مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت ألجزاندرا مارشل بالموافقة على نشر قصة "الطفلة الأرملة" في مجلة البوتقة.

Ms. Marshall was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Child Widow” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Marshall a great debt of gratitude for her kind permission.

Child Widow” by Alexandra Marshall. Copyright © 2003 by Alexandra Marshall. Originally published in Ploughshares, Emerson College, Issue #91, Vol. 29/2&3, Fall 2003. Published by kind permission of Alexandra Marshall. All rights reserved.

 

 

 

 

الطفلة الأرملة

ألجزاندرا مارشل

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.alexandramarshall.com/

 

 

بلاوشيرز خريف، 2003

 

 

 

"لا عهد لي سوى بالأفراح السريعة والزيجات القصيرة،" اعترفتُ في مقابلة العمل بمتجر ’عرائس يونيه،‘ "لكني أحب الدانتيل وعندي القدرة على أن أكذب أكاذيب بيضاء على أمهات العرائس. كنتُ قد درَست منهجاً ثانوياً في علم النفس لذا فأنا مدركة أن كل شيء أصعب مما يبدو عليه." حصلتُ على الوظيفة.

 

وخلال ما تلا من عدة سنوات استفدتُ أنا و’عرائس يونيه‘ خير استفادة من التقاء معدل طلاق مرتفع وسوق أسهم سمحتْ لعرائس ويستتشيستر كاونتي بأن يصرفن على أفراحهن الثانية والثالثة أكثر مما صرفه آباؤهن على الأولى. كانت تصاميمنا تقليداً لأخرى شهيرة محاكة بناء على طلبات العرائس، ولأننا جعلنا من التسوق بمتجر يونيه متعة – اتخذ الشهر فقط اسم ’يونيه‘ لكننا ادعينا جميعاً حمل نفس الاسم – اجتذبنا العميلات من المدينة أيضاً مستفيدين من موقعنا الرائع على الجانب الآخر من محطة برونكسفيل، على بعد اثنتي عشرة دقيقة فحسب بالقطار من محطة جراند سنترال. ومع ذلك فقدتُ وظيفتي تقليصاً للنفقات بعد انكماش اقتصادي تسببتْ فيه إدارة بوش الأصغر، لذا قر عزمي على أن أجعل عيد ميلادي الثلاثين مميَّزاً بأن أتتبع خطواتي الماضية لأقف على – بدءاً من زيجتيّ الاثنتين – ما أخطأت فيه.

 

قطعتُ تذكرة على خطوط طيران غانا، رحلة مباشرة إلى أكرا. ورغم علمي أني لا يجب أن أحشو حقائبي بالمتاع، أحضرتُ معي في الدقيقة الأخيرة علبة كرتون تحوي عينات دانتيل لأهديها للأخريات. أقمت في غانا لأول مرة كمتطوعة في فيلق السلام لكن لانصرافي على عجل رجعتُ خالية الوفاض إلا من جثة زوجي دون أن أهتدي إلى أية إجابة بسيطة على سؤال: ماذا جرى له؟ كان قد مضى على زواجي أقل من عام واحد فلم أزل طفلة عروس حين أصبحتُ طفلة أرملة لحظة انزلاق دراجة مارتن البخارية من تحته. ما لبثتُ أن تزوجت ثانية لكن هذه المرة بشخص عرفتُه منذ الصف الثاني، وبمثل نفس السرعة صرت مطلقة لم تكن مانهاتن في حاجة إلى واحدة أخرى منهن على ما يبدو.

 

"هل هذه أول زياراتِك لغانا؟" كان الراكب الجالس جواري يتلذذ بالسكوتش فيما رشفتُ أنا بيرة ستار الغانية ظناً مني أنها ستستثير الذكريات لكنها لم تفعل.

 

"كنتُ هناك آخر مرة منذ ست سنوات."

 

"فيلق السلام،" خمن. بدا في مثل عمر أبي تقريباً.

 

"هل ذلك واضح إلى هذه الدرجة؟" ومع ذلك ما جانبه الصواب. كنتُ أرتدي كتاناً متجعداً من تصميم أيلين فيشر جعلني أبدو وكأني استيقظت في ساعة متأخرة شأن الأمريكيين في ارتحالهم.

