ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
القارة الثالثة والأخيرة
albawtaka@albawtaka.com

رحلتُ عن الهند عام 1964 حاملاً معي شهادة التجارة وفي حوزتي ما عادل في تلك الأيام عشرة دولارات. أبحرتُ لمدة ثلاثة أسابيع على متن الإس إس روما، سفينة شحن إيطالية، في قمرة بجوار محرك السفينة. اجتازت البحر العربي ثم البحر الأحمر تلاه الأبيض المتوسط إلى أن آل بها الأمر إلى إنجلترا. عشت في لندن بشارع فينسبيري بارك في منزل شغله بالكامل عزاب مفلسون وفدوا مثلي من البنغال، كانوا دستة على أقل تقدير وأحياناً أكثر. كافحنا جميعاً كي نتعلم ونوطد أقدامنا خارج أوطاننا.

حضرتُ محاضرات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن واشتغلتُ بمكتبة الجامعة حتى أوفر معاشي. أقمنا ثلاثة أفراد أو أربعة بالحجرة واشتركنا في استعمال مرحاض واحد بارد كالجليد وتناوبنا طهو قدوراً من البيض بالكاري أكلناه بأيدينا على مائدة غطيناها بورق الجرائد. وعلاوة على وظائفنا اضطلعنا ببعض المسؤوليات. فقد كنا نتسكع في العطلات الأسبوعية حفاة الأقدام مرتدين منامات سراويلها بأربطة، كنا نحتسي الشاي وندخن سجائر ماركة روثمانز أو ننطلق لمشاهدة مباراة كريكيت بملعب لوردز. وفي بعض العطلات الأسبوعية كان المنزل يكتظ أيضاً بالمزيد من البنغاليين الذين قدّمنا لهم أنفسنا عند الخضري أو بالمترو، فكنا نعد المزيد من البيض بالكاري ونستمع لأغاني موكيش* بمسجل مغناطيسي ماركة جروندج وننقع أطباقنا المتسخة في حوض الاستحمام. ومن حين وآخر ينتقل أحدهم من المنزل ليعيش مع امرأة قررتْ أسرته في كلكتا أن يتزوجها. عندما بلغتُ السادسة والثلاثين عام 1969، تم ترتيب زواجي. وفي نفس الفترة تقريباً عُرضتْ عليّ وظيفة بساعات عمل كاملة في أمريكا وذلك بقسم معالجة المعلومات في مكتبة تتبع معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا. كان المرتب سخياً بما يكفي لإعالة زوجة وقد شرفني أن توظفني جامعة مشهورة عالمياً وهكذا نلت حق الإقامة والعمل في أمريكا وأعددت حالي للسفر إلى بقعة أبعد.

كنت قد جنيت بحلول ذلك الوقت الكافي من الأموال للسفر بالطائرة. طرت أولاً إلى كلكتا لحضور حفل زفافي ثم ذهبتُ بعدها بأسبوع إلى بوسطن لأباشر عملي الجديد. طالعتُ خلال الرحلة "دليل الطالب إلى أمريكا الشمالية،" إذ على الرغم أني كنت قد تخطيت مرحلة التلمذة، كان عليّ مع ذلك التقيد بميزانية محدودة. علمتُ أن الأمريكيين يقودون سياراتهم على الجانب الأيمن من الطريق وليس الأيسر وأنهم يطلقون على المصعد elevator"" وليس "lift" ويقولون عن الهاتف المشغول إنه "busy" وليس "engaged". "إن سرعة الحياة بأمريكا الشمالية تختلف عن تلك التي تجدها ببريطانيا كما سيتكشف لك قريباً،" أنهى إليّ الدليل. "يستولي على الجميع إحساس بأن عليهم بلوغ القمة، فلا تتوقع الكياسة الإنجليزية." بينما راحت الطائرة تهبط فوق ميناء بوسطن، أعلن الطيار عن حالة الطقس والوقت وأن الرئيس نيكسون أعلن يومها عطلة رسمية: فقد حط أمريكيان على القمر. هلل العديد من الراكبين. "بارك الله في أمريكا!" انطلق صياح أحدهم. التقطتْ عيناي سيدة تصلي عبر الممر.

