مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت كيتلين ميسي بالموافقة على نشر قصة "كريستي" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا تقديم كل آيات الشكر لها.

Ms. Macy was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Christie” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Macy a great debt of gratitude for her kind permission.

Christie” by Caitlin Macy. Copyright © 2003 by Caitlin Macy. Originally published in The New Yorker, Mar. 10, 2003. Reprinted by kind permission of McCormick & Williams Agency. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Gillian Bagley from McCormick & Williams Agency.

 

 

 

كريستي

كيتلين ميسي

تقديم: هالة صلاح الدين

 

القصص الفائزة بجائزة أو. هنري 2005

 

 

 

عندما قابلتَ كريستي للمرة الأولى، لم تمر سوى عدة دقائق حتى علمتَ أنها من بلدة جرينيتش بولاية كونيتيكيت إلا أن شهوراً قد تنقضي قبل أن تظفر منها بحقيقة أخرى يعتمد عليها. بعد إمضاء سنتين في نيويورك، اكتشفتْ أنها لا بد أن تزود الناس بمعلومات أخرى قليلة كي تمنعهم من التساؤل لذا بمجرد أن تشير إلى جرينيتش سرعان ما تضيف أنها التحقت "بالمدرسة الثانوية،" أي المدرسة الحكومية. أول مرة تنطق فيها بهذه المعلومة، سوف تنعش صراحتها نفسك – بل وستفوز بثقتك وسط الكثير والكثير من المدعين. وربما تحثك على الاعتراف بشيء ما عن نفسك – أنك تتبع مثلاً برنامج جيني كريج لإنقاص الوزن وأنك اضطررت إلى دس علبة الطعام في فرن الميكروويف بالمكتب في غفلة من عيون الآخرين. لكن يتصادف أن تسمع كريستي وهي تُسر بنفس الاعتراف إلى شخص آخر، فيزايله ما به من سحر. ما كانت سوى الحقيقة رقم 2 مضافة إلى الحقيقة رقم 1 – طفولتها في جرينيتش – لتمثل المجموع الكلي لما يمكن التصريح به عن خلفية كريستي ثورن، عن حياتها بأسرها قبل الكلية ونيويورك.

 

علاوة على أنك لا تتمالك نفسك عن الشك في دوافعها إلى الكشف عن الحقيقة رقم 2. لو أن مجموعة من الناس تقف معاً في إحدى الحفلات متقاسمين أحد أركان الغرفة وافتتح أحدهم المزاد – مشيراً مثلاً إلى مدرستيّ هوتشكيس أو سانت جورجز – دائماً ما تتعمد كريستي مقاطعته قائلة، "آه، لا علم لي. فقد دخلتُ مدرسة حكومية. جرينيتش الثانوية. ذلك صحيح – كنتُ فتاة عادية من فتيات الضواحي." لا ريب أن كريستي والمشير إلى المدرسة الداخلية كانا يقومان بنفس الفعل – يبادران بالدفاع عن نفسيهما لصد الهجوم – ومع ذلك سوف تميل بشدة إلى التغاضي عن مرتاد هوتشكيس. إذ تتصور في حالته أن والديه تطلقا طلاقاً لم يخل من مشاكل أو أن أمه مدمنة كحوليات أو أن أخاه انتحر (أو علها بالفعل جرعة زائدة غير مقصودة) أو أن بابا – تماشياً مع تقاليد العائلة – فقد عقله وهو الآن يقضي أيامه بخف وبرنس لاعباً أنواعاً معقدة قديمة من البلياردو. وبسبب واحدة من هذه المشكلات العائلية أو أكثر، ران على الشاب شعور بعدم الثقة في نفسه بوصفه فرداً، وعليه يَذكر المدرسة الداخلية مبكراً زيادة عن اللزوم وبنبرة غير طبيعية قليلاً ليدعم عزيمته خلال مواقف التحدي الاجتماعي. ومع ذلك، مهما كانت مشكلته ومهما كان سر العائلة الضخم المشين، فما كان سوى حافة الكعكة المحترقة قليلاً التي على احتراقها يرغب الكل في التهامها. كيف لتلك المشكلات العائلية أن تكون حقاً بهذا السوء – تسأل روحك أكثر من مرة – لو أنك تمتلك في نفس الوقت منزلاً بجزيرة فينيارد؟ كيف بهذا السوء – لو بمنزلك الألواح الخشبية الرمادية والمصاريع المعالَجة لتبدو حائلة المظهر وسقف العلية المائل وهيكل السرير الحديدي والوسائد المطرزة بالإبرة التي تعلن أن "مكان المرأة هو ملعب التنس!" والباتوري دو كويزين* من قدور سرطان البحر وهراسات البطاطس من الأربعينيات ونافذة مطبخ ثمانية الأضلاع تستطيع أن تلمح من خلالها الكثبان وتستنشق الهواء المالح – هل يمكن حقاً أن تكون بهذا السوء؟

 

