مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد السادس والثلاثون، أكتوبر 2012        Thirty-sixth issue, October 2012

 

 

تكرمت بيني سيمبسِن بالموافقة على نشر قصة "نسرٌ في المتاهة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Simpson was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Eagle in the Maze" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Simpson a great debt of gratitude for her kind permission.

"Eagle in the Maze" by Penny Simpson. Copyright © Penny Simpson. Published in Eagle in the Maze, Tessa Hadley and Meic Stephens (eds), 2008. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

نسرٌ في المتاهة

بيني سيمبسِن

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-أكتوبر-2012

 

 

 

 

المجموعة القصصية نسرٌ في المتاهة (2008)

 

 

 

 

ترغب لِيلي في أن تكون مَلَاكاً، نسراً ربما. لا تزال تتدبر خياراتها.

تلْفت نظره، "لديّ فرصة واحدة لإتمام الأمر كما يجب. لن تتسنى لي المحاولة مرتين، أليس كذلك؟"

إنها على حق، فلِيلي تحتضر. يخلط چيم اسكتشات أولية تنبسط على طاولة العمل. يتظاهر بالبحث عن رسم معيَّن، جَناح نسر، إلا أنه في الحقيقة يداري شعوراً بالحَرَج. ينبغي أن يكون معتاداً الآن هذا النوع من الحوارات. يعمل بنَّاء بالحجارة، ومصدر دخله الرئيسي منذ ترك الكلية هو نحت شواهد القبور. يحب نحت حروف الأبجدية، قد ينهمك ساعات ناسياً نفسه وهو يبدع منحنى حرف "ن" أو لولب "ي". إنها محور تركيزه، لا حكايات ملفَّعة بالحزن تنفَض بين سطور النص الجنائزي. لِيلي في الثانية والأربعين، سن أصغر كثيراً من أن ينقش شاهد قبر. چيم في التاسعة والثلاثين. متقاربان في العمر والجغرافيا. يتألف الأستوديو من مرأب متحوِّل استأجره من بنَّاء متفرع من شارع مونماوث ستريت. وإلى الإيجار أضاف كليڤ أيضاً بيتاً متنقلاً مجانياً، واحداً من ثلاثة يحتفظ بها في بستان تفاح مكسو بالعشب بجوار المرأب.

كان قد قال له، "وإلا سينال منه المخربون في النهاية. آه، ولديك جارة. اسمها لِيلي."

ما زادت معرفته عنها على هذا القدر حتى ظهَرت بعد أسبوعين، تَلوح من باب المرأب وجَناح من الشعر الغامق يكاد يحجب وجهها الشاحب.

كانت قد فاتحته دون تمهيد، "كليڤ يقول إنك تصنع شواهد القبور. هل يمْكنك أن تصنع شاهد قبري؟"

لا تتصف لِيلي بالطول إلا أنها تخلف لدى الرائي انطباعاً به لنحافتها وليونتها، مثلها مثل فرع شجرة نبَت لتوه. يَسقط شعرها من حين لآخر على عينيها فيجبرها على هز رأسها إلى الخلف لتُحرر نظرتها الشاخصة. يتساءل چيم لِم لا ترتدي عصابة حول رأسها أو مشبك. يتذكر رأس جدته، كان يعج ببِنَس صغيرة من السلك أقحمتها في فروة رأسها تاركة انبعاجات على سطحه الوردي الفاتح، مرئية أسفل خصلات قليلة من الشعر. لم تَفقد لِيلي شعرها، حقيقة هي فخور بها. تبوح بأنها رفضت العلاج الكيميائي، وتَحْضر بدلاً منه حفلات عشاء مع مريضات تجلب كل واحدة منهن لوناً من ألوان الطعام.

تجاهر بابتسامة تشي بالسخرية، "كان ذلك يعني شيئاً مختلفاً كل الاختلاف منذ عدة سنوات."