أمضيت ليلتي الأولى في بيت من بيوت الشباب التابعة لجمعية الشبان المسيحيين بمنطقة سنترال سكوير في مدينة كامبردج، وهو سكن رخيص أوصى به الدليل وقام على بُعد بضعة أقدام من معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا. اشتملتْ الحجرة على سرير صغير الحجم ومكتب وصليب خشبي صغير معلق على أحد الحوائط. نبّهتْ لافتة مثبتة بالباب على أن الطهو ممنوع منعاً باتاً. أشرفتْ نافذة عارية من الستائر على جادة ماسيتشوسيتس. كانت أبواق السيارات تدوي، الواحد تلو الآخر، دوياً حاداً مطولاً. أنذرتْ صفارات الإنذار والأنوار المتقطعة بحالات طوارئ لا عد لها ولا حصر وهدرتْ سلسلة من الحافلات المارة طوال الليل فيما ارتفعتْ أصوات أبوابها وهي تُفتح وتُغلق في هسهسة قوية. كانت الضوضاء دائماً وأبداً مشتتة لذهني وأحياناً ما كانت تخنقني. شعرتُ بها تتوغل في أضلعي، تماماً كما شعرتُ بالأزيز المهتاج لمحرك سفينة الإس إس روما. إلا أن المكان قد خلا من سطح سفينة أفر إليه ومن محيط لامع تهتز له روحي طرباً ومن نسيم ينعش وجهي ومن مخلوق أتحدث معه. بلغتُ حداً من الإنهاك حال دون أن أتمشى بممرات بيت الشباب الكئيبة بملابس النوم. فجلستُ بدلاً من ذلك إلى المكتب مسدداً نظرات محدقة خارج النافذة. في الصباح أقبلتُ إلى محل عملي بمكتبة ’دوي‘، مبنى بني فاتح كما الحصن بطريق ميموريال درايف. فتحتُ كذلك حساباً في المصرف واستأجرتُ صندوقاً بمكتب البريد وابتعت سلطانية بلاستيك وملعقة. مررت على متجر كبير يدعى النقاء الأسمى وقطعتُ الممرات جيئة وذهاباً لأقارن الأسعار بتلك الموجودة بإنجلترا. في النهاية اشتريت علبة لبن وعلبة من رقائق الذرة فكانت هذه أول وجبة أتناولها بأمريكا. حتى العمل الروتيني البسيط المتمثل في شراء اللبن كان جديداً عليّ؛ ففي لندن يتم توصيل اللبن كل صباح حتى الباب.

 

خلال أسبوع كنت قد تأقلمتُ تقريباً مع الوضع. كنت آكل رقائق الذرة باللبن صباحاً وليلاً لكني اشتريت بعض الموز على سبيل التنوع فأعملتُ حرف ملعقتي فيه لتشريحه بالسلطانية. خلفتُ علبة اللبن بالجانب الظليل من عتبة النافذة مثلما رأيت مقيمين آخرين يفعلون بالمنزل. وفي الأمسيات كنت أشغل وقتي بمطالعة جريدة البوسطن جلوب بالطابق الأسفل في حجرة فسيحة الأركان نوافذها من الزجاج الملون. كنت أقرأ كل مقالة وكل إعلان حتى تتكون لديّ ألفة بالأشياء. وعندما يحل التعب بعينيّ، كنت آوي إلى الفراش. بيد أني لم أهنأ بنومي. فقد اضطررت كل ليلة إلى فتح النافذة على مصراعيها؛ إذ كانت المنفذ الوحيد للهواء داخل الغرفة الخانقة غير أني لم أطق الضوضاء. كنت أتمدد على السرير ضاغطاً على أذنيّ بأصابعي لكن عند استغراقي في النوم تسقط يداي فتوقظني ضوضاء المرور ثانية. كان ريش الحمام ينساق إلى عتبة النافذة وفي إحدى الأمسيات كنت أصب اللبن على رقائق الذرة فوجدته حامضاً. رغم تلك الظروف عقدتُ النية على المكوث ببيت الشباب لمدة ستة أسابيع إلى أن يجهز جواز سفر زوجتي وتصريح إقامتها. فبمجرد وفودها، كان عليّ أن أستأجر شقة ملائمة. فكنت أتفحص من وقت لآخر الإعلانات المبوبة بالجريدة أو أعرج على مكتب الإسكان بالمعهد خلال استراحة الغذاء لأرى المتاح. وبهذه الطريقة اكتشفتُ حجرة يمكن شغلها فوراً بمنزل كائن في شارع هادئ، ذكرتْ القائمة أنها ستكلف ثمانية دولارات في الأسبوع. اتصلتُ بالرقم من تليفون عمومي وأنا أفرز العملات التي لم أعتدها بعد، إذ كانت أصغر من الشلن وأخف منه وأثقل من البايسا* وألمع منها.

