![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد السادس والعشرون، يوليو 2010 Twenty-Sixth Issue, July 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد السادس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم چيسي بول بالموافقة على نشر قصة "الموت المبكر للوبِك وبرينِن وهارْب وكار" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Ball was so kind to permit the publication of the Arabic text of "The Early Deaths of Lubeck, Brennan, Harp, and Carr" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Ball a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"The Early Deaths of Lubeck, Brennan, Harp, and Carr" by Jesse Ball. Copyright © 2007 by Jesse Ball. Originally published in The Paris Review, Issue 183, Winter 2007. Published by kind permission of Jesse Ball. All rights reserved. |
|
الموت المبكر للوبِك وبرينِن وهارْب وكار تقديم: هالة صلاح الدين حسين Posted: Jul.-01-2010 |
|
|
الأول
كان أربعة منهم يجلسون عند أحد جوانب غرفة تسودها العتمة. — سوف أحاول, قال الأول. كانت الفتاة تتفرج على نفسها في المرآة والشاب يقترب منها. — كنتُ أتساءل, فاتحها. فكرتُ ربما... أحجم في منتصف الجملة, فقد طفقت الدموع تترقرق في عينيّ الفتاة. شرَعت في البكاء. — من فضلك, قالت, دعني وشأني. كانت تَلبس فستاناً بني اللون ذا خطوط مستقيمة, كل أزراره مزررة من الجنب, ومعطفاً طويلاً من الصوف الخشن. تداخلت ضفائر شعرها في بعضها بعضاً. — ماذا أصابك؟ سأل. أي مساعدة؟ — لعلمك, لا ينبغي أن تخاطب الآخرين بكل هذه البساطة. الدنيا تغيرتْ. ولا أحد يريد أن يخاطبه الآخرون هكذا. فرَكت عينيها. — إنها سذاجة منك. تبدو بالفعل كالأحمق قليلاً. أومأ نادل الحانة الواقف عند الجهة الأخرى من الطاولة برأسه. — عندنا قواعد, نقَل إليه. تعلقت بحق قائمة بالقواعد على الحائط. — آسف. لم أَعلم. — ذلك ليس مبرراً. قامت الفتاة كمن تهم بالانصراف. — سوف أتولى هذه المسألة يا ميرنا, أنبأها النادل. لا تبرحي مكانك. دار حول الطاولة في اتجاه هارْب. امتاز بضخامة القامة وساعدين غليظين كسواعد عمال يشتغلون في مصانع الفولاذ. — آن أوان الرحيل يا صاحبي. ومعك الآخرون. — بالله عليك, قال هارْب وهو يرتد خطوة إلى الوراء. المكان شاغر. سوف أعود فقط إلى المائدة. ولن نحتك بأحد. — يا بارتِن! وجَّه الرجل نداءه إلى الخلفية. ظهَر رجل آخر. — اخرج. تقدَّم منهم أصدقاء هارْب. — هل هناك مشكلة؟ سأل لوبِك. — أنتم جميعاً, قال النادل. اخرجوا. — لَم نرتكب ذنباً, قال كار. لِم نغادر؟ معنا أموال لنصرفها. أعلنت الفتاة بصوت لم ينل منه التردد. — قال إنه سيشبعني ضرباً إن لم أرافقه إلى خلفية المبنى. قال إنه سيأخذني إلى مكان ما ويقطعني نصفين. لن تهتز في رأسي شعره, هكذا قال. بكل بساطة. نطقت ملامح وجهها بالضراوة وغمرتها الدموع. — ماذا؟ غير صحيح... تبادل النادل والرجل المدعو بارتِن نظرة. قبض بارتِن على هارْب ورفَعه عن الأرض. اتجه بخطوات شبه راكضة إلى الباب ورماه منه. أمسك النادل بكتف برينِن. تلوى برينِن بعيداً وعدا بحذاء بارتِن. كان هروباً جماعياً. — لو رأيتُ وجهكم مرة ثانية هنا, توعد النادل.
عمت الكدمات والجروح وجه هارْب بعد قذفه إلى الشارع. نفَضوا عنه التراب وتابعوا السير. — ما بالها؟ — لِم قالت ما قالته؟ — مَن تلك الفتاة؟ ما لبثوا أن دخَلوا حانة ثانية وبدأوا مرة أخرى. كان لوبِك يتحدث إلى اثنتين ترتديان كفتيات كن يبعن قديماً أعواد الثقاب. — هل يمْكنك تصديق ما فعلتْه؟ — هذا تهريج, قالت الفتاة الأولى. لا بد أن عندها ثأراً بائتاً, وتعجز عن أخذه. — مَن العالِم؟ قالت الفتاة الثانية. ربما تستأهل ما فعلتْه بك. مَن العالِم؟ دافع لوبِك. — ولكن هارْب لم ينطق بأي شيء من هذا القبيل. لقد اخترعتْه الفتاة. اختلقتْه كله. — طيب, لا بد أن للكلام أصلاً, أليس كذلك, قالت فتاة الثقاب الثانية. لا بد أن للكلام أصلاً. — صحيح, أيدتها فتاة الثقاب الأولى. حتى لو كانت تختلق الموضوع. — ولكنه ظلم, قال كار. لقد اختلقتْ كل شيء. كلامها عار من الصحة. — حسناً, أظنك على حق إذن, وافقته فتاة الثقاب الثانية. ولكنك في جميع الأحوال خاسر. إذا لم تكن كاذبة, فقد استحق صديقك إذن ما ناله, وقد أدت مجاهرتها بالحقيقة إلى معاقبته, وفي هذه الحالة هي الفائزة, ولو كانت كاذبة حقاً, فقد نجحتْ إذن في خداع هذين الرجلين حتى رمياكم في الشارع, وفي هذه الحالة لا تزال هي الفائزة. هي الفائزة وأنت الخاسر, وكنتم أنتم الأربعة ضدها وحدها. براعة ما بعدها براعة. اتفقت فتاتا الثقاب: الفتاة ذات الفستان البني هي الفائزة. فاتت ساعة أو اثنتان. وعليه كانت الساعة متأخرة في المساء حين صاحت واحدة من فتاتيّ الثقاب. — انظروا, أليست تلك هي الفتاة. أليست هي السائرة وراء النافذة؟ — هي بعينها, أعلن هارْب. هي بشحمها ولحمها. هلموا. — ماذا سنصنع؟ سأل كار. — لا أدري, رد هارْب. هلموا. — تدفق الجمع في الشارع, كل فرد من الشبان الأربعة حيال الآخر. لا ريب أن ما تزيت به الفتاة من معطف صوفي طويل وفستان بني يمكن تمييزه من مسافة بعيدة. هطلت الثلوج في الليلة الفائتة فاصطفت تذريها الرياح أو تكدسها على طول الشارع. سارت الفتاة هناك بصحبة رجل أكبر سناً. — فلنرجمهما, قال هارْب. ضغَط الثلج رملي الملمس بني اللون ليُكون كرة, وكذلك فعل الآخرون. ثم عدوا قُدماً مطلقين صيحة ورموا كرات الثلج بكل ما وسعهم من قوة. أخطأت الأولى كتف الرجل بمسافة ذراع. بيد أن الثانية اصطدمت به. انصرف إليهم بوجه يتقد غضباً. توقفت الفتاة أيضاً والتفتت إليهم, وفي تلك اللحظة بالضبط ارتطمت كرة ثلج بوجهها ارتطاماً. وقبل لحظة من الارتطام اتضحت لهما جميعاً الحقيقة: لم تكن الفتاة المطلوبة, وإنما أخرى, امرأة قد تَبلغ الأربعين. هوت لتسقط ثقيلة على ظهرها والصرخة تتعالى منها. انطلق الرجل وراءهم. ماذا بيدهم فعله؟ ركضوا. قطعوا الحارة الأولى, إلى الشارع التالي, منعطف أيمن, أيسر, إلى شارع ثان, إلى حارة ثانية. نعِموا بالشباب والصحة السابغة, لذا بلَغوا منتهاهم آمنين.
الثاني
استيقظ كار على صوت قرع على باب شقته. أسرع بارتداء لباس وخرَج ليتبين الأمر. كان هارْب. — لا بد أن تأتي معي. المسألة صعبة. تعال إلى منزل لوبِك. أقام لوبِك وبرينِن, اثنان من الشبان الأربعة, بالقرب من النهر في منزل كبير تمتلكه أم لوبِك. — ثانية واحدة, قال كار. فرَغ من ارتداء ملابسه ثم سار الاثنان في الشارع. — ما الأمر؟ — تلقى لوبِك رسالة. سترى. لم يزد هارْب حرفاً.
أدخلت أم لوبِك كار. أقبل برينِن أيضاً إلى الباب. كان لوبِك جالساً على مقعد مجاور للباب. — ما الأمر؟ سأل كار. ماذا حصَل؟ تناول برينِن رسالة من مائدة جانبية وناول كار إياها. — اقرأها بنفسك, قال.
