مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

 

تكرمت أرملة ليونارد مايكلز, كاثرين أوجدِن مايكلز, بالموافقة على نشر قصتيّ "دراسة الشفرات" و"القتلة" في مجلة البوتقة.

Mrs. Katharine Ogden Michaels was so kind to permit the publication of the Arabic texts of "Cryptology" and "Murderers" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mrs. Michaels a great debt of gratitude for her kind permission.

"Cryptology" by Leonard Michaels. Copyright © 2003 by Leonard Michaels. Originally published in The New Yorker, May 26, 2003. From his story collection, Leonard Michaels: The Collected Stories. Copyright 2007 by Leonard Michaels. Reprinted by kind permission of Katharine Ogden Michaels. All rights reserved.

"Murderers" by Leonard Michaels. Copyright © by Leonard Michaels. Originally published in Quarry. From his story collection, I Would Have Saved Them If I Could. Copyright 1975 by Leonard Michaels. Reprinted by kind permission of Katharine Ogden Michaels. All rights reserved.

 

Special thanks go to Mr. Paul Lucas from Janklow & Nesbit Ltd.

 

 

 

دراسة الشفرات

القتلة

ليونارد مايكلز

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: Jan.-01-2008

Updated: Feb.-21-2010

 

ليونارد مايكلز: القصص الكاملة

 

 

 

قدِم ناحمَن إلى نيويورك في الأمسية السابقة. كان يسير بشارع فيفث أفينو حين أقبلت من خلفه منادية، " ناحمَن، ناحمَن، أهذا أنتَ؟" التفت وراءه ليقع بصره على امرأة تتألق بسعادة كان هو على البادي مسؤولاً عنها. إن مجرد وجوده أشعل أنوارها. قبّل ناحمَن خديها ثم وقفا يتحدثان بلا كلفة عند زاوية شارع فورتي-ساكند والملايين يمرون بهما بمرور الدقائق. عندما فارقها ناحمَن، كان ممسكاً ببطاقة عملها ومفتاح شقتها بحي تشيلسي بعد أن وعدها بمشاركتها هي وزوجها العشاء مسائها.

 

"لو وصلتَ قبلنا، ما عليك إلا الانتظار في الشقة،" أنهت إليه. "مضت سنوات عديدة يا ناحمَن. اسمي الآن هيلين فيريس. هل تعرف زوجي، بنجيمين سترونج فيريس؟ إنه محام. هو أيضاً اسم شهير في علم الكمبيوتر ودراسة الشفرات. أظنك في نيويورك لحضور مؤتمر دراسة الشفرات. يقصد بنجيمين تلك المؤتمرات كي يعثر لشركته على العباقرة من أمثالك."

 

"الحقيقة أن،" نطق ناحمَن إلا أنها لم تكف عن الكلام.

 

"بودي أن نحتسي شراباً، أنا وأنت بلا ثالث لنا، ونستدعي الأيام الخالية لكني مستعجلة. سوف يتسع لنا الوقت فيما بعد للكلام. لا أقدر أن أعبر لك عن سروري لأني صادفتك هنا. الحق أني لاحقتك يا ناحمَن مسافة خمسة مبان. لم أصدق أنه أنتَ. سيسعد بنجيمين كل السعادة. لقد سمعني أتحدث عنك كثيراً. هل أطبخ أم نتعشى بالخارج؟ دعنا نقرر فيما بعد."

 

عندما أمسكت عن الكلام، أنبأها ناحمَن بأنه لا يقف على اسم ’بنجيمين سترونج فيريس‘ وأنه لا يعتبر نفسه عبقرياً. "أنا رياضي جيد،" أردف. "فالجيدون من الرياضيين نادرون بما فيه الكفاية، صدقيني." ندت عن هيلين فيريس ابتسامة تنم عن التفهم المشوب بالحنان وكأن تواضعه أوقع بنفسها قدراً من البهجة إلا أن هناك أيضاً المزيد. الظاهر أنها تخال أن ثمة رابطة خاصة تصلها بناحمَن. وحتى يخفي جهله – ما هي تلك الرابطة التي كانت تجمعهما؟ – تخلى ناحمَن عن تحفظه بل ونزع إلى تقديم الاعترافات. أسر إلى هيلين فيريس أنه بالفعل في نيويورك لحضور مؤتمر دراسة الشفرات؛ دعاه أحد ممثلي شركة ديلفيك إلى مقابلة عمل بيد أن الداعي أياً كان لم يجهر باسمه.