"مَن يتكلم؟" سألت السيدة بصوت تتخلله جرأة وجلبة.

"نعم، مساء الخير يا سيدتي. أنا أتصل بخصوص الحجرة المعروضة للإيجار."

"هارفارد أم تِك؟"

"معذرة؟"

"هل أنت من هارفارد أم من تِك؟"

استنتجتُ أن تِك تشير إلى معهد ماسيتشوسيتس للتكنولوجيا فأجبتها، "أعمل بمكتبة دوي،" ثم أردفتُ كالمتردد، "في تِك."

"أنا لا أؤجر غرفاً سوى للأولاد من هارفارد أو تِك!"

"حسناً يا سيدتي."

أعطتني عنواناً وميعاداً في السابعة مسائها. انطلقتُ قبل الموعد بثلاثين دقيقة مودعاً دليلي في جيبي وقد انتعش نَفَسي بغسول الفم ’ليستيرين‘. انعطفتُ في شارع تظلله الأشجار ويتعامد مع جادة ماسيتشوسيتس. كنت أرتدي رغم الحر معطفاً ورباط عنق معتبراً الحدث كأي مقابلة رسمية؛ لم أسكن قط في بيت لم يكن مالكه هندياً. تراءى المنزل – وقد اكتنفه سياج من الأسلاك المتشابكة – بلون أبيض ضارب إلى الصفرة خلا الزخارف الخشبية ذات اللون البني الغامق، والتصقتْ كتلة متداخلة من شجيرات الفرسيتية بمقدمة المنزل وجانبيه. عندما ضغطتُ على جرس الباب، صاحت السيدة التي حادثتها على الهاتف مما بدا لي الجانب الآخر بالضبط من الباب، "دقيقة واحدة من فضلك!"

مرت عدة دقائق قبل أن ينفتح الباب عن عجوز هزيلة طاعنة. سُويتْ على قمة رأسها كتلة من الشعر ثلجي البياض أشبه بالكيس الصغير. دلفتُ إلى المنزل في حين جلستْ هي على مقعد خشبي موضوع عند قرار سلم ضيق مكسو بسجادة. حالما استقر بها المقام على المقعد الملفوف في رقعة من الضوء، ارتقت إليّ ببصرها المحدق مانحة إياي غاية اهتمامها. كانت تلبس تنورة طويلة سوداء امتدت كالخيمة المتيبسة على الأرضية وقميصاً أبيض منشياً كُشكشت حواشيه عند الحلق وطرفيّ الردنين. كانت يداها مطويتين معاً في حجرها وإن تبدت أصابعها الطويلة الشاحبة ذات المفاصل المتورمة والأظافر القوية الصفراء. سحقتْ الشيخوخة ملامحها لدرجة أنها لاحت تقريباً كالرجل بعينيها الحادتين المنكمشتين وتجاعيدها الجلية المحفورة على جانبيّ أنفها. أوشكتْ شفتاها المتشققتان الممتقعتان على الاختفاء وتلاشى تماماً كل أثر لحواجبها. ومع ذلك فقد لاحت عنيفة الطباع.

