مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الخامس والثلاثين، إبريل 2012.

The thirty-fifth issue, July 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرمت  روز تريمين بالموافقة على نشر قصة "الباب المغلق" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Tremain was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Closing Door" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Tremain a great debt of gratitude for her kind permission.

"The Closing Door" by Rose Tremain. Copyright © 2011 by Rose Tremain. First published in The Guardian Review Book of Short Stories, 2011. Published by kind permission of Sheil Land Associates, 52 Doughty Street, London WC1N 2LS. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Vivien Green from Sheil Land Associates.

 

 

الباب المغلق

روز تريمين

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يوليو-2012

 

 

 

 

كتاب المختارات القصصية كتاب ذا جارديان ريفيو للقصص القصيرة

 

 

 

 

 

 

احتشد الأطفال عند حاجز المحطة.

كانت صناديق الثياب قد تم إرسالها قبلهن، وعليه لم يكن معهن إلا حقائب ملابس صغيرة وكأنهن ذاهبات لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. ولكن أصغر الأطفال كانت في العاشرة، ومن فرط ما داخَل نحيب هذه الطفلة من عنف، أمكن تخيل الفترة الطويلة التي ستقضيها في مدرسة داخلية سوف يحملهن إليها القطار المنتظِر.

كانت طفلة قصيرة بدينة صغيرة الحجم، مسماة باسم يوحي بالتفاؤل: صابرة. اقتحم نقرة ذقنها أستك يتصل بقبعة المَدرسة الرمادية. طوَّقتها أمها مارچوري بين ذراعيها فارتمت القبعة خلف رأسها كاشفة عن خصلات متموجة بنية اللون شعثاء المنظر أشبه بالأشرطة المتدلية. ضغطت مارچوري بثغرها على هذه الخصلات لتَطبع عليها قبلة وتحاول في الوقت نفسه أن تهمس بكلمات تشي بالتشجيع، ولكنها وجدت الموقف غاية في الصعوبة. شعرت بنفسها تستهل مغامرة حمقاء حماقة شديدة. كان مستهل خريف عام 1954. لا شك في أنها لم تربِ طفلتها – طفلة الحرب – وتطعمها وتحميها من كل أذى ونهب دون عون من أحد كي تتنازل عنها لهذه المَدرسة الغالية.

انتحبت صابرة، "لِم يجب أن أذهب؟ لِم؟"

ردت الأم، "يا حبيبتي. أنا أيضاً أكره ذهابك، مثلما تكرهينه. ماذا سأفعل حين أصل إلى البيت ولا أجدك؟"

ولكنها أخطأت القول، أخطأت تماماً. كان ما شعرت به، ولكن ما كان يجب أن تنبس به على الإطلاق، فهو لم يجلب إلا شلال نياجرا من الدموع في عينيّ صابرة. فالآن، لن تعاني الطفلة خسارة أمها فحسب؛ وإنما ستضطر أيضاً إلى تخيل هذه الأم مكروبة، وربما باكية، جالسة بجوار موقد الغاز وفي يدها فنجان الشاي، تنتحب، تنسى أن تعد لنفسها أي عشاء، تنسى كل شيء عدا هذا الفراق الرهيب.

ما كان ينبغي أن تقوله مارچوري – ولكنها لم تستطع – هو أن حماها وحماتها أصرا على إلحاق صابرة بما أسمياه "مَدرسة محترمة". لم يعتبرا أي مدرسة من مدارس لندن النهارية محترمة بما يكفي. فقد اعتقدا أن الأطفال لا يتعلمون أن يصبحوا راشدين مسئولين إلا حين ترسلهم بعيداً عن البيت. ولا يهم إن لاقى هؤلاء الأطفال معاناة قليلة. ومَن في العالم لم يعان؟ ومَن، حقاً، أكثر منهما اللذين فقدا ابنهما الوحيد تيموثي في الأسبوع الأخير من الحرب؟

"كان تيم ليرغب في إرسالها،" كانا قد أنهيا إلى مارچوري بنبرة ودود، ولكن لم يَنقصها الحزم. "كان تيم يحتقر التدليل. كان تيم ليصر على إرسالها. كان سيريد منا أن ندفع المصاريف، وسوف ندفعها. وقد كان تيم كما تعلمين يا عزيزتي مارچوري شاباً يتصف بحكمة أي حكمة. كان على حق دائماً تقريباً."