 

ارتسمتْ على وجهه ابتسامة. "لا زلت أتذكر أول مجموعة وفدتْ إلى غانا عام 1961. غنوا نشيدنا القومي الجديد باللغة التيوية عند وصولهم إلى المطار."

 

تعرفنا أول ما تعرفنا بتلك الصورة خلال تدريبنا بفيلق السلام، بما في ذلك أناقة مظهرهم في تنوراتهن وسراويلهم. "قيل لنا إنه أذيع في طول غانا وعرضها."

 

"سمعتُه في الراديو، وكما هو الحال مع أفضل العلاقات العامة، لم يبرح ذاكرتي أبداً. وبالطبع أتى بعدها رئيسِك السابق بعائلته وزار البلد. رأيته في التلفزيون." كان الآن يضيق عليّ في جلسته بعد أن استرخى في النصف الخاص بي من الذراع الضيق وترك ركبته البدينة تتدلى ناحيتي.

 

"الرئيس كلينتون في رداء طويل من قماش الكينت،" قلت، "عندما رأيته به، فطنتُ إلى أني لا بد أن أرجع." نطقتُ بتلك الجملة فاكتشفتُ مدى صحتها. "وها أنا هنا."

 

"في الترانزيت،" صحح لي وهو يشق كيس الفول السوداني ليدلقه في فمه.

 

لاحظتُ مضيفات الطيران عند تجمع الطقوم بالمطار، فلفت انتباهي أن زي الخطوط الملكية الهولندية يتلون بلون أعينهن الزرقاء المتماثلة بينما ارتدت مضيفات خطوط طيران غانا زياً بني اللون دامسه أشبه بلون أعينهن. وفيما يتعلق بكونه مفهوماً تسويقياً، أخالك تستطيع القول بنجاحه، على الأقل كتذكِرة فعالة بأن الطيران مع خطوط أجنبية يجعل الرحلة تبدأ في الحال. وعلى حين كنا نستقل الطائرة، لاحظتُ أن جميع ركاب هذه الرحلة من طيران غانا بلا استثناء تقريباً في طريقهم إلى وطنهم.

 

"لديكم رئيس جديد،" قلت بلسان محايد.

 

"آن الأوان،" أجاب بلهجة لم تقل واقعية. اتسم صوته بالنعومة وإن لم ينقصه العمق.

 

فقررتُ أن أقول، "لكن على سبيل التغيير اُنتخب رئيسك بصورة ديمقراطية، على عكس رئيسي."

 

فرت منه ضحكة الآن. "لاحظنا ذلك." مسه التردد قبل أن يتابع ثم أردف قائلاً، "نحن نتساءل إذا ما كنتم ستكفون أنتم الأمريكيون عن إرسال أنفسكم حول العالم لمراقبة الانتخابات النزيهة؟"

 

وهكذا ندت عني ضحكة.

 

أدركه النوم بعد تناول الوجبة وضغط بركبتيه على المقعد الأمامي ساداً عليّ الطريق. ضبط ساعته مقدماً فاستطعت أن أقف على حلول المساء وفقاً للتوقيت المحلي. كنتُ قد جلبت كتاباً يضم مقتطفات من الشعر الغاني لكنه قبع في المقصورة العلوية فلم أجد ما أقرأه. لم ألف منظراً أُشرف عليه من هذا الارتفاع عدا غلاف الأرض الجوي الذي حوى سحباً بيضاء متراكمة لا حد لكثافتها.

 

 

واصل مارتن عمله مع فيلق السلام لمدة ثانية، لذا بحلول الوقت الذي قدِمتُ فيه هناك، كان بالفعل خبيراً. نعِم بقدرة أي قدرة على الإقناع، وأعني بذلك أني أنا الأخرى كنت قادرة على الحب من النظرة الأولى – حب غانا في الحال إن لم يكن حب مارتن الذي تبدى لي لحوحاً – إلا أن مارتن نجح هو الآخر في استمالتي في النهاية بأن طلب يدي. كان قد نمى إلى علمه أن والديه في سبيلهما إلى الطلاق بعد تسعة وعشرين عاماً من الزواج فأقنعني بأن أدعه يعوض عن خسارته. درّس في مدرسة ثانوية بمنأى عن الساحل، وعلى الرغم من تعييني في قرية أقرب إلى أكرا، قرر أني يجب أن أنقل محل عملي. رتب بمهارته أن أزوره بمدينة كوماسي خلال بضعة أسابيع تفصل بين نهاية رياح هارمتان وبداية موسم المطر. لم أَسلم أيضاً من تأثير تلال المدينة السبعة بيد أن مارتن أغراني بمعرفته بالجسد الأنثوي – معرفة أرقى من فحوص الرحم الطبية وبنبيذ من النخيل بدأتُ أستسيغه بعد احتسائه عدة مرات. كذلك عاونت الدراجة البخارية.