 

من الجلي أن هيلين فيريس استمتعت أيما استمتاع بالإصغاء إلى ناحمَن غير أنه طالع فراغاً فيما استغرقت فيه من تركيز كاد يصل إلى حد النشوة وكأنها لا تستمع بقدر ما تعجب غاية الإعجاب بكلماته. التهمت عيناها عينيه وانفرجت ابتسامتها – التي داخلها قدر من العبث – في شكل يشي بتوتر لا يعرف النقصان. إن هذا التوتر وأحمر شفاهها المخيف جعلا ناحمَن يظنها تروم أكله. تساءل إذا ما كانت الابتسامة ظاهرة من ظواهر النشوء، تسري في الجينات، إذا ما كانت انفعالاً تلقائياً يصدر حيال وجبة من الوجبات – ليست بالضرورة وجبة من لحم البشر لكن مَن العالِم بغذاء الأسلاف؟ رد ناحمَن ابتسامة هيلين فيريس بأختها إلا أنه لم يستشعر رغبة في أكلها.

 

"إذن فالشخص الذي دعاك لم يصرح باسمه؟" حثته هيلين على الإسهاب.

 

"حمل الخطاب توقيع سكرتيرة، ’آبيجيل إم. ستوكس.‘ لم تزد عن إعطائي اسم الفندق وتاريخ المقابلة وميعادها. لا أخفي عليك، لم آت إلى نيويورك من أجل المقابلة بحق. أردت أن أزور أبي المقيم في بروكلين. لم أره منذ سنوات. وبما أن ديلفيك كانت ستتكفل بالتذكرة وغرفة الفندق، فلِم لا؟ تَحدد موعد المقابلة في الواحدة بعد ظهر اليوم فتصورتُ أنهم سيصحبوني إلى الغداء لكني لم أجد أحداً لملاقاتي. لم يسمع أحد في مكتب استقبال الفندق عن شركة ديلفيك وقد دفع ثمن غرفتي شخص ليس مسموحاً لهم بالكشف عن اسمه. ومنذ حينها وأنا أتجول وقد خالجني قليل من... لا أعلم، خيبة أمل لا تخلو من غرابة."

 

"لا شك في غرابة الأمر،" أيدته هيلين. "لكن لِم خيبة الأمل؟ لقد فزتَ برحلة مجانية إلى نيويورك. يا لشطارتك! أنتَ متأكد من أنه لا يوجد اسم آخر في نهاية الخطاب؟" سألته. "تعلم قصدي – ألم يقل الخطاب حاجة مثل ’آبيجيل إم. ستوكس نيابة عن فلان الفلاني‘"

 

تساءل ناحمَن للحظات إذا ما كانت هيلين ترميه في قرارة نفسها بالعبط.

 

"لا يوجد فلان الفلاني. شخص مجهول الهوية أراد أن يرتب معي مقابلة للعمل في إحدى الوظائف. عندي وظيفة ولستُ بباحث عن أخرى. لكني وافقت على المجيء. ولِم لا؟ بل إني تصورت أني قد أتعلم تحليل الشفرات، فهو مجال مثير. والرياضي الجيد قد يكسب الكثير من الأموال من وراء العبث بالشفرات. لكني قلت ’جيداً.‘ ولم أقل ’عبقرياً.‘"

 

"وهل كنتَ ستفكر في قبول الوظيفة؟"

 

"لم أكن لأفكر فيها بجدية وإن يحلو لي أن أصبح مليونيراً. تخيلتُ نفسي أشتري أشياء كغسالة أطباق لكني لا أعمل من أجل الفلوس. تفهمين قصدي. مرتبي يتولى دفع الفواتير. أعمل كأغلب الناس، كيلا أهدر حياتي. هل زرتِ سانتا مونيكا من قبل؟ إنها محل سكني. تلتقي عيناكِ على الشاطئ بأشخاص ذوي أجساد جميلة لكنهم عاطلون من الوظائف وكذا الأدمغة. إن الحياة أقصر من أن نضيع دقيقة منها في تلوين الجسم بسمرة الشمس. بل إني لم آخذ إجازة في حياتي، ولا علم لي بما يدفع الناس إلى قضاء الإجازات. على أية حال، كما قلتُ لكِ، وددت أن أزور أبي. لقد كانت فرصة. فالمصاريف من جيب رجل الديلفيك الغامض."

 

"ليس عندك غسالة أطباق؟" سألت هيلين فيريس وقهقهاتها تتعالى. "أراهن أني عارفة ما جرى. قررتْ ديلفيك تعيين شخص آخر قبل أن تصل ثم نسوك تماماً وروحوا إلى بيوتهم."

 

"لكنهم دفعوا ثمن التذكرة وغرفة الفندق."

 

"سيشطبونها من سجلاتهم باعتبارها نفقات ليس إلا، إنها كلفة العمل. أنتَ تشعر بخيبة أمل إلا أن المسألة ليست شخصية على الإطلاق. فأنتَ بالنسبة إليهم بلا قيمة."

 

"أنا بلا قيمة؟"

 

"ليس بالنسبة إليّ،" نبست هيلين فيريس. هل كانت تغيظه؟ أم أنها على حق؟ عل ناحمَن لا قيمة له بالنسبة إلى الناس في ديلفيك.