عزيزي چيه. لوبِك, في اعتقادي أنك وثلاثة آخرين, إل. كار وإف. برينِن وچيه. هارْب, كنتم في شارع سيكامور الليلة الماضية حيث خرَجتُ أنا وزوجتي لنتمشى. ينبغي أن تحيط علماً أننا أمضينا أغلب الليلة في المستشفى. لقد تسببتم في إجهاض زوجتي. وبينما قد أحيل هذه القضية إلى الشرطة, أُفضل باعتباري رجلاً حسن التربية أن ألقاك وأَفصل في المسألة بالقوة. لقد عاشت عائلتك في هذه البلدة منذ أمد طويل, وعليه أعتقد أنك سوف تفي بعهدك. تعال إذن صباح الغد, أي 5 ديسمبر, إلى حلبة السباق الواقعة بعد إيلريدج جرين, لا تتأخر عن السادسة ص. أَحضِر معاوناً, وسوف آتي بمثله. المخلص دائماً, القاضي ألان هنري
هتفت أم لوبِك من الجانب المقابل للغرفة. — لن تخذلنا, أليس كذلك يا چون؟ — ما في اليد حيلة, أجاب لوبِك ناهضاً ولا يزال يشْرف من النافذة. ما في اليد حيلة. — كلام سليم, قالت أمه. إنه الحل الوحيد. سددت نظراتها إلى وجوههم مباشرة, الواحد تلو الآخر – برينِن وكار وهارْب. — مثل ذلك الموقف, أردفت. أمر رهيب. لا اختيار لنا. لا بد أن تسوي هذا الخلاف وإلا فلا عيش لنا في هذه البلدة. دلف أخوة لوبِك وأخواته إلى الحجرة. كانوا ثمانية من مختلف الأعمار. دلف إليها أيضاً زوج أمه. — إنها معضلة, معضلة, باح وهو يجذب شاربه تكراراً. البادي لي أنك تستحق ما تناله. — صحيح, أيدته أم لوبِك. — إن سلطة الإنسان تزداد قوة على قوة في هذه الأيام مع اختراع السيارات والطائرات ذات المراوح, علَّق زوج أم لوبِك. وإن لم يتعلم التحلي ببعض القوة الأخلاقية, سيغدو كل شيء في مثل تفكك الفزاعة. — لا أفقه شيئاً البتة مما تقوله, قال لوبِك. — على هواك, رد زوج أم لوبِك. — إنها واقعة أي واقعة, قال برينِن. — واقعة ولا شك, كررت أم لوبِك.
ذهب كار في الصباح التالي مع لوبِك. أبى برينِن المجيء, ورغم أن هارْب أراد أن يأتي, رفض لوبِك طلبه. — لا بد أن تأتي معي, أبلغ لوبِك كار. أنت فقط. أخذا سيارة زوج أم لوبِك وقاداها خارجين من البلدة. لم يزل الثلج يعكس ضوء الصباح الذي تسلط قوياً على أعينهم. حدَّقا بأعين نصف مغمضة أثناء الاقتراب. سرعان ما انتهيا إلى الحلبة. جلَّيا ببصرهما عبر الأشجار الجرداء إلى سيارة وبضعة أشكال بشرية بجوارها. ركن لوبِك السيارة وأوقف المحرك.
— المسدسان هناك, أطلعهما الرجل. كان في مثل عمر القاضي. لبِس الاثنان معطفاً فوق بذلة غامقة اللون. ارتدى الاثنان قبعة وقفازاً رقيقاً من الجلد. وضعا قماشة ناعمة على جانب من غطاء السيارة. اعتلى القماشة مسدسان. عكس المشهد جلالاً. قد يروم المرء في طفولته أن يكبر بما يكفي كي يشارك في مثل هذا الحدث ويكون هناك في برد الصباح اللاهث, في حسن الشتاء المشوب بالحذر, على أن أحمقاً صغيراً كالطفل لا يسعه بالقطع أن يأخذ بعين الاعتبار عقوبة الموت الحقيقية بكل عمقها. لا, لا. — أياً منهما, قال القاضي. — ماذا؟ — يمكنك أن تختار أياً منهما. سار معاون القاضي ورسم خطين يفصلهما عشرون قدماً على أرض حلبة يعبدها رماد الفرن. نادى كار ليقترب. — طريقة إتمام الأمر, حسناً, ها هي. سوف ينتظر لوبِك والقاضي هنري, كلاهما على بعد بضع ياردات وراء خطيهما. وعند كلمتنا يقترب كلاها من خطه. ومع بلوغ الخط يبدأ إطلاق النار. — كم رصاصة يستطيعان...؟ — ثمانٍ في كل مسدس. لو فرَغ كلا المسدسين, سنبدأ من جديد. رمى كار بعين الاشمئزاز. — كنتَ معه, أليس كذلك؟ أنت واحد منهم؟ — أنا, ممم... أدبر الرجل كار وتقدم من مكان انتظار القاضي. — كله جاهز, صرح. أومأ القاضي هنري إلى لوبِك كي يأخذ مسدساً من فوق غطاء السيارة. استولى على لوبِك التردد ثم اختار رافعاً المسدس بما ينبئ عن ريبة. قام كار إلى جانبه. سارا معاً عدة خطوات بعيداً عن الآخرين. — بوسعك أن تنصرف. لستَ مضطراً إلى فعل هذا, نبس بصوت هادئ. غادِر البلدة. غادِر البلد. صوَّب لوبِك إليه نظرة ثم انصرف عنه. — قل لهم إني جاهز.
— إلى مكانيكما, جاهر معاون القاضي. سار القاضي ولوبِك يحثان الخطى إلى الحلبة. اعترى كار إحساس بأن شخصاً يعصر جسده لإخراج كل الهواء. ألمَّ البطء والتوتر بالأشياء. تناهى إليه صوت الرجل يزعق "الآن!" وشاهد لوبِك والقاضي يتقدمان, الخطوة تلو الخطوة. رفَعا مسدسيهما بالقرب من الخطين. سدد الواحد منهما مسدسه صوب الآخر. عجَز كار عن التنفس. تسمر في مكانه, بلا نفَس, حين بدأ إطلاق الرصاص. أطلق لوبِك رصاصة ثم أخرى. أطلق القاضي رصاصة ثم أطلق أخرى. لم ينفك الاثنان يتقدمان. أصَمت الضوضاء الآذان. شعَر أنه لم يسمع في حياته أي شيء صاخب إلى هذه الدرجة. أطلق لوبِك النار فنزَل الإجفال بالقاضي, ثم ما كان منهما إلا أن تقدما إلى بعضهما بعضاً. أرسل القاضي ثلاثة عيارات متتالية. انهمرت الطلقات من مسدسه. امتنع لوبِك عن إطلاق النار. حوَّل وجهه عنه. أتت الطلقة الأولى. أتت الطلقة الثانية. أتت الطلقة الثالثة, فانقلب لوبِك على ظهره. ركض كار إلى الحلبة. أبطأ سرعته وهو يقترب. باغتت الرصاصة لوبِك عالياً في خده ونفذت من رأسه مباشرة. لاح وجهه حطاماً ملطخاً بالدماء. لم يعد موجوداً. أدرك كار أنه بدأ يتنفس من جديد. التفت وراءه. كان القاضي ومعاونه يتشاوران. أقبل المعاون ومر بحذاء كار ثم جثا بجوار جثة لوبِك. كان يسترد المسدس. نزَع المسدس من يد لوبِك وفتحه ثم أسقط الخرطوش المستهلَك على الأرض وابتعد عنه. وبعدها توقف. — اسمع, قال المعاون. أعط هذا لبرينِن. كانت رسالة. رمق القاضي عينيّ كار بنظرة مباشرة عبر امتداد الحلبة. كان وجه منحوتاً شأن القناع.
الثالث
قاد كار السيارة بمنتهى الحرص على طول الطريق. كان قد وجد على لوحة السيارة قفاز قيادة من الجلد الناعم فارتداه وراح يقود عندئذ بكل حرص. اجتاز منعطفاً خطراً, وبعده أتى آخر. كان يُحضر جثة لوبِك إلى أمه. لم يقم بمثل هذه المهمة من قبل, ولكنه شعَر أن في مقدوره إتيانها. تمدد لوبِك في المقعد الخلفي. حجَب كار رأسه بكيس. ولولا الكيس لبدا نائماً. ومع ذلك غالباً ما يَعتبر المرء منظر كيس فوق رأس شخص علامة على حادثة سيئة وقَعت له أو ستقع له. وعليه فإن أي شخص يراقب المشهد لن يضطر إلى التساؤل طويلاً عن مصاعب تُلحق اضطراباً أيما اضطراب في نفْس كار الشاب وهو يقود السيارة بسرعة معتدلة في الطريق المتلوي عائداً إلى البلدة. فوق جسر صغير نزولاً إلى جوار المرفأ. على طول زقاق ثم توقف بجانب شجرة بلوط ضخمة الحجم. وبعدها, نحو الباب. — اخرجوا, أمر. اخرجوا. خرجوا, العديد منهم, حشد منهم, يَسلكون كلهم الطريق الذي رقَد لوبِك فيه. ابتعد كار بخطوات هادئة.
هل تَعلم سطح الجدول؟ هل تَعلم عمقه؟ هل ترى كما يرى السمك أن المياه ليست مياهاً واحدة وإنما أمواه عديدة, وأن هناك سبلاً تقطعها, تماماً كما تقطع الأرض, وأن عبور جدول مسألة تتعدى قدرات أي إنسان؟ كان كار يقرأ كتاباً رفيعاً. لم يزل قريباً من المرفأ, على أحد المقاعد الخشبية. أحس أنه لن يستطيع أن يغادر بدون منح برينِن الرسالة. ولكنه لم يرغب في إعطائه إياها. ظهَرت فتاة صغيرة ومعها فرخ من فراخ طائر التِّم تجره بمِقود ضيق من الجلد. دنت ورنت إلى كار. رنا كار إليها. — لمَّا يَكبر, سيبذل كل جهده لإيذائك, أفضى. أَعلم ذلك تمام العلم. — اسمه أبسينث, أعلمته الفتاة. واسمي چين كارِن. — أهلاً وسهلاً بك يا چين. — لا أهلاً ولا سهلاً, قالت الفتاة بلسان حازم. إنك تنطق بأشياء شنيعة. — أبصرتُ تماً يقطع لحم طفل ذات مرة, أسَرَّ كار. اضطروا أن ينقلوا الطفل, إلى المستشفى أعني. ضربوا التِّم حتى الموت بعصا. غطت چين أذنيّ الفرخ. سوف تضطر إلى تخيل ذلك المنظر بنفسك. لا أدري حقاً مكان آذان الطيور. — ولكن لماذا لم تساعد الطفل إن كنتَ هناك؟ سألت چين. — عندما تقع عيناك أحياناً على شيء بشع على وشك الحدوث, رغم أنك طيبة وتقصدين خيراً لكل شيء, تتمنين مع ذلك أن يقع الشيء السيء. تتفرجين متمنية أن يحدث الشيء البشع وأن تريه. وعندما يقع بعدها, تُدهشين وتُصدمين وتتظاهرين أنك لم ترغبي في حدوثه. ولكنك في الحقيقة رغبتِ فيه. هكذا جرَى معي والتِّم. — وقفتَ إذن إلى جانب التِّم. سألت چين. — أظن. أجل, كلامك صحيح. — طيب, ذلك الموقف أسوأ من ذي قبل. لا غضاضة على الشخص أن يختار جانباً, ولكن بمجرد أن يقف إلى ذلك الجانب ينبغي أن يلزم محله. كان يجب أن تساعد التِّم على الهرب. كان ينبغي أن تمنعهم من قتله وتعاونه على الفرار. بل وتساعده على تقطيع لحم الطفل لو كنتَ فعلاً صديق التِّم. كيف يمكن لأحد أن يثق بك أبداً؟ رمته چين بنظرة تدل على التجهم ثم واصلت سيرها في السبيل. عضه فرخ التِّم وهو يمر به إلا أن منقاره شبك بمعطف كار فأخطأ لحمه. — لا يمْكنك أن تمتلكي تِِماً على أية حال, صاح كار. فملكة إنجلترا تمتلكهما كلها بالفعل. وهو ما كان صحيحاً. ملكة إنجلترا هي مالكة كل طيور التِّم. تم حسم الملكية منذ دهر, وهكذا كان الحال على الدوام.