"اغلق الباب!" قالت بصوت آمر. صرختْ رغم أني وقفتُ على بعد خطوات قليلة فحسب. "ثبت السلسلة واضغط بإحكام على زر المقبض ذلك! هذا أول ما ستفعله حين تدخل، هل كلامي واضح؟"

أغلقتُ الباب كما أملت عليّ ثم تمعنتُ بناظريّ في المنزل. ثمة إلى جانب المقعد مائدة مستديرة صغيرة توارت أرجلها كلية، كساقيّ السيدة، بمفرش من الدانتيلة. حملتْ المائدة مصباحاً ومذياع ترانزيستور ومحفظة جلدية بإبزيم فضي وهاتفاً. استند إلى أحد الجوانب عكاز خشبي غليظ. وعلى يميني وقعتْ ردهة اصطفت بها خزانات الكتب وحفلتْ بقطع أثاث بالية قوائمها مخدوشة. انصرف بصري إلى ركن الردهة حيث ألفيت بيانو ذا أوتار أفقية وقد أنزل غطاؤه وتراكمت عليه الأوراق. غاب كرسي البيانو؛ فبدا أنه الكرسي الذي تجلس عليه السيدة. ومن موضع ما بالمنزل دقت الساعة السابعة.

"أنت دقيق في مواعيدك!" أعلنتْ السيدة. "أتوقع أن تظل على هذا النحو عند دفع الإيجار!"

"معي خطاب يا سيدتي." بجيب سترتي خطاب من معهد التكنولوجيا يؤكد أني موظف لديهم، جلبتُه حتى أثبت أني كنت بحق من تِك.

تفرستْ في الخطاب ثم سلمتْه إليّ بعناية قابضة عليه بأصابعها كما لو كان طبقاً تكدس بالطعام. لم تكن ترتدي نظارات فتساءلتُ إن كانت قد قرأت منه كلمة واحدة. "كان الولد الأخير دائم التأخير! فهو ما يزال مديناً لي بثمانية دولارات! لم يعد أولاد هارفارد كما كانوا في السابق! لا يستقبل هذا المنزل غير هارفارد وتِك! كيف حال تِك يا ولد؟"

"على ما يرام."

"تفحصتَ القفل؟"

"أجل يا سيدتي."

فكت أصابعها المتشابكة ثم ضربتْ براحتها الحيز المجاور لها على المقعد آمرة إياي أن أقعد. لاذت بالصمت لوهلة ثم أنبأتني بكلمات منغمة وكأنها وحدها العليمة بهذه المعرفة:

"هناك علم أمريكي على القمر!"

"أجل يا سيدتي." لم أكن قد تفكرتُ كثيراً حتى ذلك الحين في موضوع إرسال سفينة فضاء إلى القمر. لا ريب أن الحدث قد تصدر الصحيفة في العديد من المقالات. قرأتُ أن رواد الفضاء حطوا على شواطئ بحر السكينة* فكانوا بذلك أبعد مَن سافر في تاريخ الحضارة. سبروا سطح القمر لبضع ساعات. جمعوا صخوراً في جيوبهم ووصفوا البيئة المحيطة بهم (كان موقعاً مهجوراً مذهلاً على حد قول أحد الرواد). خاطبوا الرئيس عبر الهاتف ثم غرسوا علماً بتربة القمر. هلل الجميع للرحلة باعتبارها أروع إنجازات الإنسان على الإطلاق.

جأرتْ السيدة، "علم على القمر يا ولد! سمعتُ الخبر في المذياع! أليس ذلك مدهشاً؟"

"أجل يا سيدتي."

بيد أنها لم تقنع بردي فأمرتني، "قل مدهش!"

