![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد السادس والعشرون، يوليو 2010 Twenty-Sixth Issue, July 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد السادس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم بينياڤانجا واينينا بالموافقة على نشر قصة "اكتشاف الوطن" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Wainaina was so kind to permit the publication of the Arabic text of "Discovering Home" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Wainaina a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"Discovering Home" by Binyavanga Wainaina. Copyright © 2001 by Binyavanga Wainaina. Originally published in G21: The World's Magazine, 2001. Published by kind permission of the author. All rights reserved. |
|
اكتشاف الوطن ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Jul.-01-2010 |
|
|
كيب تاون, يونيه 1995 – ثمة مشكلة. انحبس أحدهم في الحمَّام. حمَّام الطابق العلوي مُغلق وفرانك مختفٍ ومعه المفاتيح. ثمة شغب محدود أمام الباب؛ يقرع الباب نساء بشعور مستعارة معوجة يَنزل بهم السُكر وتتلطخ شفاههن بأحمر الشفاه. لا تَعدم الحفلات هذه اللحظة أبداً, عندما يشتد السُكر بالناس اشتداداً يحول دون أن يذوقوا لهواً؛ عندما ينام في فراشك غرباء تفيح منهم رائحة كريهة؛ عندما ينفد الخمر الشهي ولا يتبقى إلا نبيذ سيدجويك 'براون شيري' وعلبة من الكرتون تحوي نبيذاً أبيض حلو المذاق؛ عندما تكتشف غياب كل المقيمين معك في الشقة وتقع عليك المسؤولية كاملةً؛ عندما يَسقط مُشَغِّل الأغاني فوق جهاز الصوت المجسَّم ليعزف شخص ما غريب مراراً وتكراراً "أنا فتاة باربي, في عااالَم باربي." أعمل هنا في ضاحية أبزيرفاتوري في كيب تاون منذ سنتين, ونادراً ما خرَقت حدود ثُلتي. أخاله الخوف, وإحساس بأني لستُ مستعداً تمام الاستعداد لمغادرة مكان سمَح لي بأن أكون أي شيء أشاءه, دون أن يَبرز منه نَهَّاباً واحداً. ذلك هو الداعي إلى هذه الحفلة: سوف أعود إلى بلدي لمدة عام. ربما إذن يُمْكن تفسير شعوري بأن هناك مَن يوجه تحركاتي. في مثل هذه الساعة غداً سوف أكون جالساً بجوار أمي. سوف ينفذ كل منا إلى عقل الآخر وعاطفته. دائماً ما تغمرني الرحلات الماضية إلى بقاع نائية بوعي مميَّز: الوعي بأن ما نشير إليه بوصفه واقعاً – لا الجوهر وإنما بنية الواقع – ما هو في الحقيقة إلا خيط في مثل نحافة خطوط بيضاء كما الهَبات تخلفها الطائرات وراءها وهي تطير. سوف تَسهل عليّ الزيارة كل السهولة – سوف أتساءل لِم لا أَقوم بها كل يوم. آمل أن أمضي في كينيا 13 شهراً. أنتوي أن أرتحل ما أمكنني ثم أَحضر في النهاية الاحتفال بذكرى زواج جدي وجدتي بأوغندا في ديسمبر. ثمة العديد والعديد من الاحتمالات بمقدورها أن تقلب هذه الرحلة رأساً على عقب, ومع ذلك سوف أصل إلى هناك. لو أن هناك معجزة في فكرة الحياة, فهي هذه المعجزة: قدرتنا على البقاء على قيد الحياة في خلال فترة من الفترات – على الرغم من الفوضى. كثيراً ما ننسى بعدها أن كل شيء محفوف بالمخاطر: كادت التذاكر ألا تَظهر؛ كاد الحدث أن يتأجل. تتضخم العبارات لتصير أكبر من سياقاتها وتخاطبنا بالحقيقة. نتعامل مع هذه السلسة من الأحداث باعتبارها حقاً لنا, باعتبارها معياراً لهدايا المستقبل. نعيش بقية حيواتنا مدركين تمام الإدراك أن هناك شيئاً متعمَّداً, عِرقاً يسري فينا لينقل كل شيء إلى مكانه – لو تتبعنا أحجاراً نطأ عليها إلى اليقين. بعد الأنوار الخافتة والسلوكيات المهذبة لمدينة كيب تاون نيروبي جرعة من الويسكي. نَقود السيارة من المطار إلى وسط المدينة؛ تحيق بنا سيارات الماتاتو: تلك الحافلات الصغيرة المتهورة ذات الألوان الصارخة العاملة كسيارات أجرة, كل كيني – خلا مالكيها أو العاملين فيها – يجدها في منتهى الإزعاج. يسعني أن أعتبرها خير مثال على الفن الكيني المعاصر. يدهنون أفضلها بطبقة دهان جديدة كل بضعة أشهر. البادي أن أوبرا وينفري ذائعة الصيت في الوقت الحالي؛ و'چيدي چيدي ماچي ماچي' -- واحد من أروج الفرق الموسيقية في كينيا -- ومثلما هو متوقع المغني توباك. الأنوار الملونة والنفير المنمق والإضاءة الداخلية الأرجوانية؛ موسيقى الهيب هوب تدوي من مكبرات صوت لن أَقدر قط على تحمل تكلفتها. هذه هي نيروبي! إليك ما تفعله في سبيل النجاح: تخلي جسمك من العظام, وتتعامل مع سترة المجانين وكأنها لعبة, تحدٍ. المدينة الآن كلها في الشارع, التملق والصخب. أنتج أسوأ كساد شهِدناه على الإطلاق لتوه سيارات ماتاتو أكثر إشراقاً وابتكاراً. جميلٌ أن يعود المرء إلى وطنه. أتمشى بعد الظهر في طريق ريفر رود وصولاً إلى نياماكيما. هذا هو شريان المواصلات الرئيس إلى مركبات النقل العام ومنها. يحكمها المانامبا (منادو سيارات الأجرة) وصورتهم: سلوك فظ مترع بالسخرية – كل ضحكة لهي هزء, المدينة حرب أو لعبة. تعبير ساخر ينفع طبعه على الوجه, هنا حيث يغزو الجنس البشري كل فراغ لا تطالب به عن اقتناع. لا يحز في نفسي يأس مثل يأس يخامر تعابير أناس وافدين من الأرياف إلى وسط المدينة لبيع محاصيلهم. وجوه نحيلة بعظام خدود ضخمة شائعة بين قبيلة الكيكويو, عظام تسود وجوههم حتى إنها تبدو عضواً إضافياً يدعو إلى الخجل, شيئاً يشد الانتباه إلى وجوههم على حين يكون الانتباه هو آخر ما يرغبون فيه. أي مكان آخر يعد تلك الوجوه جميلة أيما جمال. يرشقون ما حولهم بنظرات تدل على خوف لا يزول, عاجزين عن تدريب أنفسهم على خلفية من فوضى عارمة. لا يَعرفون كيف يصطنعون تعابير معدومة الانفعالات. يتجلى على الفور هؤلاء العاملون منذ فترة طويلة في تجارة المحاصيل الطازجة: أغلبهم سيدات عجائز يرتدين التنورات التقليدية ويُصدرن أصوات ضجرة تعلن: السعر لا يعجبك, اترك البضاعة. يختلفن إلى السوق في جماعات, يثرثرن