تُجري أصابعها حول حروف هجاء حفرها على عمود موشى بالرموز والرسوم. المستطيل الحجري الطويل هو علامته المميزة، ولكن سيارته ماركة سيترون تتسع له بصعوبة بالغة. تفر منها ضحكة حين يفوه بالجملة، ضحكة نابعة من الحلْق تبث فيه الدهشة من فرط عمقها، لا تليق بامرأة رقبتها في مثل نحافة عنق الزجاجة. تُلحق به هشاشة رقبتها الإجفال، فقد تراءت غير طبيعية مقارنةً بجَناح كثيف من الشعر ترميه إلى الخلف عن عينيها لتسدد نظرات أفضل إلى شاهد قبر قائم بجوار عمود الرموز. تتفحص الاسم والتواريخ المحفورة عليه.

"توأمان؟"

يومئ برأسه.

"لم يعيشا قط ليَشهدا عيد ميلادهما الأول؟"

"بلى. ماتا بعد أسابيع قليلة من مولدهما."

"يروقني أنهما ماتا معاً،" تنبس بنبرة تُشدد عليها تشديداً مباغتاً.

يعاود چيم الارتباك. لا يحب الإسهاب في الكلام عن القصص المتوارية خلف عمله، لا حين تضم ميتات لا يمْكن غفرانها بسطر مُعَزٍ، سطور تتبدى دوماً كالمقتبَسة من المصطلحات الرياضية. عاشت جدته لتَشهد عيد ميلادها المائة؛ اعترف الناس مبتهجين في جنازتها بحقيقة "خوضها جولات ناجحة" مع أنها لم تتفرج قط على مباراة كريكيت أو تلعبها طيلة حياتها.

عبثية مثل ذلك التعليق؛ عبثية أن ينحت المرء أنصاب قبور تُعَيِّن كل شيء، بدءاً من مائة عام إلى مائة يوم من العمر. يبتعد عن طاولة العمل بحركة خرقاء قليلاً فيُسقط فنجان شايها على الرسوم. تحاول لِيلي إنقاذها، تمس الحبر المراق بحاشية التنورة. تَرفعها فتكاد تصل إلى خصرها، ويقع طرفا چيم على فخذيها النحيلتين. يعتريه الحَرَج بيد أنها غافلة عنه. كان قد رسَم الرسوم أثناء عطلته في الأندلس بعد أن أبصر نسراً يطير بين الجبال. حسَب أنها قد تكون مرجعاً مفيداً لجَناحيّ مَلاك طلبتهما لِيلي، وقد أصاب حدسه. الرسوم هي العامل الحاسم: سوف تصير نسراً حين تموت، فضَّلته على أي شيء إلهي آخر.

"بل إنني لست متدينة. أعني، لعِبتُ ذات مرة دور نجم في مسرحية عن ميلاد المسيح، ولكني، فيما عداه، وثنية أو أياً كان ما تُطلقه في هذه الأيام على الملعونين."

"إن لن تذهبي إلى الفردوس، لا يمْكنك إذن الذهاب إلى الجحيم. لا يسعك الاعتقاد بأحدهما وإنكار الآخر،" يقترح عليها محاولاً أن تبدو كلماته نافعة.

لا يعتاد الزوار بعد، إذ لا يزال حيز العمل هذا جديداً نسبياً، ولم يرتب بعد روتيناً يومياً. وبالإضافة إلى مساحة المرأب القائم بها صفوف من طاولات العمل، يرتفع كوخ منحدِر السطح مشيَّد من ألواح بلاستيكية، اتضح أنه مثالي للنحت في نور النهار الطبيعي. ما هو إلا مأوى مؤقت، فالعمل مستحيل بعد منتصف الصباح والشمس تعتلي الرؤوس. هبَّت في منتصف يوليو موجة حر غير متوقعة تفاقم معها الجو. يود چيم أن ينحت عارياً في الكوخ، ولكن قلقاً يخامره أن يعرج كليڤ لأخذ الإيجار في لحظة غير مناسبة.