كانت الرسالة داخل ظرف أصفر اللون باهته. فرنسيس برينِن, أعلن الظرف من الخارج. أعطى كار برينِن الظرف. كان يقف على السلالم عندما ناول برينِن الظرف. — ما هذا؟ استفسر برينِن. — منحاني إياها. منحاني إياها هذا الصباح, من أجلك. تناول برينِن الظرف على مضض. قلَبه في يده. — اِحكِ لي كيف جرَى ما جرَى, قال. — أطلق النار على لوبِك ثم أعطياني الظرف. فقط لا غير. — فقط لا غير, أعاد برينِن القول. فض الظرف. تغطت أرضية الغرفة بالخشب, وانبسطت الألواح مسافة طويلة. تتبعت عينا كار اللوح وصولاً إلى الحائط ثم عائدتين منه. أعاد برينِن الرسالة المفتوحة إلى كار.
— ما العمل؟ سأل برينِن. كان رجلاً صاحب مبادئ, برينِن. كان يَدرس ليحوز شهادة الدكتوراه في الفلسفة ويؤمن بتوخي لياقة معينة في أسلوب الحياة التي يأخذ المرء بأسبابها. وعلى الرغم من ذلك الإيمان, أبى أن يصاحب لوبِك صباحها, وهو مجبر الآن أن يذهب هو نفسه. — سوف تأتي معي, أليس كذلك؟ سأل كار. — سوف آتي, أجابه كار وهو يَشعر فوق كتفه بيد ثقيلة لا تعرف الخضوع, يد القدر. امتناع طويل عن الكلام ثم: — هل كان ماهراً جداً في التصويب؟ — العكس صحيح. تعادلا تقريباً في المهارة, وأطلقا النيران المرة بعد الأخرى. لا بد أنه أخطأ لوبِك ست مرات أو سبعاً. ما أتى على ذكر توقف لوبِك عن إطلاق النار. أحس أن المعلومة قد تزيد الطين بلة. — ست مرات أو سبعاً, حدَّث برينِن نفسه. ست مرات أو سبعاً. كم عدد الخطوات؟ — الخطوات؟ لا أعلم الخطوات. بلَغت المسافة حوالي عشرين قدماً, وإن كانت أقرب حين أصابه. أومأ برينِن برأسه. — عشرين قدماً. المؤكَد أن القاضي لم يَبد لبرينِن بارعاً كل البراعة في تسديد مسدسه. ولكن ليس من السهل أبداً في الحقيقة إطلاق الرصاص على شخص, حتى وإن أضمرتَ الرغبة في إطلاقه. كان الناس في الحرب العظيمة مثلاً يسددون أسلحتهم دائماً إلى الهواء بدلاً من العدُو. — سوف أكون هنا, أنبأه برينِن. — ماشٍ. — سوف أكون هنا, ماشٍ؟ — ماشٍ. وسوف ألقاك هنا. — هنا مناسب. وهكذا رحَل كار. خيمت الظلمة والبرودة القارصة على الجو مبكراً في الخارج. برُدت رقع معينة من الهواء أكثر من غيرها, فقد انعدمت الرياح كلية, ولا نسمة. سار عبر تلك الرقع المتنوعة متدبراً طيلة الوقت في القماشة الناعمة التي استقر عليها المسدسان.
وفي تلك اللحظة بالضبط كان أحدهم يلف كلا المسدسين في القماشة لفة لا تخلو من تعقيد ليحمي كل مسدس من الآخر ويحمي الاثنين من العوامل الخارجية. فكك المسدسين ثم نظفهما وزيتهما وركَّب أجزاءهما. استقرا وقتها في صندوق سيارة القاضي. كانت السيارة تقف في الممر قبالة منزل القاضي. القاضي في الداخل يجلس مع زوجته. تناشده.
الرابع
جافى النوم كار. جرَّب أن يقرأ, ولكنه لم يفقه معنى لأي شيء. ثم تفكر, ربما إن اتخذتُ مجلسي إلى المائدة العاطلة من كل شيء, سوف أَقدر أن أفكر في شيء يدعو إلى النوم. أعتقد أن عجز المرء عن النوم ينتج في الغالب من مطالبته فجأة بالتوصل إلى قرار نهائي محدَد أو تأمل فكرة معَينة على حين يعجز عن القيام بهذين الأمرين. ولا يمكن للمرء أن يَعبر إلا بالإنهاك التام أو الخداع أو الأدوية. جلس إلى المائدة. آمن المصريون القدماء بوجود رحالة, إله رحالة يَنزل ضيفاً على مائدتك من حين إلى آخر. لن تَعرفه أبداً من قبل. لن يكون منه إلا أن يطرق بابك مستجدياً وجبة, ولو أدخلتَه وأطعمتَه, لو وفرتَ له المأوى وأغدقتَ عليه عطفاً, سوف يجازيك بتعليمك لغة القطط لكي تتمكن من الاستماع إليها ومعرفة الطريق إلى الفردوس حين توافيك المنية. قام في نفْس كار أن قلب لوبِك لم ينطو على العطف قط. لو كان أحدهم قد أقبل إلى بابه في أي وقت من الأوقات, لم يُدخل ذلك الشخص بيته.
كان برينِن ينتظر على السلالم عند وصول كار. خرَج زوج أم لوبِك. أعطى برينِن مفتاحاً. — ليس هناك الكثير لمعرفته على كل حال, قال. فكل شيء يستمر فحسب. قام برينِن من مجلسه. — هلم, قال. أومأ كار لزوج أم لوبِك ثم ذهب إلى حال سبيله. كانت نفس السيارة. لم يَحول الكيس دون أن تسيل الدماء من رأسه في اليوم السابق فطال المقعد الخلفي البقع. — سوف أتولى القيادة, قال كار. راح برينِن يغني بصوت هامس. لم يستطع كار تمييز الكلمات. قطَعا الشوارع, فوق الجسر, خروجاً من البلدة, عبْر حقول تمتد فوق الطريق المرتفع, ليَلوح هناك من جديد شبح الحلبة الضبابي, السيارة من خلال الأشجار الجرداء, الرجلان المنتظران جوارها. — كيف جرَى ما جرَى, تفوه برينِن بنبرة خفيضة. — هو ما يجري, رد كار. — وما هو الصواب؟ سأل برينِن. لو قتلتُه, فسوف تخسر زوجته إذن زوجها وطفلها. — يجب أن تنبذ هذا التفكير, قال كار. — قد أصيبه في ساقه, قال برينِن. وبعدها ستنتهي المسألة.