بلا انقطاع وكأن لا رغبة لهن في سكون سوف يكشف النقاب عن هشاشة مجتمعهن. إنني في البيت. تتراجع الساعات الثمانية الماضية بالفعل إلى زوايا النسيان. كنت في كيب تاون هذا الصباح, أنا الآن في مدينة ناكورو بكينيا. غمضة عين. تعلو آيات التعب وجه أمي وتلوح عيناها أنعس من المعتاد. ما تبدت عليها ملامح الضعف قط إلا أن وجهها ينم الآن عن هذه الملامح. أنتهي إلى أنني الذي أكبر, أتغير, ومحاولاتي لإحراز النضج تجعلها في صورة أقرب إلى كل البشر. أتقدم نحو المطبخ: لا تزال امرأة قبيلة ناندي تسيطر على الممر. لا يزال باستطاعتي عقب مرور 10 سنوات التحرك بسهولة في الظلام. أتوقف عند ذلك الموضع المجوف, حائط صغير على الجانب الآخر من المدفئة. صوت أمي, تتحدث مع أبي, أصداء في الممر. لا أحد منا يتمتع بصوت كصوتها: لو أن البلور ماء متجمد, فصوتها آخر رشة ماء قبل التجمد. يبعث ضوء المطبخ في امرأة ناندي الحياة. لوحة. ركِبني الرعب منها في صغري. بانت عيناها حية مفعمة بالحياة وهدَرت الأجزاء الحمراء أمام وجهي مهدِدة. وشي وجهها العريض بجمود أوقع في نفسي الخوف حقاً؛ جمَدت حركتي هناك, سيَّجتني قسماتها في تكتم قبَلي. خلاخيل حول كاحليها وأجراس في أنفها, سوف تَصدر عنها الموسيقى حيثما تمضي. لِم؟ هل استشعرت – في غَرارتي – أن وجهها لا يمكن بأي حال أن يستحيل إلى وجه مقبول؟ وأنه لا يمكن – مهما بلَغ به التنكر – أن ينحاز إلى منهج طمَحت إليه؟ تضم كينيا ضربين من الناس: 1. سوف يرتدي هؤلاء الواقفون على أحد جانبي الخط ملابس مستعملة مرتين من قبل حتى تتهرأ, سوف يأكلون تراباً إلا أن مصاريف المَدرسة سوف تؤدَى. 2. يعيش على الجانب الآخر من الخط أناس قد تراهم بين صفحات كتب تزين موائد القهوة. دخلاء على نحو غير معقول, يَقلون كثيراً عما قد توحي به كتب موائد القهوة. مثلهم مثل أجمة قديمة مورِقة لا تفتأ تزدهر أوراقها وتنبسط زهراتها الوافرة رافضة أن تعي أن شخصاً قطع المياه, شخصاً من الجانب الآخر من الخط. تأسر كل جماعة من هاتين الجماعتين اهتمام الأخرى. يأسرنا نحن الأشخاص العصريين ما يداخل القدامى من إحساس بالكمال. إذ يبدو لنا أن كل شيء معرَّف ومرسوم لهم بالتفصيل – والكل يتحلى بفصاحة في تلك التعريفات. لا ينبهر القدامى كثيراً بمجتمعنا أو سلوكياتنا – ما يلفت انتباههم هو أدواتنا: السيارات والأدوية والهواتف والدمى المتحركة بالزنبرك والمسدسات. اضطرمت نفسي في سنوات المراهقة بقصائد سنجور وأوكوت بيبتيك؛ باتت امرأة ناندي بالنسبة إليّ ممثلة لإرث السود. جاهرت بجمالها ورنوت بعين الإعجاب إلى عظمتيّ وجنتيها وندَبت حكمة ضائعة تخامر عينيها, ولكنني لا زلت أُفضل النوم مع بام يوينج أو إيمان. استولى عليّ خوف رهيب لأني لم أستطع قط أن أحبها. أخفيت تلك الخيانة بصور مجازية لا ينقصها التعقيد ولا تمت بصلة إلى دواخلي. آه أيتها الأميرة النوبية, وقصائد أخرى رديئة. انتقلتْ إلى غرفتي لفترة, بحذاء سجادة من قماش 'كينتيه' زاهية الألوان معلقة على الجدار غير أن أمي أعادتها إلى منبرها العالي. تعلمت في غضون السنوات أن أتطلع إليها بعين الود؛ ملأت قلبي بحنين فاتر إلى أشياء راحت. ما حاولت أبداً أن أمد البصر مرة أخرى إلى ما وراء زيها. إنها أصغر مني الآن؛ يسعني أن أتبين فيها سمات تليق بسمات الفتيات. تُجسد عيناها النجاح الوحيد للفنان – إذ توحيان بالأذى والصفاء والضعف وحكمة لا تبرأ من الإنهاك. لست في حاجة اليوم إلى إكراه عقلي على تقبل جمالها, إذ يستوعبه بكل بساطة فتُنزل بي الشهوة ارتباكاً: تدفعني إلى الإحساس بأني انتهكت قدسية شيء ما. ثم أراها. هل كنت متعصباً إلى هذه الدرجة؟ كل شيء. الابتسامة الخفيفة, زاوية رأسها وكتفيها, الغزَل الطفيف بالفنان: أعلم أنك تريدني, أعلم شيئاً تجهله. موناليزا: لا شيء واحد يصرح بأمر مختلف. الحقيقة: الحقيقة هي أنني لم أر الابتسامة مطلقاً؛ أشعلت شفتاها الغليظتان حرباً أي حرب بين فكري وعاطفتي, ما انتبهت قط إلى الابتسامة. الأرجح أن الفنان ليس أفريقياً, لا بسبب علامات موناليزا الواضحة فقط, بل لأنني أكتشف أيضاً للمرة الأولى أن تعبير المرأة تشوبه شائبة. لن تقع عيناك في كينيا على مثل هذا التعبير إلا مطبوعاً على وجوه فتيات التحقن بالمدارس الخاصة أو نشأن في الضواحي الغنية المطوِقة للمدن الأكبر. لا يمكن أن تَصدر حقاً تلك النظرة, تلك الابتسامة الخفيفة العابثة, من امرأة من قبيلة ناندي. حجَبتْ في اللوحة رغبتها الجنسية الجامحة بشال من الثلج تاركة أثر ابتسامة ليس إلا ليَحسر عن جسد يمكن أن تدب فيه الحياة: عَلَمٌ على القمر. أصاب الفنان في تصوير الوقار إلا أن الخصيصة الجنسية أوروبية الهوية: من الصعب أن يخطئ فنان أفريقي في هذا الجانب. البادي كذلك أن الشفتين لا تَسلمان من عيب. تغلفهما صفة خرقاء وكأن تبدلاً جمالياً وقَع في العضلات المستوية بين أنفها وفمها. كما أن الفم يبذل أشد الجهد من أجل تحقيق التناسق وكأنه يُقَدم اعتذاراً عن غلظته. المراد من ذلك الفم هو أن ينفتح شأن لب ثمرة مانجو ناضجة؛ ليس كبح التعابير بالشائع في كينيا, ولا شك أنه ليس شائعاً بين أفراد قبيلة ناندي. أستدير متوجهاً إلى المطبخ. أعِز المطبخ في الليل. واسع اتساع الكهف, بارد الجو, تدوي داخله أصوات ليلية يكتمها سكون مطْبق أشبه بالإسفنج يعم المكان في الخارج. بعْد العديد من السنوات في مطابخ في حجم الخزائن بجنوب أفريقيا تفيض بي إثارة أكثر مما ينبغي. التفت في طريق العودة إلى غرفتي لأواجه امرأة ناندي, أتأمل رجوعي إلى نقطة البدء منذ رحلت. حينما غادرت, كان البيض يَحكمون جنوب أفريقا. حينما غادرت, كانت كينيا دولة ديكتاتورية مؤلَّفة من حزب واحد. حينما غادرت, ساورني الارتياح لإفلاتي من أعباء الوجود في كينيا وذنوبه, لإفلاتي من مجابهة جذوري والتبرؤ منها. ها أنا هنا, أفتش عنها من جديد. أَعلم, تنطق عيناها ذواتا الإطارين الحمراوين. أَعلم.