وفي الوقت نفسه تفترض أن كريستي تتستر على المزيد وأن تاريخها يضمر بطريقة ما المزيد من الإحراج: تصغير مرتب زمنياً لأحجام بيوت الضواحي (وإن كانت جميعها لا تزال نظرياً داخل جرينيتش) أو بُخل في أشياء كأغطية الأَسرة والأكواب الزجاجية أو أربعة أشخاص يتقاسمون حماماً واحداً يستقر به دش قائم. ولن يجانبك الصواب في شيء. كانت القصة الحقيقة بسيطة ولا شك، بسيطة وحزينة بلا داع. انخرط أبو كريستي في التجارة لحسابه وواجهته مشاكل في السيولة. ذلك كل ما في الأمر. لم يقتل أحد أحداً؛ لا يوجد أثر لسفاح المحارم أو الإيذاء الجسدي، ولا اختلاس أو حتى احتيال على الضرائب. قبع السيد ثورن في الديون طيلة حياته لكنه أدى الفواتير تقريباً في مواعيدها، وحين وافته المنية غطت وثيقة التأمين على حياته بقية قرض المنزل. كان رجلاً أميناً ذا ضمير طاهر.

 

إلا أن ضمير كريستي لم يكن طاهراً والبادي أنه لم يعرف البتة طهراً. ففي سيناريو معتاد يرجع إلى أيام مراهقتها، يخطط أبوها لأن تقضي الأسرة عطلة لطيفة ثم تعوزه النقود الكافية ليتكفل بمصاريفها. يركب كريستي الغضب فتقع أمها، التي ألِفت تدليلها، على الأموال بطريقة ما لتهدئتها. تمضي كريستي إلى العطلة لكنها تمضي بمفردها، برفقة صديقة مدللة مثلها. تنطلق هي وصديقتها بكل رعونة في مدينة كي ويست مثلاً أو مدينة ميامي بيتش وقد ألم بهما شعور متزايد بالضيق وتصاعدت ضحكاتهما ملء ثغريهما. ثم، وهذا هو المدهش، تقلهما أم كريستي من مطار لاجوارديا (لم تبال أم الصديقة قط) وتود معرفة – والقلق يتملكها والاهتمام يخالجها بالأساس حول – إذا ما كانتا قد استمتعتا بوقتهما.

 

في طريق عودتهما من إحدى هذه العطلات لمّا كانت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، سجلتْ كريستي وصديقتها حقائبهما متأخراً بالمطار فارتفعت درجة التذكرتين إلى الدرجة الأولى. باعد التغيير بينهما فاتخذت كريستي مجلسها إلى جوار رجل كبير السن مهيب المنظر. كان يحتسي كؤوساً من السكوتش ويطالع مجلة جولف، وعندما تأخرتْ الطائرة، اشترك الاثنان في شكوى تحفل بالتذمر، وما انفك الرجل يلتفت إلى كريستي ليشملها في تحديقة القائل "هل تصدقين هذا؟" وفي النهاية سألها عن محل سكنها، وحينما لفظت بكلمة "جرينيتش،" رنا إليها باستحسان مطلق لم تستحضر أنها أحدثته أبداً من قبل. وبعدها، متى تأخرتْ إحدى رحلاتها، تهز رأسها قائلة، "عندك وقت فاض، خذ الطيارة،" كما نبس محتسي السكوتش، وعندما تلتقي بآخرين، يحلو لها التأكد من أنهم يعلمون محل سكنها.

 

 

