مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم آدم هاسليت بالموافقة على نشر قصتيّ "التفاني" و"ملحوظات لكاتب سيرتي" في مجلة البوتقة.

Mr. Haslett was so generous to permit the publication of the Arabic texts of “Devotion and Notes to My Biographer in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Haslett a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of Sterling Lord Literistic, Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Irma Zoepf from Sterling Lord Literistic, Inc.

 

 

 

 

التفاني

آدم هاسليت

ملحوظات لكاتب سيرتي

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

لستَ غريباً هنا

 

أرسل أوين عينين فاحصتين إلى الحديقة من خلال الأبواب الفرنسية المفتوحة. كان يوماً حاراً لا يليق بيونيه. أضاءت الشمس باهتة في سماء بلا غيوم فذبلت آخر السواسن وتدلت زهرات الوردية. هب النسيم عبر أشجار السيتيسوس حاملاً صفحة من جريدة الأحد نحو صف الأزهار. أطلق كلب السيدة جايلز نباحه في الجانب الآخر من السياج. مرر أوين منديله على قفاه ماسحاً العرق.

وقفت أخته هيلاري إلى الطاولة تفرز ثمرات الفراولة. قاربت على الانتهاء من تجهيز العشاء رغم أن بن لن يحضر إلا بعد ساعات. ارتدت فستاناً بنياً فاتحاً من الكتان لم يره عليها من قبل. كانت في العادة تعقد شعرها المخضب سواده بالمشيب على شكل كعكة إلا أنها أسدلته الآن فوق كتفيها. تمتعت بقوام أهيف رشيق غير خليق بامرأة في منتصف العقد السادس.

"يا لتأنقك البشع،" علّق.

"النبيذ،" قالت. "لِم لا تفتح زجاجة من النبيذ الأحمر؟ وسنحتاج الصينية من حجرة الطعام."

"سنستعمل الصينية الفضية، أليس كذلك؟"

"أجل، سنستعملها."

"لم نستعملها في عيد الميلاد."

راقب هيلاري وهي تفتش الثلاجة عن شيء.

"ستجدها على يمينك تحت الطبق المنقوش،" أعلمته.

رفع أوين جسمه من الكرسي وسار إلى حجرة الطعام. أزال من الخوان سلطانيات المرق المعتادة وأطباق التقديم إلى أن عثر على الصينية الباهتة. لمّا وافت أباهما المنية، أتيا بالخزف والفضيات من منزل والديهما ومعها الموائد الجانبية والكراسي والصور المعلقة على الحوائط.

"سيستغرق تنظيفها ساعة،" علا صوته باتجاه المطبخ.

"هناك ملمع في الخزانة."

"لكن نحن لدينا خمس صينيات ممتازات في الخزانة."

"إنه وراء الخمور، يسراك."

صر على أسنانه، فاستبدادها يبلغ أحياناً حداً لا يطاق.

"يا لمهارة صانعها،" غمغم وهو يجلس مرة أخرى إلى مائدة المطبخ. غطى قماشة بالملمع وبسطها فوق المعدن المصقول. لم يدرجا على استقبال ضيوف على العشاء. تفد عادة الخالة فيليبا، أخت أمهما، من مقاطعة شروبشاير في أعياد الميلاد وتمكث ثلاث ليال أو أربعاً. ومن آن لأخر تستقبل هيلاري يوم الأحد ميريام فرانكس، إحدى زميلاتها المدرسات بالمدرسة الشاملة. يحتسيان القهوة بغرفة الجلوس ويتجاذبان أطراف الحديث حول الطلبة. أحياناً ما يخرجان عند افتتاح مطعم جديد بشارع هاي إلا أنهما لم تنعما قط بحاسة تذوق الخبراء. ادعى أغلب زملاء أوين بالشركة تذوق النبيذ في سن معينة وهم الآن يقطعون عطلاتهم بإيطاليا. استأجر وهيلاري كوخاً بمنطقة البحيرات خلال آخر أسبوعين من أغسطس. ظلا يقصدانه لسنوات وجدا خلالها نحوه رضى ما بعده رضى. كان منزلاً لطيفاً صغيراً من الحجر يلتقط كل ضوء الظهيرة ويشرف على بحيرة وينديرمير.

اشتدت يده بالضغط على الصينية بالقماشة وأخذ يحك الزوايا المطفأة. منذ أعوام خلت كان يمضي إلى دعوات العشاء بشارعيّ نايتسبريدج ومايفير. كان ريتشارد ستاليبراس، تاجر قطع فنية، يقيم في شقته بشارع بيلجريف بليس حفلات خاصة للسادة، حسبما أطلق عليها. حفلات غاية في التحضر يفد إليها محامون وصحفيون والدوق الغريب أو عضو البرلمان، كلهم افترضوا افتراضاً ضمنياً – وآمناً في العقد الثامن من القرن العشرين – أن أحداً لن ينبس ببنت شفة. يعول نصفهم الزوجات والأطفال. سول تومسون، صديق قديم من أيام الدراسة، عرّف أوين على هذا العالم الصغير، فانطوت سنوات عدة كان فيها مأخوذاً به. تفرج على الشقق بوسط لندن بتشجيع من سول على ترك الضواحي والاستمتاع بمتع المدينة.

لكن ماذا عن هيلاري وهذا المنزل. كانت قد فقدت وأوين أمهما في صغرهما مما حدا بعلاقتهما إلى التوطد توطداً لم تعرفه علاقة أي أخ بأخته. لم يستطع تخيل أن يخلفها هنا في ويمبلدون. استبدت به فكرة أن تصير أخته امرأة وحيدة. وبعد مرور سنة واثنتين أرجأ خططه للانتقال إلى وقت آخر.