مزاج مرِن: أرض قبيلة الماساي أغسطس 1995 – كنت نائماً مرتاحاً منذ بضع دقائق في مقدمة سيارة ماركة لاندروفر ديسكفري. أمَّا الآن فقد رُميت بفظاظة إلى جانب الطريق لأن موظف المعلومات الزراعية قرر التوقف بسرعة جنونية لقضاء الليل – وسائل الراحة في بلدة ناروك. قيادة السيارة في هذا الجوار ليلاً ليست بالفكرة الذكية. نزَل بي شعور بالانزعاج في الدقائق الأولى القليلة خارج السيارة. يستدعي ذلك الجانب من جوانب السفر إلى مكان جديد الانتباه: لا تتمكن العينان من التركيز في التفاصيل. يغمرني وهج الغسق؛ ورعشة الريح فوق أراضٍ متموجة من القمح والشعير؛ ورؤية ميل تلو ميل من مساحة متجردة من شبكات الأسلاك. زاغ تركيزي عن مساره كلية لدرجة أنني عندما ارتددت إلى نفسي ألفيت مندهشاً أن قدميّ لا تزالان على الأرض وأن المشهد قبَض عليّ بقوة ما بعدها قوة حتى إنه امتص وعيي بنفسي للحظة. ثمة برودة أشبه بنصال المروحة تقطع منخريّ: الصمت – بعد طنين لم ينقطع صدَر عن السيارة – مثابر مثابرة بيوت العنكبوت, مقتحم اقتحام أعلى ضجيج. تتملكني رغبة عارمة في تمزيقه بأظافري. خطر ببالي أن لا دليل أوضح على ذاتية حواسنا (أو انتقائيتها) إلا هذه اللحظات. فالرؤية دوماً ملاحظة ليس إلا. نمرر أعيننا على مناظر نألفها ونصطفي ما نبدي حياله رد الفعل. يصيبني الهواء البارد بسخط متناه. بودي أن أتنفس – أمتص نداوة الهواء الجبلي, رائحة شجرة الحمى والروث – إلا أن العملية مؤلمة أيما ألم. ماذا يَصنع الناس في البقاع الشتوية؟ هل لديهم دواء لعلاج حساسية الأنف كمعجون الأسنان 'سنسوداين'؟ إنني في أرض الماساي لا أرض الماساي كما تَظهر في التلفزيون – مروج معشبة على منحدرات ناعمة وأسود وأشجار السنط. نصعد تلال ماو. تخلو التلال هنا من حقول شاسعة من الحبوب؛ هنا غابات. هنا نسائج عصية على الاختراق من غابة مرتفعة تشملها أشجار الخيزران لتهيمن على المشهد. في داخلها أفيال عديدة تَخرج ليلاً وتترك فوق الطريق فطائر هائلة الحجم من الخراء. كنت أعتقد في طفولتي أن الأفيال تستخدم الطرق المتربة كورق للتغوط مثلما تفعل القطط – تَجلس على الرمل بمؤخراتها وتُحرك نفسها إلى الأمام بأرجلها الأمامية. وعودة إلى مسألة اختيار الرؤية: أعلم, الأرجح أنني لن أبصر أفيالاً في أثناء أسابيع إقامتي هنا. سوف أبصر أناساً. قام في خاطري أني لو كنت رجلاً أبيض لاخترت في أغلب الظن أن أرى أفيالاً – وسوف أسرد عندها قصة مختلفة تمام الاختلاف. سوف تحكي تلك القصة حكاية مساحات فسيحة شاغرة يتوق الأوروبيون إلى أن يتوهوا فيها عوضاً عن حاشية دافئة ودودة من الأقارب ننشدها نحن الأفارقة بوجه عام. كلما أطالع كتاباً بقلم كاتب أبيض زار كينيا زيارة وجيزة, يعتريني انشداه من كمية الطرائد التي تَظهر في أفنيتهم وقت الإفطار والثعابين التي تُعرج على أحواض الاستحمام والأسود التي تروع عجولهم. التقى بصري بثعبان واحد وحيد طيلة حياتي. لا أعرف شخصاً عضه ثعبان على الإطلاق. يسبقني البصر إلى جرارنا العتيق ماركة ماسي فيرجِسِن وهو يطلق أزيزه صاعداً التل البعيد. إنهم في اتجاهنا. الفرَج! أركب جراراً ومؤخرتي تعاني البرد القارس ونحن نتقدم من حقول القمح لنعود إلى المعسكر. كنا نشرف على رش القمح والشعير في حقول يستأجرها أبي هنا. ليس هناك ما يمكن التطلع إليه هنا ليلاً, فلا توجد حانات مختبئة في أجمة الخيزران. بل إنك لا تستطيع أن تتجول بحرية ليلاً لأن المناطق غاصة بنبات القُراص الواخز. سوف نخلد إلى الفراش في السابعة كي نتجنب البرد. سوف تتناهى إليّ قصص ضفادع تتسلل تحت فراش المرء لتستحيل إلى امرأة جميلة توقعه في شركها. سوف تتناهى إليّ قصص حول سواقي جرارات خرافيين – أناس بإمكانهم تحويل القمة المسننة لجبل كيليمنجارو إلى قَصة شَعر متقنة أشبه بالأجمة. سوف تتناهى إليّ حكايات حول قوم الماساي – حول فُلان الذي قبَض أربع عشرة ألف راند مقابل شعير نامٍ في أرضه ثم رحَل إلى أحياء ماجينجو الفقيرة في نيروبي هاجراً زوجته وأطفاله كي يعيش مع بغي لمدة سنة. عندما نفِدت النقود, طرَح بذلته وقدوره ومقاليه وأثاثه. لف نفسه في بطانية وسار إلى بيته وهو يصفر سعيداً طيلة الطريق. وسوف تتناهى إليّ في الأغلب قصص أوليه كامارو, صاحب أرضنا, وزوجته إيدا. يزرع أبي القمح والشعير في هذه المنطقة منذ طفولتي. كنا طوال هذه الفترة نستأجر جزءاً من أرض أوليه كامارو كي نحتفظ بجرارنا وحاجاتنا ونقيم معسكراً. التقيت بإيدا بُعيد زواجها بأوليه كامارو. كانت زوجته الخامسة, في الثالثة عشرة من العمر. ران عليه عظيم الفخر بها. كانت ابنة زعيم عظيم الشأن يقطن بالقرب من قرية ماو ناروك, وبمقدورها أن تقرأ وتكتب! ابتاع أوليه كامارو لها مذياع جيب وجعلها تتبعه أينما ذهب بقلم حبر وقلم رصاص حتى تدون الملاحظات. أتذكر أن زواجهما ألحق بي الذهول – فقد كانت صغيرة للغاية! أتمت أختي سيرو الثامنة, وقد لعِبتا معاً في يوم من الأيام. انتاب أختي ليلتها كابوساً بأن أبي باعها لأوليه كامارو في مقابل خمسين أكراً. حسْب إيدا تلك السنوات في المدرسة لإعطائها فكرة واضحة عن المبادئ الأساسية لإحراز السلطة. بحلول عامها الثامن عشر كان أوليه كامارو قد نبَذ بقية زوجاته. أجَّرتْ مصانع الجعة أرضه وفتَحتْ حساباً في البنك حيث ذهبتْ كل الأموال. أعطت زوجها بين الفينة والأخرى مصروفاً للجيب. متى غاب عن منزله, كانت ترافق عشيقها, شاباً غنياً من قبيلة كيكويو يمتلك متجراً في الجهة الأخرى من التل. لم ينفك يزودها بالضروريات مثل الصابون وأعواد الثقاب والكيروسين. كانت إيدا رئيسة المجلس المحلي لرابطة المرأة التابعة لكانو (الحزب الكيني الحاكم), وهكذا ظلت منيعة على اللوم من العناصر المحافظة المحيطة بها. أدارت أيضاً تجارة مزدهرة, تقدد جلود الحيوانات وتزينها بالخرز بعناية شديدة لتبيعها في سوق السياح في مارا. وعلى العكس من أكثرية نساء قبيلة الماساي المترفعات عن زرع الغلال, امتلكت حديقة مزدهرة لزراعة الذرة والحبوب وشتى الخضراوات ثم بيعها في الأسواق. لم تُحرك ساكناً للعناية بهذه الحديقة. كان اعتناء عمالنا بتلك الحديقة جزءاً من تعاون توقعناه منها باعتبارها صاحبة الأرض. منطقها هو أن رجال كيكويو ما هم إلا نسوة سمتهن الجُبن على أية حال, وهم ماهرون في فلاحة الأرض. ثمة حدث مثير للاهتمام يقع اليوم. هناك تقليد بين أفراد قبيلة الماساي: تُعفى النساء من كل الواجبات المنزلية بضعة أشهر بعد الولادة. يسمحون للنساء بالهيمنة على الأرض ومرافقة أي عشاق من اختيارهم. ولسبب ما لا أفهمه حق الفهم يَحدث كل هذا في موسم مُعَين – وهذا الموسم يبدأ اليوم. نبهوني إلى ضرورة الابتعاد عن أية مجموعات من النسوة تطوف في المنطقة. نقف على أحد التلال الشاهقة, يرد إليّ أزيز الجرار القديم ماركة ماسي فيرجِسِن. نصل إلى القمة ثم نستدير لنشق طريق الهبوط, ها هن: تقودهن إيدا, زمرة من أربعين