ولكنها لم تستطع أن تلقي بمسؤولية الانفصال على عاتقهما، لم تستطع أن تنفر صابرة من جدها وجدتها، ليس من الإنصاف لهما.

كانت كل ما تبقى لهما من تيموثي. بل إنها كانت تشبهه، لديها الجسم القصير المكتنز والشعر المتمرد نفسهما. شاهدت مارچوري كيف راقهما أن يمررا أياديهما على خصلات صابرة المتموجة ويتذكرا ابنهما. تاقت نفساهما إلى الفخر بها مثلما تولاهما الفخر به، وقد اعتقدا، بطريقة ما، أن المدرسة الداخلية هي المفتاح لإحراز هذا الفخر.

 

شعرت مارچوري الآن بحركة وسط مجموعة الأطفال والآباء المحيطين بها. انفتح حاجز التذاكر واقتربت لحظة سوف تضطر فيها كل الفتيات إلى استقلال القطار.

 

لم تكن قد انتبهت إلى أي من هؤلاء الناس. كانوا لا شيء بالنسبة لها.

ولكنها أجالت الآن ناظريها حولها لتسدد إليهم البصر، لترى كيف يتعاملون مع هذه اللحظة. أبصرت، وقدر من الارتياح يخامرها، أن هناك القليل من البكاء بين الأطفال الأخريات. كانت واحدة منهن – فتاة طويلة نحيلة في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة تحمل مضرب كرة جديداً– تضغط شبكة المضرب على وجهها، راحت تنشج ورجل طويل، أبوها من الواضح، يربت كتفها عاجزاً.

سمعت هذا الأب ينبس، "كفاك يا صغيرتي، فكري في ولائم منتصف الليل وكل ذلك اللهو. فكري في أنك كابتن فريق الكرة للصغار! وسوف تُقبِل الإجازة في ثانية."

صاحت الفتاة، "أفتقد چاسبر!"

"أعلم أنك تفتقدينه. ولكننا سنعتني به خير اعتناء. سوف تأخذه ماما ليتمشى كل صباح."

دار ببال مارچوري، حسناً إذن، لو شق الموقف على هذين الاثنين، فمن الأرجح أنه شاق إذن على الجميع، عدا أن أغلبهم لديه ربما "ماما وبابا"، وليس "ماما" فقط كما نادتها صابرة.

لم تعرف صابرة "بابا" قط. كثيراً ما كانت ترى صورة له بالأبيض والأسود، يرتدي زي الحرس الأيرلندي ويضمها بين ذراعيه عام 1944: صابرة بالغة الصغر، مقموطة في شال أبيض من الدانتيل، تحضنها يدا بابا بأصابعهما العريضة. كان يبتسم للكاميرا – ابتسامة متلهفة خليقة بأب فخور، جندي فخور – ولكنها آخر صورة تم التقاطها له على الإطلاق.

ومنذ حينها لم تجد صابرة إلا ماما: ماما وحدها في شقتها الصغيرة مع وظيفة بنصف دوام في محل عرائس، ماما التي لم تر أبداً أي شيء في الحياة، ماما التي وفرت الخيوط واستعارت كتبها من مكتبة بوتس، ماما التي أحبت ابنتها أكثر من الحياة.

كانت تقترب وتقترب، لحظةٌ اضطرت عندها مارچوري أن تفك ذراعيّ صابرة الملتفتين حول خصرها لتقودها نحو الحاجز. حاولت أن تقف مستقيمة قليلاً، ولكن لا سبيل إلى تخفيف وزن صابرة المتشبثة بها، وكأنها مربوطة بالأرض. جال في خاطرها، إنني منحنية كامرأة عجوز، منحنية بفعل جاذبية الحب.