 

"لا بد أن أستأذن الآن،" قالت. "لشد حماستي. سوف نمرح كثيراً الليلة."

 

وبينما كانت تسير مبتعدة، تساءل ناحمَن عن آخر مرة رأى فيها هيلين فيريس، تساءل أيضاً مَن هي هيلين فيريس الضبط؟

 

 

جلت ذاكرتها عنه تمام الجلاء. فقد نادت اسمه في الشارع. فكيف يتأتى له أن يسألها، "مَن أنتِ؟" ربما استطاع رجل آخر أن يفغر فمه بالسؤال، لكن ليس ناحمَن. سوف تتوقع أن يحضر ويقابل زوجها خلال ساعات قلائل. إن احتمال التعشي مع الغرباء يكتنفه شيء من المغامرة بل والشر الخليق بنيويورك. لم يعهد ناحمَن شخصاً بالمدينة في مثل مودة صديقته القديمة هيلين فيريس، أياً كانت. لقد تاهت ببساطة من ذاكرته. لاحت عظمتا خديها العريضتان ووجهها الأسمر المائل إلى الاستدارة ذو العينين البنيتين الجنسيتين الدافئتين من العِرق السامي، أو عل ملامحها آسيوية قليلاً، لكن ليس ببعيد أيضاً أن تكون من المكسيك أو بورتوريكو. عرف نساء شبهها غير أنه لم يستحضر واحدة منهن باسم هيلين. كانت تتمتع بجاذبية طاغية وإن ران عليها شيء من التخويف. قد تحسبها لن تغيب عن ذاكرته لذاك السبب دون غيره. هل لاحظتْ حيرته؟ بمقدور الناس أن يعلموا إذا ما كنتَ قد تعرفتَ عليهم أم لا. فهم يدركون ذلك من عينيك ويسمعونه في نبرات صوتك. آه، طيب. سوف يزيح ناحمَن السؤال عن طريقه عند لقائه بها مجدداً. سيلفي الموقف بعدئذ أشد إحراجاً مما سيكون عليه منذ دقائق خلت لكنه لن يدع الأمسية تنصرم بدون اعتراف. أودع مفتاح شقة هيلين في جيب سرواله وبطاقتها في محفظته. لا يزال أمامه بضع ساعات إلى أن يحين موعد العشاء.

 

لم ينفك ناحمَن يهيم على وجهه محاولاً التذكر. كيف تحاول أن تتذكر؟ تجعل نفسك سلبياً، منفتحاً، متاحاً. ولو أقبلتْ الذكرى، فقد أقبلتْ. إنه نوع غريب من المحاولة. تساءل لو أن ثمة مفتاحاً للكشف عن هويتها فيما تفوهت به. للأسف اضطلع ناحمَن بأكثرية الحوار. استحضر نظرة عين هيلين فيريس وابتسامتها الحمراء؛ لا غير. لقد أبت أن تزايل ظلال عقله.

 

عكَس آخر أكتوبر إحساساً بجو الصيف، لكن مع الانقضاء البطيء للأصيل التقط ناحمَن صفة في النسيم بها من الحدة ما لا يليق بالصيف، صفة خامرها شيء قاطع أكثر مما ينبغي. سَنة أخرى على وشك الانصرام. راقت ناحمَن الحدة، يكاد يبصرها في الضوء المتغير. سرعان ما ستزايل الشمس كبد السماء وتجتاح العتمة والبرودة الشوارع لتتحدى طاقة الناس وتشحذ أفكارهم. ساور ناحمَن شعور السائر كما البطل في قلب الدراما ومخاطرات المدينة، شعور لم يكن الباعث عليه الخريف وحده. إن هيلين فيريس لجزء من مغامرات نيويورك المستوطِنة. الحشود، المرور، المباني، الجو المتقلب، تعقيدات المدينة اللانهائية، ما ينتابها مما لا سبيل إلى الوقوف عليه – مَن يقوى على استيعابها؟ شمل ناحمَن إحساس بالابتهاج. بل إن ثمة مغامرة – من وجهة نظر معينة – في تعمدهم عدم مقابلته بمؤتمر دراسة الشفرات. تم توجيه الدعوة ودفع جميع المصاريف حتى تقطع ثلاث آلاف ميل دون أن تجد مخلوقاً يعبأ على الإطلاق إذا ما كنتَ قد جئت أم لا. بلا تفسير ولا اعتذار. ولا حتى رسالة قصيرة بمكتب استقبال الفندق. ما كان هذا ليقع بمدن ريفية كلندن أو باريس أو روما أو برلين أو طوكيو. وذلك ما جعل نيويورك مدينة عظيمة الشأن. لا أحد يبالي بأحد أدنى مبالاة.

 

الحقيقية هي أن ناحمَن كان يتميز غيظاً. رسم على شفتيه ابتسامة وهو يخاطب هيلين فيريس. لم يدعها تفطن إلى ما استبد به من غضب، فربما خالت غضبه مصوباً نحوها.