كان المسدسان موضوعين فوق غطاء السيارة مرة أخرى, على نفس القماشة. — أيهما أخذه لوبِك؟ همس برينِن. — لا أتذكر, رد كار. إنهما نفس الشكل. — إنهما نفس المسدس, قال معاون القاضي. — ليسا نفس المسدس, قال برينِن. اشتغل أحدهما بالأمس على حين لم يشتغل الثاني. — هل توحي بأن... — لا, لا. أنا واثق أن كلا المسدسين أطلقا النار, وبدقة. ليس هذا قصدي. لكن أحدهما اشتغل. أيهما كان؟ نمى الجدل إلى القاضي فقرُب منهم. — ما بالكم؟ سأل. — يريد أن يَعرف أي المسدسين كان مسدسك. أشار القاضي إلى المسدس الأيسر. أخذه برينِن. لم تزل العلامات باقية في الحلبة من اليوم السابق إلا أن معاون القاضي أعاد رسمها على كل حال بعصا مكسورة. سوَّى مكان سقوط لوبِك. أومأ إلى كار. — سوف نتبع نفس الطريقة. — لقد شرحتُها له, قال كار. — تمام. أومأ كار لبرينِن الذي كان يَحمل المسدس بيديه الاثنتين وماسورته موجَّهة إلى الأرض. سار برينِن بخطى وئيدة نحو الخط. — لا, قال كار. يجب أن تتراجع قليلاً. — آه, فاه برينِن. آسف, نسيتُ. ألمَّ الارتجاف بيديه. وقَف القاضي خلف الخط بمسافة كبيرة. أومأ إلى معاونه. أومأ معاونه إلى كار. — جاهز؟ سأل كار برينِن. ظهَر وجه برينِن متجعداً. حسْبُه أن يهزه بسيطة لتند عنه إيماءة. — الآن. تقدَّم القاضي إلى خطه. ما زايل برينِن محله. رفَع القاضي المسدس وصوَّبه إلى برينِن. رفَع برينِن مسدسه. لم يزل يَحمله بكلتيّ يديه. ارتعش المسدس بلا سبيل إلى التحكم فيه. — تقدَّم إلى الخط, صاح معاون القاضي. تحوَّل إلى كار. لا بد أن يتقدم. — اذهب إلى الخط يا برينِن, قال كار. التفت برينِن التفاتة تنم عن عدم الثقة. — إلى الخط. أخذ يسير إلى الأمام ومسدسه ممتد أمامه. سدد القاضي مسدسه إلى برينِن. حمَله بيد حريصة وضغط. أتى الصوت ثم اختفى. البادي أنه عبَر فوق الأرض كي يقبض على برينِن ويطيح به ثم يتبدد. كان برينِن يسعل ويمسك بصدره. غشت الدماء فمه بالكامل. ما انفك يمسحها بيد أن الفم ظل دامياً. لم ينقطع سيلان المزيد والمزيد من الدماء من فمه. — ليون, نادى. ليون. جثا كار إلى جواره. اخترقت الرصاصة صدر برينِن وثقبت رئته. غص فمه بالدماء. علت الدماء وجهه ورقبته, علت يديه. كان لا يزال يمسك بالمسدس. أخذه كار منه وحطه على الأرض. — فرانك, قال. أنت بخير يا فرانك. — أنا بخير, قال برينِن. — تماسك. سوف نذهب بك إلى المستشفى. — لن يذهب أحد إلى المستشفى, قال معاون القاضي. نهض كار. — لقد أصيب برصاصة في صدره. ألا يكفيك ذلك؟ سوف أنقله إلى المستشفى, ولن تمنعني. — سوف أمنعك بالقطع, قال معاون القاضي. التقط المسدس من الأرض وأمسكه بيده في جدية لا مزيد عليها. فاتت دقيقة. ثم أخرى. بات سعال برينِن أهدأ الآن. سار كار نحو السيارة. — سوف آتي بمن يساعدنا. لا أعبأ بقولك. — لا جدوى من الحديث, أبلغه القاضي مقترباً. إنه ميت بالفعل. الواقع أن صدر برينِن أمسك عن الحركة. — هذا من أجلك, قال المعاون وهو يُسلم كار ظرفاً. انكتب على الظرف جيمز هارْب. جثم الصباح في جفاء من حولهم بممرات طويلة من أفق مكسو بطبقة رقيقة. كان القاضي ومعاونه يقفان معاً ويتحدثان بصوت خافت. ماذا علهما يقولان؟
الخامس
جيمز, قال. جيمز, كرر بصوت أعلى وهو يدق الباب دقاً عنيفاً. استطاع أن يسمع صوت أحدهم يتحرك في الداخل. — هارْب, افتح الباب يا ابن الكلب. انفتح الباب. وقف هارْب هناك وهو يرتدي برنساً. كان شعره مشعثاً منكوشاً. لم يزل وجهه منتفخاً. — ماذا تريد؟ قال. — مات الاثنان. — وتظنني لا أَعلم؟ وقَف كار لا يبرح مكانه. لم يملك أن ينطق بحرف. حاول ولكنه عجَز. ما كان منه إلا أن وقف هناك ممسكاً بالظرف. رفض أن ينظر إليه. لم يكن يمسك ظرفاً. لن ينظر إليه. غض بصره إلى الظرف. — ما هذا؟ سأل هارْب. — ماذا؟ — ماذا تمسك؟ ماذا في يدك يا كار؟ كان كار رغم كل شيء واقفاً هناك ومعه الظرف. ناول هارْب إياه. — عليه اسمي. ماذا, كنتَ واقفاً فحسب بظرف عليه اسمي دون أن تتفوه بأي شيء؟ أخذتَه منهما, أليس كذلك؟ يرسلانك كل يوم, أنت رسولهما. ما الحكاية؟ إن كنتَ صديقي لرميته. الآن لا بد أن أقرأه. الآن لا بد أن أصنع شيئاً. — حسناً, اصنع شيئاً, رد كار. تمزق الظرف وهارْب يفتحه. مرقت فتاة من غرفته. — ما هذا؟ — لا شيء, قال هارْب. — أعطني إياه, أمرت. أعطني إياه. حاولت أن تأخذ الظرف من هارْب. تلوى فالتاً منها. انتزعته من يديه وجرت إلى الغرفة. — ارجعي! عدا هارْب وراءها. وتبعه كار. قامت في الركن القصي مدفئة. كانت الفتاة تقف إزاءها. راحت الرسالة. — لا فرق يا أليس. — ماذا تقصد؟ سألت. لم يحر هارْب جواباً. — ماذا يقصد؟ — لا أَعلم. — تَعلم, الله يلعنك. قل لي ما هو قصده. — يقصد أنه يَعلم فحوى الرسالة وإن لم يقرأها. ما في اليد حيلة. أرسلت صرخة وطفقت تلكم بيديها صدر هارْب ووجهه. — لا! لن تذهب. لن تذهب. نظَر هارْب من فوقها نحو كار. ضبَطت قسمات وجهه نفسها. — صباح الغد؟ سأل. أومأ كار برأسه.
وفي الخارج تقدَّم بالشارع موكب في منتهى الجمال. تأنَّق الصِبية الصغار في بذل الجنود الزرقاء الزاهية وحمَلوا بنادق وسيوفاً صغيرة وما شابهها. حمَل آخرون أبواقاً وأنفاراً, وحمَل بعضهم طبولاً. كان صخباً لا يعادله صخب. كذلك لم يَعدم الموكب الراشدين, نسخ راشدة من بزات الأطفال المضحكة, يسيرون في المقدمة. تعلقت أيضاً لافتة إلا أن اللافتة تجاوزت الرؤوس بالفعل, فلم يتمكن كار من قراءة المكتوب عليها. سرى الموكب في اتجاه سير كار. هل أنضم إلى الموكب؟ تساءل. قرار يضطر المرء دائماً إلى اتخاذه. هل أنضم إلى الموكب أم لا؟ يَسهل اتخاذ القرار في حالات معَينة, وفي حالات أخرى لا سهولة فيه. ظهَر آنذاك بغل يمتطيه طفل صغير للغاية يتنكر هو الآخر في هيئة بغل. أو بالأحرى ناسك في قميص خشن من وبر الجَمل. قميص من وبر الجَمل, ورَد على بال كار. لم أر قميصاً من هذه القمصان منذ زمن. أجل, هذه الأفكار وأفكار أخرى مفعمة بالذنب. وبعْد البغل جاء أربعة راقصين تقوسوا وتلوا فوق بعضهم بعضاً كي يبدوا على شكل فيل. نجحوا نجاحاً باهراً في مهمتهم. أتصور أنهم الأفضل في العالم في الظهور على شكل فيل بموكب. حتى لو جرَّب الكل القيام بها, سوف يظلون الأفضل, إلى هذه الدرجة مهروا فيها. لا أشاء أن تعتقد أن أفضلية هؤلاء الناس لا قيمة لها لأن أحداً لم يعبأ بمحاولة الظهور على هيئة فيل مع أشخاص آخرين في موكب من المواكب لأنها ولا شك ذات قيمة كبيرة. سُرَّت الأعين لمرآهم وهم يجرون أرجلهم على طول الشارع. كانت يد أحدهم هي الخرطوم, دهَنها باللون الرمادي شأن الخرطوم وحلَق منها كل الشعر. تحرك من الجانب إلى الآخر مثلما يتحرك خرطوم الفيل ليبدو دوماً وكأنه يهم باستقصاء رائحة ما أو شكل ما. تميَّز صانعو هذا الفيل بالعزيمة والإصرار. لا بد أن وجعاً لا حد له حاق بهم حين قطعوا طيلة الطريق عبر البلدة على قارعة الشارع الصَلب. وهكذا كان حال الفيل. غاب عن الأعين بالفعل. أتت بعدئذ مجموعة من الفتيات الصغيرات يستقر فوق أكتافهن الحمام, من نوعية الحمام مرسِل الرسائل. الظاهر أن هناك جمعية من الفتيات ترسل هذه الرسائل طوال الوقت. وعلى الرغم أني لم أبصرهن يرسلنها, أعتقد أنهن يرسلنها حقاً. علِق بصر كار بالجمعية تمر من هناك فتفكر على الفور في رسالة قد يرغب في بعثها عن طريق الحمام. إلا أن الجمعية لم تكن تَقْبل بالطبع الرسائل في ذلك الوقت.
انتصف الأصيل عندما آب كار أخيراً إلى منزله. جلَس على الأرضية وتطلع إلى الكتب المكدسة هناك. حدَّث نفسه مساء, سوف أقصد مقهى لطيفاً وسوف أطالع رواية جارجانتوا بالفرنسية من أول صفحة إلى آخر صفحة بلا توقف. ثم سيقترب شخص, فتاة جميلة على الأرجح, وستفاتحني, آه, هل تحب رابيليه, وسأجيب, مم, أحياناً, ولكن طلباً للقراءة الخفيفة ليس إلا, ثم سأُخرج إحدى نسخ الكاتب لوك مدعياً أن بي من الجد والتنظيم ما ليس بي في الحقيقة. ألن يَخدمني هذا الادعاء. الواقع أنه قرأ في المقهى بعضاً من روبرت لويس ستيڤنسِن, كاتب لم يكتب للأطفال وحدهم. بثت فيه القراءة بالغ النشاط والحيوية فأجال نظرة شاخصة مشعة ثاقبة إلى ما حوله. ما بدا له ممكناً أن أياً مما حدَث قد حدَث حقاً أو حتى من الممكن حدوثه حقاً. هل ستقام جنازة, تساءل. هل سيشيعون جنائزهم معاً؟ حدَّث نفسه بهذه الأسئلة بصوت هادئ, حديث يوحي بأنها ليست أسئلة فعلية. فقد تساءل هو نفسه إن كان هو الرابع حقاً وسوف يكون الرابع حقاً. تساءل عما سيقع آنئذ؟
اقترب منه أحدهم بالفعل. كان قائد فرقة موسيقية من بروسيا. — ما شأنك؟ استفسر الرجل. — لا شيء, رد ليون كار. — لِم كنتَ تحملق إليّ إذن؟ — آسف, اعتذر كار. كنتُ أمعن التفكير في موضوع. — آه, رد الرجل. حسناً, لا بأس إذن على ما أظن. أُفضل مع ذلك أن تكف عن الحملقة. هل ستكف؟ — سوف أحاول, قال كار. ولكني سأجد صعوبة طفيفة. فأنت تجلس قبالتي. لو فكرتُ ونظرتُ في ذلك الاتجاه, قد تَشعر عندها أني أنظر إليك حتى لو لم أكن ناظراً. تدبَّر قائد بروسيا الكلام. — لذلك – خاطبه بالبروسية – لا نسمح بجلوس الناس في مواجهة بعضهم بعضاً. فهذا يساعد على تقليل حالات الإساءة. — لا أصدق كلمة واحدة مما تقول, قال كار. — إنك لا تتمتع بالكثير من اللياقة, قال البروسي. تصبح على خير. رفَع قبعته لكار وعاد إلى مقعده. تنبه كار بين الفينة والأخرى إلى أنه يتفرس في الرجل, وفي تلك الأحيان كان يشيح بوجهه عنه.