وبعد الكلية، بعد مرحلة مطولة طافت فيها نيويورك منساقة مع سلسلة من الوظائف المساعدة بالشركات الكبيرة، وبعد أن نامت مع خمسة وخمسين أو ستة وخمسين رجلاً على ما أظن، وقعت كريستي على أحد يتزوجها. أنفقنا وقتاً طويلاً في تخمين مَن ستدعوهم إلى الفرح (ثمة فتاة غريبة غاضبة تدعى ماري ماكلين عقدتْ مع كريستي صفقة أشبه بصفقة فاوست قبل أمد طويل من لقاء أي منا بها. هي الوحيدة التي اعتبرت روحها واحدة من صديقات كريستي الحقيقيات)، لكن انتهى الأمر بدعوة الجميع – ولفندق بيير ولا أقل منه. علت ملامح كريستي نظرة من الاستياء العضال طوال الأمسية. تلون وجهها بمساحيق تجميل مبهرجة وكأنها قاصدة إحدى المسرحيات المدرسية أو مسابقة تزلج على الجليد. وفي حفل الاستقبال اعترى والديها الذعر. إذ لاحا وكأن أحدهم قد أمرهما ألا يتفوها بكلمة واحدة تحت أي ظرف. صافحتْ ضيفة من الضيوف السيدة ثورن في طابور الاستقبال قائلة، "أهلاً، أنا جين رايان. شاركتُ كريستي في حجرة واحدة في ترينيتي؟" فما كان من السيدة ثورن إلا أن أومأت برأسها والتجهم يخيم على وجهها لتقول – حرفياً – ولا كلمة. كان العريس يدعى توماس برووالد. تراءى أخرق السلوك طويل القامة، ذو رأس كبير زيادة عن اللزوم وحاجب واحد وحيد. لم نتعرف على شكل والديه مطلقاً. البادي أنهما أجنبيان. نشأ نصف عمره هنا والنصف الآخر هناك – في بافاريا، أكانت بافاريا؟ أم كرواتيا؟ على أي حال، لم تكن منطقة أمبريا أو مدينة إكس أو أي شيء يستأهل محاولة القفل على دعوة للذهاب إليه بالضبة والمفتاح. التحق برووالد بواحد من تلك المعاهد الأوروبية التي يحوي اسمها كلمتيّ "متعدد التقنيات." كانت الشمبانيا بحفل الاستقبال لذيذة المذاق زيادة عن اللزوم قليلاً فشرب البعض أكثر من كفايتهم، وعند نهاية الليلة أخذوا يتفوهون بتعليقات تنم عن الوقاحة. قال أحدهم إن والديّ كريستي حصلا ولا بد على قرض ثان لينهضا بهذا الفرح. "لم أكن أعلم أن الواحد يمكن أن يجيء بقرض ثان على مقطورة،" نبس آخر. ثم يتناهى إليك بالقطع: "ثوان! لا توجد مقطورات" – ويقول الجمع في نفَس واحد – "في جرينيتش، كونيتيكيت!" إلا أن أحداً لم يرم العريس بغرابة الشكل. بإمكانك أن تعيب على كريستي لمحاولاتها المستميتة، بإمكانك أن تشير إلى اللحظة التي خلع فيها السيد ثورن سترة بذلة السهرة وجعل يتجرع شراب التيكيلا وهو يلعق الملح من على أجساد وصيفات العروس لكنك لم تنتقد مظهر العريس. فأنت ببساطة لم تتحول إليه.

 

كانت كريستي نفسها تفيض جمالاً. ذات قسمات كبيرة لا تشوبها شائبة وشعر أشقر أفتح درجة أو اثنتين فقط من لونه الطبيعي، كما اتسم قوامها بالنحافة. وفي عصر اكتسحت فيه سلاسل المحلات التي قد تجدها في أي مجمع تجاري بالضواحي مانهاتن، أبقتها تلك الصفات على الموضة لمدة عقد من الزمان ورمى الآخرون كلمة "جميلة" فوق رأسها بتكرار يدعو إلى الدهشة – وإلى الانزعاج بالنسبة لبعضنا.

 

يشتغل العريس في وظيفة ما خاصة بالعلوم – الهندسة أو أبحاث الأدوية – تطلبت سفراً يومياً إلى ولاية نيو جيرسي. وحالما بلغ الفرح نهايته، حالما تم طلب الهدية (كانا قد سجلا كل شيء عدا حوض المطبخ تحسباً على ما يلوح لأعشية لستة عشر شخصاً حيث يُقدم المحار وينبغي وجود أواني لشطف الأنامل)، حالما وصلتْ رسالة الشكر من كريستي – كريستي برووالد الآن – بدا وكأن أقل القليل من التفاعلات الاجتماعية قد ند عنها، قهوة أو شراب مرتين في السنة لا غير. بل إن حديثيّ الزواج قد فكرا في مغادرة المدينة. دائماً ما تكلمتْ كريستي بلا انقطاع عن الأطفال (جوائز صغيرة، كما يحسب المرء، لتملأ حفرة لا قرار لها من الاستياء)، وذكرتْ الضواحي أكثر من مرة.

 

أما حركة كريستي الجديدة فهي التفاخر أثناء لقاءاتنا نصف السنوية بزياراتها لعائلة توماس في أوروبا. نزلتْ بي الحيرة – لم يكن الواحد ليظن أن "نفوذاً" في ألمانيا الشرقية السابقة يستحق التفاخر إلى هذا الحد، ومهما كان من أمر أبصر كل شهود الفرح مدى رهبة الشخص ومدى كلاسيكية الصفقة المُبرَمة. هل خالتنا لم نر مباهاتها على حقيقتها؟ طفقتْ تدس في الحوار حقيقة أن عم توماس يحمل لقباً نبيلاً أو كان يحمله – لم تمدنا بالكثير من التفاصيل – كما أشارت إلى أن ثمة قصراً تمتلكه العائلة. قدّمتْ لنا زبدة عائلة برووالد ببطاقة عيد الميلاد المجيد (أرسلتْها سنوياً لنا جميعاً مع أننا لم نبعث لها بواحدة منذ سنوات). ألفيت المسألة برمتها مضحكة من فرط سخافتها، لا تثير سوى الشفقة، بالفعل، إذ أخذنا في الاعتبار أنهما كانا يعيشان في أستوديو بإحدى ناطحات السحاب في شارع يورك أفينو.