ثم عاجل سول الأجل، كان أول من حصدهم الوباء. فاتت سنة قضى بعدها ريتشارد ستاليبراس. كانت وصلة أوين بالحياة الشاذة وصلة واهنة دائماً وجاء الإيدز ليفاقم من وهنها. واصل عمله بالشركة، فقد استمتع بأدائه. وبرغم ما قد يفترضه أي مراقب، لم تعرف التعاسة طريقاً إليه. فالأقدار لا تتشابه. ولا ينتهي الكل إلى التلاقي في الحب.

"النبيذ يا أوين؟ ألن تفتح الزجاجة؟"

إلا أنه قابل بن عند ذاك فشهدت حياته تحولاً.

"نعم؟" قال.

"النبيذ. إنه على الخوان."

أمسكت هيلاري بكأس قبالة النور ليكشف لها عن البقع.

"لا شك في أننا نعرض كل ما لدينا،" قال. لم يند عنها جواب، فاستطرد قائلاً، "صدقي أو لا تصدقي، لقد علقتُ على فستانك من قبل لكنك لم تسمعيني. لم أره قبلاً، هل كنت تتسوقين؟"

"أنت لم تعلق على فستاني يا أوين. أنت قلت إني متأنقة تأنقاً بشعاً."

مدت ناظريها من النافذة من فوق حوض المطبخ. راقب كلاهما صفحة أخرى من جريدة الصنداي تايمز تتقلب برقة باتجاه رقع الزهور.

"أنا أفكر في تناول السلطة في الخارج،" اقترحت. "فبن قد يرغب في مشاهدة الحديقة."

 

وقف أوين بقدمين تنتعلان جوربين أمام باب الدولاب المفتوح وأزاح صف البذل الرمادية المقلمة منقباً عن سترة صيفية خضراء اللون تذكر أنه ارتداها العام الفائت بحفلة أقامتها الشركة بإحدى حدائق مقاطعة سيري. نفض الغبار عن الأكتاف ولبسها فوق قميصه الأبيض.

رقدت على الرف الكائن فوق البذل قبعة من القش — لم يستطع تخيل المناسبة التي اعتمرها فيها – وخلفها بالضبط، في مكان تلحظه العين بالكاد، استقر صندوق أحذية. توقف للحظة وعيناه ترشقان الزاوية التي تضمه. سيصل بن هنا خلال ساعات معدودة. هي زيارته الأولى منذ عاد إلى الولايات المتحدة، منذ خمسة عشر عاماً. لِم الآن؟ أمضى أوين طيلة نهاية الأسبوع يسأل نفسه هذا السؤال.

"سآتي لحضور مؤتمر،" أنبأ عندما تلقى أوين المكالمة يوم الخميس. إنما كان بمقدوره أن يفد إلى لندن ليرحل عنها بكل سهولة من غير أن يصلهما بكلمة واحدة.

وكما أتى في كل ليلة من الليالي الثلاث الفائتة، مد أوين يده خلف القبعة القش ليُنزل صندوق الأحذية. لبث خمسة عشر عاماً محله لا تطوله يد. الآن ظهرت بصماته مجدداً على ما سكن فوق الغطاء من غبار. أنصت لصوت هيلاري بالطابق الأسفل فاجتاز الحجرة ليوصد الباب. جثم على حافة أحد الكراسي ورفع غطاء الصندوق ليفض آخر خطاب من الخطابات الأربعة.

 

4 نوفمبر، 1985

بوسطن

 

عزيزتي هيلاري،

يتولاني شيء من الإحراج لكتابي هذا، فأنت لم تردي على خطاباتي الأخرى. أحسبني سأستوعب الرسالة قريباً. أما الآن فالحيرة لا تزال تنهشني. ظني الوحيد هو أنك قضيت بأن مغادرتي كانت خياراً اتخذتُه أنا وليس خيار الجلوب وأني لا أنوي العودة إلى هناك. لا أدري ماذا أقول لك أكثر من ذلك كي تقتنعي. لقد أبلغتُ محرري بأن أمامه ستة شهور حتى يعيد تعييني بلندن وإلا سأتقدم باستقالتي. كما تحدثتُ مع الناس هناك في محاولة مني للوقوف على المتاح. سيكون أسهل عليّ بكثير لو وجدتُ هدفاً لكل هذا.

أعلم أن الأمور بيننا بدأت متأخرة، أعلم أنه لم يُتح لنا وقت طويل قبل أن اضطر إلى الرحيل. أخفاك أوين سراً لفترة طويلة. إلا أني أجد تلك الشهور رائعة. أشعر وكأني أحمق رومانسي لمّا أصرح لك بأني أحيا على ذكراها لكن هذا صحيح تماماً. لا أستطيع الاستقرار هنا ثانية. أشعر وكأن قيداً يحيق بي، كل ما حولي لألفته الشديدة كئيب. هناك ما يغريني بكتابة كل ذكريات ما أنفقناه معاً من عطلات أسبوعية وأمسيات، ما لغرض سوى أن استمسك بها لمدة أطول، لكن في ذلك ضعفاً مثيراً للشفقة وأنت لن يعجبك ذلك – وهو بالقطع سبب حبي لك.

إن كان ما بيننا قد انتهى، استحلفك بالله أن تخبريني.

 

تحياتي،

بن

 

دس أوين الورقة في المظروف وأرجعه إلى الصندوق القائم بحجره. عامت ذرات الغبار في الضوء المجاور للنافذة فيما انعكس مستطيل من ضوء الشمس على الأرضية زاحفاً نحو السجادة الوبرة الحمراء.