دار بذهن كار كيف تخيل لنفسه منزلاً بشرفة طويلة يستقر على مرتفَع بسيط فوق أحد شوارع بلدة تطل على شاطئ البحر. كان قد انضم إلى جماعة من أشخاص يستغرقون في أحلام اليقظة أيام شيوع مثل تلك الجماعات. وحينما استلقوا جميعاً وانهمكوا في أحلام اليقظة, كان يحلم بهذا المنزل. تجلت في عقله تفاصيل كل غرفة. سوف يصفف رفوفاً للكتب فوق سلالم المنزل. سوف يبني الكثير من السلالم, سُلم واحد على الأقل لكل غرفة. سوف يَبلغ الداخل الحمامات عن طريق السلالم, لن تمتد الغرف قط في نفس الارتفاع. الحق أن المنزل سوف يشكل لغزاً للمعماري والمهندس. كثيراً ما جال بخياله نفْسه وهو يشرح إبداعه. ويا له من جدل. تصوَّر رده. لا توفروا أي مصاريف يا شباب, لا توفروا أي مصاريف. إنني مستعد للدفع بسخاء. سوف يبتسم الجميع بعدها فاهمين بعضهم بعضاً.
السادس
استيقظ على برد قارس. ترك النافذة مفتوحة في الليلة السابقة. عرَج وهو يقطع الغرفة مكسواً لا يزال ببطانيات متدلية, أغلق النافذة ثم عاد إلى الفراش. كانت السماء مضيئة في الخارج. لن أَذهب, فكَّر في سره. أستطيع أن أمكث هنا فقط. أو أستطيع أن أَجمع كل متاعي وأرحل. سوف أمضي إلى بلدة أخرى. لن تكون بالخطوة السيئة. لا شيء يبقيني هنا, فعلاً. لا أحد لي هنا. بوسعي أن أرحل. ولكن أعظم شعور استبد بكار كان شعوراً بالذنب لِما اقترفوه, وقد كان كار آخر مخلوق قد يهرب. سوف أهرب, دار في ذهنه. عبأ متاعه على عجل في حقيبة سفر ضخمة. ثم وقَف وأطرق بصره إليها. إن لم أذهب الآن, لن أوافي هارْب في الميعاد المحدَّد قط. انغلق الباب. لم تزل الحقيبة مفتوحة على الأرضية, عدا كار ومعطفه في يده نازلاً السلالم ليَخرج إلى وضح النهار. ردَّ يده إلى الوراء كي يَخبط على الباب فانفتح. كان هارْب قائماً هناك, في أبهى حلة. لاحت عليه آي العزم. كانت الفتاة التي رآها كار في اليوم المنصرم موجودة هي الأخرى لتودعهما. ما ركِبها جموح اليوم السابق. — مع السلامة, قالت. — مع السلامة. أغلق هارْب الباب. — السيارة في الحارة الجانبية, أنبأه. خرَجا من الممر الخلفي إلى الحارة. ها هي السيارة. خرَجا من الحارة إلى الشارع. على طول الشارع إلى الجسر. عَبْر الجسر إلى الطرق المترامية خلفه. ونزَلا ثم نزَلا إلى الحلبة حيث يستطيع المرء أن يمد بصره عبر الأشجار الجرداء إلى سيارة متوقفة وهيئتيّ شخصين في الانتظار. — أياً كان ما سيَحصل, لا تقلق, قال هارْب. ستنحل المسألة برمتها. — ماذا تعني؟ — لا تَشغل بالك بما أعنيه. لا تَشغل بالك بأي شيء. ابتعد فحسب عن مرمى النار. — حسناً, قال كار. ترجلا. وَجدَا القاضي يقف من جديد برفقة معاونه. كانت القماشة منشورة مجدداً على الغطاء ومعها المسدسان. اقتربا. تألفت الحلبة من قوس طويل ينبسط جانباً بين قبضات من الأجراف المنحدرة المشجرة والتلال المرتفعة. ثمة أكشاك في الأفق, وإسطبلات وراء الأكشاك. بدت السماء فوق الأكشاك أبعد مما ينبغي. كم تَبعد السماء؟ وهل يختلف بُعدها من مكان إلى آخر؟ خال الناس ذات يوم أن الفردوس يقع في مكان ما إلى ما وراء القمر. وهكذا انقسم كل شيء. كانت بعض الأشياء أسفل القمر, وبعضها أعلاه. وقد عدَّوا القدرة على الذهاب إلى ما وراء القمر أمراً ذا شأن عظيم. كان معاون القاضي يَشرح لهارْب أنه يستطيع استخدام أي مسدس من المسدسين. حدَّق هاري إلى المسدسين. ما فاه ببنت شفة. ما ند عنه غير التحديق. — هارْب. هارْب. يا هارْب, نادى كار. شعَر بشيء غير طبيعي في وقفته. — هارْب! ارتقى بصر هارْب على بغتة. كان يقف مولياً كار ظهره. تجمدت أوصال القاضي ومعاونه. — ما معني هذا؟ — لن أموت, ليس اليوم, قال هارْب. — ماذا تَصنع؟ صرخ كار. ضمت يد هارْب مسدساً أوتوماتيكياً. — ما في اليد حيلة, قال هارْب. إنه الواقع. — فكِّر فيما ارتكبناه, قال كار. لا سبيل إلى إصلاحه. رشَق القاضي ومعاونه هارْب بنظرات حذرة. بدا وكأن تردداً اكتنف هارْب لحظة. فقد خفَض المسدس قليلاً. انقض المعاون فجأة على السيارة. خطَف أحد المسدسين من فوق الغطاء. أعاد هارْب ذراعه إلى سابق وضعها. سدد ذراعه إلى معاون القاضي وأطلق على ظهره الرصاص. انبطح الرجل على الأرض. أدار هارْب المسدس نحو القاضي. أضفى عليه إطلاق النار بعض القوة. تحدث الآن بلهجة المصمم. لقد بدأ الأمر. — لقد قتلتَ لوبِك وقتلتَ برينِن. الآن حان دورك. حان دورك. وجَّه المسدس إلى رأس القاضي. — لا! اندفع كار نحو هارْب. لم يُعمل عقله, ما بدر منه سوى الاندفاع. ليس من العدل ما أتوه في حق القاضي وزوجته. فعلة مجرَّدة من الشرف. عليهما دين ينبغي أدائه. ينبغي أن يعطيا القاضي فرصة كي يوازن كفتيّ الميزان. صدَم هارْب من الجانب. وقَع هارْب تحته لينطلق مسدسه بدون إلحاق أذى. قبَع هارْب أسفله, يُصدر أنفاساً لا ينقصها الاهتياج. نهض كار على قدميه بصعوبة بالغة. راح هارْب يشتم وهو ينهض. ثم أتت طلقة من خلفه. وقَع هارْب مجدداً. كان القاضي خلفهما. رشَق جسم هارْب الساقط على الأرض برصاصة. تلوى هارْب ألماً. رشَق القاضي جسمه برصاصة ثانية ثم ثالثة. — كفاك, زعَق كار. انطلق نحو القاضي بيد أن القاضي أدار المسدس في اتجاهه. — ولا حركة. تقهقر كار. جثا القاضي بجوار هارْب. كان هارْب يبكي. اقتحمت رصاصة أخرى رأس هارْب فرانت فوضى عارمة على الأرض مكان هارْب. — وهل تتصور رد فعل آخر؟ سأل القاضي. عدَل معطفه. أرسل كار طرفه إلى معاون القاضي. ما زال الرجل حياً لَصْق السيارة, يقبض على فتحة في صدره. وضع القاضي إصبعين في فمه وأطلق صفيراً. بزَغت من الأشجار القائمة على الجانب النائي من الحلبة سيارتان. توقفتا. ترجل من إحداهما رجل بحقيبة سوداء, طبيب. جثا إلى جوار معاون القاضي وأخذ يعالجه. كان القاضي يرصد كار في سكون. — لِم فعلتَ ما فعلتَه؟ سأل. — لا أعلم, أجابه كار. لقد أخطأتُ. كان يجب أن أتركه يقتلك. — ولكنك لم تتركه, قال القاضي. تحرك كمن يهم بأن يربت كتف كار. تراجع كار. — على هواك, قال القاضي. أشار إلى القماشة الموضوعة على غطاء السيارة. — هل تَعلم فيم تُستخدم هذه القماشة؟ — لا. — إنها للرضع. تَلِف فيها الرضع حين تأخذهم من المستشفى إلى البيت. اشترتها زوجتي لمَّا عرَفتْ أنها حامل. تحسَّس مدى نعومتها. تناول القماشة ومد يده بها نحو كار. لمس كار القماشة على كُره منه. كانت متناهية النعومة حقاً. سحبها القاضي من يده وأعادها إلى غطاء السيارة. أخرج من معطفه ظرفاً. — هذا الظرف من أجلك, أبلغه. يومك سعيد.
السابع
ذهَب كار إلى بيته مباشرة, ومع أن الأصيل كان في مستهله, أغلق مصاريع النافذة واضطجع على الفراش وسرعان ما غلَبه النوم.