"مقبرة قيد الإعداد،" كان قد مازحه لمَّا أتى لأول مرة لمعاينة الورشة.

طمأنه چيم، "أصنع أيضاً تماثيل متفردة. تَعْرفها، قِطع الحديقة."

"أقزام خرافية وما شابهها؟ يعجبني القزم الطيب، أنا."

تنقضي أربعة شهور - وكل مطارقه وأزاميله وشواكيشه مرتَّبة على مسافات متباعدة على استعداد أن تنهال عليه الطلبيات - يتساءل جيم بعدها عن مخاطرة أقدم عليها حين تخلى عن وظيفته السابقة في إحدى شركات الترميم. يقترب من الإفلاس، ولكنه لا يزال مقتنعاً بأن الظروف ستتحسن وإن أفسد لتوه رسوم أولى طلبياته الخصوصية. تُملِّس لِيلي الورق التالف على الأرضية، حركاتها بطيئة لا تخلو من حذر، فقد تضخم الورم داخلها تضخماً يجعل حركات معَينة مؤلمة عسيرة. ولكن لِيلي تعْنيها الحقائق، لا الاتهامات. ورسوم النسر التي خطَّها چيم – حتى ببقع الشاي – هي الرابحة.

تفضي إليه، "لم أقُوم بأي شيء مهم في حياتي، ولكني لا أرى مانعاً من جعل موتي مهماً."

تكن لِيلي إعجاباً بأنصاب جنائزية تعود إلى العصر الفيكتوري، ولا سيما أنصاب تُصور ملائكة بالحجم الطبيعي تتهدل على أعينها المتوارية أكاليل أنيقة من الزهور. يتساءل چيم أين بحق السماء ستضع مثل ذلك الشاهد المتقن معقد التفاصيل. لا تكترث لِيلي مطلقاً لمثل تلك المسائل العملية، بالأساس لأن شخصاً اسمه ديجبي سيتولى الإشراف على الأمر، أو هكذا تدعي. يمتلك حديقة في حجم بلد صغير، وهو حريص على تكليف أحدهم بابتكار عمل فني لمتاهة الحديقة.

"وذلك التمثال سيكون لك؟"

يخالج چيم إحساس بالفضول. لا تطيل لِيلي الحديث عن علاقتها بديجبي، ولا تفسر لم قد يريدها عارية بجَناحيّ نسر معروضة في متاهته. لا يبدر منه إلا أن يفعل ما يفعله دوماً حين تلاقيه عاطفة مستعصية على التفسير: يرسم. تحملق لِيلي إلى علبة أحذية يحتفظ فيها بقطع من الأحجار المختلفة في متناول الزبائن كي يفحصوها وينالوا فكرة عن طلباتهم.

"أحتفظ بخواتم مَن طلبوا يدي في علبة أحذية،" تصارحه بأصابع رمادية بسبب غبار الأحجار.

"كم خاتماً لديك؟" يسألها والدهشة تتولاه لتوجيه سؤال شخصي على خلاف أسلوبه حقاً مع الغرباء.

"ستة على ما أظن،" تجيبه عابسة لمرأى أصابعها القذرة. "لا، غلط. سبعة، دينيس طلب يدي هو الآخر. كدتُ أنسى دينيس. هل تصدق؟"

ولأن لا دراية له بهوية دينيس، لا علم له بما يصدق. يلاحظ غباراً حجرياً يلتصق بشفتيّ لِيلي.

"إنها معاشي،" تلفظ بلسان متحدٍ وكأنما اعترض لتوه على عدم أخلاقية تكديسها لخواتم قدَّمها طُلاب يدها المرفوضون.