امرأة تقريباً يتقدمن صوبنا في أبهى الحُلَل التقليدية. ينبئ منظر إيدا بالمهابة والجمال في عباءة جلدية مطرَّزة ورداء من قماش الكانجا وخواتم وقلائد وأقراط. تتوسطهم امرأة عجوز, لا بد أنها في السبعين, ترسل ضحكات متقطعة في مرح لا أسنان له. تنزع رداءها لتَعرض ثدييها للعيان – يشبهان جورباً رياضياً قديماً. يتوقف السائق موانجي ويحاول أن يستدير إلا أن الطريق غاية في الضيق: على أحد الجانبين يرتفع الجبل, وعلى الجانب الآخر وادٍ متثائب. يصرخ كيبسانج الجالس معي في المقطورة كي يقود كارانجا السيارة عبرهم: "لا تتوقف!" الظاهر أن النسخة العصرية من هذا التقليد تتضمن أن يتبرع الرجال بالأموال لعُصبة المرأة في حزب كانو. قد تخالها فكرة بريئة بما يكفي – ولكن لا بد أن يرضيهن مقدار هذه التبرعات وإلا سيعرونك من ملابسك ويَفعلن بجسدك أشياء لا توصف. لذا ننطلق بأقصى سرعة. تقف النسوة ثابتات في قارعة الطريق. لا نستطيع أن ننحرف. نتوقف. ينقذ كيبسانج أرواحنا برمي كمية كبيرة من العملات على الطريق. ألقي بعض الأوراق النقدية على حين يُفرغ موانجي (المعروف بشحه في أرض الماساي) جيوبه ويقذف الأوراق والعملات. تَشرع النسوة في جمع الأموال فيَهدر الجرار من جديد ونَقود عبرهن مباشرة. علِقت بذاكرتي صورة السيدة العجوز ذات الفم العاطل من الأسنان وهي تقفز لتتحاشى الجرار. ثم وهي واقفة تنظر إلينا وتضحك وثدييها يخفقان مثلهما مثل عَلَمين من أعلام النصر. أَرقد في الفراش, لا أزال في أرض الماساي. آخذ كتاب أبي التقويم العالمي وكتاب الحقائق 1992. يشتمل الجزء الخاص باللغة على كلمات جديدة أكدتها مصادر منزهة عن الخطأ مثل موسوعة كولومبيا وقاموس أكسفورد الإنجليزي. تبدو القائمة شبيهة بأحد الإعلانات الإرشادية الأمريكية: تمرينات الجاز, تدريبات التأكيد الذاتي, فقدان الشهية العصبي, قابل للطهي بموجات الميكروويف, الانطلاق المهني. توجد كلمة هناك – سكانك: أسلوب من أساليب الرقص على خلفية من موسيقى الريجي الجامايكية ذائع في جزر الهند الغربية. ينحني الجسم إلى الأمام عند الخصر وترتفع الركبتان وتمزق اليدان الهواء مع الإيقاع؛ الرقص بهذا الأسلوب. تلتمع في ذهني صورة خاطفة لأنفسنا بعد أربعين عاماً, داخل أستوديو عام للرقص. نتمرن لدخول بطولات الرقص للكبار, ابتسامات بلاستيكية على وجوهنا ونحن نرقص السكانك عبر الحجرة. يتفحص المدرِّب الحركة: الكتف لأعلى, الذراعان لأسفل, تحرك هكذا, تحرك هكذا: مزِّق يا حبيبي مزِّق! مع الإيقاع, الرقص بهذا الأسلوب. فقَد لانجات وكاروكي الوعي بنفسيهما حولي وراحا يثرثران حول إيدا أوليه كامارو, صاحبة أرضنا. "إيه! لديها عشر آلاف شلنق, راحا ومكثا في فندق بناروك لمدة أسبوع. اضطر أوليه كامارو إلى أن يُحضر امرأة أخرى لتعتني بالأطفال!" "آه! ولكنها توبخه شر التوبيخ!" يطويان الموضوع تلو الموضوع ببطء, بلا هدف – مجرد حديث, مجرد تواصل. أشعر بذلك الغلاف المشدود المحْدق بالوقت ينحل, القلق المُلازِم لتضييع الوقت يضمحل, فأنقلب فراغاً مجيداً برهة قصيرة, لا يند عني إلا ترك ما يستوقف عقلي يستوقفه, وبعدها يستوقف النوم عقلي. يذبح أوليه كامارو ماعزاً اليوم! من أجل خاطري! نضطجع جميعاً فوق رقعة العشب بين المُجَمَّعين. يتعامل أوليه كامارو مع الخروف بيد سريعة ثم يُقَدم إليّ الكبد الطازج لآكله. تولتني الدهشة لمذاقه الشهي. طعمه طعم دفء زلِق, طعم نظافة عضوية. يُقدمني أوليه كامارو إلى أخت زوجته وينهي إليّ بنبرة يغمرها الفخر أنها تَدرس في الصف الرابع. أخت إيدا – التقطها طرفي هذا الصباح وهي تحملق إليّ من نافذة صغيرة في معسكر مانياتا. آنست إحساساً بالارتباك في البداية – تحديقة خليقة بامرأة من قبيلة الماساي – لا يخالطها إحراج, لا خوف من جرح. ثم انتبهتْ إلى أني رأيتها فضاقت عيناها وعكست جرأة – جرأة شوارع كما يليق بفتاة من منطقة ويستلاندز في نيروبي. وعليه تكتنفني الحيرة, كيف أتقرب إليها الآن. هل ينبغي أن يكون تقربي تقرب المؤدَّب مفرط الأدب كما تقضي التقاليد أم تقرباً رابط الجأش لا مبالاة فيه كما طلَب سلوكها الثاني؟ كنت لأختار الثاني بيد أن عمها يقف وقفة جادة بالقرب منا. تستجيب بإطراقة من رأسها وإشاحة من عينيها. يلم بي إحراج مؤلم. أسألها أن تريني مكان دبغ الجلود. نفلت بشيء من الارتياح. "أين هي مَدرستك إذن؟" "آه! مَدرسة القديسة تريزا للبنات في نيروبي." "إيدا أختك؟" "أجل." نستعين بالصمت هنيهة. التحدث بالإنجليزية غلطة. فيما أنا طلق اللسان, تتوخى هي الرسميات. ألجا إلى السواحيلية فينطلق لسانها لتتحول إلى شخص آخر: ثرثارة, عدوانية, شخص يحتفظ بالقطع في مكان آمن بقميص قطني عليه صورة المغني توباك. "جررر! المكان هنا ممل جداً! لا أحد يُمْكن التكلم معه! ليت إيدا تُبكر بالرجوع إلى البيت." لا أزال مبهوتاً. يا لجرأتها وحيويتها, تتحدث 'السوانجليزية,' لغة شوارع رائجة تمزج السواحيلية بالإنجليزية. "لماذا لم تذهبي مع النساء اليوم؟" ترسل ضحكة, "لستُ متزوجة. آ! أنا متأكدة أنهن انبسطن! يحتسين شراب الموراتينا في مكان ما هنا بالتأكيد. لا أطيق صبراً حتى أتزوج." "أليس بك رغبة إذن في الالتحاق بالجامعة والقيام بكل تلك الأشياء؟" "ممكن, إنما لو تزوجتُ بالشخص المناسب, الحياة ستكون مريحة. عندك إيدا: ترفل في الحرية وتفعل ما يحلو لها. كبار السن طيبون. لو أطعمتَهم وأنجبتَ لهم ابناً, سوف يتركونك وشأنك." "ألن يَصعب عليك الزواج إن لم تكوني مختونة؟" "ومَن قال لك إني لست مختونة؟ لقد ذهبتُ السنة الفائتة." تخيم الصدمة على محياي. تفر منها ضحكة. "آه! كدت أبول على روحي! ولكني لم أبك!" "لِم؟ كان باستطاعتك أن ترفضي." "آه! رفضي سوف يعني انتهاء حياتي هنا. لا مكان هنا لواحدة على هذه الشاكلة." "لكن..." وإذا بي أَعدل عن تكملة جملتي. إحساسي أن هذا هو الحل الوسط الذي قدَّمتْه كي تأخذ بأسباب حياتين بسلاسة. وكما هو الحال مع مبررات الناس للإيمان بمعتقداتهم وتقرير اختياراتهم, سوف تغدو محاولة دحض حجتها سخافة. وسوف تَعتبر -- بوصفها من قبيلة ماساي -- تصريحي مدعاة للضحك. لا سبيل في السوانجليزية إلى طرح الموضوع بطريقة دبلوماسية, ولا يسعها هي باستخدام السوانجليزية إلا أن تَعرض فكرتها بشجاعة واقعية لا تخلو من تصنع, مسألة مهين. لا عِلم لي بأية طريقة في الإنجليزية تمكنا من مناقشة هذا الموضوع بشكل مُرضٍ. لو أن هناك مجاملة يؤديها كل كيني للآخرين, فهي ألا يعترض أي فرد مطلقاً على تناقضات الآخر – لا نَسلم كلنا من التناقضات, وإراقة ماء وجه الآخر بمثابة ازدراء لا يدانيه ازدراء. لا عيب في أن تدعي ما ليس فيك بكينيا – ما عليك إلا أن تدعيه ادعاء مقْنعاً. تدور كل نكتة كينية حول شخص ظن أنه مهَر في انتحال شخصية جديدة إلا أنه أخفق فيها. الحياة بالنسبة إلينا ما هي إلا التطبع بمزاج يمتاز بالمرونة. وبمقدورك أن تحوز ما تشاءه من الأمزجة.