 

"لِم إذن تقابلينها؟" سألني زوجي. (كنتُ متزوجة أنا الأخرى الآن.) "لو أنها بهذه الفظاعة، لِم لا تُنهي علاقتك بها؟ ما عليك إلا ألا تردي على مكالماتها." كما هو الحال مع أغلب الرجال، ضاق ذرعاً بهذه الصداقات الزائفة القائمة بين النسوة التي تمتد لسنوات. بث السؤال في نفسي ضيقاً، فتوصل رأسي إلى ثلاثة أسباب في استمراري في لقاء كريستي برووالد، كريستي ثورن سابقاً، كل ستة أشهر. أولاً، ساورتني متعة في ملاحظة ادعاءاتها. لذت لي معرفة آخر ما ستصل إليه. وبمعنى ما، خامرني ابتهاج ما بعده ابتهاج ببطاقة زبدة العائلة في عيد الميلاد. فقد ثبّتُها في باب الثلاجة لأريها لكل زواري. أكلتني اللهفة الآن لمعرفة ما سيقع بعدها. وعندما التقيت بها لاحتساء فنجان من القهوة، مضيت إليها مستعدة بآلة تسجيل عقلية لالتقاط زلاتها المروعة بحق الذوق – ليس بغرض الاحتفاظ بها لنفسي بقدر ما كان الغرض تمريرها إلى الآخرين جميعاً. ثانياً، لا بد أن أقر بأن ثمة ومضات من الطبيعة البشرية بادعاءات كريستي ورغباتها، ومضات شعرتُ بأنها مفقودة من بقية حياتي. لقد اشتهت خاتماً ضخماً من الماس. تمنت اصطياد شخص ثري. رامت لفرحها أن يصير حدثاً لا يدانيه آخر في التبذير والأبهة، يوماً ستتذكره بقية حياتها. لم "تنته" رغباتها. لم "تنته" من أي شيء. كانت على وعي بما تريده وقد أرادت ما يصفه مسوقو السلع الفاخرة "بالأفضل" – حمامات الجاكوزي والثريات وحرية السفر إلى المناطق الاستوائية في منتصف الشتاء. ثالثاً وأخيراً، أظن أن ما نال منى كان الإشارات الدال على الطبيعة البشرية في حياة كريستي، إشارات لا صلة لها بادعاءاتها. غطيت زبدة العائلة ببطاقة عيد الميلاد بصورة لأسرة برووالد وطفلتها الجديدة في أثواب مخملية يتناغم لوناها الأحمر والأخضر. تراءت الفتاة الصغيرة صورة طبق الأصل من توماس – كهل غريب الملامح بني الشعر. ما امتازت بطلعة كريستي، وبالنسبة لشخص سلبتْ المظاهر لبه ككريستي، لا بد وأن ذلك شق عليها قبوله. يمكنك القول إن شفقة تولتني عليها.

 

 

ومع ذلك، وعلى الرغم من أسبابي الثلاثة، اختبرتُ بعد نحو سنة من فرحي فترة شعرت فيها بأهمية أن أحرق الدهون من حياتي. طفقتْ كريستي تمثل كل ما هو خطأ في نيويورك مما عنى – كما هي العادة – كل ما سأمت منه في نفسي. كتبتُ "رؤية ناس مثل كريستي ثورن" ضمن قائمة أشياء مهدرة للوقت، وحين اتصلتْ وتركتْ رسالة لتبدأ حواراً سوف يصير إلى تناولنا الغداء معاً بعد بضعة أسابيع، لم أعاود الاتصال بها.

 

ربما وضعتُ حداً للعلاقة وقتذاك لأن ببساطة الجانب المثير منها قد انقضى على ما يبدو. فعلى الرغم أني وجدتُ حياتي لا تزال ينبوعاً يبطن دلائل لا متناهية من التفوق، راودني إحساس بأن حياتها مبتورة لا طعم لها ولا رائحة. اكتشفتُ أن ثمة جانباً مني أراد لها تقريباً الفلاح، بشروطها الخاصة أياً ما كانت. المحزن في فرح كريستي أنه لم يكن خيالياً بأي حال من الأحوال؛ ما كان سوى مجرد فرح آخر من أفراح نيويورك فاحشة التكاليف تقوده عروس يتلطخ وجهها بالمساحيق. لم يستعص عليّ قط تخيل كيف ستتواصل قصتها، كيف من المحتوم لها أن تنتهي. فقد عشت مع تلك القصة واحتفظت بخيطها يجري في عقلي ثم أضفت إليها من آن إلى آخر عندما يستحضر أحد أحداث حياتي مزيج كريستي التعس من الحسد والرغبة المتأججة، من الدعاية لنفسها وتبرير تصرفاتها.