 

المدهش أن مارتن كان سائقاً لا يعوزه الحذر. جعلنا نلبس خوذاً بلغ كبرها حداً لاحت معه أكثر ملائمة للفضاء الخارجي من حياة تبعد خمس درجات لا غير عن خط الاستواء. لم يقد ليلاً على الإطلاق كي يتفادى الاصطدام بالحيوانات الهائمة ولم يشح بعينيه قط عن الطريق. ما أقدم سوى على مخاطرة واحدة عندما سمح لي بأن ألصق جسدي بجسده وأنسل بيدي في مقدمة سرواله.

 

"قولي لي مرة ثانية،" ينبس في كل مرة أفضي فيها إليه بسعادتي.

 

"مرة ثانية،" أغيظه.

 

قولي لي مرة ثانية وثالثة."

 

"مرة ثانية وثالثة."

 

لقد أنقذتني تلك الكلمات الأخيرة من شعور طاغ بالذنب كنتُ سأشعر به لو أخذتني العجلة رافضة أن ألعب تلك اللعبة للمرة المائتين. هل هناك شي آخر كان من الممكن أن ألاحظه في ذلك اللقاء الأخير؟ تهيأ الشرطي الشاب لاستجوابي حاملاً مفكرته وقلمه لكني لم أستطع أن أزيد على، "ولا حاجة."

 

لمارتن أخ واحد قطن مع أمهما في ولاية نيو هامبشير لكني ما جرؤت على الاتصال خشية أن ترد على الهاتف لأضطر أن أنهي إليها، "إنكِ لا تعرفينني لكني كنت متزوجة بابنك الراحل." غاب السفير الأمريكي أسبوعها في إجازة علمتُ بعدئذ أنه قضاها في لعب الجولف ببرمودا غير أن شخصاً آخر توصل إلى كيفية إرسال تعزية شبه رسمية للأسرة. تكفلتْ واشنطون بالقطع بكل المصاريف بما في ذلك كفن اتصف بالبساطة طبقاً للمعايير الغانية، صندوق عادي مطلي بلون ذهبي لا تحليه أية نقوش. لم يكونوا في حاجة إلى تشريح الجثة نظراً لأن شاهد عيان قرر أنه لم يبصر ما يشذ عن المألوف في اللحظات السابقة على انحراف الدراجة البخارية عن الطريق. ولأن والديّ مارتن لم يستطيعا الاتفاق على جنازة ملائمة، لم يكن هناك ما قد تسميه تقدمة مناسبة لشاب عاش دوماً كما الغريب حسبما اعترفتْ أمه في المرة الوحيدة التي تقابلنا فيها. ومع ذلك أنبأني أخو مارتن بأن مارتي سيروقه الكفن لأعرف حينئذ أنهم دلّعوا مارتن بهذا الاسم مما فسر طلبه ألا أدعوه به مجدداً، من فضلِك.

 

قضت السلطات بأن الوفاة "حادثة،" وعليه كان هناك مبلغ تأمين ضئيل تنازلتُ عنه لأمه بمجرد رؤيتي لِما لديها من مال قليل. لم يند عنها اعتراض بما أنها على ما أحسب لم تشعر مثلي بالمسؤولية عما وقع. نسختُُ صوراً التقطتُها لمارتين أثناء السنة التي عرفتُه فيها لكنها قالت إنه بدا في قماش الأدينكرا مختلفاً كل الاختلاف عما اختارت تذكره. لم أخبرها بأن كلمة ’أدينكرا‘ تعني ’الوداع.‘

 

 