عيد الميلاد المجيد في إقليم بوفومبيرا 20 ديسمبر 1995 – الرحلة عبر تلال ماو بمحاذاة وادي ريفت أماماً صوب مدينة كيسومو رحلة شاقة مضجرة. لم أسلك هذا الطريق منذ عشرة أعوام إلا أن هدفي هو الانتهاء إلى أوغندا. نصل إلى مدينة كامبالا في العاشرة مساء. لزمنا الطريق مدة فاقت ثماني ساعات. إنها زيارتي الأولى إلى أوغندا, أرض أجدها زاخرة بغموض يستعصي على التصديق. نشأت وأنا أستمع إلى خرافاتها وأساطيرها وأهوالها – يسردها الساردون بنبرة حادة لا تتأتى إلا للمنفيين. إنها زيارتي الأولى إلى بيت أسلاف أمي, والمناسبة هي الاحتفال بالذكرى الستين لزواج والديها. أول مرة ستجتمع فيها بعشرة من أخوتها وأخواتها الأحياء منذ مستهل الستينيات. أول مرة سيلفي جدي وجدتي كل أولادهم ومعظم أحفادهم معاً في البيت – من المتوقع أن يصل العدد إلى مائة فرد. دائماً ما ملأت أمي والعديد من الزوار القادمين لزيارتنا مخيلتي بحكايات لا تُصدَق من أوغندا. سمعتُ أن الناس كانوا يضطرون إلى التلوي على معدتهم كي يمدون طرفهم إلى الكاباكا, أحد ملوك مدينة بوجاندا؛ سمعتُ أن ملك التوتسي في رواندا (البالغ طوله سبع أقدام) تلقى ذات يوم دراجة كهدية. ولأنه لم يكن يسير على الأرض (لأنه مَلِك وكل هذه الأشياء), كان الحمالون يَحملونه في كل مكان, فوق دراجته. لم يكن من المفترض على ما يبدو أن تُجهد نسوة قبيلة التوتسي في مملكة رواندا القديمة أنفسهن أو يشوهن جمالهن بأية صورة من الصور. كانت الخادمات من قبيلة الهوتو يُطعمن بعض هؤلاء النسوة. وما غادرن أكواخهن خشية التعرض لسفعة الشمس. حكوا لي عن رحلة قام بها جدي في صغره برفقة أحد أعمامه. اعتقدوا بالخطأ أنه خادم من قبيلة الهوتو وأخذوه ليبقى مع المعيز. فاتت عدة أيام ثم سأل عمه عنه. تعثر مُضيفوه بأذيال الإحراج وهم يعترفون بأنهم لم يَكونوا على علم بأنه "واحد منا." لا بد أن هذا يصيب الناس هنا بالسخط بحق – أننا نبدو غير مهتمين إلا بالشقاق بين التوتسي والهوتو. كانت سنة شهِدتْ فيها أفريقيا نِعماً ونقماً في آن واحد. سنة جلستُ فيها بملعب نيولاندز خلال بطولة العالم للرجبي في مدينة كيب تاون وتفرجتُ على لاعبي جنوب أفريقيا وهم يمدون الأيادي لبعضهم بعضاً قبل أن يهزموا نيوزيلاند شر هزيمة. تمكن مانديلا – المرتدي قميص رجبي رقم ستة – من الانصهار ليلة واحدة رائعة, وكذا كل ما استحوذ على البلد من عدَاء منذ الإفراج عنه. احتضن السود – المؤيدون لفريق 'أول بلاكس' النيوزيلندي منذ زمن – فريق سبرينجبوكس بكل حماسة. لليلة واحدة فقط استشعر جُل مواطني جنوب أفريقيا روح القومية المشتركة. إنها السنة التي عدت فيها إلى وطني, كينيا, لأجد الناس قد تخطوا سخريتهم منذ زمن حتى إنهم تطلعوا إلى أيام السخرية بشيء من الإعزاز. أوغندا مختلفة: هذه دولة لم تصل فحسب إلى قعر حفرة أحياناً ما تقع فيها الدول, وإنما نبشت بأظافرها عبر ذلك القعر وسقطت مراراً وتكراراً سقوطاً لا كابح له, وقد أعادت الآن بناء نفسها وتخلصت تماماً من الكراهية. تبث فيّ هذه البلد أملاً بأن هذه القارة ليست عاجزة عن ضبط النفس. كان ذهني يربط هذا البلد بأشجار الموز والممالك القديمة السامية والفساد وعيدي أمين واليأس. كان رابطاً انطبع في عقلي منذ صغري عندما نضحتْ حوائط منزلنا لتتسرب منها همسات الرعب متى يُقْبل قريب أو أصدقاء إلى الوطن هاربين من تماسيح أمين الواقعيين أو المجازيين. ينال مني بعض الضيق لأن التلال السبعة الشهيرة بمدينة كامبالا ليس محدَّدة بنفس ما تخيلته من جلاء. طالما راودتني رؤية طفولية لمدينة يغشيها الجلال وتعج بتجهيزات ملكية. توقعت أن أبصر أناساً يتميزون بالأناقة في أردية متهدلة, يَحملون سلالاً فوق رؤوسهم ويمشون متكبرين في شوارع تهب منها رائحة الموز المشوي, ومفكرين من أحد أحلام الستينيات يشعلون الشوارع بخطابة تتمركز في ثقافة الشعوب السوداء. قد تنطوي الصور المتشكلة في الطفولة على قدر من العند. يفرض الواقع معايير جمالية أفضل. تَلوح كامبالا في حال من الهرجلة, تحفل بالحُفر والإدارة الفاسدة والعشوائية. المدينة الأفريقية التي ترهب الغرب أي إرهاب. الحقيقة هي أنها مدينة تطغي عليها روح المغامرة. تلتقي عيناي بابتسامات وتألق بشرة معافاة وأسنان؛ لا عاطلين يتسكعون ويدبرون المكائد عند كل منعطف في الشارع. لا يسير الناس بحوائط حول أنفسهم كما يفعل الناس في نيروبي بلد اللصوص. ثمة نشاط محموم إلى تشييد المباني في كل بقعة: دثار من الدهان ينتشر وئيداً فوق المدينة, لذا تتبدى بالأحرى واحدة من تلك الإعلانات المروجة لفودكا ماركة سميرنوف حيث تَخرج أشياء غير ذي حياة إلى معاجلة سينمائية للألوان بواسطة تجشؤ مقدس لنحو 30 في المائة من الكحول الصافي. الجو معبأ بالرطوبة والسخونة. تغازلك أشجار الموز وهي تتمايل برقة تمايل مراوح تَعرض عليك برودة معتدلة لا تتحقق قط. يعبق كل شيء برائحة المسك وكأن بخاراً كثيفاً ناعماً تصاعد شأنه شأن مرق الحياة: لو كثُف الهواء بأية درجة من الدرجات, سوف يصبح هلاماً. النباتات ضخمة الحجم. ترفرف في كبرياء شأن الراقصين التقليديين. كاشفتني أمي مرة أن الجوع لو ألم بك وأنت مسافر إلى أوغندا في الأربعينيات والخمسينيات, بإمكانك ببساطة أن تدلف إلى مزرعة موز وتأكل قدر ما تشاء دون اضطرار إلى سؤال أحد, ولكن لم يكن مسموحاً أن تَحمل مجرد موزة واحدة مشوَهة من المزرعة. غُرفنا محجوزة في نُزُل 'النُزُل الكاثوليكي.' ما إن أرمي أمتعتي على الفراش حتى أتصل