 

ضحك ناحمَن لنفسه هازاً رأسه بما يدل على الأسى وكأنه في حاجة إلى لحظة يعتلي فيها خشبة مسرح ساخر خاص. نزع مزاجه إلى فلسفة ما حدث. فهو – قبل كل شيء – قد أساء إلى معاييره الأخلاقية. وافق على المقابلة مضمراً نية سيئة. لم يكن ينوي تغيير وظيفته وما أراد سوى زيارة أبيه. الواقع أنه جمع أمره على مغادرة المطار والذهاب إلى شقة أبيه رأساً لكن عند اتصاله به – مرة من الطائرة ومرة أخرى من المطار – لم يجبه أحد. كان أبوه عجوزاً كثير النسيان. عله خرج بل عله مضى لزيارة أقربائه في كونيتيكيت. لذا استقل ناحمَن سيارة أجرة إلى الفندق. سوف يزور أباه غداً لو رد العجوز على الهاتف اللعين. ولو لم يلق رداً، سيطير عائداً إلى كاليفورنيا يتولاه شعور بأن وقته ذهب سدى.

 

أما عن حس المغامرة والجو وكل هذه الأشياء، فقد وعى الآن أنها من بنات خيالاته، ضرب من ضروب الكذب. الأمر وما فيه هو أن ناحمَن حاول إضفاء أية قيمة على هذه الرحلة. وقد تمكن من خداع روحه إلى أن حدا به احتقار الذات إلى رؤية الحال على حقيقتها. فالأحمق فقط هو مَن يقبل دعوة للقاء شخص مجرد من الاسم. ناحمَن أحمق. تلك الآن حقيقة لا تقبل الجدل. حسناً. شعر بأنه أفضل حالاً.

 

فاتت عدة ساعات دلف ناحمَن بعدها إلى أحد مباني حي تشيلسي. نبس البواب الذي أعلمه أحدهم باسم ناحمَن، "اصعد مباشرة. الشقة رقم 14-ب." كان المصعد يسطع بثلاثة حيطان بكل منها مرآة تغطي نصفها. رمق ناحمَن نفسه من الرأس حتى الخصر، صورة مكررة ثلاث مرات. جعلته هذه الأنصاف الثلاثة من ناحمَن يشعر بأنه أقل – وليس أكثر – وضوحاً. تراءت الانعكاسات ذهنية وليست جسدية بيد أن شعوراً بالرهبة من الحيز الضيق طغي عليه بغتة وكأن المصعد يغص بالبشر. لاح تحت المرايا سطح ملون بلون الجوز ومزخرف بنقوش نافرة من الزهور. عيّن شريط من النحاس الأصفر ملتقى الخشب بأرضية رمادية يكسوها سجاد متعذر على البلاء. تفحص ناحمَن النور المثبت فوق رأسه بالضبط ليلفي لمبة سميكة تتوهج عبر تجويف من الزجاج الغائم رقيق البنية. لقد تحدث المصعد بالنيابة عن المبنى، تفكر ناحمَن – فوضى من المواد توحي بإسراف مولعي الترف. حمله المصعد بطيئاً إلى الطابق الرابع عشر ثم توقف برجة مفاجئة.

 

لم يبلغ شيء عن هيلين فيريس ذاكرة ناحمَن. تصور أنه لا بد عرفها لمّا كان طالب دراسات عليا في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. إذ كانت له الكثير من المعارف وقتذاك، رجال ونساء فقَد صلته بهم منذ حينها. ثمة حفلات انهمك بها في جنس عابر لا ينقصه الاهتياج مع أشخاص لم يربطه بهم سوى هزة رأس عند اجتيازه لهم بعدها في حرم الجامعة – هزة رأس تتجنب التقاء العيون. ثوان! ألم ينصرف مرة من حفلة بصحبة فتاة سمراء بلغ بها السكر حداً أعجزها عن قيادة سيارتها؟ ألم يقلها في سيارتها الجاجوار إلى منزل والديها في بيفرلي هيلز؟ وهما، ألم... ماذا؟ انفتح بابا المصعد. لا، كان اسم تلك الفتاة دولوريس. وهي لا تشبه هيلين فيريس في شيء.

 

ثمة أربعة أبواب تفضي إلى الشقق، اثنان على كل جانب من صالة يغطيها نفس سجاد المصعد. خيم على الصالة سكون مذهل وعمتها أنوار خفيضة مثبتة في حوامل جدارية من النحاس الأصفر المعقد تمتد في غير انتظام بطول الجدران. عثر ناحمَن على باب شقة 14-ب. صوّب ناظريه إلى ثقب الباب ذي الإطار النحاسي وهو يضغط على جرس أسود أشبه بالحلمة. تناهى إليه صوت ناقوس مكتوم من داخل الشقة. انتظر. لم يخف أحد إلى الباب. ضغط على الجرس ثانية وانتظر. لم يخف أحد إلى الباب. دار المفتاح لينفرج الباب عن حجرة واسعة الأركان.