طوى صدره معظم حياته على كراهية ليوم الأحد، بكل ما يغشاه من صمت ثقيل ويحويه من ذكريات بعيدة عن الدين. كان يوماً تعلن فيه الوحدة انتصارها. إلا أن ما سكن داخله من رهبة ضئيلة قد خبا خلال السنوات الأخيرة. فقد حرص هو وهيلاري على أن يعدا إفطاراً عامراً ويتمشيا بعدها بالحديقة العامة. كانا في الشتاء يقرآن الجريدة معاً قرب المدفأة بحجرة المعيشة وغالباً ما يسيران إلى البلدة مساء ليشاهدا أحد الأفلام. أما ربيعاً وصيفاً فكانا يقضيان الساعات في الحديقة. هما ليسا تعيسين.

تناول سيجارة من العلبة الموضوعة فوق المائدة بجانب السرير. لفها في تراخ بين إبهامه وسبابته. هل ستُنتزع منهما، حياتهما؟ هل يجيء بن بحثاً عن إجابة؟

دخن سيجارته حتى آخرها ثم أعاد الصندوق إلى رفه وأغلق باب الدولاب. تزوج بن ورزق طفلين. ذلك ما قاله بالهاتف؛ ما تحادثا سوى دقيقة أو اثنتين. ألا يزال يتساءل عن سبب الانقطاع؟

أطل من النافذة فاعترض بصره أخته ترفع كوبيّ الشاي عن مائدة الحديقة. ثمة رجال آخرون خرجت معهم إلى العشاء عبر السنين. هناك السيد كريسك – أب مطلق لطالب في سنتيه الأخيرتين من المرحلة الثانوية – الذي كان يقود سيارته من مدينة بوتني. رافقها مدرس الرياضيات، السيد هاميلتون، إلى العديد من المسرحيات بالمدينة قبل أن يعود إلى اسكتلندا. حاول أوين أن يلقي كلمات تشجع أمسياتها هذه إلا أن نبرة صوتها طالما أوضحت أن تلك الأمسيات لا تعدو كونها مجرد أمسيات.

 

وقفت هيلاري إلى حوض المطبخ تنسق بعض الورود في زهرية.

 "أراك قد رتبتِ حجرة الضيوف،" قال.

رمته بنظرة مباشرة مخفقة في أن تعي التعليق. فطن إلى أنها تحاول تذكر شيء ما. كدأبهما: كانت عيناهما تستقران على أحدهما الآخر في لحظات من التشتت كما يحدق المرء في خاتم حول إصبعه.

"سرير الضيوف. أنتِ رتبته."

"آه، نعم. حصل." قالت وهي تتراجع إلى الحجرة. "فكرتُ لو امتد العشاء إلى ساعة متأخرة ولم يشعر برغبة في أن يستقل القطار..."

"طبعاً."

جلس مجدداً إلى المائدة والتقط الصينية. استطاع أن يطالع فيها انعكاس صورته وشعره الأشيب. كيف يبدو بن الآن يا ترى؟ تساءل.

"الثوم المعمر،" قالت. "نسيت الثوم المعمر."

كانا قد التقيا — من بين كل الأماكن — في الشركة. أسندت جريدة الجلوب إلى بن كتابة مقال يناقش الاختلافات بين محامي بريطانيا ومحامي أمريكا. تناولا غداءهما معاً ثم ولسبب غامض شطح بهما الحوار. "أنت تسأل شتى الأسئلة،" تذكر أوين أنه عقب على كلامه. وكانت الحقيقة، فبن لم يساوره أي تردد عند سؤال أوين عن حياته الخاصة ومحل سكنه وكيفية قضاء وقت فراغه، كلها أسئلة صيغت بصراحة لا مزيد عليها وكأنها جزء من سبقه الصحافي.

"أرجو ألا يكون قد أصبح حساساً من أية أطعمة،" قالت هيلاري وهي تحط الثوم المعمر فوق لوح التقطيع.

رغم مضي زهاء عام على وجود بن بلندن، إلا أنه لم يتفرج على معالمها. عرض أوين عليه أن يصير مرشده إليها. فكانا يسافران في العطلات الأسبوعية إلى بلدتيّ هامستيد أو كامدين تاون أو يخرجان إلى منطقة إيست إند، يتمشيان طويلاً ويتناولان الغداء في الطريق. جرى الحديث بينهما في كل شيء وأي شيء. فتبين أن بن فقد هو الآخر أحد والديه في سن مبكرة. عندما تناهى ذلك إلى أوين، أدرك سبب انجذابه إليه: إذ يبدو أنه يفطن بالبداهة إلى تعبير معين عن الحزن. وبخلاف هيلاري، لم يتكلم أوين البتة مع أي مخلوق عن وفاة أمه.

استحضر ما باح به بن، "توصلتُ إلى الكثير من التشبيهات المعبرة عن مشاعري." "كأني محترق ولا أستطيع أن أشعر بأي شيء ثانية إلى أن يضطرم اللهيب، أو كأن حيوات الناس قد انتهت وأنا هائم على وجهي بمنزل مهجور. لا تتطابق أي منها بحق مع ما كنتُ فيه. لكن لا بد للمرء أن يُعبر عن أساه بطريقة ما."

لم يسبق لأوين أن أجرى مثل تلك المحادثة مع زملائه بالمكتب.

