


الطبلة ذات الرسم



ذا نيو يوركر مارس، 2003
تم استدعائي لتولي أمر تركة جون جيويت تاترو عقب جنازته بالكنيسة المشيخية. ذهبتُ لتثمين محتويات المنزل في صباح ربيعي ملبد غيوماً. تلونت السماء بلون رمادي ينذر بالوعيد وإن تألقت أشجار الصفصاف بالبراعم الغضة وانجرفت أكوام من زهور التفاح البري داخل كهوف أشجار الصنوبر. أبقيت النوافذ مفتوحة قليلاً أثناء قيادتي للسيارة بالطرق الخلفية المؤدية إلى منزل تاترو وتنسمتُ الهواء الرطب. طالما اتصف آل تاترو بالبخل حتى إنهم توانوا في صيانة طريقهم ليظهر معظم الربع ميل الأخير منحوتاًً كاشفاً عن الصخر الصلد الوعر. تراكبت مستنقعات وبرك واسعة بالقرب من جانبيّ الطريق. وبينما كانت السيارة تتخبط في سبيلها، حل على الضفادع السكون للحظات فبدوت وكأني لا أنفك أشق طريقي قبالة حائط من الصوت. وبمجرد أن توقفتُ، طفقتْ الضفادع تتناوب مجدداً إطلاق النقيق. كنت أرتقي ممشى يعبده بلاط مستو – تنتظرني في آخره ابنة ابنة أخي تاترو – عندما تمهلتُ لحظة وقد تملكتني الحماسة. فالربيع في ولاية نيو هامبشير قد يبث الارتباك في القلوب – مزيج من العذرية والجنس الصاخب في آن واحد.
لم يعد منزل تاترو مهيب المنظر. فالمسكن الأصلي المشيد في القرن التاسع عشر تم تجديده وتوسيعه عدة مرات لدرجة أن أسلوب عمارته غاب عن الأنظار. هنا إفريز، وهناك طنف. يلوح المبنى الآن خليطاً متنوعاً من الألواح الخشبية الطويلة، ذو نوافذ لصد العواصف مغطاة بالألومنيوم ومثبتة بمزلاج فوق الزجاج القديم المتموج وشرفة بحاجز ضد الحشرات ملحقة على نحو غامض بواجهته الأمامية. كانت الألواح مطلية بلون أحمر ضارب إلى البني شأن الدماء القديمة. كان المظهر العام للمنزل متداعياً باعثاً على الأسى غير أن المرأة التي حيتني خامرها الابتهاج فيما شمل المنزل من الداخل إحساس بالراحة وإن خيمت عليه العتمة. بدأنا معاينتي الأولى العابرة. تطايرت من الغرف رائحة صرت معتادة عليها في عملي. رائحة تستعصي على التعريف، حقاً، فهي تشتمل على روائح كرات العثة وزيوت الحمضيات والغبار والجلد المشقق، إنها رائحة الأشياء القديمة. لاحظتُ أن ثمة على ما يبدو عدداً مبالغاً فيه من غرف التخزين أُضيفت إلى المنزل خلال فترة من فترات التوسع، حتى في الطابق الأرضي.
كانت ابنة الأخ، واسمها سارة، امرأة لطيفة ذات فك مربع، شعرها بني فاتح وعيناها زرقاوان، في منتصف العقد الرابع من العمر، علها تصغرني بعشر سنوات، من نوعية النسوة اللاتي تتطوعن للإشراف على العطلات أو تنظيم المشروعات الفنية بالمدارس الابتدائية. لم تخف عني نوعيتها. فقد حاولتُ أن أكون هذا النوع. وكذا حاولتْ أمي. إلا أن ما استحوذ علينا من افتتان بمتاع الحياة أو بالأحرى بآخرة المتاع باعد دائماً بيننا وبين تلك الحياة. أنشأتْ أمي الشركة ورحنا نديرها معاً قرابة عقدين من الزمان. نتميز بالإنصاف والتكتم والأمانة وسعة الاطلاع. ننعم بصيت واسع في هذه المنطقة من نيو هامبشير وسمعة معتبرة حسبما أظن. ثمة أفضلية ما في جنسنا. فغالباً ما تتورط نسوة العائلة في التعامل مع التركة المادية والممتلكات، ونحن أيضاً نسوة. نحن على دراية بمشاعر امرأة تواجه جبلاً من القرارات التافهة وهي حزينة على فقيدها. وبينما كنت جالسة مع سارة لأضفي الصفة الرسمية على الإجراءات وأنا أحتسي فنجاناً من القهوة، راودني من فوري إحساس مريح بالتضامن غالباً ما أشعر به حيال النساء في مثل هذه الأوقات – ثمة تعاطف بالقطع لكنه لا يخلو من بعض الارتياح. أخيراً، سأشرع في العمل! بل إن هناك قدراً من الإثارة يتخلل المهمة التي سوف أقبل عليها. إن إخلاء أي منزل من محتوياته قد يُنزل بك إعياء ما بعده إعياء إلا أنك تقع دائماً على الاكتشافات على طول الطريق. وبعضها نفيسة – مائدة ’شيكر‘ أصلية تستتر تحت طبقة من دهان الكازين أو إناء بديع من الخزف أو تماثيل ’هامل‘ صغيرة عاطفية زيادة عن اللزوم لكنها ثمينة قديمة تقبع وسط رجاجات للملح والفلفل مكسرة الحواف. اتضح في مرة من المرات أن دلواً قديماً منسياًَ بركن في إحدى الخزائن تحفة من مجموعة ’ليدر‘ ذات رسوم يدوية تساوي الآلاف. كذلك تظهر الطبعات الأولى من الكتب: رواية لمارك توين عليها إمضاؤه، أخرى لورتين، وربما طبعة أولى كما الجديدة من أحد كتب سالينجر – لا سبيل إلى التنبؤ البتة بما سيظهر فجأة من أكوام لا ترجو منها نفعاً. ثم هناك اكتشافات تزيل النقاب عن الأسرار – مذكرات، رزم من الخطابات الغرامية، صندوق يحوي صوراً إباحية عتيقة تصور مُهَر مدرَبة، شهادات تسجل أسباب وفاة مذهلة أو ولادات مجهولة. إن محتويات أي منزل باستطاعتها إثارة شتى ضروب التغييرات في تاريخ العائلة.