استحوذ عليّ الارتباك وألّم بي قدر من الإهانة لهذا الطلب. استرجعتْ ذاكرتي كيفية تعلمي لجداول الضرب في صغري عندما كنت أكرر بعد المدرس وأنا متربع الساقين على أرضية مدرستي ذات الحجرة الواحدة بمنطقة توليجانج. استحضرتُ أيضاً حفل زفافي حين رددتُ بعد الكاهن آيات لانهائية باللغة السنسكريتية، آيات فهمتُها بالكاد إلا أنها ربطتني بزوجتي. لم أنبس ببنت شفة.

"قل مدهش!" جأرتْ السيدة مرة أخرى.

"مدهش،" تمتمتُ. كان عليّ أن أعيد الكلمة ثانية بأعلى صوت لتتمكن من سماعي. رغبتُ عن رفع صوتي أمام عجوز مسنة لكن لم يظهر عليها شعور بالإهانة. ولو أن ردي أحدث في نفسها أي أثر، فقد سَرها لأن أمرها التالي كان:

"رح شاهد الغرفة!"

نهضتُ من المقعد وارتقيت السلم الضيق. ألفيت خمسة أبواب، غرفتان على كل جانب من رواق ضيق هو الآخر فيما قبعتْ الغرفة الخامسة بالنهاية المقابلة. لم أجد سوى باب واحد مفتوح. حوت الغرفة سريراً لفرد واحد يمتد تحت سقف مائل وسجادة بنية بيضوية الشكل وحوضاً ماسورته مكشوفة وخزانة بأدراج. أفضى أحد الأبواب إلى دولاب وآخر إلى غرفة بها مرحاض وحوض استحمام. كانت النافذة مفتوحة؛ فاهتزت الستائر بفعل النسيم. أزحتها لأعاين المنظر: أرسلتُ طرفي إلى فناء خلفي صغير به بضع أشجار من الفاكهة وحبل غسيل فارغ. حاز المكان على رضاي.

عندما رجعتُ أدراجي إلى البهو، التقطتْ السيدة محفظتها الجلدية من المائدة وفتحتْ الإبزيم ثم نقبتْ بأصابعها حتى أخرجتْ مفتاحاً يتصل بطوق سلكي رفيع. أعلمتني بأن هناك مطبخاً بمؤخرة المنزل يمكن الوصول إليه عبر الردهة ورحبتْ بأن أستخدم الموقد طالما سأدعه كما وجدتُه. سوف تمدني بالملاءات والفوط إلا أني مسؤول عن الحفاظ على نظافتها. كان موعد دفع الإيجار صبيحة الجمعة ومكانه على الرف فوق مفاتيح البيانو. "وغير مسموح باستقبال السيدات!"

"أنا رجل متزوج يا سيدتي." كانت تلك أول مرة أجاهر فيها بهذه الحقيقة لأي أحد.

إلا أنها لم تسمعني. "غير مسموح باستقبال السيدات!" أصرت. قدّمتْ لي نفسها بوصفها السيدة كروفت.

 

كانت زوجتي تدعى مالا. رتب الزواج أخي الأكبر وزوجته. لم أنظر إلى المسألة بعين الاعتراض كما لم تنطو نفسي على حماسة لها. فقد كانت واجباً متوقعاً مني مثلما هو متوقع من كل رجل. كانت ابنة أحد المدرسين بمنطقة بيليجاتا. قيل لي إنها تستطيع الطبخ والنسج والتطريز ورسم المناظر الطبيعية وإلقاء شعر طاغور، غير أن هذه المواهب لم تعوض عن بشرتها السمراء لذا كان وجهها سبباً في رفض سلسلة من الرجال لها. كانت قد أدركت السابعة والعشرين وهي سن طفق معها والداها يخافان ألا تتزوج قط لذلك كانا على استعداد لأن يرسلا طفلتهما الوحيدة إلى آخر الدنيا كي ينقذاها من العنوس.