"هيا يا ملاكي،" نبست بما أمكنها من حزم. سوف أجيء معك حتى عامل القطار. ولكنك يجب أن تتحلي بالشجاعة وتركبي القطار. الكل ذاهب الآن. أترين؟ لا يجب أن تتخلفي عنهن."

صرخت صابرة، "أريد أن أتخلف عنهن!" رفَعت الآن قبضة صغيرة لا تَعدم التصميم لتضرب كتف مارچوري. صرخت، "أكرهك لإجباري على الذهاب! أكرهك. أكرهك!"

فطنت مارچوري أن ثمة الآن مخاطرة بأن يتحول الموقف إلى ما كان تيم ليطلق عليه "منظراً"، فطنت أن الآباء الآخرين سيشفقون عليها، بل وقد يضمرون لها الاحتقار، لأنها لم تسحقه لحظة بدايته، وهكذا، وبقوة مدهشة، أمسكت قبضة صابرة الضاربة وأدارت الفتاة المنتحبة لتواجه القطارات وسقف المحطة المقنطر الهائل فوقهما، سقف لا يزال أسود اللون من جراء سنوات الحرب.

تفوهت، "صابرة، لا شيء ستفعلينه أو تقولينه سيغير حقيقة ذهابك إلى المدرسة. سوف تتعلمين اللاتينية واليونانية وتجرين التجارب الكيميائية وتمثلين في المسرحيات وتطالعين شكسبير وتركضين حول متنزه فسيح تحت أشعة الشمس. سوف تَنعمين بالسعادة هناك. سوف أكتب لك خطاباً كل يوم. كل يوم. ولكنك الآن ستودعينني. ها هي تذكرة القطار. سوف تودعينني الآن."

انقطع بكاء صابرة على بغتة. لاحت عليها علامات الصدمة وكأن مارچوري صفعتها على وجهها. وقَفت بلا حراك وتركتها تمسح وجهها بمنديل. نال منها الارتعاش وعلاها الشحوب، انتفخت عيناها واحمرتا، ولكن مارچوري أدركت الآن أن الشجاعة ستأتيها لركوب القطار.

طبعت مارچوري قبلتين على كلتا وجنتيها، وضعت قبعتها برقة على خصلاتها المتموجة، اعتراها الخزي لمَّا لاحظت أن الأستك الرهيب شق لحم ذقنها، حاولت أن ترخيه بإصبعها، ولكن قلبها أخفق ارتياحاً لمحاولة الطفلة أخيراً السيطرة على حزنها.

أثنت عليها، "ممتاز، ممتاز يا صابرة."

راقبتها بعدها وهي ذاهبة لتنضم إلى مجموعة من الأطفال في أزياء رمادية، يسرن إلى هذه المرحلة الجديدة من حياتهن ويحاولن ألا ينظرن وراءهن، ولكنهن ينظرن مع ذلك وراءهن، يلَوحن بأياديهن ثم يركضن فجأة. رأت عامل ثقب التذاكر عند الحاجز وهو يحاول أن يضحك ويمازح فتيات المدرسة الصاعدات، فطرأ على بالها، الأفعال الطيبة ليست نادرة. لا نزال نعيش في أوقات متقشفة بيد أن الناس لم يستنفدوا مخزونهم من الحنو.

 

وقَفت دون أدنى حراك حتى لم يعد باستطاعتها رؤية صابرة.

الحق أنها لم تتمكن من إبصارها برهة طويلة لأن امرأتين – أُمين لفتاتين راحلتين تشابكت ذراعاهما – أقحمتا نفسيهما أمامها لتُلوحا وتهتفا بابنتيهما، "باي يا حبيبتي! باي-باي!"