ووراء تلهفي على الاضطلاع بتركة تاترو، ثمة أيضاً رابط رفيع يرجع إلى عدة أجيال. أتخصص أنا وأمي في آثار سكان أمريكا الأصليين. في "تاريخ آل ستايلز وآل ستوكز،" كتاب نشرته الجمعية التاريخية المحلية الخاصة بنا من أموال التبرعات، ثمة فصل كامل مخصص لعائلة تاترو، يشتمل ذاك الفصل على فقرة تتناول الجد الأكبر لتاترو الذي فارق الحياة مؤخراً. كان جيويت باركر تاترو ممثل الحكومة في تعاملاتها مع هنود محمية أوجيبوا بولاية نورث داكوتا حيث وُلدتْ جدتي وعاشت حتى سن السادسة. انتقلتْ بعدها شرقاً لتلتحق بمدرسة كارليل للهنود في بنسيلفانيا. وهناك تعلمتْ أن تحيك تصاميم معقدة وتجمع وتطرح وتغسل وتحك الأرضية حتى تنظفها وتقرأ وتكتب وتتلو فقرات من الكتاب المقدس وقصائد شكسبير المكوَنة من أربعة عشر بيتاً وقصائد كيتس الغنائية ووثيقة إعلان الاستقلال. شهدتْ مدرسة كارليل أيضاً وقوعها في الحب.
مكثتْ جدتي في الشرق بصحبة المدرس الشاب الذي تزوجتْه بعد فترة قصيرة من تخرجها وإن عادت في زيارات لتلد أمي بأرض استأجرتْها للزراعة. لكننا لم نكن على الإطلاق شرقيين بحق. لقد استرعت الصلة بين تاترو والمحمية فضولنا لأنه من الشائع وقتذاك أن يكدس ممثلو الحكومة لدى الهنود مجموعات كبيرة من المصنوعات اليدوية العتيقة، فلم ننقطع بالطبع عن التساؤل عما إذا كان منزل تاترو يحوي مثل تلك النفائس. وعلى الرغم أننا لم تبلغنا سوى أدق الإشارات عندما كان آخر أخوين بعائلة تاترو على قيد الحياة (وافى الأجل الأول ولحقه الثاني بعد شهرين) بالإضافة إلى أني لم أبصر في البداية ما قد يفضي بي إلى الاعتقاد بأن غرف التخزين تلك تتضمن ما هو أغرب من المجلات والملابس والاسطوانات الفونوغرافية، سرت بعض الإشاعات. وعلى حد علمنا لم يسبق أن تبرع آل تاترو قط بمجموعة كبيرة من التحف لأي متحف محلي أو حكومي أو تابع لأحد الكليات. هناك غرف التخزين المتعددة تلك والحيطان السميكة لحجرات الطابق السفلي وهناك كذلك بالقطع شخصية آل تاترو لأخذها في الاعتبار.
لم تسلم معاملاتهما من الغش ولا المكر، كانا محتالين هادئين لا يعرفان الرحمة، يختزنان في الخفاء أكواماً ما كل شيء، يكثران من التردد على مرائب يبيع أصحابها أمتعتهم المستعملة، يشتريان الطعام بالجملة، يتطفلان على السيارات المارة وقت غلاء الوقود رغم أنهما لم يكونا فقراء. دأبا على توفير الأربطة المطاطية المحيطة بالبروكلي والموز عند شرائهما لمثل تلك الأغذية الغالية. ألِفا أن يغليا النسغ الجاري في أشجارهما وأن يسرقا كيزان الذرة من حقول جيرانهما. قطفا أوراق نبات السرخس وانتزعا الفاكهة من أشجار معوقة النمو واصطادا حيوانات الراكون لشيها. اعتادا كل خريف على أن يبتاعا خنزيراً ويملحاه ليلتهماه من الفنطيسة حتى العرقوب طيلة العام بالكامل. وفي اعتقادي أن آل تاترو من عزاب الشمال الشرقي البخلاء العجائز الذين يخصون أنفسهم بمجموعة ثمينة من المصنوعات اليدوية ما لشيء سوى لأن خاطرة لم تخطر أبداً ببالهم أن يتخلوا عن أي شيء. فهما ببساطة سيتمسكان بحاجاتهما – متهرئة وسط كرات العثة معبأة مع كتل خشب الأرْز – حتى يوم الحساب.