 

تتابعت روايتي (الخيالية بالكامل) على النحو التالي: نظراً لأنها تزوجت من أجل المال، ما تلبث كريستي أن تدرك أنها لم تتزوج بالكافي منه. إن اكتشاف غلطتها يعمق في النهاية ما ينتابها من استياء من الحياة، ولكي تقنع نفسها بأن الأحوال لا يزال في الإمكان تغييرها، تقيم علاقة غرامية قصيرة عارية من المشاعر خلال أول ستة أشهر من زواجها. لن تكون العلاقة الثانية – بعدها بسنة – مجردة من المشاعر كالأولى. يبلي توماس أحسن البلاء إلا أن هذه نيويورك، وبعد مجيء طفلهما الثاني يعجز الزوجان برووالد عن تحمل نفقات شقة كبيرة بما يكفي في المدينة فينتقلان إلى الضواحي. (بالنسبة لكريستي، لم تكن بروكلين أو أي ترتيب بوهيمي برفقة الطفل في غرفة الجلوس خياراً على الإطلاق.) يبتاعان منزلاً صغيراً كخطوة أولى في بلدة أقل شهرة بمقاطعة ويستتيشتر. يخالطان الكثير من الناس ويُفضلان أشخاصاً لا يختلفون عنهما لكنهم يَجنون مرتبات أقل قليلاً من مرتبيهما كما يكنون لهما شعوراً بالغيرة لسبب ما آخر – لفقدان كريستي الوزن الزائد بعد حمليها مثلاً. الطفلان هما النتاج المعتاد لزواج كزواج الزوجان برووالد. يعانيان طموح كريستي المحبَط وخنوع أبيهما له، فيكون مصيرهما الغضب وكراهية نفس تحتجب تحت مظهر من الاستحقاق. إلا أن التأثير الأوروبي يعاون في جعلهما سويين إلى حد ما، على الأقل يعرفان كيف يتزحلقا على الجليد. حين يشب الطفلان عن الطوق ويغادران المنزل، تبدأ كريستي بإنفاق أغلب وقتها في جزيرة كانكون داخل منازل مملوكة بنظام ’اقتسام الوقت‘. وهناك تصادق أناساً آخرون "يهوون الأنس،" أناساً يتعامى أزواجهن وزوجاتهم عما يحدث. إلا أنها لم تتطلق أبداً من توماس، فهي تخاف من الوحدة.

 

ذاك هو واقع الحال. سوف تختم حياتها بكهولة تترع حزناً وجشعاً، كهولة طابعها الفظاظة تجاه مقدمي الخدمات (مضيفات الطيران وسكرتيرات الأطباء) وصبغة شعر لم تكن كما اعتادته.

 

كان هذا ما تستحقه، أليس كذلك؟ ثمة نظام في الحياة ومَن يصرفون مائة ألف دولار في فرح لا يسعهم تحمل تكلفته ما لغرض سوى حفظ ماء الوجه ينبغي أن يدفعوا الثمن بطريقة أو بأخرى. مَن كانت لتخدع؟

 

 

سوف يتجلى من تكراري لإسراف كريستي أنني وزوجي – كاثنين مرتبطين – نعتز دوماً بالأخذ بأسباب حياة لا تخرج عن نطاق مواردنا. ولمّا يحين الوقت للانتقال إلى شقة أكبر، كنا ندرك أن المكوث في المدينة سوف يعني الإقامة في ظهر أحد المباني، في غرف داخلية تطل على المصاعد. لذا ابتغاء للمرح ليس إلا، لرؤية ما يفوتنا لا غير، طلبنا من السمسار أن يعرض علينا شقة فاخرة. قصدناها ونحن نتهيأ لتسديد النظرات والابتسام ابتسامات تواقة ثم الانصراف على وعي بأننا وفق أية معايير معقولة ننعم بما يكفينا وأكثر، وأننا ببساطة لا نقيس أنفسنا وفق أية معايير أخرى. كنا شمالاً بحي كارنيجي هيل، في طريقنا إلى واحد من تلك المباني القديمة الهادئة المواجهة للمتنزه عندما وقعتْ ابنتنا ذات الثانية ربيعاً في غرام البواب. تقبلنا الغرام بثغور ضاحكة على أمل لا حد له في المستقبل، كعلامة على أن الفتاة تدرك المكانة الرفيعة حين تتطلع إليها. "يمكنك أن تريه ونحن خارجون،" وعدناها. "سوف يظل هناك." لكننا عندما وقعنا في غرام الشقة نفسها، لم نعتبر هذا الغرام علامة على أي شيء على الإطلاق. أصغر من شقق أخرى رأيناها بغرفة واحدة؛ وأغلى بـ... آه، حوالي مائة ألف دولار. أين ذهبتْ ابتساماتنا التواقة الآن؟ أين عزاؤنا في المعايير المعقولة؟ من الواضح أننا – ونحن فقط – قادران على تقدير سحر هذا المكان حق قدره. مَن غيرنا سيستمتع حقاً بحقيقة أن الموقد والثلاجة يرجعان مثلهما مثل المبنى إلى ما قبل الحرب؟ مَن غيرنا سيحتفظ بورق حائط يعود شكله إلى الستينيات بغرفة الخادمة؟ (يهز طيف كريستي ثورن رأساً متضايقاً أمام السمسار: "لا بد من إخراج مصارين المطبخ!" "لا توجد غرفة لتقوم مقام الدولاب!" "لا يوجد بار!") وهناك ابنتنا والبواب المتظاهر بلعب الاستغماية معها فيما نقف نحن والصمت يلفنا في ردهة من الرخام، نشرف على مرج المتنزه ونجري المسائل الحسابية في رؤوسنا معيدين النظر في قرارات الماضي، قرارات ربما مكنتنا من اصطياد هذه الشقة لا أكثر ولا أقل.