التقط القماشة ومسح بها مجدداً وسط الصينية العاكس. لشد ما تشابه أوين مع أخته. الكل أقر بذلك. من نبرة صوتيهما واضحة المخارج وإيماءاتهما حتى طرق التفكير، فقد كان الاثنان يتدبران أفكارهما قبل الكلام ليتفوها بما هو ضروري دون زيادة. لذا كان من المنطقي تماماً أن يشملها انجذاب ناحية بن.

عبَرت هيلاري الحجرة ووقفت ويداها تعتمدان على منكبيّ أوين. استطاع أن يشعر بدفء راحتيها عبر سترته القطنية. لم تجر العادة على أن يتلامس الاثنان.

"غريبة، أليس كذلك؟" أفضت إليه. "رؤيته لمدة قصيرة بعد كل هذا الوقت."

"أجل."

انتقل مع هيلاري إلى هذا المنزل منذ خمس عشرة سنة. كان في نيتهما أن يكون البيت ترتيباً مؤقتاً. كانت هيلاري تعمل كمدرسة؛ وهو يشرع للتو في العمل بالشركة ولا يزال عليه الاستقرار على مسكن. بدت الفترة وكأنها استهلال لمرحلة مقبلة.

"أخال الأطفال حالوا دون مجيء زوجته." اتكأ إبهاماها على ياقة قميصه.

كانت الوحيدة التي تعلم بتفضيله للرجال بعد رحيل سول والآخرين. ما أطلقت عليه الأحكام قط وما ارتفع حاجباها استنكاراً.

"محير أن يتصل بنا بعد كل هذا الانقطاع،" قال أوين.

رفعت يديها عن كتفيه. "تجد الأمر غريباً، أليس كذلك؟"

"قليلاً."

"أجده أنا ذوقاً منه،" قالت.

"بالتأكيد."

صك جرس الباب الآذان قادماً من الصالة الأمامية.

"يا نهاري،" قالت هيلاري، "جاء مبكراً جداً."

استمع إلى خطواتها وهي تبرح الحجرة، إلى قدميها وهما يتوقفان أمام المرآة بالصالة.

"صاحبتُ رجلاً أنا أيضاً ذات مرة،" كاشفه بن في الليلة التي باح أوين إليه بمشاعره أخيراً. كانت تلك الكلمات استجابة لدعواته. وهل وقوعه في الحب جريمة نكراء؟

وصله بضع خطوات أخرى ثم صوت المزلاج يستدير.

نمت إلى مسامعه أخته تقول، "آه." "السيدة جايلز. أهلاً بك."

أغلق أوين عينيه وقد أخذه ارتياح مؤقت. يعيش ابنها باستراليا؛ ترملت العام المنصرم. طفقت بعد ذاك تعرج عليهما في العطلات الأسبوعية، تتذرع في البداية باقتراض ملء فنجان من شيء ما إلا أنها باتت بعدئذ تأتي التماساً للصحبة.

"كيف حالك في الحر؟" سألتها.

"الحال ماش" أجابت هيلاري.

انضم إليهما أوين بالصالة. استطاع أن يتبين مما ران على وجه أخته من نظرة أنها تحاول استجماع شجاعتها لتذكر أن ضيوفاً في الطريق.

"أهلاً يا أوين،" قالت السيدة جايلز. "قرأتُ عن شركتك اليوم بالجريدة."

"حقيقي؟"

"نعم، خبراً عن المحاكم. هناك دائماً أخبار عن المحاكم. يعرض التلفزيون الكثير منها الآن. العجوز رامبول*."

"صحيح،" قال.

"طيب... أنا كنت فقط بالجوار... إنما أنتِ أكيد مشغولة."

"لا، لا،" قالت هيلاري وعيناها تسترقان النظر إلى أوين. "شخص قادم فيما بعد... لكني كنت أضع للتو البراد على النار."

"لا تتعبي نفسك،" رجت السيدة جايلز.

"تعبك راحة."

 

اتخذوا مجالسهم بغرفة المعيشة. كانت هيلاري تلمح ساعتها من حين آخر. وصل عرض لمسرحية البؤساء إلى مدينة بيرث ويلعب بيتر جايلز دوراً أساسياً فيها.

"قصة مذهلة، أليس كذلك؟" قالت السيدة جايلز وهي ترشف الشاي.

انحبس الهواء بالحجرة فأحس أوين عرقاً يبلل ظهر قميصه.

"يمثل بيتر أمام فتاة أسترالية. لا أستطيع تخيلها تمثل الدور بتلك اللكنة، لكن هذا ما جرى. أنا حاسة أنه مولع بها وإن لم يعترف بذلك في خطاباته."

ارتفع أزيز ذبابة بالقرب من لوحة والديهما فوق رف المدفأة. جلس أوين على الأريكة لا يبدي حراكاً وناظراه يحملقان فيما وراء كتفيّ السيدة جايلز.

دائماً ما تبكر أخته في الاستيقاظ. تصحو في الخامسة والنصف أو السادسة لتعد الإفطار وتتهيأ للفصل. تغادر المنزل في السابعة والنصف، ميعاد طابور الصباح. أما أوين فقد كان شريكاً لم يضطر أبداً إلى الذهاب إلى الشركة إلا بعد التاسعة. كان يقرأ جريدة الفاينانشال تايمز وبيده فنجان القهوة ثم يتفقد ما ببريده من مراسلات. غابت عن أصباحه أية نشاطات معقدة وما خامره قلق على شيء. ثم ما هي إلا وقد فرض أحد الظروف نفسه. وصلت خطابات بن. أخذها إلى حجرته ولم يزد على ذلك.

"مزيداً من الشاي؟"

"لا، شكراً،" رد أوين.