 

"مساء الخير،" نبس ناحمَن بنبرة حرص ألا يصرخ بها. "أحد بالبيت؟" لم يجبه أحد. دلف إلى الداخل مغلقاً الباب ثم اكتشف أنه ليس بمفرده. إذ لبثت في الهواء رائحة صابون معطَر تخللها خفيف من النداوة والدفء. نمى إليه صوت ماء يجري فأرسل نظرة سريعة إلى ما خمن أنه باب حمام. كان مفتوحاً بعض الشيء. أحدهم يستحم وقد حالت ضجة المياه دون أن يسمع شيئاً. رغب ناحمَن عن الصياح. فالمستحمون يركبهم شعور بعدم الأمان ومن السهل أن ينزل بهم الفزع.

 

وقف ناحمَن داخل الحجرة الضخمة. لعل طولها أربعون قدماً وعرضها عشرون، ذات أرضية من خشب القيقب اللامع. فصلت طاولة من طاولات الحانات منطقة المطبخ عن بقية الحجرة بينما تجمع الأثاث في المنتصف وكأنه يطفو في الحيز الفسيح. استقرت مائدة قهوة – يعتليها لوح زجاجي – بالطول بين أريكتين حمراوين، وعند طرفيها نهض كرسيان أسودا اللون. لاحظ ناحمَن مكتباً ذا غطاء خشبي يقوم قبالة أحد الجُدر ومائدة للكتابة تتكدس فوقها الأوراق. اشتملت الحجرة على نوافذ عالية تشرف على الطريق ونوافذ المباني الأخرى. وبالقرب من أبعد الحيطان ثمة تسريحة وسرير تقبع على جانبيه مائدتان صغيرتان ومصباحان للقراءة. وإلى يمين السرير هناك سلم لولبي يؤدي إلى فتحة في السقف، الظاهر أنه الطابق الثاني من الشقة. ألفى حقيبة سفر على السرير، تستقر في منتصف لحاف أبيض ضخم طرحه أحدهم إلى الوراء كاشفاً عن ملاءة حريرية تتلون بلون أزرق ضارب إلى الخضرة. وعند نهاية السرير قام تليفزيون ضخم فوق حامل ألومنيوم ذي عَجل. حوى الحامل عدة مجلات فوق رف يعلو العَجل. وبالسقف تعلق صفان من الأنوار المتحركة.

 

مَن بالدش؟ هيلين أم بنجيمين فيريس؟ ورداً على سؤاله، نمت إلى مسمعيّ ناحمَن أصوات كبّرها حيز الحجرة الأجوف إلى حد كبير، فلاحت الأصوات وكأنها داخل أسطوانة طبلة. اتصف صوت الرجل بالحياد العاطفي. أما صوت المرأة فقد ساده التوتر وتصاعدت نبراته. إنها هيلين فيريس. "أنا لم أفرغ بعد. لِم لا تخرج وتدعني لأنتهي؟" كانا يستحمان معاً كما فطن ناحمَن.

 

"لا أريد أن أضطر إلى محادثته وحدي."

 

"ياه، بحق المسيح. ممكن أن تتكلم معه حتى أخرج. أعِد له شراباً. شَغِّل التليفزيون وتفرجا على البيسبول. الرجال يحبون الرياضة. أنتَ حتى لن تضطر إلى الكلام معه. كن لطيفاً ولو مرة واحدة في حياتك بنت الوسخة هذه."

 

"إيه، إيه، إيه. المفروض أن أكون أنا اللطيف؟ وكأني أنا مَن دعا العبيط إلى الشقة؟ سآخذ الفاتورة يا حبيبتي على العشاء، لا أكثر ولا أقل. إنها علاقتك أنتِ."

 

"لا تبدأ الكلام في مواضيع العلاقات. إنه ليس نوعي المفضل."

 

"وهل عندك أنواع؟"

 

"أنا دائماً لطيفة يا بنجيمين مع أصدقائك حتى عندما يوقعوا بي ملل ما بعده ملل."

 

"صديق؟ لقد قلتِ إنه حتى لم يتعرف عليكِ."

 

"وماذا في ذلك؟ إنه شارد. ليس من عينة بصباصي نيويورك المعتادين كأشخاص ممكن أن أقول لك أسماءهم. سوف أُذكره بنفسي على العشاء."

 

"سأكون قاعداً هناك، بحق المسيح. سيموت."

 

"لن يعرف أني قلت لك أي حاجة. هذا غير أنه على الأرجح نسى ذلك أيضاً. فهو تقريباً في عداد المخبولين. أظن أن سوستة بنطاله كانت مفتوحة."

 

"لا تثيري غيرتي."

 

فرت من هيلين فيريس ضحكة.