 

لأن لا شيء آخر سيمكننا منها الآن.

 

تقع الشقة عند النقطة الحرجة من نطاق أسعارنا، وعلى الرغم أننا نستطيع نظرياً أن نفلح في الفوز بها، اتصل السمسار ليلتئذ لينقل إلينا أخباراً سيئة: قدّم عرضنا إلى مجلس الإدارة إلا أنهم عازفون عن اعتبار أي مشتر أصوله السائلة منخفضة كأصولنا. وبهذه السرعة انقضى كل شيء. لقد وضعونا في مكاننا الصغير الضيق. نحن على دراية بمكاننا بالضبط، وفي استطاعتنا أن نضحك ضحكات المرارة لأن هذه الدراية من المفترض أن تشملنا في ظروف أخرى بقدر من العزاء.

 

بعد أسبوع من تلقي الخبر السيئ رحت أسير بحذاء المبنى بدون ابنة هذه المرة. مرق منه رجل ثم فتاتان في زي المدرسة. ارتديت نظارتي الشمسية كي أخفي تحديقة لا ينقصها القبح ولا الاشتهاء. يا لشكلي المعذَب الكريه مقارنة بامرأة في مثل سني خرجت بعدئذ في ملابس أنيقة وتسريحة مصففة. تلاها طفلان، فتاة وصبي، تتبعهما بدوريهما مربيتان. وفي لحظة تتعذر على التصديق، حسبتُ المرأة بالخطأ كريستي ثورن إنما في هيئة أكبر وأرقى. وكما هي عادتي كنت أتظاهر بأني لا أرى حتى توأميها (كمن تتجاهل رجلاً في حانة يشبه رفيقها السابق) عندما صكت تحية البواب أذنيّ – أجل، وكأني أحلم – "مدام برووالد." "هاي ليستر." يسأل عن فترة غيابها فترد المرأة، "آه، ساعة أو اثنتان. سوف نذهب فقط إلى المتنزه ونتسوق قبل رجوع بابا إلى البيت."

 

وفي لحظة بقاء منحطة تليق بنظرية داروين، ألصقتُ ابتسامة على وجهي وهتفتُ، "كريستي؟"

 

أرسلتْ الطفلين والمربيتين إلى المتنزه في حين توجهنا إلى مطعم إيطالي بشارع ماديسون. جاوز الوقت ساعات العمل، إذ حلت الثالثة أو الرابعة، وأذكر أني كدت أرغب عن توسيخ مفرش المائدة الكتاني الأبيض المبسوط بالفعل استعداداً لوجبة العشاء. بدأنا بالكابتشينو ثم انتقلنا إلى كأسين من النبيذ الأبيض المعتاد تقديمه بالمطعم. ولمّا دغدغنا الجوع بعد ذاك جلب النادل طبقاً من المقبلات الإيطالية وبعض الخبز. ازدرت الطعام بكأس آخر من النبيذ الأبيض فيما تحولتْ كريستي إلى الأحمر منه. تلهفتُ على تدخين سيجارة فسألتُها في آخر الأمر، "ألا زلتِ تدخنين؟" "يا ربي، سأموت وأدخن واحدة،" نبستْ مخرجة علبة من حقيبتها ودخنتْ كل منا سيجارتين.

 

يتعين عليّ أن أشرح أنه كان يوماً أشبه بأيام الربيع الحالمة في أذيال الشتاء. ظهيرة تغازلين فيها ساعي البريد والبائع عند عربة القهوة ومساعد النادل، عندما تتوقين إلى صندل جديد يكشف عن أصابعك ومبرر وجيه للجلوس في قهوة طيلة الظهيرة متجاهلة كل مسؤولياتك وشاربة الخمر حتى الثمالة. طيب، لقد قطعنا مثل تلك الظهيرة. وبإيجاز أطلعتْ كل منا الأخرى على أحدث أخبارها – أخبار الزوجين والأطفال والمهنة.