قرر المجلس المحلي تسيير السيارات في اتجاه واحد بوسط البلدة فيما اعتقدت السيدة جايلز أن هذا لن يسهم إلا في المزيد من الازدحام. "طبقوا هذا النظام في وينشيستر وأختي تقول إنها فوضى عارمة."

"تمام،" قال أوين.

ما تبادلا القبلات إلا مرة واحدة. كانت ليلة معدودة الساعات من ليالي أغسطس، على الأريكة بشقة بن، والنور يتسرب من مصابيح الشارع عبر النوافذ المرتفعة. كانا يتمشيان في وقت سابق من تلك الليلة على الجسر قادمين من متنزه باترسي حينما قص أوين عليه أنه وهيلاري ذهبا للبحث عن أمهما: سارا عبر الحقول ووجهتهما الغابة حيث كانت تمضى أحياناً مع الأصباح؛ جعل المطر يهطل فانتقعا فيه قبل أن يبلغا ظلة أشجار البلوط ويرتقيا ببصريهما نحو جسد أمهما النحيف ملفوفاً في معطفها البني الفاتح وقد برئ وجهها من الحياة والتف جسمها في مواجهة الرياح. حكى لبن أن أخته – في سن الثانية عشر – طوقته من فورها بذراعيها، تقي عينيه من المشهد الرهيب وتهمس بأذنه، "سنكون بخير، سنكون بخير." قصة لم يروها لمخلوق من قبل. أتى وبن على زجاجة نبيذ أخرى ثم اضطجعا هناك على الأريكة وانهمكا في الأحضان والقبلات وجرت الأيدي فوق الشعور.

"لا أستطيع،" همس بن فيما أراح أوين رأسه فوق صدر بن.

"رائحة طبيخك ذكية،" قالت السيدة جايلز فقابلت هيلاري الثناء بإيماءة.

في تلك اللحظة التي سبقت كلمات بن، آمن أوين، وهو مستلق بين ذراعيه، بالوهم القائل بأن الحب هو الخالق وأن حياة المرء طينة تتشكل بين يديه.

لا بد أن ألقي نظرة على الطعام. ممكن يا أوين أن تُري السيدة جايلز الحديقة؟ أنا متأكدة أنها لم تر نبات العائق.

"بالتأكيد،" قال متطلعاً إلى وجه أخته وما يحمله من ابتسامة متوترة.

"أخالني قد أفسدت حديقتي،" قالت السيدة جايلز لمّا آل الاثنان إلى نهاية العشب. "كان جون ماهراً في الزراعة، أما أنا فخرقاء تماماً."

بدت بشرة يديها رقشاء ناعمة. تدلى الخاتم الذهبي الذي لا تنفك ترتديه واسعاً بإصبعها.

"أظنني وبن قد نسافر في نهاية الأسبوع،" أنهت هيلاري مساء بحجرة الجلوس وهما يشاهدان نشرة الأخبار المسائية. لم يكن قد فات على لقائهما أسابيع قلائل. صدفة بحتة دفعت بهيلاري إلى قضاء أحد المشاوير بالمدينة، أقبلت لتوصل شيئاً ما لأوين وقررت في آخر دقيقة أن تشاركهما في العشاء. حينما اتصل المكتب بالمطعم وسط الوجبة، اضطر أوين إلى ترك الاثنين معاً بمفردهما.

أمضيا معاً إحدى العطلات الأسبوعية بالكوخ المطل على بحيرة وينديرمير.

كانت فكرة أوين عن ذاته أنه شخص عاقل، في استطاعته وزن الأمور بحكمة. طالع عطيل وهو تلميذ. آه، احذر يا سيدي الغيرة! إنها وحش يأكله الحسد، يسخر مما يقتات به من جسد. يا لتفاهة ما يقدمه الأدب من عون حينما تحمل أنت المشاعر دوناً عن الآخرين.

"غريبة، أنا مشتاقة إليه اشتياقاً غير معهود،" قالت السيدة جايلز. "كنا دوماً نضع قدر الصلصة فوق المدفئة. لم نكن نتناولها سوى في الأمسيات، فكان هو المتعهد بإحضارها. سخيف أن نستعمل السلم لإنزال القدر، لِم على نضعه على الطاولة؟"

"نعم،" قال أوين.

"سددا نواظر شاخصة نحو الأزهار الزرقاء.

"لا أظنني سأطيل البقاء قبل أن أتبعه،" قالت.

"لا، لا شك في أنك في أحسن عافية،"

"لستُ متضايقة – من الفكرة. اعتدت أن أتضايق لكني لم أعد. حالفني الكثير من الحظ. كان شخصاً طيباً."

سمع أوين جرس الهاتف يرن داخل المنزل.

"ممكن ترد عليه؟" تعالى نداء هيلاري من المطبخ.

"بعد إذنك، أنا..."

"آه، تفضل، تفضل،" قالت السيدة جايلز.

خلفها هناك واجتاز حجرة الطعام ثم قطع الصالة نحو الهاتف.

"أنا بن هانسين يا أوين."

"بن."

"اسمع، أنا كلي أسف لكني لن أستطيع الحضور الليلة."

"ياه."

"نعم، ستتأخر الاجتماعات هنا ومن المفترض أن ألقي هذا الخطاب، أخروا كل المواعيد. توقيت بشع للأسف.

بلغ أذنيّ أوين صوت أخته تغلق باب الفرن بينما تجري المياه بالحوض.

"أنا آسف. أمر محبط للغاية. أعلم أن هيلاري كانت تتطلع لمرآك، وأنا كذلك."