يوقع الرقم في نفسه انزعاجاً. كيف يمْكن أن تنخطب سبع مرات، بل كيف تفك خطوبتك؟ لم يَسبق لچيم أن طلب يد إحداهن. اقترب من الخطوة مرتين إلا أن الكلمات لم تفارق البتة ثغره. لذلك خسِر هاتي وروز لأن كلتيهما أرادت الارتباط به وكلتيهما ضجرت من انتظاره. ظن أنه أحب هاتي، ولكن روز شوشت يقينه، إذ دخَلت عالمه قبل أن توطد هاتي نفسها تمام التوطيد على مغادرته. كانت قد وقَعت مواجهة بشعة في ورشته القديمة، بلَغت ذروتها حين ألقت روز مِبرداً جرَح وجنة هاتي. مسكينة يا هاتي. ولكنها ما كانت لتُعجَب بلِيلي. يتوصل إلى تلك النتيجة وهو يغلي قِدراً من الشاي الطازج. ما كانت هاتي لتجد قط وقتاً لامرأة تخشخش علب أحذية مليئة بخواتم الخطوبة.

تنْقل لِيلي إليه، "يعتقد ديجبي أنها فكرة رائعة،" وكأن اعتقاده يُكسب المشروع بأكمله الأهلية دون أي نقاش آخر.

ينتاب چيم فضول إن كان ديجبي سيدفع تكلفة النُصُب. لِيلي، حسبما يرى، فقيرة معدمة مثله، تقِيم في بيت متنقل خرِب وتعيش على تفاح محمص تجنيه من البستان.

"وأين هذه الحديقة؟" يسألها متجنباً للمرة الألف مسألة الدفع المحرجة. "هل هي في ويلز؟"

تجيبه لِيلي، "آه. ليست بعيدة عن هنا." يحبطها أن تَنقصها - كما هي العادة - الحقائق غير القابلة للجدل.

تدلف إلى الكوخ، ويتبعها. تشد انتباهها لحظات نماذج صغيرة من الجص والأسلاك تصطف حول الحوائط.

"تَعْرف؟ أردته أن يكون جسدي، لا جسد شخص آخر،" تعلن على بغتة وهي تستدير لمواجهته.

يشعر بتورد خديه. إنها سخافة. لقد أحاطت به أجساد عارية أغلب حياته العملية، ما الفرق إذن أن يرسم جسداً آخر؟ ولكن فكرة رسم امرأة تحتضر تُلحق به انزعاجاً يَعجز في الواقع عن تأويله. يرنو إلى لِيلي. ترتدي فستاناً مستقيماً بسيط التصميم بلون ذهبي غامق، تزينه زهور بنية وبيضاء تتميز أعضاؤها الذكرية بخرز صغير من الخشب. لا بد أنه انطبق يوماً على جسمها فستاناً ضيقاً، ولكنه الآن فضفاض في كل الأماكن الخاطئة. وعلى حين يشمل التردد چيم، تجذب لِيلي الفستان ببطء فوق رأسها. يراقبها متسمراً من فرط الصدمة. يسأل نفسه والحيرة تطغى عليه، هل السبب مرضها؟ يَظهر وجه لِيلي من ثنايا الفستان. تُسلط عليه عينيها كمن تفطن إلى خوفه منها، لاحتضارها. يحاول التركيز على جزء آمن من بنية جسدها، يجري ناظريه كما الأعمى على ركبتيها وذراعيها، ولكنه لا ينفك ينجذب مجدداً إلى معدتها. هناك يعيش الورم ملتفاً في رحمها، شأنه شأن طفل محتال.

"مشمئز؟" تسأل بنبرة يتعذر عليه تفسيرها.

تتيه من چيم الكلمات. يود أن يراها مثلما يرى أي موديل حي آخر، يود أن يتأمل هيئتها ليخلق الروابط بين العظم والمفصل، الظل والنور. يلفي نفسه متطلعاً إلى الأرضية. وفجأة، يدها على كتفه.

"آسفة،" تنطق بصوت هادئ هدوءاً غير طبيعي. "لم يكن ذلك عَدلاً."