عل الغريب هو أن محل سكني أنا وأمي عار من الكراكيب. المسألة ليست أن مهنتنا أضفت علينا شيئاً من التكبر بل إن التذكرة الدائمة بفناء البشر تعمل على كبح جماحنا. فأي مجهود لامتلاك أي شيء ذي قيمة استثنائية يستوقفنا عموماً بعبثيته مع الوضع في الاعتبار كوننا بشراً سوف ننتهي إلى التحلل في التراب. ثمة مع ذلك أشياء قلائل لم نقو على مقاومتها وربما تكشف طبيعتها عن أن جذورنا تأسرنا أسراً لا نود الاعتراف به. زهرية زفاف هندية مصقولة ذات حلقين من تصميم ماريا مارتينيس؛ حمالة طفل خشبية تستخدمها نسوة الإجيبوا ومعها بطانية من القطيفة موشاة بالخرز توشية معقدة؛ ثلاث سجاجيد باهرة الجمال من سجاجيد قبيلة نافاهو؛ حقيبة بحمالة كتف لوضع الخرطوش ربما حملها آخر زعيم حرب بقبيلة الإجيبوا، بيوجوناجيشيج نفسه؛ عدة قدور لحفظ البذور؛ بضع علب مصنوعة من شوك القنفذ؛ عدة أحجار ثقيلة قديمة من الفيروز لا بد من تلميعها باستمرار. أجل، نود أن نترك سبيلنا إلى الفردوس خالياً كي نرتحل في طريق حقيقي شاغر غير أننا مازلنا بشراً.
عقدتْ سارة تاترو العزم ألا تترك الفرصة للمنزل ومحتوياته لإبقائها حبيسة. ففي أثناء احتساء فنجان القهوة – فنجان سميك أبيض من تلك الفناجين المستخدمة بالمطاعم الرخيصة سرقه ولا ريب أحد العمين من مقهى محلي – أعلمتني أنها تواقة لإخلاء المكان وعرضه للبيع. راقتني صراحتها لكن في نفس الوقت أصابتني فكرة انتقال منزل تاترو من ملكية آل تاترو بعد نحو قرنين من الزمان بشيء من الانقباض الطفيف. فمن غير المعتاد أن يظل مكان واحد في حوزة نفس العائلة كل هذه المدة. المدهش أن إغراء تولاني بأن أجرب ثنيها عن قطع صلتها بالماضي ومواصلة – من بين كل الأشياء – حياتها الخاصة. كبحتُ لساني عن الكلام. أخرجتُ مفكرتي ومضيت أعد قائمة تقريبية بما يحويه المنزل. سوف ينضم إليّ لاحقاً مساعدان غير أني أُفضل العمل بمفردي في البداية كما هي عادة أمي. يطيب لي أن أتلمس ما تعكسه محتويات المنزل من انطباعات، أتلمس رؤى الشخص الذي، رغم استقراره آمناً في الآخرة، لا يزال يتباطأ في الدنيا أثناء ترتيب حاجاته والتعامل معها. يحلو لي أن أتصالح مع الموتى.
سألتُ سارة إذا ما كان عمها الكبير مولعاً بشيء محدد أو لديه مجموعة معينة قد تستلزم معاملة مختلفة أو تقييماً خاصاً. "آه، لا علم لي، ثمة الكثير من كل شيء." لوحتْ بيدها. "هناك الكثير من طقوم الأطباق القديمة. وقد امتلك عدداً من البنادق، بعضها قديم. وهناك غرف التخزين بالطابق الأرضي الممتدة خلف الحيطان، إنها متخمة بالأشياء. لذا يتعذر عليّ بحق التأكد من أي شيء."
انفردتُ بنفسي فما لبثتُ أن استغرقت في متع مهنتي. إن أحزان الغرباء جزء من عملي، ولو تأملتُ دوافعي إلى اختيار هذه المهنة، قد ألفي أني أستمد من خسائرهم شيئاً من العزاء – وكأن قربي المستمر من الموت أضفي حماية ما عليّ وعلي أحبائي. كان أثاث أول حجرتين من الطابق الأرضي في حالة ملائمة وجيدة جداً وإن لم أقع على أية "لقط." وكما هو متوقع لم أجد آل تاترو من جامعي الكتب ولا وجدتُ ما يُذكر في لمسات الديكور – المصابيح والزهريات والتماثيل الصغيرة. إلا أن الحيطان كانت محلاة بست لوحات لطيفة رسمها فنانون محليون، وثمة مخطَط زيتي أشبه برسمة لم تتخضب بالألوان بعد للرسام ماكسفيلد باريش. إن ذلك الاكتشاف وحده كفيل بإدخال السعادة إلى قلبي في أي وقت آخر. أما في هذه الحالة فقد وشى أيضاً بميل آل تاترو إلى التمسك بالأشياء، إذ كان باريش ذائع الصيت ومن اليسير بيع عمله. حاولتُ ألا أشطح في الآمال لكني عندما فتحتُ باب أول غرفة تخرين استولى الارتباك على أصابعي من فرط الحماسة. سارعتُ إلى تفحص ما التقطتْه عيناي. إنها الصناديق المعتادة الحاوية للمجلات، أكوام من الستائر والملاءات البالية الحائلة، العديد والعديد من الجزم من كل ضرب التي ترجع إلى عقود خلت، معاطف – تندس بها كرات العثة – من كل الأقمشة بدءاً من الصوف وحتى فرو الظربان. غصت الغرفة بما لا نهاية له لكني سرعان ما قررت تركها لمساعديّ. زخرت غرفة التخزين التالية باسطوانات معظمها فونوغرافية من نوعية 78 آر.بي.إم. لموسيقى السوينج أو فرق الجاز الكبيرة. كان القلق قد بدأ يدب في نفسي من أن تكون الإشاعات مجرد إشاعات عندما شرعتُ في تفحص صفوف عريضة من رفوف مقامة لصق الحائط لأجد أول دلالة على الحياة، ’الحياة‘ تبدو كلمة غريبة لتقال.