"كنتُ أتطلع لنفس الشيء أنا الآخر، حقيقي،" قال. "هل أحوالك بخير؟"

فرت ضحكة من ثغر أوين. "أنا؟ أجل. الحال على ما يرام. كل شيء هنا على ما هو عليه... يلوح لي وكأنك انقطعت عنا منذ دهر فات."

أطرق كلاهما للحظة.

كان أوين يقف بالصالة، فإذا به يراوده الحنين. ارتسم بن في خياله كما كان يراه كثيراً، طويل القامة رفيع القد، يتقدمه بنصف خطوة على جسر باترسي ويداه مضمومتان في جيبيه. نزع به الخيال إلى من وقعت عليهم عيناه أحياناً من رجال تتشابك أياديهم بشارعيّ سوهو أو بيكاديلي. ففي يونيه، عله في نفس هذا الأحد، سار الآلاف منهم. ود لو يُطلع بن على ما يعتريه من مشاعر عند مروره برجلين منهم في الشارع، على ما يعتريه من خوف مقيم.

"أما زلت تعمل بالشركة؟"

"أجل،" أجاب أوين. "صحيح." أراد أن يفضي إليه بما نزل به من رعب وهو يراقب جسد صديقه سول النضو يموت، كيف خلع شبح المرض فؤاده. كيف تراءى هو، بن، الملتجأ.

"ماذا عنك، الحياة تمام؟"

أنصت وبن يصف حياته – يكتب الآن عاموداً بالجريدة، يشرع الأطفال في دخول المدرسة؛ سمع نبرة عفوية يختلط بها القليل من الإرهاق تتخلل صوته – هو ما ينتاب الآباء من تعب. تساءل في قرارة نفسه كيف يتذكرهما بن. هل هيلاري وأوين سمبسون مجرد شخصين التقى بهما لمدة عام في الخارج منذ دهر خلا؟ هل قدِم منقباً عن أجوبة أم أن الأمر وما فيه أن بين يديه أمسية شاغرة وفضولاً حول ما أصبحا عليه؟

وما أهمية المسألة الآن؟ لن تتكشف الحقيقة الليلة. أمسى آمناً مرة أخرى.

"هل من الممكن أن تعود في المستقبل" سأل. استشعر أن مكالمتهما على وشك الانتهاء مما رمى به إلى حافة الذعر.

"بالقطع. ذلك واحد من الأمور التي كنتُ أريد أن أسألك عنها. كنتُ وجودي نفكر في إحضار الأطفال – ربما في الصيف المقبل – وتذكرتُ أنك استأجرت ذلك المكان شمالاً. هل هناك شخص يمكنني الاتصال به كي أحصل على مكان مثله؟"

"الأكواخ؟ ... أجل، طبعاً."

"نعم، رائع. سأحاول الاتصال بك عندما نكون مستعدين لإنهاء الترتيبات."

"وجودي؟ أهي بخير؟"

"أكيد، حكيت لها كل شيء عنكما وتود أن تلقاكما أنتما الاثنين في وقت ما."

"سوف يسعدني التعرف إليها،" قال أوين والحنين يعاوده.

"بن؟"

"نعم؟"

"مَن يتكلم؟" سألت هيلاري وهي تدلف إلى الصالة وتجفف يديها بمنشفة الأطباق. كان لأمهما تميمة حمراء تتهدل الآن حول رقبة هيلاري مستندة إلى صدر فستانها الكتان.

"بن،" غمغم.

حل القليل من الجمود بملامح وجهها.

"هيلاري بجانبي،" قال بالهاتف. "لِم لا تكلمها؟" مد إليها السماعة.

"لن يستطيع الحضور."

"صحيح؟" قالت وعيناها تتفرسان فيه. تناولت السماعة. رجع أوين إلى حجرة الطعام؛ وبجوار الخوان، توقفت قدماه.

"لا، لا، لا تكن سخيفاً،" سمع صوت أخته. "لا مشاكل على الإطلاق."

 

"أمسية جميلة، أليس كذلك؟" قالت السيدة جايلز عندما عاد إلى الشرفة. اعتدل الهواء الآن وراحت الشمس تستتر وراء الأشجار. أطلت السحب من الأفق كما الجبال النائية.

"أجل،" قال وهو يتخيل منظر البحيرة مساء من حديقة كوخهما، كان اختفاء الشمس وراء منحدرات التلال يخبرهما بتقدم النهار.

قامت السيدة جايلز من كرسيها. "حان وقت الذهاب."

سار معها بجانب البيت إلى أن خرجا من البوابة.

لا تني السماء نيرة وإن طفقت مصابيح الشارع تخفق. ومن بعيد وقف أحد الجيران بالشارع يسقي عشبه.

"شكراً على الشاي."

"العفو،" رد.

"لم يحمل الهاتف أخباراً مزعجة على ما أتمنى."

"أبداً، أبداً،" قال. "مجرد اتصال من أحد الأصدقاء."

"هي أخبار طيبة إذن." تباطأت مشيتها بجوار حائط الطوب المنخفض الفاصل بين مقدمتيّ حديقتيهما. "ثمة شيء واحد أود ذكره يا أوين. في منزلي بحجرة الجلوس، داخل الدرج العلوي من المكتب القائم بالركن، وضعتُ خطاباً. أنت فاهم. أردت أن أتيقن من أن أحداً سيجده. لا شيء يدعو إلى القلق، بالطبع، لا شيء درامي... لكن في حال... فاهم؟"

أومأ برأسه وجرى الابتسام على فيها وعيناها تغرورقان بالدموع. راقب أوين جسمها الضئيل يولي عنه لتمرق من بوابتها وتصعد السلالم إلى داخل بيتها.