ثمة شيء في هاتين المرأتين – بذلتاهما الغاليتان، ربما، القفازات، القبعتان المخمليتان الصغيرتان، باي-باي السخيفة، أم أنه ما تبدى عليهما من انشراح القلب؟ – أيقظ في الحال إحساساً بالكراهية في نفس مارچوري. أرادت أن تندفع بينهما، تشق طريقها بمنكبيها، بل وتدوس قدميهما، كي تلقي ربما نظرة أخيرة على صابرة وهي تصعد القطار أو تمد عنقها من إحدى النوافذ. ولكنهما، بطريقة ما، أعاقتاها. اتخذتا موقعاً دون أن تتزحزحا عنه. أرغمتا مارچوري على الوقوف في محلها، عاجزة عن رؤية أي شيء. تصاعدت بعدئذ صفارة وأرسل محرك القطار الضخم هسيساً لينبعث إلى الحياة وينطلق، ومعه صابرة.

وعندما غاب القطار عن الأنظار، تعانقت المرأتان ضاحكتين بما ينبئ عن ابتهاج.

قالت إحداهما، "حسناً، يمْكننا الآن مواصلة الحياة!"

لترد الأخرى، "يا لها من راحة مباركة!"

استدارتا وسارتا بحذاء مارچوري. لاحظت أن إحداهما ترفل في جمال يبهر البصر، ذات عينين زرقاوين نجلاوين كعينيّ بيتي ديڤيز. تراءت الأخرى قبيحة مقارنة بها إلا أنها تمتعت بقوام جميل نحيل كقوام واليس سيمسون، وتأخذ الانطباع بأن كليهما تهنئ الأخرى، وهما يعيان هذا الانطباع، والآن، بعد أن تحررتا من طفلتيهما، سوف يسيران معاً عودةً إلى حياة اعتقدتا أنها رائعة.

خرَجتا من المحطة لتسيرا في اتجاه محطة الحافلة رقم 11. لحِقت مارچوري بهما. سوف تضطر إلى ركوب المترو كي تعود إلى شمال لندن إلا أن فزعاً حل بها من فكرة الذهاب إلى البيت، الجلوس وحيدة تتخيل صابرة وهي تنتهي إلى غرفة نوم باردة وتُفرغ صندوق الثياب وتبسط بطانيتها الصوفية المقلمة الجديدة على فراش صلب من الحديد. فضَّلت أن تتعقب هاتين الغريبتين كظلهما. أرادت أن ترصد ماهية الحياة التي سيواصلانها.

 

جلَستا على سطح الحافلة العلوي، في المقدمة تماماً، تخفضان عيوناً مفتونة إلى رجال المنطقة التجارية وهم يعدون في بذلهم. خلَعتا قبعتيهما المخمليتين الصغيرتين وهزتا شعراً لامعاً.

جلَست مارچوري بالقرب من المؤخرة متظاهرة بالتحديق من النافذة، ولكن الواقع أنها لم تترك عينيها تَشردان عن المرأتين إلا بالكاد. كانتا تشربان سيجارتين أقحمتاهما في ممسكتين طويلتين سوداوين. ما وسعها أن تسمع ما تقوله الواحدة للأخرى، ولكنهما ذكَّرتا مارچوري بأناس يَحضرون حفلة، تضحكان، تُلوحان بالسجائر يميناً ويساراً، تتمتعان بوقتهما.

راحت مارچوري تتساءل إن كانت طفلتاهما – بعد أن تحررتا منهما، والآن تنتقلان عبر ريف مقاطعة هارتفيرتشِر – تضحكان أيضاً. حاولت أن تتخيلهما: "بيتي الصغيرة،" "واليس الصغيرة." تضحكان وهما تسْرعان لتعودا إلى ليال قضتاها في سكن التلميذات، فصولهما الباردة، طعامهما الخفيف.

أم أن الحضور المفقود العطِر لهاتين الأُمين بث فيهما بالفعل الحزن؟ هل ارتابتا، أو حتى علِمتا، أنهما ستهرعان بمجرد غياب القطار إلى عالم الراشدين بمثل تلك الحماسة الفظيعة؟

تابعت الحافلة زحفها في اتجاه فيكتوريا والنهر. لم تكن مارچوري تزور في الغالب تلك المناطق من لندن. البادي أنها لم تكن تقضي أبداً مشاوير كثيرة تقودها جنوباً أو غرباً. كل ما عهِدته في خلال عشر سنوات هو البقاء في مكان واحد ورعاية صابرة والعمل في محل العرائس. في أيام العمل كانت صابرة تأتي إلى المحل بعد المدرسة وتجلس هادئة في إحدى غرف القياس، تطالع كتابها أو تعاون في تثبيت الدبابيس والقياس والعرائس يقفن على كراسي صغيرة، يتفرسن في أنفسهن ويجربن الطِراح بعيون عامرة بدموع الأمل.