بعض التركات تُنفخ فيها الحياة والبعض الآخر لا تطولها. تنم بعض الممتلكات عن قدر يسير من ملامح الشخصية والبعض الآخر تشع بها. ثمة لحظة لا أنفك أتأملها، لحظة كدت أغفل عنها. منذ سنوات خلت، فتحتُ صندوقاً صغيراً من الخشب يحوي على ما يظهر مناديل مغلفة بورقة رقيقة شبه شفافة، مناديل ليس إلا، تحمل الحروف الأولى لصاحبها: ل.م.ب. كنت على وشك إفراغ الصندوق وبعثرة محتوياته وسط الملاءات حين التقط بصري بطاقة. فاكتشفتُ أن ثمة بطاقة مقصوصة بحرص – عليها تاريخ مكتوب بالحبر بخط نسائي – مدبسَة في كل المناديل: تلك المنسوجة من القطن أو الشاش؛ المزركشة بالدانتيل أو المطرزة. ثمة اسم أو أسماء مكتوبة عليها وكذا مناسبات: "تعميد تيدي." "زفاف فينيتا وجون هاوارد." "جنازة تيدي." "السهر بجانب جثة الراهب أدامانتين قبل دفنها." "الأوبرا الأولى، ’لا ترافياتا.‘" "ذراع مكسورة." وفي القاع – عله المنديل الذي استهل المجموعة – قماشة مربعة صغيرة خاصة بطفلة انكتب عليها بخط مرتبك "جنازة أمي." أتذكر أني جلستُ مع مناديل ل.م.ب. فيما تدوم حولي مهمة التسعير والفرز. ها هو صندوق يضم ما ذرفته عينا امرأة من دموع طيلة حياتها. مررتُ بعدة مراحل من الأحاسيس. الأولى تنطق بالابتهاج لجدة الفكرة فألحت عليّ رغبة في أن أري الصندوق لمساعديّ ثم اكتسحني شعور بالغضب. لا أعتبر مطلقاً غير الهنود "بيضاً"؛ فبشرتي في النهاية فاتحة. بيد أن إحساساً مباغتاً بالتحامل رجني مما أوقع في نفسي اندهاشاً. سلوك خليق بسيدة بيضاء – بخيلة بدموعها بخلاً حدا بها إلى الاحتفاظ بها، هذا ما دار ببالي. استعدت بعدها سابق نفسي لأجلس مدة أطول حاملة صندوق خفيف للغاية من خشب الصنوبر القديم المغطى بالورنيش. أخذتُ أقلب المنديل تلو المنديل. "ولادة ثيودور العزيزة." "عشاء فِراش احتضار العمة لايلاك." ما هو عشاء فِراش الاحتضار؟ "زفاف ابن العم فرانكلين وميلدريد فوست." والمزيد من الجنازات. كان العاملان الآخران قد انصرفا لتولي أمر الغرفة التالية، ولحظتها – وأنا جالسة مع أحزان ل.م.ب. وأفراحها – اغرورقتْ عيناي بالدموع. لم تسل مني الكثير، فأنا لم أعد من النسوة البكّاءات. لكني لمّا شعرتُ بالفعل بنفسي تفيض حزناً، مددت يدي من فوري إلى واحد من المناديل لأربت عينيّ مضيفة دموعي الخاصة إلى الصندوق. ثم أغلقتُ الصندوق. كنت أعرف أن ما جرى هو عين الصواب. وكان من الممكن أن أكتب على قصاصة من الورق: "ذرف الدمع من أجل ل.م.ب." توجب عليّ حينذاك شراء الصندوق غير أن ذلك تراءى خاتمة ملائمة للمجموعة. ورد إليّ أن المالكة أضحت في شيخوختها امرأة مملة مللاً لا يعرف الرأفة، عيابة، متشددة دينياً، تميل إلى الاتصال شاكية بآباء الصبية الذين يعبرون فوق العشب أمام منزلها أو يفسدون أزهار التوليب. لكن هذا ما أعنيه بـ ’تركات تُنفخ فيها الحياة.‘
تسلط ضوء مشابه على تركة جون جيويت تاترو حين التقت عيناي بدمية لها وجه من جلد الخشف وعينين من الكهرمان الأسود. وبمجرد أن وضعتُ يداي عليها فطنتُ إلى أنها دمية مميَزة. كانت ملفوفة في قماش أحمر اللون باهته حصل عليه صانعها من البيض مقايضة. كانت الدمية محفوظة داخل علبة أحذية خزنها أحدهم خطأ فوق رف من رفوف الأحذية. عندما فتحتُ العلبة، التقطتُ هَبة لا تخطئها الأنف من رائحة جلد حيوان مدخَن – رائحة تراكمتْ ولا بد جزيئاتها، الواحدة بعد الأخرى، في غضون السنوات. نزعتُ الغلاف عن الدمية فتلاشى المذاق الزائل للدخان لتواجهني الدمية نفسها، تحفة. تقدد جلد بشرتها تقديداً مثالياً وقد احتفظ بطريقة ما بنعومته. أدركتُ من البقع السوداء الخفيفة بذراعيها وتنورتها أنها دمية نالت الكثير من الحب. خِيطتْ شفتاها الحمراوان من اللحاء المجفف لتكشفا عن ابتسامة توحي بالهدوء والسرور واستقرت عيناها الخرزتان في زاوية مفعمة بالحياة. نتف أحدهم شعرها الأسود الخشن من عرف أحد الأحصنة وقسمه إلى ضفائر. فستانها مصنوع هو الآخر من الجلد المدبوغ، تزوقه قطع صغيرة من الصدف والخرز القديم العتيق المسمى بـ "الأصفر الزيتي" و"الياقوتي ذو القلب الأبيض" و"الأزرق الألماني." أحاط بخصرها وشاح منسوج يتصل به غمد مُثبت فيه سكين صغير للسلخ. حذاؤها من جلد الغزال الناعم، مخيطة به أشكال من الزهور. التفت حلقة من فضة المقايضة كسوار حول ذراعها. انثقب أذناها المصنوعان من جلد الخشف ليتدلى منهما قرطان منمنمان أشبه بالأجراس التي تُثبت في أرجل الصقور بيد أنهما كانا صغيرين صغراً غير معهود حتى إنهما قد تتعلقان بحلوق طيور الهازجة. كانت تحمل سلة في حجم الكشتبان منسوجة بمهارة أي مهارة لدرجة أني ضحكتُ ابتهاجاً. أخرجتُ الدمية في الحال لأريها لسارة.