بصديق قديم من أيام المَدرسة, يَعد بأن يقلني. يأتي ميوسوك في السادسة ونَخرج لنجد بعض الطعام. نَقود السيارة بحذاء مستشفى مولاجو الشهير ثم نخترق البلدة. يُقل صديقين ثم نقصد حانة اسمها حانة ياكيوبو. نطلب قدحين من الجعة والكثير من أسياخ الخنزير المشوي ثم نتخذ مجلسنا في السيارة. الأسياخ شهية الطعم. تحلو لي كثيراً, أطلب المزيد منها. الجعة ماركة نايل لا بأس بها إلا أنها لا تقترب من لذة جعة تاسكِر الكينية. لا أدري إلا والشمس تَغرق والظلام يرخي سدوله. نَبلغ الطريق السريع متجهين إلى بلدة إنتيبا. بنى الناس على جانبيّ الطريق منشآت متداعية: تصطف الحانات والمتاجر والمقاهي على طول الطريق بالكامل. ما يدهشني هو عدد السابلة في الشارع, وبخاصة مراهقين يندفعون في حيوية إلى كل مشرب, مثقلون بالهرمونات. لا تزال الحرارة مرتفعة في الخارج وواجهات كل هذه المباني مضاءة بمصابيح الكيروسين. مغرية إغراء لا حد له. يسترد ميوسوك بصري لأسأله, "هل من الممكن أن نتوقف عند إحدى هذه الحانات لنحتسي جعة؟" "آه! تمهل حتى ننتهي إلى مقصدنا, فهو ألطف كثيراً من مقلب النفاية هذا!" "أنا متأكد أنه ألطف؛ ولكن قد لا تسنح لي الفرصة أبداً أن أحتسي شراباً في حانة من حانات إنتيبا الحقيقية, لا تلك الحانات البرجوازية. هلم, سوف أدعوكم إلى مشروب." كلمات سحرية. ألفيت المكان من الجاذبية في غاية. بدا لي أن الأوغنديين يبرعون في جعل الأشياء أنيقة الشكل مريحة الوقع بغض النظر عن الدخل. في كينيا أو جنوب أفريقيا سوف يتصف هذا المكان بالقذارة, وسوف تتجمع المباني بقدر من الاشمئزاز الذاتي العشوائي كمن يقول, "لن أبقى هنا طويلاً, ولِم أكترث؟" المكان من الداخل ديكوره بسيط, حصائر من القصب في الأغلب. الحوائط مُشَطَّبة تشطيباً جيداً, والأرضية من الإسمنت العادي لا تتخلله الشقوق أو يُظهر علامات على إساءة الاستخدام. تُقَدِم لنا المشروبات نساء يَلبسن زي قبيلة باجاندا التقليدي. أجد نسوة باجاندا أكثر إثارة من نسوة قبيلة شاي. يطالعنك بنظرة عليمة, إحساس جنسي فخور عار – يتحداك أن تشبعه. البادي أيضاً أنهن يَعدمن تلك الرقة العامة التي تسم نساء المدينة, رقة بدأتْ تُحْدث في نفسي بالفعل ضيقاً. ملامحهن قوية؛ بشرتهن بلون النحاس الغامق الوامض؛ أعينهن تكسوها طبقة زيتية فوق البؤبؤ الأسود, منظر منتشر في المناطق الاستوائية (كثيراً ما يشار إليه بأنه مهيج للشهوة). التقليد أن ترتدي نسوة باجاندا فستاناً طويلاً فضفاضاً على الطراز الفيكتوري. يملأ كل جانب أراده الفيكتوريون دون نقصان, ولكنه ينجح رغماً عنه أن يشف عن الجنس. تتلون الفساتين في العادة بألوان جريئة. تربط العديد من النسوة رباطاً تحت أليتهن بالضبط (ألية في أغلب الأحيان مبطنة) لكي يشددن على حجمهن. الفرق يكمن في المشية. تتصور الكثير من النسوة أوراكهن شراً لا داع منه, إضافة مزعجة يجب أن تنبري. أخال النسوة في الماضي كن يعتبرن أوراكهن مهداً لإيداع الرغبة ورعاية الأطفال الصغار. تنظر نسوة باجاندا إلى أوراكهن نظرتهن إلى ركيزة من الكرات الهائلة, تتدحرج, أشياء طرية تتحرك في دوائر مزيتة, وهكذا يليق بهن أن يصبحن أفضل راقصات العالَم في مهرجان التومبولو. تحتك أوراكهن في هذه الفساتين الفضفاضة بجوانب الفساتين أثناء الحركة, إنها أعجوبة للفرجة. أكثر ما يلفت الانتباه إليهن هو مكانتهن الرفيعة. الظاهر أن نساء باجاندا ألفين طريقة حتى يكن تقليديات وقويات في نفس الوقت – أغلب مَن أعرفهن يصبحن أكثر جمالاً مع امتداد العمر وينافسن الرجال في الصناعة بدون أن يُعرضن أنفسهن لخسارة أنوثتهن. أنام في رحلة السيارة من مدينة كامبالا إلى بلدة كيسورو. نبرح كيسورو ونبدأ الرحلة إلى كنيسة سينت بول في منطقة كيجيزي بأوغندا. أختي سيرو تَجلس إلى جانبي. تصغرني بسنة. زارت شيكي – أصغر أخواتي – أوغندا من قبل. تستفيد كل الاستفادة من خبرتها الواسعة في لعب دور الدليل السياحي الراشد. ففي سنها الثقة بالنفس إله. يخالجني شعور غريب بأننا دمى متحركة في قصة من قصص عيد الميلاد, وكأن واحدة من ناسجات السلال تكتب هذه القصة بلغة النسج؛ تُحْكم شد خيوط البردي كل بضع دقائق, وتأبى – هي المؤمنة بالخرافات – إلا أن تزيح الستار عن النهاية (حتى لنفسها) حتى تربط آخر عقدة على الإطلاق. نحن الآن في الجبال. يبدو أن الطريق المتمعج وأوراق البردي الكثيفة في الأودية تضفرني بإحكام أشد من ذي قبل في سلة النساجة الخيالية. فهي ترج نسيجها بين الحين والآخر بغية إحكامه. يرتقي طرفيّ لأرى طريقاً قطعناه في نصف الساعة الأخيرة وهو يتلوى على طول الجبل فوقنا. نحن الآن على سلسلة جبال بوفومبيرا, نَقود السيارة عبر كيجالاند في الطريق إلى كيسورو, أقرب بلدة إلى بيت أمي. هناك سمة غريبة في هذا المكان. فهو لا يطابق أي طوبوغرافيا أفريقية أعهدها. يتناهى الانحدار بالجبال, تشبه أكواز مثلجات مقلوبة: روضتْ معزقة كل بوصة منها. خضراء خضرة لا يُمْكن تصديقها. "الخضرة" في كينيا هي أقصى وسام يقلده شخص لأرضه: فالخضرة نادرة, الخضرة ثروة, خصوبة. خضرة بوفومبيرا ليست خضرة استوائية, لا رائحة مسك نفاذة تتطاير كما هو الحال في مدينة بوجاندا؛ كما أنها ليست الخضرة الفاقعة لأراضي السافانا الكينية: خضرة تتوالى شهرين وتُكثف كل عناصر الحياة – ملايين من الظباء الضخمة والحمير المخططة, لواحم هائلة الحجم تأكل بشراهة في خلال الموسم المطير, حرث مهتاج ثم زراعة الأرض, مجاري الأنهار الجافة تغمرها التربة