 

كنتُ أُسرع بعض الشيء في البداية في احتساء الخمر. اكتشفتُ أن كل مشاركة المعلومات تلك أصابتني بالاضطراب. أنا، التي ألِفت أن أثرثر بلا اكتراث أو تفكير بكل ما حصل لي من أحداث جيدة، ألّم بي الحذر الآن. لديّ ما أتستر عليه فيما يبدو. أحجمتُ عن الإفصاح ورحت أختلق أنصاف حقائق لكل سؤال محتمل قد توجهه كريستي – سائلة نفسي، "هل أنهي إليها بهذا أو ذاك؟ هل أتصرف وكأن كل شيء على ما يرام أم أتوخى الصراحة؟" لمّا ينفتح صدرها للحديث معي كما قد يحدث الآن. لم تكن زبدة العائلة بالنكتة ولا بالخدعة. ففي بلدة صغيرة من بلدان ألمانيا الشرقية السابقة، البين أن عائلة برووالد كانت عائلة ذات شأن. "كانت كل النقود مربوطة بهذا القصر في ساكسوني – هذا المنزل الضخم البشع المظلم الرهيب – وبمجرد أن مات العم جونثر، تبادلتُ أنا وتوماس نظرة هاتفين ’سنبيع!‘ لم نقو على الإشارة إلى البيع قبل أن يعاجله الأجل لكن لحظة تلقينا الخير لم نعاود التفكير في الأمر مطلقاً. كانت مسألة مفروغاً منها." باعا الشلوس* ثم عرضا الأثاث في مزاد علني ليحرزا نصيبهما في الإرث عدا بالطبع إرث هيلدي وأكسل الذي كانا وصيين عليه. (خطر ببالي أن بالرغم من أن هيلدي لا تزال تشبه أباها، سوف ينظر الناس إلى مظهرها – بعدئذ في الحياة – نظرتهم إلى شيء مميز؛ سوف يسعى الناس إلى نيل تلك الملامح الغريبة سعيهم إلى الملامح الشاذة لابنة نجمة روك. لن تصدر التعليقات الواضحة إلا من الغرباء؛ أما العارفون فهم أدرى من غيرهم.) بالإضافة إلى شقة فيفث أفينو، يمتلك الآن الزوجان برووالد كابينة في شِعب الأرلبيرج يمضيان إليها للتزحلق على الجليد ومنزلاً ريفياً بولاية نيو جيرسي وقصراً بمدينة سولن التي وصفتها كريستي بأنها "جرينيتش ميونخ."

 

أدارت وطأة المعلومات دون غيرها الأرض من حولي لكنها حين أتت على ذكر جرينيتش، اعتدلتُ على الكرسي وأبديت المجاملة الوحيدة التي قدرتُ عليها. ألقمتُها التعليق المبتذل. "لا بد أن ذلك لطيف،" قلتُ. "لا بد أنكِ أحسست أنك في بلدك." أفرغتْ كأس النبيذ في جوفها رغم أنها أفرغته بالفعل من قبل ثم حطته وما أدري إلا وهي تسلط عينيها على وجهي لتبوح، "تعرفين؟ لمّا أخذنا الفلوس، خرجتُ واستشرت طبيباً نفسياً فاتورته مائتا وخمسون دولاراً في الساعة. كنتُ أظن نفسي شخصية كريهة." أنبأها الطبيب النفسي بأنها ليست شخصية كريهة؛ الحق أن لا علة بها على الإطلاق.

 

تقاسمنا كأساً ثالثة من النبيذ ثم رابعة حملتْ النادل على الضحك. وخلال الرابعة أفضيت إليها بما دعاني إلى التسكع خارج مبناها – لا أملاً في نيل شيء إنما رغبة في إضافة شيء حقيقي خاص بي. أطلقتْ كريستي ضحكاتها شأن الضاحك على شيء لا يصدقه تمام التصديق. ففسّرتُ شكها في البداية باعتباره هجوماً – هكذا بلغتْ بي درجة الدفاع عن النفس. "ياه، بحق المسيح!" فاهت. "لا بد أنك تمزحين!" رشقتُ المائدة بتحديقة كما الحجر شأني لمّا أكون سكرانة وفي نفس الوقت مهانة إهانة مميتة. "لا، لا – اسمعي. توماس عضو في مجلس الإدارة، وهم مدينون له بخدمة كبيرة. هذه ليست مشكلة، ليست مشكلة أبداً. لا تصدقي ما يقولونه عن الأصول السائلة. ما هي إلا وسيلة لإبعاد الناس. المهم،" قالت، "سوف أبلغهم بجدك الذي جاء على سفينة مايفلاور.*"

 

"قلتُ لك عن جدنا الذي جاء على المايفلاور؟" سألتُها.

 

"طبعاً قلتِ لي!" ندت عنها ابتسامة. "أول مرة التقينا فيها."