"ياه، ها هي ذا!" تناولتْ الدمية من غلافها وأمسكتْها بحنان لم يعدم الألفة. جعلتْ تملس شعرها الخشن وتربت حاجبين رفيعين من شعر الحصان يستقران فوق عينين متلألئتين. "اعتاد عماي أن يتركاني ألعب بها لو كنتُ حسنة السلوك."
"إنها حسنة. أعني قيمة. ينبغي أن نعرضها على أحد أمناء المتاحف."
"صحيح؟" انتابت سارة الدهشة بيد أن السعادة لم تعترها. أخالها شاركتني إحساسي حيال الدمية. لقد كانت قطعة شخصية – إن بهجة امتلاك الدمية لا صلة لها بقيمتها.
"هل هناك قطع أخرى – أقصد أمريكية هندية – من تلك الحقبة؟" سألتُها. "هل حفظها عماك كلها في مكان ما؟ في خزينة؟ صناديق؟"
"آه، يا ربي، نعم، لقد تاهت من دماغي تماماً. عاش واحد من أسرة تاترو مع الهنود منذ زمن،" نقلتْ إليّ. "هناك الكثير من أشغال الخرز والأشياء. تعالي معي إلى الطابق العلوي. سأريكِ."
حاولتُ أن أتنفس ببط وقدماي تصعدان السلالم. إنها علية، بالطبع – صالة طويلة لم يكتمل دهان حيطانها بالقطران. اصطفت بها أرفف من الألواح البسيطة وأترعت بحقائب السفر القديمة. أنبأتني سارة بأن معظم المصنوعات اليدوية مصانة داخل هذه الحقائب. هناك كذلك بعض الأشياء الأكبر ملفوفة في أغطية سرير قديمة وأغطية أحصنة. كشفناها في التو لنلاقي حمالة طفل ليست في جَمال حمالتي وسلالاً ضخمة لذري الحنطة مصنوعة من لحاء شجرة البتولا ومسنداً للقدم مطرزاً بالخرز وطبلة. حوت الحقائب نماذج نفيسة من فن الأبليك المستخدم فيه الخرز والقماش بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ثمة أحذية من جلد الغزال الناعم وأكسية جلدية للسيقان ومآزر للاحتفالات موشاة بالخرز وصدار وحقيبتان بحمالتيّ كتف لوضع الخرطوش (في حالة أكثر من ممتازة، تساويان مبلغاً ضخماً). وجدتُ أيضاً عدداً من الأشياء لا تضاهيها أهمية – حقائب صغيرة من نوعية الحقائب التي ابتاعها السياح ذات يوم وطوقاً لغطاء رأس مجرداً من كل الريش ومحافظ للتبع وسيوراً منسوجة لحمل الكنائن وحصائر من القصب. أزلنا الأغلفة عن القطع وبسطناها فوق الحقائب على حين هدلنا بعضها من حواف الأدراج والرفوف لكننا أمسكنا في النهاية. فقد تواصلتْ المجموعة إلا ما لا نهاية.
"مبروك،" لفظتُ بنبرة شابتها ولا ريب درجة من الانفعال. استبد الذهول بسارة تاترو.
"مبروك على ماذا؟"
"ربما تستطيعين اعتزال العمل،" أنهيت إليها. "أو على الأقل الاستمتاع بعطلة طويلة. لا استيقاظ في الصباح الباكر بعد اليوم."
"هل تعتقدين أن كل هذا ثمين؟"
"جداً."
هبط جسد سارة على أحد الصناديق وحوت رأسها بيديها. "قصدك أنهم كانوا يخبئون كل هذا طوال هذا الوقت؟"
لم أنبس ببنت شفة. مرت هنيهة ثم هزت رأسها مطلقة ضحكة قصيرة عاطلة من الفكاهة. "لقد بلغ بخلهما حداً دفعهما إلى أكل عصيدة الشوفان في العشاء. كانا يفردان زبد كريسكو الصناعي على الخبز بدلاً من الزبد الطبيعي. ناطحتْ ضرائب هذا المنزل السحاب، طبعاً، وكانا يريدان الاحتفاظ به فعاشا على الكفاف. لكن في النهاية ..." تطلق صوتها. "لا بد أن أقول إنهما تلذذا بشحهما." ثم بدرتْ منها ضحكة تمتزج بشيء من الراحة. "بل إنهما على الأرجح استمتعا بما حازاه هنا. بمقدورك أن تشاهدي أنهما تفحصا هذه الأشياء. تحققا من خلوها من أية أعفان أو بق، على ما أظن، ثم لفاها من جديد. ونصبا مصائد للفئران، بصي." أرتني تاريخاً مكتوباً على جريدة استخدماها لتوسيد سلة صغيرة من عود الوج. "إنها السنة الماضية."