لبث هنيهة على الرصيف، يتصفح الحديقة العامة بعينين محملقتين: العشب المترامي وقائميّ المرمى البيضاوين بملعب كرة القدم أمام الأشجار. طرح منزلهما وغيره من المنازل ظلاً طويلاً فوق الملعب على طول هذا الجزء من الشارع. رصدته عيناه يمتد بطيئاً تجاه أشجار الكستناء فيما تصعد الظلمة جذوعها متمهلة لتبدأ في حجب ما انخفض من أوراق الأغصان.

وبالمنزل ألفى هيلاري جالسة إلى مائدة المطبخ ويداها مطويتان في حجرها. جلست في هدوء لا يعادله هدوء، تصوب نظرات محدقة إلى الحديقة. انقضت عدة دقائق لزما فيها نفس الوضع. أوين عند الطاولة وكلاهما لا يفه بحرف. نهضت أخته ومرت به وكأنه لم يكن وفتحت باب الفرن.

"تمام،" قالت. "استوى."

أصابا من الطعام تحت ضوء متلاش فوق سفرة اعتلتها الصينية الفضية وكؤوس البلور. استقامت الورود، الوردية والبيضاء، بالزهرية وسط المائدة. كانت الأطباق قد خرجت بالفعل من مكامنها، فقدّمت هيلاري الدجاج المطبوخ بنبيذ المارسيلا في أطباق أمهما الخزفية في حين ظلت الشموع مطفأة بالشمعدانات الفضية.

"سيأتي مرة ثانية،" قال أوين. أجابته هيلاري بإيماءة. فرغا من عشائهما والسكون يلفهما. بعدها لم يشته أي منهما الفراولة المقدمة بالصينية المصقولة.

"سأغسلها،" قال عندما كدسا الأطباق فوق الطاولة. ضغط على قارورة السائل المنظف الأخضر بطبق الخَبز وشاهده يفيض بالماء. "هل ترغبين في أن أصب لك كأساً من البراندي؟" قال من فوق منكبه. لكنه استدار فوجد أخته غادرت الحجرة.

شطف السلطانيات والأطباق واعتنى بترتيبها بصفوف غسالة الأطباق. غسل كؤوس النبيذ بالإسفنجة تحت ما جرى من مياه دافئة ثم وضعها لتجف على الرف. عندما أتم عمله، أغلق الحنفيات فخيم السكون على المطبخ.

صب لنفسه كأساً من السكوتش واتخذ مجلسه إلى المائدة. كان الباب المفضي إلى الحديقة مفتوحاً، فاستطاع أن يميز بين الظلال شجيرة الصحراوية ومجموعة شجيرات الوردية. عاشا طفلين بمنزل أمامه ممر به عزبة تحوي حدائق تنطق بالوفرة وخندقاً من المياه يحيط بالمنزل. عاشت هناك عجوز دعياها بالسيدة مونتاجيو، كانت تتركهما يلعبان في المروج المتموجة ومتاهة الوشائع المشذبة. أنفقا الساعات لعباً في الصيف، يطارد بعضهما بعضاً على طول السدود، يتظاهران بالصيد من الخندق بعصا وخيط. كان دائماً يفوز في الاستغماية؛ فهو لم يكن يحكم إغلاق عينيه وكان بمقدوره أن يرى إلى أين تعدو. ما فتئ يذكر ما اعتاد أن يداخله من غريب الغضب والإحباط بعد أن يلحق بها إلى مخبأها ويربت على رأسها. تمثلت الحديقة في مخيلته الآن، زهرات الورود تمتص هواء الليل البارد وأغصان الأشجار تتجدد في الظلام.

أتاه صوت منخفض من حجرة الجلوس – نحيب ينطلق في أنفاس قصيرة – فأدرك أن أخته تبكي.

حطم حياتها. علم بذلك الآن على نحو طالما حاول ألا يدركه. مرت سنوات سمح لنفسه خلالها بأن يتصورها وقد سلت بن أو على الأقل كفت عن تذكره. نهض من المائدة وقطع الحجرة غير أنه توقف عند مدخل الصالة. ماذا بوسعه أن يمنحها من عزاء الآن؟

وقف لا يبرح مكانه، يستمع إلى دموعها. استرجع آخر مرة استمع فيها إليها، كان ذلك منذ أمد بعيد وكأنها ذكرى حياة منقضية: كان صباحاً صيفياً رجعت فيه من الجامعة، سارا معاً بين الحقول تظللهما شمس مشرقة وانتهيا عند أشجار البلوط. كانت أوراقها الخضر تلمع وأغصانها مثقلة بالجوز. انتحبت وقتها للمرة الأولى طوال تلك السنين منذ حكمت أمهما بالموت على نفسها. كان أوين بجوارها يواسيها. آن دوره أخيراً، بعد كل ما أقدمت عليه لحمايته.

لاذت هيلاري بالصمت عند سماع صوت خطواته تدخل الصالة. توقف ثانية قرب باب حجرة الجلوس. قعد إلى مائدة الإفطار يطالع تلك الخطابات الوافدة من أمريكا. لم يكن الحسد من عاطفة بن هو كل ما غلب عليه، هناك فكرة الاستبدال ذاتها. كمِن الخوف هنا، الخوف الذي كان أضعف من أن يقهره.

قبض على الدرابزين وصعد السلالم متمهلاً وقدماه تضغطان على الرقع البالية بالسجادة. علهما سيعيشان في هذا الصمت بقية عمرهما، جال بخاطره.