 

أخفقتُ في النطق بحرف؛ فقط علتني حمرة وأتيت على النبيذ. توجهتْ كريستي إلى الحمام وجلستُ أنا هناك أُقلب علبة الكبريت مراراً وتكراراً في يدي. استولى عليّ إحساس بالترقب وكأني في انتظار رجوع موعد غرامي، وكأننا قد ننوي العودة إلى شقتها الفاخرة لنتبادل القبلات على سرير ضخم تشارك توماس فيه. طالما قال الناس إن كريستي تتحلى بجسد رائع وإنه جسد مشدود يتميز بلياقة بدنية لا تعرف اللين، معروض أمام الآخرين كسلعة يطلقون عليها التعليقات. كانت في بداية التسعينيات ملكة أيروبيكس، تقطع ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً في صالة الرياضة؛ انصرف اهتمامها الآن بالطبع إلى تمرينات اليوجا والبيلاتيز إلا أنها اعترفتْ في ساعة مبكرة من الظهيرة، "بصراحة أنا مشتاقة إلى الصراخ والنط إلى أعلى وأسفل."

 

كنا قد انتقلنا إلى المدينة في نفس الوقت – منذ عشر سنوات خلت. جلستُ هناك ألعب بعلبة الكبريت محاولة استيعاب ما آلت إليه تلك السنوات العشرة. كنا عزباوتين. نحن الآن زوجتان ومعنا أطفال. لكن على الرغم من تأكيد عقلي على كلمتيّ ’زوجتين‘ و ’أطفال،‘ لم أستطع على ما يبدو أن أستخلص ما هو أكثر. نزعتْ أفكاري إلى الشقة في محاولة ثانية أن أسجل – على ما أخال – ما حققناه نحن الاثنتان من تقدم. لو حصلتُ أنا وزوجي على الشقة، سنعدم النقود لعدة سنوات. ومع عملنا نحن الاثنين، بمقدورنا أن نجني مبلغ ’س‘ مثلاً كل عام، نحوش ’ص‘ ونساهم بـ ’د‘ في خطتيّ تقاعد من نوعية 401 (ك). لكن حتى مع وضع الترقيات والعلاوى في الاعتبار، ثمة حد لـ ’س‘. إن ’س‘ ثابتة وليس لدينا سوى ’و‘ – الوقت – لزيادتها. غير أن الوقت التهم حياتك. لك أن تقول، "بعد عشرة أعوام،" "بعد عشرين عاماً." لكن المشكلة إذن هي أنك ستنال المراد أياً كان بعد عشرة أعوام أو عشرين عاماً. سوف ينصرم عقد من الزمان أو اثنان قبل أن تحرزه. لم يجل بخاطري منذ دهور ما هو أحلى ولا أمر من ثبات ’س‘. لا مراء أن مقارنة نفسي بكريستي هي المحرض على كل هذه الأفكار. حين خرجتْ من غرفة السيدات – وقد سادتها أمارات السعادة والسُكْر شأني منذ دقيقة – اقتحمتني براءتها مثلها مثل العاصفة. فاكتشفتُ أن ما باعد بيننا، وربما ما باعد بيننا على الدوام، هو ما فطنتُ إليه للتو: لا يمكنك أن تبلغ في الحياة إلا هذا الحد.

 

سِرت إلى البيت حاملة الأخبار السارة إلى زوجي وابنتي. الظاهر أني وكريستي سوف نمسي صديقتين مرة أخرى أو صديقتين رغم – عليّ أن أقول – كل ما وقع. سوف تداخل الريبة زوجي، وهي أقل ما يقال. "نفس كريستي ثورن التي قلتِ لي إنك لن تشربي معها فنجان قهوة أبداً؟" ولن تروقه فكرة أنها ستتخطى بنا عقبة مجلس الإدارة؛ سوف يتطلب الأمر أسبوعاً حتى أجعله يفهم ما تبدل في غضون ظهيرة واحدة، حتى أشرح له أن المسألة ليست ببساطة استغلالاً لها. إلا أني أستحق جرعة من شكوكه. ما فتئتُ أتكلم عنها بلسان فظ وضحكتُ منها في أسعد لحظاتي بيد أني لم أخل بين الفينة والأخرى من استهزاء أيضاً بل وسخط. أسأل نفسي الآن، ما هو شعوري الحقيقي تجاه كل ادعاءاتها؟ تفحصها عقلي الواحد تلو الآخر – الفرح، بطاقة عيد الميلاد المجيد، ثم أشياء تافهة، تعليقات صغيرة من أيام عزوبتها، هوسها السنوي مثلاً بحقائب اليد المتماشية مع "أحدث خطوط الموضة". فتوصلتُ إلى أن لا شيء من هذه الأشياء يستأهل كل هذا الغضب، فما من شيء منها ذي بال. ومثلما أوضح الطبيب النفسي بجلاء، لا صلة لأي منها بكريستي نفسها. على العكس، قلتُ لنفسي، إنها مشكلتِك أنتِ.

 

 

 

 

* batterie de cuisine: كلمات فرنسية تعني أوعية المطبخ.

* Schloss: كلمة ألمانية تعني ’القصر.‘

* سفينة مايفلاور: سفينة حملت المهاجرين الإنجليز إلى ولاية ماسيتشوسيتس حيث أنشئوا أول مستعمرة إنجليزية بمنطقة نيو إنجلاند الأمريكية عام 1620.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.