"هذا من حسن الحظ، فالحامض بالجريدة كان من الممكن أن يفسد تلك السلة." اقتربتُ كي أدقق النظر في السلة الصغيرة المنسوجة بالعيدان الملفوفة، ولحظتها خطت قدمي بجانب الطبلة.
لستُ بشخصية جياشة العواطف. وكيف يتأتى لي أن أكونها؟ لقد شهدتُ انتقال أكثر الأشياء ألفة إلى أيادي أخرى غير مبالية بما أُسبع عليها ذات يوم من حب. يعتقد البعض أن الأشياء تمتص روائح أصحابها. أما أنا فأتجنب مثل هذا التفكير. غير أني حين وطأتُ بالقرب من الطبلة، أقسم أنها أرسلتْ صوتاً، نغمة عميقة خفيضة رنانة. تجمدتْ أطرافي وقد تشبثتْ عيناي بالطبلة. لقد ترامى إليّ صوتها، أنا متأكدة، ومع ذلك لم يرد صوتها إلى أذنيّ سارة.
"أنا خارجة من هنا،" أبلغتني. "المكان هنا معبأ بالغبار. سأعاود لاحقاً عند الظهيرة. لديّ بعض المشاوير في البلدة."
وهكذا تركتني مع غنيمة تاترو. لم أفتأ أسلط ناظري على الطبلة أو ما استطعت رؤيته منها نظراً لأن لحافاً باهتاً التف حول جزء كبير منها مثله مثل القماط. لستُ عرضة لنوبات من الخيال ولا تطرق سمعي أصوات لا مصدر لها. ثمة بالتأكيد تفسير. شيء تحرك ليرتطم بجلد الطبلة أو تغيير في ضغط الهواء. لم يكن بالبطانية ما يميزها عن غيرها، فهي عبارة عن مجموعة بسيطة من المربعات خاطها أحدهم بماكينة وربطها بالغزل. مضيت إلى الطبلة وأزحت عنها القماش تماماً. أقبل ضوء العلية من لمبتين عاريتين تتدلى منهما سلسلتان طرحتا ظلالاً قوية. سطعتْ رأس الطبلة فلاحت ضخمة الحجم، حوالي ثلاث أقدام على الأقل. لا بد أن الموظ الذي انسلخ جلده لصنعها هائل الحجم. ومع ذلك ساور الطبلة قدر من الرقة، إذ سادتها زخارف معقدة والتف حولها حزام وتنورة يعلوهما الخرز. جمّلها الصانع بأهداب من الغزل الأحمر المفكوك وأحكم خياطة مخاريط دقيقة من القصدير أو أجراس صغيرة حولها بالكامل. أضاف أربعة عرى عريضة في نقاط متساوية من سطحها. وفي داخل ألسنتها نيلية اللون، وضع أربعة صلباناً منسوجة بخرز من النحاس الأصفر. وفوق سطح الطبلة، في الوسط تماماً، رسم طائراً صغيراً بلون أزرق فاتح. تلك هي كل مواصفاتها. بيد أن جزئية الطائر والحواشي الحمراء المزخرفة برسومات الزهور والأجراس الصغيرة فضلاً عن حجم الطبلة أسبغ عليها إحساساً غير مألوف بكل من القوة والعذوبة.
جذبتُ كرسياً من تلك القابلة للطي لأجلس عليه ثم دونتُ التفاصيل على عجل. أخذتُ أجر يدي عبر سطور الصفحة. كان اكتشافاً نفيساً من الواجب أن يهزني طرباً ومع ذلك ألم بي شعور بالاضطراب والعصبية. جال ناظري يميناً ويساراً. وضعتُ يدي على الطبلة ثم باغتني اقتناع جلي يخترقني كما العصب. كان شعوراً عميقاً أيما عمق، ليس فكرة بل غريزة. غطيت الطبلة مجدداً ثم خرجتُ لأتأكد من غياب سارة. وعندما أبصرتُ المأرب فارغاً والمكان خالياً إلا مني، فتحتُ الباب الخلفي مثبتة إياه في مكانه ثم توجهتُ مباشرة نحو العلية. صررت الطبلة بإحكام في البطانية وحملتُها إلى خارج المنزل، دسستها في صندوق سيارتي وأخفيتها بأن أنزلتُ ستارة بلاستيكية ضد السرقة أسدلها دائماً حين أوقف السيارة بالمزادات الكبرى.
اشتغلتُ خلال بقية الظهيرة بدون أن أُعمل عقلي فيما أقدمتُ عليه. ولمّا طرقتْ الطبلة أفكاري، أحجمتُ عن أي تفكير. فما أتيته للتو، أو ما كنت على وشك القيام به، قد يكون جنحة ربما تقضي على شركتنا. حط عليّ الذهول لِما خالج فعلتي من سهولة. إن خروج شخص – لم يسرق طيلة حياته شيئاً في مثل تفاهة قطعة حلوى – من منزل عميل بخطى هادئة حاملاً بين ذراعيه مثل ذلك الشيء الثمين لهو دليل على الجنون. بداية انهيار عصبي. بيد أني لم أستشعر اعتلالاً. كنت في كامل قواي العقلية. تُرى هل يطغي على مرتكبي الأفعال اللاعقلانية الإجرامية مثل هذا التسليم الهادئ بجانب من أنفسهم لم يعهدوه من قبل.