ومياه تتلوث بالدماء؛ ونيروبي تحت المياه. إنها ليست خضرة الأرض المترامية المهيبة والسخاء المهيب الذين تَعرفهما بلدي. إنها خضرة الجبال, تشي ببرودة معتدلة وقدرة على الاحتمال. تَشغل الأنهار والبحيرات شقاً يشق الجبال العديدة المحيطة بنا. تكاد أمي تبدو أجنبية الآن؛ باتت لهجة لغة الكينيارواندا التي تنطق بها أوضح, وزايل وجهها تحفظه المعتاد. يَلوح جمالها – جمال عجيب تستدير له الرؤوس في كينيا – في مكانه هنا. لا تَظهر مختلفة عن غيرها هنا, إنها منتمية؛ يتبدى بقيتنا كما السياح. وبينما تتابع الرحلة, أتشرب بإحساسي بالمكان. لم نعد في تاريخ مدينة بوجاندا وعيدي أمين والكاباكا – ملوك بوجاندا – والحروب الأهلية والرئيس الأوغندي موسيفيني والأمل. نحن الآن في ضواحي مسرح أدى فيه الهوتو والتوتسي عروضهما أمام وسائل إعلام العالم. كانت أمي تصف نفسها دائماً بأنها موفامبيرا, مواطنة من إقليم بوفومبيرا, متحدثة بلغة الكينيارواندا. طالما أعلنتْ أن الناس حمَّلت الفروق بين التوتسي والهوتو أكثر مما تحتمل؛ إلا أن ما يجمعهما أكثر في الواقع مما يفرق بينهما. تصر أنها من إقليم بوفومبيرا, رواندية. انس الباقي, تفضي إليّ. يسعدني أنها لم تنس لأنها تنقذني من محاولة الفهم. لستُ هنا من أجل الإبادة الجماعية أو الكراهية. ما يكفي من الناس وفَدوا إلى هنا لهذا الغرض (جرِّب أن تكتب كلمة "توتسي" في أي محرك من محركات البحث.) إنني هنا كي أكون وسط العائلة. أسأل أمي عن الحدود مع رواندا. تشير إليها, وكذا تشير إلى حدود زائير. كلاهما أقرب مما ظننت. لعل هذا ما يجعل لم الشمل هذا مُلحاً للغاية. لشد ما تبثه الحياة من إدهاش حين تقف قريبة من الموت. لا عشب أجمل من نصل ينتأ من الأرض بعد هطول المطر الأول. حينما نتقدم إلى المنطقة المغطاة بالأشجار, تأسرني الرائحة وظلة عالية تَصنعها أغصان الأشجار الجبلية. أشترك في حديث يدور داخل السيارة. غدوت خجِلاً من إظهار استغراقي في الأحلام وشرود ذهني في هذه الأيام. كنت أصرف ساعات في التحديق إلى نوافذ السيارات, أختلق معارك جليلة بين كتائب من السحاب. إنني واعٍ لمؤامرة لإعادتي إلى الكرة الأرضية ولجعلي أكثر واقعية. يسعى والداي لكسب هذه القضية سعياً لا يخطئه الفهم, فهُما يدركان أن وقتي معهم محدود. من الضروري أن أعتقد عند رحيلي عن بلدي أني أضع نفْسي على طريق شائك يفضي بي إلى النجاح الشخصي. السفر بين السحاب لا بأس به حين تتقن الهبوط بالطائرة. لم أتقنه قط. لا بد أن أعيش, لا أن أحلم بالعيش. إننا في كيسورو, البلدة الرئيسية بالمنطقة, نشق طريقاً ملتوياً بين منازل الناس. نتجه صوب منزل العم كاجام. تحل صورة مخرج سينمائي ديكتاتور يتلاعب بحركاتنا محل نساجة السلال في ذهني. تتكشف لعينيّ رؤية تصيبني بالدوار, رؤية لمخرج خارق للطبيعة يبطئ الأحداث قبل الذروة بتفحص تفاصيل صغيرة بدلاً من المشاهد الكبيرة. أُبصر أحد مذيعي الربط في البعد الخامس يجاهر قائلاً: "والآن فلم عيد الميلاد المجيد: قصة مؤثرة عن لم شمل أسرة مزقتها الحرب الأهلية والإبادة الجماعية في رواندا. الفلم تحت رعاية 'سوبيكس,' مناديل لكل مناسبة (يتكرر الكلام بلغة الزولو ثم ترتفع قهقهة ووصف للفلم الميلودرامي التالي). يتصاعد خيالي الجامح فيَبزغ متحدث لإلهام السامعين/مدرب لتمرينات الأيروبيكس يصرخ في وجوه المتفرجين على التلفزيون عشية عيد الميلاد: "هُزَّ هذه الغدد الدمعية يا حبيبي!" لا أزال أحلم حين نصل إلى منزل عمي. في أسوأ حالاتي, نصف حالم, أخرق الحركات, أتعثر وأعجز عن التركيز. تعلمت أن أحرك جسمي بإصرار في مثل تلك الأوقات إلا أن الإصرار يجعل شكلي عموماً أسوأ. الشاي وكل ما نشتهيه سوف يتاح لنا عند الطلب (لذا لا يجب أن نطلب). يعمل كل من عمي جيرالد كاجام وزوجته في مستشفى الإرسالية. أكتشف أن مهاراتهما التنظيمية المستحِقة للإعجاب هي التي يسرت هذا الاحتفال. يقارب الحضور بالفعل 100 زائر يتحدثون خمس لغات أو ستاً. هيمن آل بينياڤانجا في الأساس على بلدة كيسورو, وازدهرت التجارة. لا تعد الفنادق اختياراً في خلال مثل ذلك الحدث. الكنيسة في سينت بول محجوزة, مباني الطلبة محجوزة, البيوت مستولى عليها, وهكذا. لن تلبث السيارة أن تقطع أرض جدي. يستقر إزاءنا تل على شكل سرج يضم كنيسة ضخمة قديمة مهيبة تعم المشهد. تنقل أمي إلينا أن جدي وهب هذه الأرض لبناء الكنيسة. تهرس السيارة التلال الوحلة وتنزلق في صعودها, تعيق تقدمها حصيرة كثيفة من العشب. أمد بصري إلى ماشية الأنكول وهي ترعى, قرونها الضخمة أشبه بتيجان ملكية. "انظر, ذلك مَسكن العائلة. إنني أعرف هذا المكان." منزل صغير مشيَّد بالقرميد. يتعلق بصري بالعائلة وهي تندفع نحو السيارة. وبعد التقبيل والعناق ينفرج الحشد عن جدي وجدتي. يبدوان طويلين على غير الحقيقة, إنهما فقط نحيفان سليما البنية. طفق العمر والوقت يجعلهما متشابهين. تمد جدتي يداً طويلة الأصابع إلى وجنة سيرو وتهتف: "لا تزال جبهتها عريضة!" كيف لك أن تتابعي أحوال 60 حفيداً؟ تحويني بذراعيها. نحيلة نحولاً أشعر معه وكأنها ستنكسر. تطوقني رشاقتها فتهزني رغبة قوية في أن أتعمق فيها وأنقب في أسرارها وأبصر بعينيها. امرأة هادئة الطباع, متحفظة, بل وصموتة صمتاً يضفي عليها جاذبية أيما جاذبية. أشياء لا تقال. الشبه بينها وبين أمي يصعقني. يتعالى بكاء جدي وضحكه, تعلو صرخته حين يسمع أن شيكي وأنا تسمينا باسمه واسم زوجته (كامانزي وبينياڤانجا). نحتسي رجواجوا (نبيذ من الموز) محلى بالقليل من العسل. لذيذ المذاق, طعمه طعم الدخان, حلو. تجلس سيرو وشيكي إلى جانب جدتي. أُدرك لِم كان جدي مُدرساً أسطورياً: رقته وحبه للحياة لا يَغيبان عن القلوب. ننقسم في الليل إلى مجموعات مختلفة وفقاً للسن ونبدأ بربط أواصر القرابة بيننا. ينفرد مانويلي بزعامة غير رسمية لنا نحن أبناء الأعمام. يعمل في البنك الدولي. كان حضور عمتي روزاريا وأسرتها إلى الاحتفال إنجازاً لم نتوقعه. ألمَّ بهم الخوف التام إبان الحرب في رواندا وتواروا شهوراً في بدرومهم. ساعدهم صديق أمدهم بالطعام. نجوا جميعاً من الموت؛ يسيرون وعلى وجوههم تنطبع تعابير تشيع بين الأطفال – بهجة, بهجة خالصة للحياة. أنفق أبناؤها الثلاثة كل دقيقة يتنقلون من هنا إلى هناك مبتهجين بنشوة الأحياء. لا تفوتهم ساعة بدون رقص, بل إنهم يرقصون أحياناً من غير موسيقى. وفي الأمسيات ننحشر في الشرفة لنرمى أبصارنا بعيداً إلى الكونغو. يرفهون عنا بنمرهم المسرحية باللغتين الفرنسية والكينيارواندا؛ تدفعنا قوة فكاهتهم جميعاً إلى الضحك. يترجم مانويلي لي إحدى الفقرات الكوميدية: يقلدون حبلى مزهوة بنفسها من التوتسي, تجثو للاعتراف أمام قسيس تحل به الصدمة: "آه أرجوك يا ربي, اخلق طفلتي بأصابع طويلة وثغرة بين أسنانها؛ اخلقها بأنف مستقيم وقامة طويييلة. آه يا إلهي, لا تخلقها (تشير أثناء كلامها إلى غوريلا تجوس المكان) بأنف كالموزة المهشمة مثل الهوتو. آه أرجوك. سوف أكون خادمتك الشاكرة!" أكبر خيبة أمل حتى الآن هي عدم وصول عمتي كريستين بعد. تعيش مع أسرتها في نيويورك منذ مستهل السبعينيات. نشعر كلنا بما تلاقيه من خسارة, فهي التي حثتنا جميعاً منذ سنوات على الاجتماع بأي ثمن لهذا المناسبة. هي وعمتي روزاريا من كبريات العمات, ربطتْ بينهما علاقة وثيقة في شبابهما. يتحدثان من حين لآخر عبر الهاتف, ولا سيما عندما عاشت عمتي روزاريا وأسرتها شهوراً عديدة والخوف يلفهما في البدروم. أرى علاقتهما تلخيصاً لألم كابدتْه عائلتي في غضون السنوات. وبالرغم من علاقتهما الحميمة لم تلتقيا منذ عام 1961. فرَّقت بينهما التأشيرات والحروب والحدود المغلقة وألف انتصار للفوضى. نتطلع جميعاً للم شملهما. جرت العادة ألا يفارق الناس أندادهم في المناسبات التقليدية؛ لذا قلما تكلمت مع أمي فيما مضى من أيام قليلة. أجدها في حجرة جدتي, تحاول دون طائل أن تَحمل جدتي على الاسترخاء وترك بناتها وحفيداتها الكثيرات ينهضن بالعمل. كنت أراقب أمي من بعيد في الأيام القليلة المنقضية. تراءت في البداية متحفظة قليلاً تجاه الحدث برمته؛ بيد أنها استردت الآن طلاقتها في التعامل مع كل شيء وبدت غير الأم الكينية التي نعهدها. لا أستطيع التغلب على منظرها وهي تنكمش خشيةً وتحمر ارتباكاً وجدتي تسدد إليها التعليمات كالمدافع الرشاشة. يا لتشابههما. أود أن أستفيض في الحديث معها, ولكنني أقرر ألا أتصرف بأنانية, أقرر أنني أحاول الاستحواذ عليها. سوف يتاح لنا وقت كافٍ في رحلة العودة. أحاول أن أعثر على جدي وأوقفه بلا حراك حتى أسأله عن تاريخ عائلتنا. لا ينفك يرشقني بتلك النظرة المتحيرة حين أضعه في موقف حرج كمن يسأل, ألا يُمْكنك فقط أن تسترخي وتستمتع بالحفل؟ شرِب الليلة الفائتة نخبنا جميعاً وعاد إلى البكاء قبل أن يرقص على خلفية موسيقى راب إنجيلية رائجة للغاية منشؤها كامبالا. حاول أن يبعث جدتي على الانضمام إليه بيد أنها انسحبت بخطى متعجلة. يخامر جيرالد القلق من أن يجدا المنزل صامتاً أكثر من اللازم عقب رحيلنا جميعاً. نُساق نحو عيد الميلاد المجيد. يتدفق الخمر, نرفع أصواتنا بالصلاة, نثرثر ونوطد علاقاتنا ليلاً أسفل حفيف أوراق الموز. أشعر وكأن سحراً تزخر به نفسي وأستسلم للجموع. نشعر أننا عائلة في خلال يومين. نشدو بأغنية واحدة بالفرنسية والسواحيلية والإنجليزية والكيكويو والكينيارواندا والكيجاندا والأندبيلي, عدد وافر من جوازات السفر في حقائب سفرنا. أقف يوم 24 ديسمبر فجراً لأدخن بمزرعة موز عند طرف تل جدي وأشاهد السديم وهو ينقشع. يسير عمي كريس على مهل لينضم إليّ. أسأل: "أية أخبار عن عمتي كريستين؟" "الظاهر أنها قد لا تتمكن من المجيء. حاول مانويلي الاتصال بها, ولكنه فشل. ربما لم تتمكن من ركوب طائرة من نيويورك. يبدو أن الجو فظيع هناك." لا يخلو اليوم من العمل الشاق. أقنع عمي جدي بأننا في حاجة إلى ذبح ثور آخر لنفاد اللحم. يكِن العجوز عشقاً لماشيته غير أنه يوافق على مضض. تنهمر منه الدموع والثور يُقتل. سوف تقام صلاة عامة في غرفة المعيشة بمنزل جدي في وقت لاحق من النهار. تبدأ الصلاة فأندفع خارجاً من غرف المعيشة متطوعاً بتقشير البطاطس. وفي منتصف الصلاة تقريباً تقع عيناي على سيدة تترنح صاعدة التل بكاحلين موحلين وحقيبة سفر في يدها. فاتت لحظات حتى خمنت. أَجري نحوها وأغمغم بشيء. نتعانق. عمتي كريستين هنا. سيطرتْ الحبكة عليّ الآن. يدركني العزم. لم يتسن للمسكينة وقتاً كي تغتسل أو تألف المكان. قدناها في دقيقة إلى غرفة المعيشة. تَجلس بجانب الباب مواجِهة ظهور الجميع. لا يواجهها إلا جدي وجدتي. تشرع جدتي في البكاء. لا شيء يقال, تتواصل الصلاة على أشدها. يقف الكل ليغني. يهمس أحدهم في أذن عمتي روزاريا. تستدير وترسل لهاثاً لا صوت له. يستدير آخرون. نَقعد جميعاً. تبدأ عمتي كريستين وعمتي روزاريا بالبكاء. ينفتح ثغر عمتي روزاريا وينغلق في إنكار. تشترك أمي معهما وسرعان ما يبكي الجميع. يواصل القسيس على أشده, بكل طلاقة. غير واعٍ. |