 

واصل بنجيمين الكلام، "ما اسم هذا الشخص؟ ناحمَن؟"

 

"وما عيب اسم ’ناحمَن‘"؟

 

"لم أقل إن به عيباً."

 

"إنها نبرة صوتك. وهل تظن أن ’فيريس‘ اسم حلو؟ الناس تقول لي دائماً، ’مثل عجلة الملاهي فيريس؟‘ إنه محرج."

 

عبَر ناحمَن الحمام قاطعاً نحو ثلاثين قدماً باتجاه جهاز التليفزيون. حط المفتاح فوق التليفزيون. حسْبه ما صك أذنيه. كان في سبيله إلى المغادرة. أبعد يده فوقع المفتاح على الأرضية. التصق المفتاح بأطراف أصابع طالها القليل من النداوة، وكذا الحال مع راحتيه. لقد كان يتفصد عرقاً. صدر عن المفتاح صلصلة لا تعوزها الحدة عندما ارتطم بالأرضية، فسارع ناحمَن بالانحناء ليسترجعه وكأنه بذلك يُذهب أثر الضجة. لو طرق سقوط المفتاح أذنيهما، فقد علما بوجوده في الشقة. لم يسعه الرحيل. سوف يضطر إلى مواجهتهما. لا. سيهتف بـ "مساء الخير" متظاهراً بأنه وفد للتو. سيتظاهران بأنهما لا يعلمان بسماعه لحديثهما عنه. وكل كلمة سيلفظ بها الثلاثة ستكون كذبة. أعاد ناحمَن فوق التليفزيون مفتاحاً لم يبرح محله حين سحب يده.

 

لم يتفق أن سمع آخرين يتكلمون عنه من قبل. إنه موقف مثير للأعصاب. تحول فيه تحولاً كلياً إلى شيء مثله مثل حجر لا حياة فيه بينما راحت روحه تطفو في الهواء. انتشر جرح شامل داخل صدره وطفق ينز كما السم عبر جسده. لم يقو على التفكير بوضوح وشق عليه التنفس. راود ناحمَن مجدداً باعث على الانصراف بيد أنه لم يقدر أن يرجع ببساطة إلى الباب. لو سمعا الباب ينغلق دونه، سوف تعتريهما مشاعر فظيعة، إذ سيعلمان أن ناحمَن سمعهما. ولِم يكترث؟ كان ناحمَن يكترث.

 

لاحت حقيبة السفر المفتوحة فوق السرير ضخمة الحجم عتيقة الطراز، مصنوعة من الجلد الأصفر كما يليق بحقيبة جلادستون* جميلة تزينها الأشرطة والأركان المعدنية. وما أبصره بالحقيبة أبلغه بأن هيلين وبنجيمين يحزمان متاعهما للقيام برحلة. ما ألطفهما. يجيئان بعدة أشياء معاً – يسافران ويستحمان ويتشاحنان ويقذفان أناساً لم يسيئوا إليهما أبداً بكلمات كريهة. لقد أنزل تضمانهما الزوجي بنفسه الرهبة.

 

ليت ناحمَن لبث في كاليفورنيا، كان ليذهب إلى العمل في مكتبه بمعهد الرياضيات وما كان ليسمع قط أحداً يصفه بالشارد الماشي بسوستة مفتوحة. جانبها الصواب في كل ما نطقت به لكنها نطقت به. لقد نطقت به بالفعل. كلنا سنموت إلا أن هيلين فيريس لا بد أن تقتل الناس.

 

لم تنقطع الأصوات غير أن ناحمَن ثبّت تركيزه في حقيبة السفر محاولاً ألا ينصت. ثمة قمصان ولباس داخلي وفساتين وبناطيل وحذاء تنس، موضوعة كلها في كومة لا تعرف النظام وقد رمى أحدهم عليها ركاماً من الأوراق. أُعجب ناحمَن بالإهمال الذي طُرحت به ملابس غالية المظهر في الحقيبة. تعلق نظره بجوازيّ سفر وظرفي تذاكر طيران بين الأوراق فمد يده ليفتحها. لم تسلم يده من الارتعاش. تضخم قلبه وهو يقتحم خصوصية الأغراب. كيف له أن يقدم على هذا؟

 

وقبل أن يشغل السؤال تفكيره، أحس بضغط ناعم على رجله. غض الطرف ليبصر قطاً سيامياً سمين سمنة غير عادية. لا بد وأنه توارى تحت السرير وقد أصابه الرعب من ناحمَن لكنه قرر الآن على ما يتضح أنه لا يمثل تهديداً. وثب القط على السرير ليخطو فوق الحقيبة مستقراً على الأوراق وكأنه يدري أن ناحمَن يهم بالنظر إليها. رام القط الفوز باهتمام ناحمَن. مرر ناحمَن يداً رفيقة على ظهره. لقد أقبل صديق سمين يخرخر ليبث في قلبه عزاء وسلوى. وبينما كان يمرر على القط يداً واحدة، حاول أن يرفع بالأخرى أركان الأوراق.