اشتركنا في الفراش خمس ليالي. وفي كل ليلة من تلك الليالي، بعد أن تضع مرطب بشرتها وتضفر شعرها، كانت تشيح عني لتأخذ في البكاء؛ فقد كانت مشتاقة لوالديها. ومع أني كنت سأرحل عن البلاد خلال عدة أيام، قضت التقاليد بأنها الآن جزء من أهل بيتي وعليه سوف تعيش خلال الستة أسابيع المقبلة مع أخي وزوجته كي تطبخ وتنظف وتقدم الشاي والحلوى للضيوف. لم يبدر مني شيء لمواساتها. استلقيت على جانبي من الفراش لأقرأ دليلي على ضوء الكشاف. أحياناً ما كنت أفكر في الحجرة الصغيرة القائمة على الجانب الآخر من الحائط، الحجرة التي كانت تخص أمي. أصبحتْ الآن تقريباً خالية؛ فالسرير الخشبي الضيق الذي نامت عليه يوماً تكوم بالصناديق وأغطية السرير القديمة. منذ قرابة ست سنوات قبل أن أغادر إلى لندن، شاهدتُها تقضي نحبها على ذلك السرير، وجدتُها تلعب ببرازها في أيامها الأخيرة. قبل أن نحرق جثمانها، استخدمتُ دبوس شعر لتنظيف كل أظافرها. لم يسع أخي تحمل الأمر فتوليت أنا دور الابن الأكبر لامساً اللهب حتى هيكلها كي أطلق روحها المعذبة إلى الفردوس.

 

انتقلتُ في الصباح التالي إلى منزل السيدة كروفت. عندما فتحتُ الباب، رأيتها جالسة على كرسي البيانو على نفس الجانب الذي قعدتْ عليه الأمسية السابقة. كانت تلبس نفس التنورة السوداء ونفس القميص الأبيض المنشي وقد ضمت يديها معاً بنفس الطريقة في حجرها. ظهرتْ على نفس الوضع بصورة كبيرة حتى إني تساءلت إن كانت قد قضت الليلة بأكملها على المقعد. وضعتُ حقيبتي بالطابق العلوي ثم توجهتُ إلى العمل. حينما قدِمتُ إلى البيت راجعاً من الجامعة مسائها، كانت لا تزال هناك.

"اجلس يا ولد!" ضربتْ راحتها الحيز المجاور لها.

جلستُ على حرف المقعد. كان معي كيس بقالة – المزيد من اللبن ورقائق الذرة والموز ذلك لأن معاينتي للمطبخ – في وقت سابق يومئذ – كشفتْ عن عدم وجود أية قدور أو أوعية إضافية. لم أجد بالثلاجة غير حلتين احتويتا على بعض مرق البرتقال وغلاية نحاس على الموقد.

"مساء الخير يا سيدتي."

سألتني إن كنت قد تحققت من إغلاق القفل فقلت لها إني فعلت.

لبثتْ ساكتة هنيهة ثم ما أدري إلا وقد أعلنتْ بنفس الدرجة من الإنكار والسعادة التي شملتها الليلة الفائتة، "هناك علم أمريكي على القمر يا ولد!"

"أجل يا سيدتي."

"علم على القمر! أليس ذلك مدهشاً؟"

أومأتُ برأسي وتوجستُ خيفة مما عرفتُ أنه آت. "أجل يا سيدتي."

"قل مدهش!"

أمسكتُ هذه المرة وخطفتُ نظرتين يمنة ويسرة خشية وجود مَن يسمعني اتفاقاً وإن علمتُ تماماً بخلو المنزل. غمرني إحساس بالبلاهة غير أن طلبها كان هيناً. "مدهش!" صحت.