يَعلم چيم ما هو الظلم؛ الظلم امرأة أشبه بالغصن النحيل مرغَمة على احتمال مثل ذلك السر الرهيب داخل جسدها الناعم الأبيض كما البيضة. يريد أن يركض خارجاً من الأستوديو ليرمي نفسه على العشب الطويل في البستان. يريد أن يضطجع هناك إلى الأبد وينقلب عشباً، شيئاً بسيطاً يتحلى بالجمال، شيئاً لن يضطر أبداً إلى مجابهة مثل هذا القرار.

تناشده لِيلي، "ارسمني. ارسمني لأبدو مثل جَناحيّ طائر، شيء وهمي واستثنائي."

يلتقط چيم عودين من الفحم ويَشرع في العمل. تجثو لِيلي بيدين تتكئان على ركبتيها. يسارع چيم برسم الصفحة تلو الصفحة وهي محتفظة بوضعها، لا تزال في مثل نحافة بوذا. يلاحظ بروز ترقوتيها من جلدها، تتسببان في انبعاجتين عميقتين أسفل حلْقها. يلاحظ ندباً على بطنها غير أنه ليس مفزعاً، لعله نتج عن عملية فحص أجْرتها حين شخَّصوا السرطان في البداية وكان العلاج لا يزال ممكناً. لا ينطقان بكلمة حتى تتحرك لِيلي في آخر الأمر لتتفرس في كراسة الرسم.

"أبدو بحق داعرة فخوراً، أليس كذلك؟"

"تبدين..." يستولي على چيم التردد. ينحت الكلمات عند الطلب، لا ينْظمها بالضرورة بنفسه. "أظنك تبدين مطْمئنة،" أبدى رأيه أخيراً.

"جملة ينبغي أن تقولها وأنا راقدة في الكفن."

يكسر بين إصبعيه عوداً من الفحم. لا جدوى. ليس بمقدوره إنجاز هذه الطلبية.

"فنجاناً من الشاي؟" يسألها حائراً فيما يضيف.

"حسناً إذن، لو مُصر."

تَرقد لِيلي على الأرضية محَدقة عالياً إلى نافذة في السقف. تعلو الشمس في السماء والكوخ يَسخن سخونة الصوبة. ثمة قطرات صغيرة من العرق تسيل هزيلة رقيقة بين ثدييها وفوق معدتها. يخال چيم أن بوسعه رؤية الورم ناتئاً، ولكنه قد يكون منحنى بطنها ليس إلا. يصرف عن ذهنه الفكرة ثم ينهض ليعد الشاي. وعندما يستأنفان الجلسة، يرسم أثناء احتساء الشاي رسماً مفصَّلاً لجسد ملاك برأس نسر.

تنظر لِيلي إليه بعين الاستحسان، "إنه سريالي فعلاً يا چيمي. وهو ما ستنحته. سوف أتصل بديجبي."

تَخرج من باب المرأب لتبتعد في سبيل أفرط عشبه في النمو، تتجه إلى البيت المتنقل. لا تزال عارية، ولكن لا قلق إلا من نحل وذباب يرفرف على التفاح الساقط. يرصدها چيم من فتحة الباب الضيقة. تسير بين عشب عالٍ يصل إلى ركبتيها، وترسل يداها حفيفاً بين سيقانه وكأنهما منجل. ينطرح على ظهرها ضوء أخضر باهت. يستطيع أن يبصر فقرات ظهرها محدَّدة واضحة مثلها مثل سطح عَجلة. غاصت مؤخرتها في حوضها. لا تختلف عن طفلة شِبه ناضجة. لا يريد أن يتجسس على لِيلي، لذلك يعود إلى الورشة ويبدأ في عمل بعض المقاييس لنُصُبها. ينفق نحو ساعة محاولاً حساب حجم الشيء عندما يكتشف أن أمراً حيوياً للغاية يفوته: أبعاد المتاهة نفسها. يَجري خارجاً من الورشة ويَهبط السبيل نحو منزلها المتنقل. يقرع باباً متقلقل المفصلات. لا يقابل دقته رد.