كان الغسق يتشكل بشيء من الوحشة والبرودة بحلول الوقت الذي بلغتُ فيه البيت. خلفتُ الطبلة بالسيارة، ملفوفة في البطانية، تحت الستارة البلاستيكية الممدودة. لم أرغب بعد في إدخالها المنزل. كان عليّ أن أفكر – ليس في صواب فعلتي من عدمه. فقد استقريت عندئذ أني ما كنت لأفعلها إن لم تكن – على مستوى ما – صواباً. ومع ذلك لم ينفك تفسير هذا الصواب يدوم أمام عينيّ عاجزة عن ملامسته. الحق أن قلقي انصب على قدرتي على مواراة الطبلة وإذا ما كنت سأنكشف. كنت متأكدة تمام التأكد أن سارة تاترو لم تلتفت إليها؛ الواقع أنها لاحت لا مبالية بكل حاجات عمها باستثناء الدمية لعبتها في الصغر. داخلني أيضاً قدر من التأكد من أنها الشخص الوحيد العالِم بمجموعة عمها بل إنها هي نفسها نسيت وجودها. كان لا بد أن آخذ الطبلة ظهيرتها لو كنت سآخذها على الإطلاق. وما إن فهرستُ القطع وقدرتُ أثمانها، فطنتُ إلى أن سعر الطبلة سوف يفوق إمكانات الجميع عدا أكثر جامعي التحف ثراء أو متحف من المتاحف. غير أني لم أرغب في الطبلة. فماذا سأصنع بمثل ذلك الشيء؟ أين سأحتفظ بها؟ لا، لم آخذ الطبلة من أجلي. حدّثتُ نفسي مطمئنة إياها وأنا جالسة إلى مائدة العشاء برفقة أمي.
"ثمة نظرة غريبة تعتلي وجهك،" نبستْ. "ماذا وجدتِ إذن؟"
تناولتُ سلطانية السلطة من بين يديها وجعلتُ أضع الأوراق في طبقي بالشوكة.
"كل حاجة،" أسرتُ إليها.
"ياه!" حطت شوكتها.
ملأتُ فمي بالسبانخ لكني شعرت بتعب مفاجئ أقعدني عن مجرد المضغ. فاسترخيت في مقعدي ورميت رأسي إلى الوراء مادة ذراعيّ إلى الجانبين. "أمضيت طيلة الظهيرة منحنية فوق المفكرة. إنها نهبة حقيقية. عتيقة – عتيقة عتيقة بمعنى الكلمة – لقد ظفر تاترو بكل شيء. دمى وأشغال خرز وحوامل أطفال، كل ما قد يخطر ببالك."
"لقد خرج إذن بكل ما هو غال. يا لعينه الثاقبة."
جلسنا هناك والطعام يتوسطنا. كلل المشيب شعر أمي الأملس المشدود إلى الوراء على شكل كعكة. ولدتني في سن متقدمة لمّا تملكها اليأس من الحمل. لقد كنت هبة. لطيف أن يقال لك طول حياتك إنك هبة لشخص آخر. كانت السعادة تريم علينا وقتئذ وإن لم أقف على السبب تحديداً، ربما لتحقق ما أبطناه من آمال سرية.
"ألفيت طبلة،" أعلمتُها.
دفعتْ طبقها ومالت نحوي مرتفقة المائدة. كانت عيناها ضيقتين ترتفعان قليلاً عند ركنيهما. التفت حلقة زرقاء باهتة – بفعل السن – حول حدقتيها البنيتين الغامقتين إلا أن الحدة ما زايلت تحديقتها. كانت في انتظار أن أصف لها الطبلة.
"واحدة من الطبول الكبيرة،" أخبرتُها. ارتعشتْ أصابعها فوق المائدة.
"ها كانت مقصَبة؟"
"ماذا؟"
"مزيَنة."
"أجل."
"كيف؟"
أنبأتُها بالصلبان.
"إنها ليست صلباناً مسيحية، تلك نجوم. هل مرسوم عليها شيء؟"
"عليها طائر، طائر صغير أزرق."
أرخت جفنيها وضغطتْ بإصبعين على نقطة تتوسط حاجبيها. راقبتُها بطرف منتبه، فهي تفعل هذه الحركة عندما تحاول صياغة إحدى الأفكار. وفي النهاية نطق لسانها. تحدثتْ طويلاً ولا يسعني إلا تلخيص ما قالته: إن الطبلة هي العالَم. ومَن يتخذون أماكنهم عند كل جانب يمثلون الأرواح الجالسة بالاتجاهات الأربعة. تعتبر الطبلة – ولا سيما ذات الرسوم – كائناً حياً ويجب أن يتم إطعامها شأنها شأن الأرواح، بالتبغ وكوب من الماء بالقرب منها وأحياناً طبق يحوي طعاماً. لا ينبغي أن توضع الطبلة على الأرض مطلقاً أو تُترك وحدها، ولا بد من تغطيتها دوماً ببطانية أو لحاف. معروف عن الطبول قدرتها على الشفاء وقدرتها على القتل. فهي تتحد مع مالكيها. تُصنع لأسباب لا تفتقر إلى الجدية بأيدي أشخاص يحلمون بتفاصيل صنعها. لا تتماثل اثنتان منها إلا أن كل طبلة ترتبط بالطبول الأخرى. تتخاطب معاً وتهب البشر أغانيها. عليّ أن أتوخى الحيطة بجانب الطبلة، حذرتني. علا وجهها الانزعاج لوجودها ضمن المجموعة.
