابس أنيقة – لمحة إلى ساعتها.

"سااا—" أمالت كيكو رأسها وجميع العيون تتسلط عليها.

"كلنا نود نفس الأشياء، أليس كذلك،" قاطعت السيدة ناكاجيما وهي تومئ إلى ابنتها كمن تتفقان في الرأي. "حياة مديدة معافاة، سعادة..."

وبابتسامة خفيفة ضارية، زفر توشي دخان السيجارة نحو السقف.

استحضرت السيدة واكامي العجوز هذا الآن فصعدت عنها تنهيدة وتململت في مقعد القطار. "سااا، لا بأس، ألا تظنين؟" قالت لأم كيكو. "مَن بإمكانه التكهن؟" أردفت.

لاذت الاثنتان بالصمت وجعلتا ترشفان مشروب البرتقال ’مورينيجا‘ من علبتين رفيعتين لفتاهما بالمناديل.

قعقع القطار على طول القضبان وامتدت المدينة تحتها: ناطحات سحاب حديثة تزاحم مباني قديمة من الخشب والقرميد، شرفات ومصاطب تزينها حشايا معلقة في الهواء. تراءى هواء الربيع نصف شفاف بسبب مزيج من الضباب والدخان. كل ما نُفث من سخام خلال النهار – كل ما نُفث من سخام خلال هذا الكساد الطويل – كان يهبط ثانية إلى الأرض، وتطفو الترسبات في شوارع تترع بالنشاط. مال ضوء الشمس عبرها في الأصيل ليخلق لزوجة بلون الكهرمان سوف تَهدأ أسفلها حركة المرور في النهاية.

قامت السيدة واكامي العجوز لتُنزل الستارة فامتد طرفها إلى ملصق رحلات معروض فوق النافذة: ترويج لمنتج من المنتجات يُبرز بألوان مشرقة غرنوقاً وحيداً يطير فوق حقول ثلجية. أعاد إلى ذهنها برنامجاً تلفزيونياً تفرجت عليه الليلة الفائتة، دارما عرضتها قناة إن. إتش. كيه. لأسطورة الغرنوق العذراء: أنقذ نساج عجوز غرنوقاً من شرك فعاد إليه متنكراً في صورة عذراء حسناء. لعبت هذا الدور الجميلة جانجي ماريكو في ظهور نادر لها. هكذا أظهرت قائمة المشاركين على أية حال لكن مَن العالِم بحق؟ فقد انصرف وجهها عن الكاميرا وحجبه تهدل شعرها المصقول. سوف تنسج له أقمشة مدهشة من الحرير بدون مقابل، نبست بصوت كالهمس، طالما سيعدْها ألا يشاهدها قط أثناء العملية. "يجب ألا تختلس النظر،" ناشدته. "لن أحتمل أن تقف على أسرار نسجي."

ثمة شيء في تلك الإشاحة الرشيقة من الرأس – العتيقة عتقاً والآن المنقرضة – أوقع في نفس السيدة واكامي العجوز أعمق التأثير. وعندما تغَلب الفضول على النساج واختلس في آخر الأمر النظر من خلال شق في الحجاب الورقي (هل هذا هو الممثل موري ديجي؟" سأل زوجها وزفر سحابة من دخان السجائر. "مااا، لقد شاخ ولا ريب.") أطلقت السيدة واكامي صيحة حادة تحفل بأسف رهيب يتعذر وصفه. تملكها بعدها شعور بالسذاجة. فالكل كان يعرف ما ستقع عليه عيناه: غرنوق بشع نصف منتوف، يطعم النول ريشه...

ما صلة هذا بأي شيء، لم تدر السيدة واكامي. تململت من جديد على المقعد المخملي. برقت في ذهنها صور كيكو عند مائدة الغداء: أحمر الشفاه يتلطخ على أسنانها الأمامية، يداها ترتعشان بأظافر مطلية بلون أحمر قضمتها حتى العِراق. "أريد أطفالاً،" أعلنت والدخان يتصاعد من منفضة توشي بينهما. "لقد أردتُ دوماً أطفالاً." ارتطم الندم بالسيدة واكامي العجوز كما الموجة، وخفضت مشروب البرتقال ’مورينيجا‘ إلى عتبة النافذة.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.