يهتف، "لِيلي؟"

يدفع چيم الباب بيد يشوبها التردد. يتعالى صرير حاد والباب يرتطم بالعارضة الأفقية. يسود في الداخل الظلمة والبرودة. المنزل مركون أسفل حزام كثيف من الأشجار يصرف الضوء عن النوافذ. كل شيء تغمره الظلال، لا شيء يتحرك. تتكيف عيناه ببطء مع العتمة. يمد بصره إلى ظل باهت بعيد عن يمينه. يستدير، وهناك يعثر على لِيلي. تستلقي على سرير ضيق مثبَّت في الحائط، وكيس من البلاستيك مربوط حول رأسها. لا يزال جسمها دافئاً، ولكن قلبها كف عن النبض. وبحركات خرقاء يحاول إنعاشها بقبلة الحياة دون أن يفلح.

تمضي أسابيع إلى أن يتوصل إلى هوية لِيلي الحقيقية، لا توجد أية خطابات أو متعلقات شخصية متروكة في المنزل قد تشير بسهولة إلى هويتها. كانت قد قطعت رقع الماركات من ملابسها، وخلت حقيبتها من أية يوميات أو كروت ائتمان. لا تحوي علبة الأحذية التي ذكَرتها إلا خليطاً من الحلى البلاستيكية الرخيصة. يحاول أن يقتفي أثر ديجبي والمتاهة، ولكنه يشعر بالغريزة أنها مدفونة على الأرجح عميقاً في حديقة لِيلي السرية، حديقة تخيلت وجودها حين صادفت ورشته.

يقف كليڤ في النهاية على هوية لِيلي، أو بالأحرى يعثر على أخيها ديجبي. ينظف العلية فوق ورشة چيم فيكتشف فواتير قديمة يَرجع تاريخها إلى نهاية الثمانينيات عندما كان أبوه لا يزال يدير المشروع. ألفى طلبية لبناء سقيفة عاون أبوه على تشييدها في متاهة خصوصية داخل حديقة قريبة من لانجبي، قرية تَبعد خمسة عشر ميلاً تقريباً. كان الزبون شخصاً يدعى ديجبي جرافاد.

يسأل چيم، "ربما يكون الرجل نفسه، ما رأيك؟"

يظنه چيم احتمالاً وراداً علاوة على أن لا شيء آخر يوحي بأنه يخطئ الطريق. تمر بضعة أيام ثم يقود سيارته إلى القرية. وبعد أن يسلك عدداً من الطرق المسدودة، يصادف منزلاً قديماً من الحجر يضم متاهة متهدمة وسقيفة في قلب حديقة مغطاة بالعشب. المنزل معروض للبيع في المزاد العلني، ومن الواضح أن أحداً لم يَشغله منذ فترة طويلة. يساوره إحساس بأنه على وشك اكتشاف سر مهم، ويقضي بقية الأسبوع باحثاً في نسخ سابقة من مجلة أرجوس بمكتبة بلدة مونماوث. يكتشف أن ديجبي جرافاد عمِل مصمم متاهات محترفاً. ألفى صورة له، تقف على أحد جانبيه امرأة شديدة الشبه بلِيلي – البنية نفسها والشعر الداكن نفسه والامتقاع الخليق بالأشعة السينية - ولكن التعليق أسفل الصورة يدعي أنها أخته التوأم إيرين. يكشف نعي أن ديجبي مات دون الثامنة والعشرين؛ عمَّرت إيرين أكثر منه.

وفي رحلة العودة إلى الأستوديو يفكر چيم فيما وقَع عليه منذ دقائق. ربما حاولت لِيلي أن تأخذ بأسباب حياة جديدة بعد وفاة أخيها، ولكنها، لسبب ما، لم تنطبق عليها شأن فستانها الصيفي المرمي، فستان احتفظ چيم به. وعند رجوعه إلى الأستوديو يتخذ القرار: سيكمل طلبية لِيلي ثم سيجد للمنحوتة بيتاً، لأنه يدرك أنه مراد لِيلي من البداية، أرادت أن تعود إلى بيتها.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.