تساءلت إلى أين سترتحل المرأتان. ومتى ستترجلان في النهاية، ماذا ستصنع؟ كانت على بعد أميال من ضاحية ماسويل هيل. استحال أصيل سبتمبر بالفعل قاتماً في اتجاه المساء. ربما يجب أن تَنزل عند محطة فيكتوريا وتَشرع في رحلة العودة الطويلة إلى البيت بالمترو؟ فبأي حق تَجلس في حافلة مطْلقة الأحكام على الغرباء؟

ولكنها لم تترجل. قام في ذهنها، لو أبصرتُ محل إقامتهما، ربما، سأدري. وعندئذ سأنال صورة ما عن الحياة التي منعتاها طفلتاهما من الأخذ بأسبابها. سوف أدرك ما فاتني – لحبي صابرة كل هذا الحب المفرط – وقد أناله ذات يوم.

عندما اقتربت الحافلة من ميدان سلون، أطفأت المرأتان السيجارتين بسحق عقبيهما ثم نهضتا، أقبلتا نحوها متمايلتين، تفيح منهما رائحة العطور الغالية وكل الدخان الذي استنشقتاه. حملقت إليها لحظة عينا بيتي الزرقاوان النجلاوان، تخيلتها تهمس إلى واليس، "أليست تلك هي المرأة أم الطفلة الصارخة كالقطة في المحطة؟ ماذا تفعل في حافلتنا؟" ولكنهما نزَلتا السلالم وسارتا بعيداً. لم ترتقيا ببصريهما.

قفزت مارچوري من الحافلة وهي على وشك التحرك. تعثرت، ولكن لم تقع. حرصت مارچوري ألا تقترب منهما خشية أن ترياها على حقيقتها، فضولية تتدخل فيما لا يعنيها، وهكذا تتبعت بيتي وواليس إلى مربع من منازل طويلة مشيَّدة بالطوب الأحمر تنتظم حول حدائق خصوصية. لدى بيتي مفتاح أحد المنازل، دخَلت المرأتان وأغلقتا الباب الأمامي الأسود.

قامت مارچوري على مسافة بعيدة، أسفل ظل طرحته شجرة ليلك تهدلت فوق أسياج الحدائق. حدجت الباب المغلق ببصرها.

مرت عشر دقائق أو خمس عشرة ثم توقفت سيارة أجرة، لا أمام منزل بيتي، وإنما أمام موقف مارچوري بالضبط. ترجل رجل يرتدي بذلة من بذل رجال الأعمال. لم يدفع لسائق السيارة، وما كان منه إلا أن ابتعد بقدمين يشوبهما التعجل. دفَعت مارچوري نفسها عميقاً صوب ظل شجرة الليلك. انطلقت السيارة الأجرة، وبينما اجتازتها، استطاعت مارچوري بالكاد أن تلمح شبح امرأة شابة، مرئية في النافذة الخلفية.

أبصرت الآن الرجل وهو يدق جرس منزل بيتي. رمى خلفه نظرة تنم عن قلق وكأنما ليتأكد من انصراف السيارة. انفتح بعدئذ الباب وأبصرت مارچوري واليس – هذا الرجل زوجها ولا شك – ترمى ذراعيها حول عنقه وتجذبه إلى داخل المنزل.

تناهت إليها كلماتها، "حبيبي! تفضل يا حبيبي!"

ثم انغلق الباب مرة أخرى.