"إن بها من الحياة ما يفوق مجموعة من العظام الآدمية،" ختمتْ حديثها.
بعد أن خلدتْ إلى فراشها، أخليت مائدة منخفضة بأحد أركان غرفتي ثم جلبتُ الطبلة وثبّتها فوق المائدة بيدين حريصتين. دفعتُ كرسيين إلى جانبيّ المائدة. وكلما لامستُ الطبلة – حتى عندما كنت أضعها – أرسلتْ صوتاً. نغمة عالية مجوفة أو أخرى خافتة توحي بالشك كما السؤال. نقرتُ حرفها نقرة طفيفة فترددتْ الأصداء. كانت شديدة الحساسية بالنسبة لآلة في مثل قوتها، تُرى كيف يبدو صوتها عندما يتحد عدة رجال من ذوي الأذرع القوية لقرعها. أطفأتُ النور وآويت إلى الفراش. ألِفتُ أن أترك نوافذي مفتوحة قليلاً بالليل، حتى في الشتاء. فقد كانت العتمة تهتاج بموسيقى الربيع، ومن حين لآخر يرتفع من أعماق الغابة صراخ بومة مخطَطة مثلها مثل امرأة تكابد الآلام. خلتُ أني لن أنجو من الأحلام – فبرغم أني أعتبر نفسي إنساناً عملياً، وجدتُ اليوم طويلاً مشحوناً بالغرابة. لقد برز إدراكي بسرقتي للطبلة سرقة لا لبس فيها ثم ترسب في وعيي. ومهما كانت المبررات التي منحها إياي التاريخ، قطعتُ على نفسي عهداً ألا أتحاشى إحساسي بالذنب أو أخترع الأعذار لسلوكي.
بل إنه ليس كالتفكير في احتمالية فعل الصواب وإعادة الطبلة إلى سارة تاترو.
لا أمتلك غير حيوات الناس. فمهنتي تنتمي إليهم وإلى أمي – شركتها، إرثها، دماؤها. بل إن صندوق الدموع القابع بخزانتي يخص امرأة أخرى، ل.م.ب. لكني الآن قد سرقتُ الطبلة. ويتراءى لي، وأنا مستلقية هناك في ظلمة غرفتي، أن سرقتي الغريزية تدل على شيء حيوي للغاية لدرجة أنه قد يسمى ’البقاء على قيد الحياة.‘ لقد خرقتُ القواعد والقوانين لأتنسم هواء خفيفاً منعشاً. إن سرقتي ما هي إلا واحدة من بين عدة سرقات سوف أقدم عليها – وإن لم تكن سرقات لقطع. ثمة أشياء أخرى أحتاج إليها وينبغي أن أظفر بها وأشياء أخرى سوف آخذها. أفكار، خطط، رغبات عارمة لا يدريها الناس، بل ومسرات هي الآن سر خاف عني.
جرت العادة بأن أستغرق في سبات عميق غير أني مكثت الليلة – وطوال الليل على ما يبدو – أرهف السمع. أفكر. تطوف برأسي أفكار كثيرة يعوزها الكمال ثم تتحول عني.
إن بيتنا القديم يتكتك. لا تند عنه تكتكات منتظمة شأن الساعة بل تكات ناعمة تسري في جوانبه بالكامل عندما تتغير حرارة الشرائح الخشبية بالحائط أو يضيق الجص أو تتحرك الأرض تحت أساس من بلاط الجرانيت. أحياناً ما تتردد أصوات المنزل الخفيضة داخل الطبلة، وكذا أنفاسي. يتناهى إلى مسمعيّ صعود ثم هبوط. دخول وخروج. عظمة، خفة. يزداد وزني ثم تتجمد أوصالي حتى إن جسدي يتبدى عاطلاً من الحياة. وبين النفس والآخر أفقد الإحساس بنفسي ثم يمتلئ صدري، إنه النشور.
ثمة شيء آخر يفعله هذا المنزل في أعماق الليل. نمى إلىّ من قبل وأنا الآن في انتظار حدوثه. إن المنزل يطلق خطوات النهار. فخطانا الخفيفة تضغط على الألواح العريضة القديمة طيلة النهار، نروح ونجيء في مشاويرنا المعتادة من الحجرة إلى الأخرى. تستغرق الألواح ساعات إلى أن تعيد ضبط وضعها، إلى أن تصر عائدة إلى المسامير، إلى أن تسترجع ألياف الصنوبر القديمة مرونتها. وهي لفي ذلك، تند عنها أصوات الخطوات من جديد. إن المنزل يقتفي بصوت مسموع أثر متاهة من السبل ليلاً. اعتدتُ على هذه الأصوات وكذا اعتادت أمي لكن أحياناً ما يلحق الذعر بأحد الضيوف السهارى. لا يغيب هذا عن إدراكي. فأنا الآن – بينما أنهض لأقف بمدخل حجرتي وقد لفتني ظلمة مشوبة بالنور – أسمع الصرير الواضح للخطوات وهو يتقدم نحوي ثم يجتازني ليعتلي سريري. أستشعر أنفاس مروري وكأن نفسي الميتة وتلك الحية تقابلتا هنيهة في ذلك المدخل ليخلدا إلى النوم.