دلف إلى حجرته وسار نحو النافذة ليرنو رنوة أخرى إلى الحديقة العامة.

كانا في صغرهما يتوجهان إلى القرية أيام الآحاد كي يستمعا إلى موعظة القسيس عن المحبة والتضحية. كنيسة مبنية على الطراز الرومانيسكي غارت أحجار أرضيتها بفعل قرون من أقدام أبناء الأبرشية. لا يزال بمقدوره سماع المصلين وهم يغنون، اجلب لي قوسي ذهبيّ اللون متقده! اجلب لي سهام الرغبة خاصتي! شاركت أمهما في الإنشاد وتعالت أصوات تقطر حزناً. وهل سارت تلك الأقدام في العصور السحيقة فوق جبال إنجلترا الخضراء؟ تذكر أوين رغبته في الإيمان بشيء مما يتناهى إليه، إن لم يكن بكلمات الإنجيل، فربما بما ترامى إليه بالموسيقى من أسى، بما خالج أغنية الناس من حنين. ما وطأت قدماه كنيسة منذ جنازة أمه. انحصر دينه عبر السنوات فيما يطالع من مناظر بالقطار أو مشهد هذه الحديقة مساء كابحاً ما قد يحمله على تخيل أشياء أضخم.

تطلع إلى الحديقة الآن، فاستولى عليه العجب لحياد العشب والأشجار وما امتد وراءها من منازل، فهي في سكونها لا تصدر حكماً ولا تقدم عفواً. قضى برهة أطول يحدق في الملعب ثم عبَر الحجرة هادئاً نحو الدولاب وأنزل الصندوق.

 

كانت هيلاري جالسة بغرفة المعيشة لمّا نمى إليها وقع أقدام أخيها بالطابق العلوي يليه صوت الباب ينغلق. جفت دموعها وغشاها هدوء متحجر وهي تتفرس في الكرسي المجنح قبالتها – قطعة قديمة من أثاث والديهما. برزت الخيوط من مسنديه وتهلهل القماش على طول الحرف الأمامي. انتويا في البداية التخلص من الكثير من القطع، السجاجيد الحائلة والستائر الثقيلة، إلا أن ممتلكات والديهما استقرت في البيت فبدا تخلصهما منها لا معنى له.

أحياناً ما كانت تلمح بطابور الحساب في المتجر غلاف مجلة من مجلات الديكور، فتتبدى لها غرفة مشمسة تعبدها أرضيات خشبية ذهبية وتتناثر فيها ألوان زاهية مصمتة ويتصدرها سرير أبيض تنبسط فوقه ملاءة بيضاء. لا يدوم التوق إليها عادة سوى دقيقة، فهي تعلم أنها سوف تلقى مثل تلك الحجرة كالغريبة.

رشفت آخر ما تبقى بكأسها من نبيذ وحطته على مائدة القهوة. فرد الظلام الآن جناحيه فأبصرت بالنافذة انعكاس المصباح ورف المدفأة والمكتبة.

"غريبة، أليس كذلك؟ الأقدار." هذا أقصى ما ستعلق به صديقتها ميريام فرانكس لو انساق الحديث إلى سبب عدم زواجهما. تومئ هيلاري برأسها وتستدعي أمسية من الأمسيات التي أمضتها مع بن في الكوخ، كانا يجلسان بالحديقة ويتحدثان عن أوين، تقول في سرها إنها لن ترافق مطلقاً رجلاً يفهم أخاها كما يفهمه بن.

أطفأت نور غرفة الجلوس واتجهت إلى المطبخ. كان أوين قد مسح الطاولات وأرجع كل شيء إلى مكانه. حسبت للحظة أنها قد تجهش بالبكاء ثانية. عاش أخوها تلك الحياة الحبيسة، خسر أصدقاءه وألّم به الخوف مما قد يكتشفه الناس. درت حناياها له حباً خالصاً كل هذه السنوات، تنازعتها المخاوف والعقبات وكأنما تعترض طريقها هي. ماذا كانت فائدة حبها إذن؟ تساءلت وهي تجذب الأبواب الزجاجية لتوصدها.

كانت غرفة أوين لا تزال مضاءة بالطابق العلوي إلا أنها لم تطرق بابه ولم تتمن له نوماً هنيئاً كعادتها. اجتازت الصالة إلى حجرتها وأغلقت الباب من دونها. رقدت فوق سريرها كومة صغيرة من الخطابات. قرأتها منذ أعوام مضت بعد أن كانت تفتش عن صندوق أثناء عيد الميلاد. كان بن متزوجاً وقتها، اتصلت به وعرفت. لم يذهب عنها الغضب فصلاً أو اثنين بيد أنها أمسكت لسانها متذكرة ما أضاع أوين من فرص لتركها.

وقفت الآن أمام السرير، تغض الطرف إلى الأظرف الزرقاء الباهتة. سَرها أن أخاها تخلص منها أخيراً. غداً سيتناولان العشاء بالحديقة. سيعرض عليها مغادرة هذا المنزل وستخبره هي أن هذا آخر شيء ترغب فيه.

نحت الخطابات جانباً وخلعت ملابسها. اعتلت السرير ومدت يداً تطفئ المصباح فوق المائدة المجاورة للسرير. وللحظة، وهي تتمدد غارقة في الظلام المفاجئ، أحست وكأنها عادت إلى هناك، كانت في الغابة تغطي عينيّ أخيها وهي تحملق في شجرة البلوط العملاقة.  

 

  

* اسم البطل بمسلسل "رامبول بمحكمة بيلي". يحكي المسلسل حياة محام أمين بمحكمة أولد بيلي الجنائية بلندن.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.