حدَّقت مارچوري إلى الباب حتى حجَبته الظلمة عن الأنظار. أنارت مصابيح المنزل فرفَعت نحوها الطرف غير أنها لم تر أحداً خلف النوافذ. جال في خاطرها، هنا إذن لا بد أن ينتهي الأمر – مع غلق باب. ماذا أيضاً تخيلتُ أن أعرفه أبداً؟

أحست مع ذلك أنها رأت شيئاً مهماً، شيئاً قد ينتهي إلى الدمار.

تخيلت واليس، منذ عشر سنوات أو إحدى عشرة، وهي تلبس فستان الزفاف، تقف على قاعدة صغيرة والخياطات يزحفن على الأرض، يثنين ويدبسن. تخيلتها وهي تجرب طِراحاً مختلفة، وبينما كانت تضعها فوق شعرها اللامع، حلمت بمستقبلها الرائع مع هذا الرجل، هذا الرجل ببذلة رجال الأعمال ووظيفة آمنة ودخل ممتاز.

ولكن كل شيء بدأ الآن ينسل من يديها. لم تعد جميلة بما يكفي في عينيه، ليست في جمال صديقتها بيتي، ليست في شباب فتاة السيارة الأجرة ولا جمالها. واليوم، بعد أن تحررت من طفلتها أو طفلتيها، تخيلت أنها انتقلت عائدة إلى حياة الراشدين الأنانية التي تحبها، ولكنها لم تعلم أن تلك الحياة أدارت إليها ظهرها وغابت عنها مبتعدة.

 

تأخر الآن الوقت. غادرت مارچوري المربع وسارت إلى أن عثرت على كشك للهاتف. أحصت بعض النقود وأطعمت الشق إياها – تقريباً كل العملات الموجودة في محفظتها – على أمل أن تكفي.

كانت قد كتبت نمرة المدرسة على عجل على قطعة من الورق. اتصلت وضغطت الزر أ حين أجابها صوت. طلبت أن تتحدث إلى صابرة. ولكن سكرتيرة المدرسة هي التي رفَعت السماعة لتنقل هذه المرأة الصارمة إلى مارچوري بنبرة مقتضبة جافة أنهم لا يسمحون بمكالمات من الآباء، عدا في حالات الطوارئ.

أجابتها مارچوري، "هذه حالة طوارئ. إنني أتصل من كشك عملات وليس معي إلا نقود قليلة. ابنتي كانت متضايقة جداً جداً لمَّا ركبت القطار. أريد أن أتأكد أنها بخير. اذهبي إذن من فضلك واعثري عليها بأقصى سرعة."

أمرتها بالانتظار. انقضى الوقت فحلَّت في الكشك ظلمة حالكة، ظلمة وبرودة. أفرغت مارچوري محفظتها ووجدت بها شلناً.

أخيراً، نبع صوت مكبوح، "ماما؟ لِم تتصلين من كشك؟ أين أنت؟"

حين سمِعت هذا الصوت الخافت، من بعيد، والوقت الباقي لها قيمته شلن، شعرت مارچوري بالإنهاك يستولي عليها، على شفا الانهيار ذاته. رغبت في أن تفضي، "لا أعلم مكاني. أنا على بعد أميال من أي مكان مألوف لديك. لا أعرف ماذا يفترض أن أفعل الآن."

ولكنها لفظت بلهجة تعكس مرحاً، "أنا بخير. فقط خرجتُ لأتمشى قليلاً وأصفي ذهني. أردتُ أن أتأكد أنك بخير. هل أنت بخير؟"

"أجل. بسطتُ بطانيتي الجديدة على الفراش كما قلتِ لي."

قالت مارچوري، "شاطرة. الغرفة حلوة؟"

"أجل."

"حسناً. هو ما أردتُ أن أعرفه. آه، شيء آخر أردتُ أن أقوله، إنني أحبك كثيراً."

نبست صابرة، "أنا أيضاً أحبك يا ماما. ولكني أحاول ألا أفكر فيك. الأفضل ألا أفكر."

قالت مارچوري، "إنني متفهمة يا حبيبتي، متفهمة للغاية. هو عين العقل. المهم الآن هو أن تواصلي حياتك."

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.