 

عطلت الحجرة من السجاجيد والستائر، لا شيء ليمتص الأصوات، وما أسهمت رطوبة الجو سوى في إسباغ الحدة عليها. لم يكن ناحمَن يستمع لكنه ما يدري إلا وجلبة المياه تتوقف فجأة.

 

"لقد عاني،" نقلت هيلين فيريس إليه. "طار عبر البلد ليقابل شخصاً بالمؤتمر لكنه قلَبه، فأشفقتُ عليه."

 

"لو قلبني أحدهم، ما نطقتُ بحرف لأحد. فالأخبار تنتقل من فم لفم والناس تظن الواحد عبيطاً."

 

"حاول أن يتحلى بالمرح لكني أدركت أنه يستشيط غيظاً. فبمجرد أن فتحتُ فمي بـ ’أهلاً،‘ راح يصب جام غضبه كالمجنون." تبدل صوت هيلين فيريس لتأخذه بحة وتتخلله إثارة. "قل لي يا بنجيمين،" نبست.

 

"ماذا؟"

 

"إني جميلة."

 

"تعالي هنا."

 

انطلقت ضحكاتها. "لا، لا، لا."

 

استرق ناحمَن نظرة عجلى إلى باب الحمام. ارتسم في خياله شعر هيلين فيريس البني الغامق المقصوص في مستوى ذقنها وقد أضحى الآن غطاء أسود مبتلاً يلمع حول عينيها ووجنتيها. نعِم ثغرها الخالي من أحمر الشفاه وانتفخ بفعل الماء الساخن. خالها ناحمَن أحلى بدون أحمر شفاه. استدعى عينيها الجنسيتين الدافئتين. ربما يصل طولها حافية إلى خمس أقدام وبوصتين، في مثل ارتفاع صدره. تنعم بوركين عريضين. هل ثدياها ناهدان؟ لم ينتبه ناحمَن إليهما.

 

ارتفعت منها صرخة طويلة حادة. بلغت نبرتها من العلو ما جعل ناحمَن يحسب – والرعب يحيق به – أنها مرقت إلى الحجرة ورشقته بعينين فاضتا بالذهول والاشمئزاز.

 

أغلق الحقيبة من فوره، على القط، فارتطم الجلد به ارتطاماً. وبدلاً من أن يَقلب ناحمَن الغطاء فاتحاً إياه، ضغط عليه بيد أقوى كمن يستر دليلاً. ليس بقوة زائدة عن اللازم أن يؤذي القط لكنه هكذا، وبدون قصد منه، أعطاه الوقت الكافي ليبول.

 

وحينما فطن إلى أنه بمفرده وأن عيناً لم تقع عليه، فتح الحقيبة. أسرع القط عبر الملاءة الحريرية الزرقاء وقفز إلى الأرضية القيقب ليغيب عن الأنظار خلف بار المطبخ. ألفى ناحمَن أنه أودع بالحقيبة حوالي جالون من السائل. لانت الخطابات والأوراق القانونية ونال منها التجعد فيما التفت أطرافها والبول يهاجم الألياف.

 

 

سلّط ناحمَن عينيه على باب المصعد دون أن يوجههما إلى الحيطان ذوات المرايا. لا رغبة له في رؤية انعكاس صورته. ففي نوبة من فزع لم ينج من الأوهام، حسب أنه لو أبصره، قد يُرغَم على تركه خلفه. أراد أن يغادر المبنى بكليته، أن يأخذ نفسه وانعكاسه بمبعد عن الزوجين فيريس وبخاصة هيلين فيريس العارية الصارخة. لقد اقتطع آل فيريس شيئاً منه، مزقا ثغرة في كيانه. شاهد من ركن عينه البواب وهو يومئ. اجتازه ناحمَن دون أن يرد عليه بشيء ليخرج في الحال إلى الشارع المجهول. انطلق نحو وسط المدينة عازفاً عن أي تعرف بشري مهما كان أقل القليل. مر به الغرباء كأشباح الليل. سار ناحمَن في غفلة عما حوله، المبنى بعد المبنى، حتى زايله بالتدريج ما تملكه من ذهول. وفي هواء الليل البارد بالمدينة استعاد البساطة المريحة النابعة من كونه نفسه. "أبله،" فاه، "لكن ملكي أنا."

 

فكر في العثور على مطعم ليتناول العشاء لكنه قرر أنه ليس جائعاً فتابع المسير. انتهى ناحمَن إلى مقعد شاغر بمتنزه واشنطون سكوير واتخذ مجلسه عليه. طرحت الأشجار ظلالها على الطرق، ومن بينها أرسلت أعمدة الإنارة أضواء اعترضتها الفروع. لم يسعه أن يتبين ملامح السابلة وافترض أنه بالأساس خافٍ عن أعينهم. أمسى وحيداً مجهولاً محجوباً فغشيه سلام عميق وشعر بحرية في إعمال عقله.