أرسلتْ أعمدة الشوارع أضواء فلورسنت مخيفة تمزج الأخضر بالرمادي، أضواء جعلتْ أكرا تتراءى وكأنها آتية من عالم آخر حين كنا ندور قبل الهبوط، لكن حالما وطأتْ قدماي محطة الوصول، تعرفتْ عيناي على الفوضى. ألح الشيالون من كل الجهات على تقديم مساعدة لم أكن في حاجة إليها مع حقائبي، فإذا بصدري يطوي شكاً في الداعي لمجيئي. ما احتجت إلى دليل إضافي على إحساسي بعدم الأمان لكني تساءلت رغم ذلك عما آمل معرفته – عما آمل تغييره – مع عودتي إلى غانا. وتكيفاً مع الموقف قد يصير جواب هذا السؤال أوتوماتيكياً الهدف الجديد من الرحلة.

 

امتد نور المحطة الأبيض إلى الرصيف بالخارج. وعلى الفور اختفت طقوم طيران تابعة لمختلف الشركات الأجنبية في شاحنات قصدتْ فنادق أربعة نجوم، وهناك سيخلعون أزياءهم ويطفئون ظمأهم بمشروبات مستوردة من بلادهم الأصلية. ارتدّت أصوات كانت خليطاً من لغات قبلية أقدم من الإنجليزية لتتصاعد في سحابة من أصوات امتصتها سماء حالكة تبدت نجومها الذهبية أقرب إلى الأرض هنا. هب هواء المساء ببرودة معتدلة وفاح بسمية خالصة منبعثة من عوادم الديزل.

 

كنتُ واعية بأني لا يتوجب عليّ استئجار سيارة في أكرا، ومع أني تعلمت من فيلق السلام استخدام المواصلات المحلية، قررتُ بعد الرحلة الطويلة أن أوفر على نفسي عناء تلك التجربة المكتظة اكتظاظاً. ثمة امرأة وازنتْ فوق رأسها صينية بها أرغفة مكدسة بدت كالخبز الأبيض. أشارت بيدها من فوق كتفها حين سألتُ، "تاكسي؟"

 

أطلق الفندق ذو النجمة الواحدة – فبه مياه ساخنة ومروحة – على نفسه اسم شاطئ الريفييرا لِما يحتله من موقع متميز. ومثلما جاهر الإعلان، التقطتْ حانته "المواجِهة للبحر" نسيم المساء، وسرعان ما استحضرتُ أن موظف الاستقبال رحّب بي قائلاً، "أكوابا!" كان الدش مشتركاً غير أن قلة عدد النزلاء رفعتْه درجة ليستحيل إلى حمام خصوصي بدون رسوم إضافية كما نقل إليّ الموظف بنبرة توحي بالدماثة. الحق أن المياه كانت فاترة لكنها بث فيّ راحة ما كانت لتتولاني سوى مع مارتن.

 

انتاب زواجي الثاني أو هكذا اشتكى جيسي لتمتعه بميزة مجحفة: هو غريب عني تماماً. فأنا أتذكر جيسي من عصر ما قبل تحويل أدوية حب الشباب لفترة المراهقة، عندما كان أولاد المدينة ممن في مثل أعمارنا يتقاتلون للاستيلاء على القلائد الذهبية والأحذية المطاطية. كان عالم مدرستنا الخاصة شبه كريم فيما يتعلق بتلك الأحداث غير أن آباءنا لم يدروا مطلقاً بنصف ما فعلناه في شققهم وهم غائبون ونحن نتظاهر بالاستذكار. كان جيسي مثلي، طفلاً لأبوين يشتغلان بالحقل الأكاديمي لكنه قايض تلك الحياة بزواجه الأول بابنة المدير التنفيذي لإحدى الشركات الكبرى. لم تكف أموال أبيها لرشوتها حتى تدعي اشتهاءها للرجال. لام جيسي نفسه على كونه شريكاً جنسياً مملاً، وبما أنه كان بحق مملاً، استعصى عليّ إقناعه بالعكس. قررنا أننا جائزتان تعزية عما فقدناه غير أنهما لم تكفيا لدرجة إنجاح الزيجة. لم نمكث على اتصال كما كان من الممكن لو لم نتزوج قط لكن لأن جيسي يكتب ملحوظات فصلنا في ’نشرة أصدقاء المدرسة،‘ أعلم الآن أنه أنجب ثلاثة أطفال من زوجته الثالثة ليحقق بذلك طموحه الحقيقي الوحيد. وقد أثبت مدى سعادته عندما أحضر كل الأربعة مؤخراً إلى حفل للم الشمل ليبين مدى ضآلة ما يجري بحياتي مقارنة بما امتلكتُه ذات يوم، مرتين.