بات هذا الحال خلال أيام في حكم المعتاد. لمّا كنت أنصرف إلى المكتبة في الأصباح، كانت السيدة كروفت مختبئة في حجرتها على الجانب الآخر من السلم أو جالسة على المقعد، غافلة عن وجودي، تستمع إلى الأخبار أو الموسيقى الكلاسيكية في المذياع. لكن عندما أعاود كل مساء، يجري نفس ما جرى: تضرب المقعد وتأمرني بالجلوس لتجاهر بأن هناك علماً على القمر وأن هذا مدهش. فكنت أردد أنا الآخر أنه مدهش ثم نلزم الصمت. على قدر ما كانت الجلسة محرجة ورغم شعوري وقتذاك بأنها ستتصل إلى ما لانهاية، لم يستمر اللقاء الليلي غير حوالي عشر دقائق؛ فقد كان من المحتم أن يغلبها النوم، فيسقط رأسها بغتة على صدرها تاركة لي حرية الانسحاب إلى غرفتي. لكن ما من شك أن القمر بحلول ذلك الوقت قد خلا من أي علم يقف عليه. فقد طالعتُ في الجريدة أن رواد الفضاء أبصروه يقع قبل أن يطيروا نحو الأرض لكن ما طاوعني قلبي على إخبارها.

 

في صباح يوم الجمعة عندما آن موعد دفع إيجار أول أسبوع، مضيت نحو البيانو بالردهة لأضع أموالي على الرف. كانت مفاتيح البيانو باهتة حائلة اللون. عندما ضغطتُ على أحدها، لم يصدر أي صوت على الإطلاق. كنت قد وضعت نقوداً بقيمة ثمانية دولارات في ظرف وكتبتُ عليه اسم السيدة كروفت. لم يكن من عاداتي ترك النقود بلا علامة أو اهتمام. استطعت من مكاني أن أشاهد بالصالة جانب من تنورتها المتخذة شكل الخيمة. بدا لي من غير الضروري أن أجعلها تنهض لتسير كل تلك المسافة إلى البيانو. لم أبصرها قط تمشى وقد افترضتُ من العكاز المرتكز على المائدة المستديرة أنها كانت تسير بمشقة. عندما اقتربتُ من المقعد، رفعتْ نظرتها الشاخصة نحوي سائلة:

"ماذا تريد؟"

"الإيجار يا سيدتي."

"على الرف فوق مفاتيح البيانو!"

"معي هنا." مددت الظرف نحوها غير أن أصابعها المطوية معاً في حجرها لم تتزحزح. انحنيت قليلاً مخفضاً الظرف إلى أن تأرجح في الهواء فوق يديها مباشرة. مضت لحظة ثم قبَلتْه بإيماءة من رأسها.

عندما وصلتُ إلى البيت ليلتئذ، لم تضرب المقعد لكني جلست جوارها بحكم العادة. سألتني إن كنت قد تفقدت القفل بيد أنها لم تشر بكلمة إلى علم القمر. بدلاً من ذلك قالت:

"كنتَ في منتهى الطيبة!"

"عفواً يا سيدتي؟"

"في منتهى الطيبة!"

كانت لا تزال ممسكة بالظرف بين يديها.

 

تناهت إليّ دقة على بابي يوم الأحد. قدّمتْ عجوز نفسها: كانت هيلين ابنة السيدة كروفت. تقدمتْ إلى داخل الحجرة وتطلعتْ إلى كل جدار من الجدران كما لو كانت تبحث عن أي أثر للتغيير. لمحتْ القمصان المعلقة بالدولاب وأربطة العنق تتدلى على مقابض الباب وعلبة رقائق الذرة فوق خزانة الأدراج وما اتسخ بالحوض من سلطانية وملعقة. كانت قصيرة القامة سميكة الخصر، شعرها فضي قصير للغاية وأحمر شفاهها وردي زاه. كانت تلبس فستاناً صيفياً بلا أكمام وعقداً من الخرز البلاستيكي الأبيض ونظارة متصلة بسلسلة تتعلق كالأرجوحة على صدرها. ارتسمتْ عروق كحلية على ربلتيّ ساقيها وكأنهما خريطة وارتخى أعلى ذراعيها مثل لب باذنجان مشوي. أبلغتني أنها تقطن بأرلينجتون، بلدة شمال جادة ماسيتشوسيتس. "أحضر مرة في الأسبوع لأجلب البقالة لأمي. ألم تطردك بعد؟"

"الحال على ما يرام يا س