طرْقٌ صاخب على الباب: كانت زوجة القاضي تقف في الردهة. — ليون كار؟ كانت تلبس فستاناً من صوف رقيق السمك مع نفس المعطف المفتوح المحاك من الصوف الخشن. طال الهزال وجنتيها. ما توقع كار أبداً أن يراها. لم يرتب في ذهنه أي سياسة للتحدث إليها أو التصرف بمحضرها. — أنا آسف للغاية, اعتذر كار. آسف, أنا... أخذت يده بين يديها ورنت في حِلم إلى وجهه. ناوشت كار رغبة في البكاء, يا لطيبتها في التعامل معه. — آسف, أعاد القول. تفضلي بالدخول والجلوس. ثم خطر بباله أنها قد لا تروم الدخول. — هل تمانعين من الدخول؟ سأل. هل تفضلين البقاء في الخارج؟ — لا, لا, نفت. هنا. دخَلت غرفة كار. خلَعت معطفها وقعَدت على الفراش. ما أمسكت عن الحملقة إليه. كان فستانها رقيق القماش جداً, وقد أكن لها حينذاك غاية التعاطف. شعَر بأنه لا يجب أن يتعاطف معها, ولكنه تعاطف معها وتطلع إليها, هناك, وهي جالسة على فراشه. — لا أعلم ماذا أقول. حاول أن يفكر في عبارة حنون لينطق بها. أحس أن الذنْب لم يغب بموت لوبِك وبرينِن وهارْب, وإنما تركز كله في شخصه. ولكنها جذبته إلى الفراش بجوارها وأخذت يده. مررتها على طول جنبها ثم رفعتها إلى صدرها. مالت عليه. دنا وجهها من رقبته. طبَعت عليه قبلة رقيقة. — لا تقلق, غمغمت. لا تقلق. مرر يده على طول جسمها, فوق جسمها. وفي لحظة واحدة قلَعت فستانها من فوق رأسها. نزَعت بنطاله. اعتلته. حجَب شعرها الغرفة عن النظر والتصقت شفتاها بركن شفتيه.
رقدا معاً هنا, في الفراش, يدخنان. — أظن من الواجب أن أخبرك. لم يجهضني أحد.
غادرت الفراش وارتدت فستانها. كان كار جالساً مغلق العينين. — ماذا قلت؟ سأل كار. — لم يجهضني أحد. ما كان سوى سبب ليقاتلكم زوجي. فقد شعر أن شرف الشبان لم يعد كما كان, وبدون سبب وجيه لن تطيقوا صبراً. ارتدت معطفها. — لا أُخبرك إلا لضيق يخالجني من المسألة برمتها, أعلمته. لستَ مضطراً إلى قتاله إن لم ترغب. تَقدر أن ترحل. لا يساورك أي شعور بالذنب, ذلك كل ما أريد قوله. — إن ما تقولينه... غاية في الـ... لماذا لم تصارحيني مبكراً؟ هل تتركين زوجك بكل بساطة...؟ قفز كار من الفراش وأخذ يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً. كانت بجوار الباب. — شكراً على أي حال على الوقت الحلو. الوضع كله جعَل الموقف حميمي. تطلع كار إليها تطلع العاجز. — أصدقائي أموات, فاه. — البقية في حياتك. فتَحت الباب وخرَجت تاركة إياه مفتوحاً. مضى إلى الباب — أصدقائي أموات! بيد أن الردهة كانت خالية. سمِع وقع أقدامها وهي تهبط السلالم.
كان الآن في الردهة وهي غائبة. يقال إن المرء لا يجب أن يقف تحت الأشجار في أثناء العواصف الشديدة خوفاً من البرق. يُحذرون كذلك من الوقوف في حقل مفتوح. النصيحتان غاية في التحيير, فعندما اتفق مثلاً ذات مرة أن كنتُ في مكان يشمل حقولاً وأشجاراً خلال عاصفة شديدة وبرق, استحوذتْ عليّ الحيرة. إلى أي مدى أبتعد عن الأشجار؟ إلى أي مدى عن الحقول؟ هل أحفر حفرة في الأرض؟ هل أحتفظ معي بجاروف صغير من أجل العواصف المطيرة؟ ألن يتجمع المطر في مثل تلك الحفرة ويغرقني؟ ليس بالمصير بالأفضل, الحق أنه نفس المصير تقريباً لأني سمِعت أن الجثث قتلة البرق تنتفخ انتفاخ مَن يعثرون عليهم غرقى. أجل, عجَز كار عن تركيز ذهنه في أي شيء محدَّد. يا له من حال لا معنى له! ماذا ينبغي أن يفعل كار؟ انتابه يقين كامل بأنه يجب أن يَذهب ويطلق النار على القاضي. لِم كسَب القاضي المبارزات السابقة؟ لأن الآخرين حل بهم شعور بالذنب. تركوا أنفسهم يموتون. ما عدا هارْب الغادر. أجل, ما برأ من الغدر لأنه اعتقد أنهم قتلوا طفل القاضي, ومع ذلك تصرف وكأنهم على حق. ماذا لو قصدتُ منزل القاضي وقتلتُه ليلاً؟ هل سأكون على حق؟ وها هو قد نام مع زوجة القاضي. فعلة سيئة بوجه عام, ولكنها تبدت لحظتها غير ذات أهمية. سوف يواجه القاضي. سوف يذهب إلى منزل القاضي ويواجه ثم سيطلق عليه الرصاص حتى الموت في مبارزة صباح الغد. ساوره إحساس ببالغ الرضا عن قراره. ارتدى ملابسه ولبِس معطفه ثم اتصل بسيارة أجرة لتقله إلى منزل القاضي.
تراءى منزل القاضي – كما قد تفترض – موضوعاً ممتازاً أي امتياز. انتهت السيارة الأجرة إلى هناك سريعاً. بل إنه لم يتذكر أنه استقلها. ثم ترجل منها. أوقع المنزل في نفسه إحساساً فورياً بأنه قزم. إنه أحد أساليب فاحشي الثراء. يبثون بتصاميم منازلهم في قلب كل من يفد أو تفد لزيارتهم إحساساً بأنه أو أنها متضرع أو متضرعة. لستُ بمتضرع, قال كار في قرارة نفسه. إنني المظلوم. إنني موجِّه الاتهام. ارتقى السلالم. التقى بصره برَجل يقف في القمة بزي كامل من أزياء الخدم. عل الرجل خادم. — أريد أن أقابل القاضي. — لا ميعاد لديك, قال الرجل. — لا فرق, قال كار. سوف أقابله. يجب أن أقابله. — ما يجب عليك فعله وما سيحدث: ثمة فرق بينهما, أعلن الرجل. من مهام عملي أن أحرص على عدم إقلاق راحة القاضي. كل صنوف الناس تفد إلى هنا بعد أن يَصدر القاضي حكمه في القضايا الجنائية. يشعرون أنه عاملهم بظلم. زمَّ شفتيه ثم والى الحديث. — ظلمٌ, عدلٌ. ومَن سيَفصل في ذلك الظلم؟ إنه هو القاضي بعينه. لذا فهو قاضٍ. وعليه, أياً كان ما بعثك على المجيء إلى هنا, اذهب إلى حال سبيلك. عاد إلى وقفته الأولى. — اسمع, قال كار. أريد أن أقابل القاضي. وسوف أَدخل من الباب بطريقة أو بأخرى. — حسناً, لفظ الرجل. إن كنتَ ستدخل, لن أمنعك. ولكني أؤكد لك أن هناك آخرين أشد عزيمة مني منتظرين في الداخل. اجتاز كار الرجل ومرق من أبواب المنزل الأمامية. ترامت في الداخل ردهة طويلة. قام في أحد جوانبها غرفة لحفظ المعاطف ورجل خلف طاولة. وقبْل الأبواب المنفتحة على المنزل انتظر رجل آخر. تزيا الاثنان كالرجل الأول بزي الخدم. — المعطف, قال الرجل الأول. أعطى كار الرجل معطفه. شعر بعدم رغبه في النزول عنه, ولكنه نزل عنه على أية حال. وفي نزوله عند طلب واحد وحيد من طلبات هؤلاء الناس, شعر كمن يتخلى عن بعض روح المبادرة. ومع ذلك تخلى عن معطفه. — ثانية واحدة, قال كار. أرجع الرجل المعطف ومده إليه. دس كار يده في أحد الجيوب وأخرج شيئاً. ابتسم إليه الرجل بما يشي بالتشجيع, ابتسامة بغيضة. رد عليه بلوي قسمات وجهه احتقاراً, ولكنه وَجد من الحكمة لحظتئذ أن يعدل قسماته. ما رغب أن يُلحقوا ضرراً بمعطفه. — سوف أَرجع لآخذه. — إن لم تَرجع, سنرميه, أعلمه الرجل. حمَل المعطف بأصابع رقيقة رقة متصنَّعة وكأنما يفضل ألا يلمسه. استدار كار وسار نحو الباب التالي. — تمهَّل, أمر البواب وهو يوجه ابتسامة متكلَّفة إلى موظف المعاطف. — تمهَّل, كرر الأمر. أغرق الاثنان في الضحك. — أريد أن أقابل القاضي, قال كار. — لا تدعني أوقفك, قال البواب. مضى كار ليَعبر الباب. حاول أن يدير المقبض. كان الباب موصداً. — الباب موصد, نبس. انفجر كلا الرجلين في نوبات من القهقهة. — هل معك مفتاح؟ سأل البواب. — هل معي مفتاح؟ سأل البواب موظف المعاطف. — أجل, بالطبع معه مفتاح. إنه البواب. استأنف الاثنان القهقهة. — اسمعا. أريد أن أدخل من ذلك الباب, قال كار. أخذ بتلابيب البواب وأخذ يهزه. اتسم الرجل بالضعف الشديد وصغر الحجم, فكاد يجره من مكانه. — حسناً, حسناً, قال الرجل. ها هو المفتاح. سلَّم كار المفتاح. وضع كار المفتاح في القفل وأداره. ركض البواب المتحرر من قبضة كار في الردهة. — سوف تنال عقابك. تذكر كار معطفه. هَم بالرجوع إليه. لا, جال في خاطره. سيحسبونني ضعيفاً لا ينصَب قلقه إلا على معطفه. كما أن ذلك الرجل موظف معاطف. لا بد أنهم يتمسكون بمبادئ وفقاً لها لا يدَعون أي ضرر يقع قط للمعاطف. وإلا علام قد يعتمد فخرهم بأنفسهم؟ قرر الاتكال على مبادئ موظف المعاطف هذا, ومر من الباب. تقوس في الجانب الآخر سلم داخلي عريض. ويساراً مر به ممر فسيح امتد بعيداً ناحية اليمين, بالضبط بمحاذاة مدفأة واسعة. أين أذهب؟ فكر كار. رأى فتاة في زي خادمة تَحمل ملاءات مطوية. — يا نهاري, فاهت. — أين القاضي؟ — لا علم لي, ردت. إنما ليس مسموحاً لأحد بالتجول بمفرده في هذا المنزل. أسقطت الملاءات وجرت نحو الحائط. تدلى من هناك مقبض جرس. أمسك بها كار في اللحظة المناسبة وجذبها إلى الخلف. أمسك بظهر فستانها فتمزق. اندفعت ثانية نحو المقبض فتمزق تماماً. أُرغم على القبض على خصرها. تعالى الضحك عندئذ من السلالم. التفت كار بسرعة خاطفة ولا يزال يمسك بالفتاة المتشبثة به في لباس داخلي وفستان ممزق فقط لا غير. قامت على السلالم زوجة القاضي وأيضاً ثلاثة من الخدم. — لديك شهية مفتوحة, بادرته زوجة القاضي. ترك كار الفتاة. ومع ذلك ظلت متشبثة به. — ماذا تفعلين؟ قال. ابتعدي عني. — في البداية تتهجم عليّ, قالت, والآن وقد نلتَ من عفتي, تريد أن تتخلص مني. لن أسمح لك. تشبثت به بإحكام. كانت الفتاة أكثر مما يحتمل كار. — ابتعدي عني, قال وهو يزيحها عنه. — معاملتك لها سيئة, علَّق واحد من الخدم. — ما الحكاية؟ قال آخر. — ما جئتُ إلا لأتحدث إلى القاضي. ضج الجميع بالضحك. — شخص مثلك, يتحدث إلى القاضي! ما صك مسامعهم مطلقاً إعلان أكثر إضحاكاً. — ما غرضك من المجيء إلى هنا؟ قالت زوجة القاضي. ثم للخدم: — ارموه في الشارع. التفتت واعتلت السلالم. هبَط الخدم ناحيته. التقط كار مِسعراً من المدفأة. رشقه الخدم بأعين الاحتراس. — سوف أصعد. لا يمكنكم منعي. ثم مسَك أحدهم بذراعيه من الخلف. كان أحدهم قد تسلل وراءه. تقدم الخدم وأخذوا المِسعر من يده. لكَم أحدهم معدته. وقَع. ضربوه عدة مرات أخرى إلى أن فقد الوعي. ثم رفعوه من يديه وقدميه وأرجعوه إلى مقدمة المنزل حيث رموه بفظاظة على الأرض. أجل, ها هو مكانه, بفم يعج بالتراب.
آب الخدم إلى الداخل. طلَع كار السلالم ودخَل المنزل. ركض بحذاء موظف غرفة المعاطف ودخَل المنزل مباشرة. عدا فوق السلالم الأمامية وفتَّش في غرف الطابق العلوي. انقسم الطابق إلى غرف عديدة من جميع الأحجام والأشكال. قبع أناس في بعضها, تصاعد صراخهم وندت عنهم جلبة مروعة وهو يقتحم الغرف ويَخرج منها. جرى وجرى في ممر امتد على الأرجح ميلاً أو اثنين. أُكره تكراراً على التوقف لاهثاً منقطع الأنفاس يتلمس الهواء قبل أن يعود إلى الجري. ومن خلفه وسعه أن يميز مطارديه في الأفق. لا بد أن منظري مخيف, جال بباله, وأنا أجري هنا وهناك بلا كابح والتراب يغطيني. وجد في نهاية الممر سلماً آخر. ارتقى السلم ليلفي نفسه في الريف. كان نهاراً فسيحاً بهيجاً وأغاني العصافير تتخلل الهواء. سارت مجموعة من الشبان مقْبلة على طول قمة تل. تقدم لملاقاتهم. — عدنا لتونا من الحرب, قالوا. — الحرب انتهت, أبلغوه. — تعال وجالسنا. صاحبتهم شابات يخامرهن الفخر, تغطوا جميعاً بسلاسل من الزهور والأعشاب الصيفية. ما انفكوا يقولون الجملة مراراً وتكرارا لتسبغ على ثغورهم بهجة ما بعدها بهجة, الحرب انتهت, الحرب انتهت. استلقى كار على ظهره, ولحظتها تذكر معطفه. تاه من ذاكرته. كان في سبيله إلى, في سبيله إلى... كان يقف مرة أخرى خارج القصر والباب موصد. توقفت سيارة أجرة. انفتح شق في الباب الأمامي للمنزل. دس موظف المعاطف رأسه منه. — تلك السيارة الأجرة من أجلك, أخبره. خيرٌ لك أن ترحل الآن. ها هو معطفك. أقحم المعطف عبر الشق الضيق. أخذه كار. لم يكن نفس المعطف على الإطلاق. كان معطفاً أضاعه ذات يوم أثناء الترجل من قطار واستقلال آخر, منذ عشر سنوات على الأقل. ضاق عليه هذا المعطف للغاية. — شكراً, قال كار. — لا تشكرني, نهاه موظف المعاطف. لستُ صديقك. انغلق الشق.
هل كان خارج منزل لوبِك؟ كانت أم لوبِك هناك, ترعى أطفالها في الجوار. أمكنه رؤيتها من النافذة. وبعدها وقعت عيناها عليه. كان في الداخل, يتطلع إليها. — ياه, هذا لا يصح, جاهرت. إنك في حال من الفوضى. هيا يا أولاد. وهكذا أخذ كل الأطفال كار إلى حوض استحمام ضخم من الحديد المسبوك, ومعاً حمموه جميعاً وغسلوه. وعند خروجه كان طقماً نظيفاً من ثياب لوبِك يستقر هناك في انتظاره. ارتدى الثياب. كانت بذلة مخططة لطيفة بعض الشيء. طفَر الأطفال مرحاً ورقصوا حولهما. — أنت الآن نظيف وسوف نتكلم, بادأته أم لوبِك بالحديث. كان زوج أم لوبِك حاضراً هو الآخر. — من الأفضل كثيراً أن تستجمع شتات نفسك قبل المحادثات المهمة, قال. لا يصح أن تهيم غادياً رائحاً كالحيوان القذر. إننا لا نعيش في كهوف, كما تَعلم. لم نعد نعيش فيها. شرَح كار ما جرى له. ابتُلى الاثنان بالذعر. ومن حولهم رقَص أطفال صغار لا يدركون شيئاً وارتفع غناؤهم. — يجب أن يرمى الرجل بالرصاص! قال زوج أم لوبِك مصمماً. سوف أذهب معك غداً وأكون معاونك. — شكراً, قال كار. — ولكن ما حدَث في المنزل, قالت أم لوبِك. وما حدَث مع زوجة القاضي. لِم أخذتَها إلى غرفتك وفعلتَها معها؟ تململ كار بقدر من عدم الراحة. — المسألة وما فيها أني شعرت بذنب شديد, أفشى إليها. ولم أعرف ماذا أفعل. — هل ذلك ما تفعله عندما لا تَعرف ماذا تفعل؟ تبادلت أم لوبِك وزوج أمه نظرة. — وماذا عن هذه الفتاة الخادمة, سأل زوج أم لوبِك. كيف كان شكلها وهي عارية؟ — كفاك, أمرت أم لوبِك. كفانا من ذلك الحديث. سايرا كار إلى الباب وهما يربتان كتفه وظهره ويواسيانه. تولاهم جميعاً شعور عارم بفقدان لوبِك وبرينِن. الحق يقال, لم يحزنوا شديد الحزن على هارْب. — الخسيس الغادر, قال زوج أم لوبِك. ما كان يجب أن ندعوه إلى منزلنا على الإطلاق. سوف تقام الجنازة يوم الثلاثاء التالي. — أرجو أن أراك في الجنازة, قالت أم لوبِك. سوف تسافر عائلة برينِن كل هذه المسافة. سوف تستلزم الرحلة أن يسافروا الآن كي يصلوا وقت الجنازة. وسيمكثون هنا عدة أيام ثم يرجعون. أهلاً بك ضيفنا تجيء وتمكث هنا لو شئتَ. خيرٌ لك في مثل هذه الأوقات أن تكون وسط الناس. أخبرهم كار أنه يفضل الانفراد بنفسه الليلة. — براحتك تماماً, قال زوج أم لوبِك. كلنا وحيدون في وجه موت لا يدرك شيئاً. لاحت ابتسامات التشجيع على أهل لوبِك وهو يبتعد في ثياب ابنهما المقتول.