 

نزع ذهنه إلى هيلين فيريس. كان قد فسر ابتسامتها على أنها تنم عن التطلع لكنه فهِم الآن أنها حملت معنى مختلفاً، كالتوقع. لقد توقعت من وجهه أن يتطلق كما تطلق وجهها بيد أنه أخفق في التعرف عليها. لم يعد الشخص الذي كان.

 

الله وحده يعلم ماذا تظن به الآن. ربما حسبت أن ناحمَن هو الذي بال في الحقيبة وليس القط. فهي تخاله بالفعل شارداً. قد تظنه الآن مجنوناً. إن ما قد تقوله عنه يفقر الخيال.

 

لقد أعطته بطاقتها. بمقدوره أن يتصل بها من كاليفورنيا غداً أو ربما بعد غد ليشرح لها ما جرى. باستطاعته أن يسألها عن لقبها قبل الزواج. فلو تذكرها أخيراً، قد تضفي عليه عندئذ ذكريات نفسه شيئاً من المغزى. إن تأثير الذكريات يفوق بمراحل تأثير الصور مثلاً، الصور التي لا تصلح سوى لاستدرار الحنين وليس للاستيعاب. ولكن هل أراد ناحمَن تلك الذكريات؟ لا شك في أنه هو نفسه ناحمَن الذي لم يعد يتذكره. فبرغم كل شيء، مَن غيره سيكون؟ اكتشف ناحمَن أنه أتى للتو بفعل استقرائي. إن الاستقراء وقياس التمثيل، اللذين كان موهوباً فيهما كل الموهبة، حيويان للذكاء الرياضي.

 

لقد قيل إن حياة لا يسبر المرء أغوارها لهي حياة لا تستحق الحياة. لم يكن ناحمَن يعارض سبر حياته لكن ما هي الحياة؟ كان قبل يومين في كاليفورنيا وغداً قد يحل بأي مكان تقريباً على وجه الكرة الأرضية. يستطيع أن يغير اسمه، يتعلم لغة جديدة، يستهل وجوداً جديداً. بمقدوره أن يقصد بلداً غريباً مثيراً ويتزوج ويرزق أطفالاً يتلونون بشتى الألوان ويتصفون بملامح مدهشة. يفعلها الناس طيلة الوقت. بمقدوره أن يرعى حيوانات الخشقاء في منغوليا أو يتاجر بالعبيد في دولة السودان. لم يكن في حاجة إلى شجاعة لاستشارة وكيل سياحي، فمتخصصو الميتافيزيقا هؤلاء موجودون في دليل الهاتف. "أعطني رحلة إلى منغوليا،" قال ناحمَن لنفسه. "تذكرة ذهاب فقط."

 

يا للسخافة. ما هو بالمغامِر في شيء. أما بالنسبة إلى "الحياة،" فهي ما تطالعه في صفحات النعي بالجرائد. لا حاجة له بها. سوف يعود أدراجه إلى كاليفورنيا ولا يفكر سوى في الرياضيات. إن مجرد تخيل منغوليا، بسهولها الكئيبة المتجمدة، بث في قلبه حنيناً إلى وطنه.

 

طفق رجل – تحجب الظلال جانباً منه – يلعب الجيتار على مقعد قريب. عزف لحناً من البوسا نوفا، مزيج من الجاز والسامبا. تبدى اللحن حزيناً حزناً لا متناه، أشبه بموسيقى البلوز بيد أنه حوى اختلافات دقيقة في النغمات وما داخله شيء من الرجولة المفرطة. استحوذ الإيقاع على الأسماع استحواذاً رقيقاً ولاح وكأنه يربت بلطف قلب ناحمَن. كرر التفكير في الاتصال بهيلين فيريس. سوف يعتذر بالقطع عن عدم انتظار خروجها هي وزوجها من الحمام. تصور تصوراً غامضاً أنهما قد يكنان الكثير للبوح به إليه. لم تزل أفكاره تصطبغ بالمزيد من الغموض وهي تستسلم للبوسا نوفا فما لبث أن أحجم تماماً عن التفكير وما بدر منه سوى أن تابع اللحن بعقل منتبه. تلوى اللحن في شكل يترع بالجمال، ثم تلوى ثانية وثالثاً – شكلٌ به دوماً شيء من الاختلاف وإن تراءى على حاله دائماً – بينما حمل الإيقاع ما ألّم باللحن من حزن شديد نحو اللانهاية. 

 

 

 

* حقيبة جلادستون: حقيبة سفر خفيفة تنفتح من وسطها إلى قسمين متساويين وقد سميت باسم رئيس الوزراء البريطاني السابق دابليو. إي. جلادستون لما عُرف عنه من السفر المتكرر.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.