ثم ارتعد الحُلْم واستيقظ من نومه. كان متمدداً في الفراش, داخِل غرفته. ذهب إلى النافذة وفتحها. حل الظلام في الخارج. نام الأصيل بأكمله. تشوش الحُلْم في رأسه ثم استقر بثقل مفرط. ما هي الحقيقة؟ تفكَّر وتفكَّر. جالت في ذهنه زوجة القاضي. لم تأت هنا. ارتمت الكرة في ملعبه مرة أخرى. ما كانت كذبة. تم الإجهاض. غاص إلى الأرض بجانب النافذة وجلَس متقوس الظهر لصق الحائط. ركِبهم الذنب. لقد فعلوا الفعلة. طرَق طارق الباب اتجه كار نحو الطرق. كان زوج أم لوبِك يقف في الردهة. — خطر ببالي أن أطمئن عليك. كل شيء بخير؟ هز كار رأسه. — غداً, هه؟ أشار كار إلى الرجل أن يَدخل. — لا, لا, لن أبقى. ما جئتُ إلا لأمكث دقائق. استوقفت كار فكرة: — ما هو شكل منزل القاضي؟ هل رأيتَه أبداً من قبل؟ — إنه منزل صغير بالقرب من الطاحونة. مجموعة من أشجار البتولا ومنزل أحمر على يسار المنعطف. — أَعرف هذا المنزل, قال كار. ذلك هو منزله إذن. إنه منزل صغير. — أجل, أكد زوج أم لوبِك. منزل صغير. هل أنت ذاهب إلى هناك؟ — لستُ أنا. روى كار أحداث الصباح. — غداً إذن. الحلبة؟ — أجل, قال كار. لا أرى مخرجاً. — سأذهب معك, قال زوج أم لوبِك. — لستَ مضطراً إلى الذهاب معي. — أَعلم أني لست مضطراً. — حسناً. — غداً إذن, سوف أجئ هنا. — غداً. أغلق كار الباب. راح الحُلْم الآن من ذاكرته تماماً. ما عاد يتذكر شعوره بأن القاضي وزوجته خاناه. تلاشى غضبه من القاضي بكل صوره. وفي كل اتجاه لم تقع عيناه إلا على ما اقترفوه, هو وبرينِن ولوبِك وهارْب, وكيف أن الفعلة لا سبيل إلى إصلاحها. قام في خاطره أن أحداً لا يشرح لك هذا: هناك العديد من الأشياء لا حل لها. استلقى على الفراش مرة أخرى, استلقى فترة من الوقت والفراغ يخيم على عينيه قبل أن يغويه النوم مثله مثل معطف رديء المنظر.
حُلْم آخر. وجد كار نفسه جالساً على مرج عزبة مكوَّنة من مساحات عظيمة من الأراضي. عجَز عن الالتفات. لم يدر السبب. كان أحد الأشخاص يتكلم خلفه. رجل يتحدث عن تشييد مقبرة من الجرانيت الأسود وحاجته إلى خدمات فئة معَينة من البنائين والأساس المنطقي لاتجاه رياح وبعد عن البحر معَينين. انساق كار انسياقاً أعمق في النوم وغاب حتى عن حُلْمه.
الثامن
استلقى في الفراش. استطاع أن يستنشق رائحة الصباح من حوله. علا نباح كلب من مكان ما في المبنى. هبت الرياح فارتفع صرير المنزل. جاهدت الأبواب الموصدة كي تقوم مقام الحوائط, ولكنها قد لا تصير حوائط مطلقاً. نهض من منامه في لحظة ثم غادر الغرفة. ما سمَح لنفسه بأن ينظر إليها قبل أن يغادر. بكَّر كار. كان في الخارج. لفَّت البرودة الجو. من المبكر أن يَخرج في مثل هذه الساعة. ثمة أشجار تصطف على طول الشارع. تَخصصت لكل شجرة مساحة من الأرض تحيط بها الحجارة. لا بد أنها تعود إلى ما يربو على مائة عام لأن جذور الأشجار الممتدة ذهاباً وإياباً فوق الطريق جثمت الآن وتقطعت عند الحجر المحْدق. نهضت الأشجار فحولت الشارع إلى نفق في الصيف. وفي الشتاء التقت أصابع الأغصان في الهواء طيلة الوقت, تلتف حول بعضها بعضاً. خالجه شعور بديمومة الشارع, البلدة, ديمومة الأشجار. هبت الرياح من جديد فأدارته ودفعته نصف خطوة. أشاح بوجهه عن الرياح. سطعت السماء وأشرقت. هبت الرياح هبوباً أقوى وأقوى. قلب ياقته ولاذ بالمنزل. عندما تطلع إلى الخلف, ألفى السيارة في الانتظار. ركِبها. سدد إليه زوج أم لوبِك عينين نصف مغمضتين وحرَّك تعشيقة السيارة ثم انطلق يطوي الطريق. غض كار طرفه نحو ملابسه. كان في أبهى حلة, بذلة من ثلاث قطع ومعطف. لماذا؟ لم يسعه هو نفسه الوقوف على السبب. تمعجت السيارة هنا وهناك. كان زوج أم لوبِك يسلك طريقاً مختلفاً. أضمر على نحو ما أملاً لا يفتقر إلى الغموض. ما خطر بباله قط أن يسلك طريقاً مختلفاً إلى الحلبة. هل قد يتسبب هذا في تبدل الأمور؟ ولكن سرعان ما تلاقت الطرق, فوق الجسر, عبْر الريف ذي السبل المنعطفة, وعند الصعود أبصرا بوضوح من خلال المشهد المقفر سيارة وهيئتين في الانتظار.
توقف زوج أم لوبِك على جانب الطريق. — آسف يا ليون, اعتذر إليه. لا أقوى على البقاء. أومأ كار برأسه. ربت كتف الرجل وخرَج من السيارة. وسعه أن يتبين عبر الأشجار صفحة وجه القاضي. كانت الهيئة الأخرى هيئة امرأة.
مضى كار نحوهما. أومأ إلى القاضي. تطلع لحظتها بجلاء إلى زوجة القاضي. ما بدت مثلما بدت عليه في حُلْمه. حل المرض كله بهذه المرأة. بم شعرتْ وهي تكابد ما كابدتْه؟ تساءل. — آسف. انبسطت القماشة على غطاء السيارة. كان المسدسان هناك. انصرف بصر القاضي بعيداً. كان يتفرس في الأشجار. لامس كار كتفه. — أريد أن أقول, فاتحه كار. أريد أن أقول لكما أنتما الاثنين إنني آسف. ما كنا نفقه ما نفعله. غريبٌ كيف يمكن أن يتضخم الحظ وكيف يمكن أن يضحمل. منعطف واحد, فيضيع معه كل شيء. قصدي... رمقه القاضي ببصره صامتاً. كان وجه زوجة القاضي ممتقعاً شاحباً. ارتعشت يداها. واصل كار كلامه. — لا أعلم ماذا يعني لك هذا الموقف, كيف كانت حياتك, كيف كانت لتصبح. إلا أن ما جرى كان شيئاً جرى في شارع. هناك شوارع وهناك أشياء تحدث فيها, ولا أحد يدري كيفية حدوثها أو سببه. أريد, قصدي... ردد بصره حوله. تجلى النهار آنذاك كل التجلي وامتدت الحلبة بعيداً. ارتفعت الأشجار. انعطف الممر صوب طريق ترامى بلا توقف حتى البلدة التي عهدها, وإلى ما وراءها. طارت الطيور من غير جهد بين الأغصان الباردة. — قصدي, قال. قصدي... تحركت زوجة القاضي. حطت يدها على ذراع القاضي. — ألان, نبهته. آن الأوان. فلننه المسألة. التفت إليها مولياً كار ظهره. أتته عيناها من فوق كتف القاضي. كانتا داكنتين صغيرتين. لا شيء بهما, لا شيء على الإطلاق. — حبيبتي, نبس القاضي بصوت خفيض, لقد صد الآخر بالأمس. ألا يكفي؟ لم يستطع كار أن يسمع ردها بيد أن القاضي عاد إلى الحديث ثم تحدثت هي مرة ثانية. تحدثت بلا انقطاع وصوتها يتعالى. استدار القاضي لحظتها بوجه يعمه الأسى. — خذ واحداً, قال. خذ مسدساً. فلننه المسألة. تناول كار المسدس الأقرب إليه. شعر بأن ملمسه غريب في يديه, ناعم ثقيل الوزن. أخذ القاضي المسدس الثاني ثم توجه إلى الحلبة. تبعه كار. لم تزل الخطوط هناك حيث ارتسمت من قبل. أحس كار بغثيان في بطنه. استولى عليه إحساس بالنحول والضعف. كان سائراً وغير سائر. شعر أنه يتفرج على نفسه وهو يسير إلى نقطة البداية. وقَف القاضي في محله. نمى إلى كار صوت زوجة القاضي وهي تهتف بالإشارة. سار كلاهما بعدئذ في مواجهة الآخر. أمسك كار المسدس أمامه. سدده وكأنه عصا وجذب الزناد بأصابعه. جذب بكل أصابعه فانطلقت رصاصة. انطلقت رصاصة ثانية. لم يزل القاضي هناك. كانا عند الخطين. أطلق القاضي النار. أطلقها مرة ثانية. داهم كار ألم في صدره. شعر بألم في ساقيه. كان يطلق النار, والهواء نقي كل النقاء. ثمة ثقب في صدره. وسعه أن يراه هناك. متى انثقب؟ كان شيئاً آخر لا سبيل إلى إصلاحه. ذُعْر ووجْهه مُصْفَر, ارتمى على الأرض بيديه. عجَز عن رؤية القاضي. عجَز عن رؤية زوجة القاضي. اندس الرماد في شعره. استطاع أن يشعر بالحلبة أسفله, ترامى في كل اتجاه فوقه عمق سُحب تراءت جميلة بعيدة كل البعد. ولكن تبين له أنها ضحلة. خالجه شعور قوي بأن السماء ضحلة, لا خدعة وإنما شيء أسوأ, في غياب كل المطامح الإنسانية. خال أن هناك سُحباً ثم سُحباً خلف السُحب, ثم مجرد هواء. أين سيكون البعيد بما يكفي؟ ثم اتخذت الأشكال أماكنها. خفَض الرجلان طرفيهما نحوه. القاضي, الطبيب. لوثت الدماء معطف القاضي. كان الطبيب يقول شيئاًً. كان يُحرك يديه بإيماءة. ماذا عنت؟ أحس كار أنه لو درى فحسب معنى الإيماءة, سيكون هناك إذن شيء, شيء ما واحد يمكن إنقاذه من كل هذا. إلا أن الأشكال صغرت صغراً متناهياً. وعجَز المرء تماماً عن رؤيتها, مهما أمعن فيها النظر. |