 

***

 

كان الدرس المبتذل القائل بأن تعيش وكأنك ستموت غداً إرثي، وقد أنفقتُه. لم تدم ارتباطاتي أبداً فترة أطول من اهتماماتي بما في ذلك يوم عيد ميلادي التاسع والعشرين حين استيقظت بجوار رجل لم أتذكر أني سألته عن لقبه الليلة السابقة. كانت وظيفة ’عرائس يونيه‘ ما هي إلا وضع كل بيضي في سلة واحدة – المرة بعد الأخرى – لذا لا عجب في انصراف انتباهي من الزبون إلى التالي. لم يفتني هذا, ولكني لم أكن مهيأة لترك العمل حتى جاء يوم تسريحي منه، عندما توفرتْ لديّ مرة أخرى ميزة الحرية وعيبها، حرية البدء من جديد. لأقايض حينئذ ابتذال العيش وكأنك ستموت غداً بعكسه – وكأنك ستعيش إلى الأبد – لأعي عند ذاك مدى صعوبة أن يأخذ المرء بأسباب حياة مدروسة.

 

لو أن مارتن من غانا، ربما تزوجني أخوه – حتى بدون أطفال سيكون لي قيمة – كوسيلة لحفظ ثلث الميراث في العائلة. سوف يصعب تأخير سن البلوغ هنا حيث من الممكن أن أصبح جدة في سني هذا. لم يتعذر عليّ تخيل هذا أيضاً، فقد افترض مارتن بالفعل أني سأمد خدمتي بفيلق السلام لمدة أخرى على الأقل كما فعل هو. لا مراء في تفهم الكل لرحيلي الفوري بعد وفاته إلا أن عدم إضماري لأي باعث على الرجوع كان سيصير لغزاً لمارتن. هل كنتُ أهرب؟ طيلة الوقت؟

 

كلّفتني تذكرة الحافلة المتجهة إلى كوماسي أقل من خمسين سنتاً في الساعة بالمعدل الذي تطلبتْه للوصول إلى هناك. اتخذتُ مجلسي بجوار نافذة مفتوحة فطار شعري كمراوح الأطفال بخلاف الركاب الآخرين الذين نبتت شعورهم لصق جلودهم. كلما أبطأتْ الحافلة، اقتربتْ من جانب الطريق فتيات في سن البلوغ توازن رؤوسهن طسوتاً ضحلة تحوي أكياساً بلاستيكية معقودة في حجم الشطائر بها مياه باردة – "آآيسس-واتا!" – ما جرؤتُ على شربها. قطعتْ السيارة الأجرة مسافة قصيرة من محطة الحافلة حتى نُزل ’أوركيدز جيستهاوس‘ حيث تمددتُ على السرير تحت مروحة السقف لمدة عشرين دقيقة من أفضل دقائق ذلك اليوم. وفي الصباح تناولتُ قطعة مربعة من الخبز المحمص الباهت ومربى حمضيات لاذعة ثم وجدتُني مستعدة لسلك طريق أخذتْ عليه الدراجة البخارية مارتن معها – أو العكس – في مكان تراءى به الآن مبنى صغير وست سيدات. جلستْ السيدات أمام ماكينات الخياطة ليُثَبتن أقمشة صُبغت ألوانها المشرقة صبغاً باتيكياً في فساتين مجسمة ذات أكمام قصيرة فضفاضة وتنورات طويلة مستقيمة. غطى الصدأ سقفاً معدنياً متموجاً تعلوه لافتة ’فساتين زفاف.‘

 

عشت ومارتن في منزل مشيد من كتل أسمنتية يتاخم المدرسة الثانوية التي درّس فيها. كنتُ أعرف أني ينبغي أن أقدم نفسي أولاً إلى مُجَمع الزعيم لألقي تحيات الاحترام بهدايا من النقود وزجاجة معتبرة من خمر ’الشنابس‘ الذي اعتادوا سكبه تكريماً للإله. كنتُ قد قررت أن أهدي علبة الكرتون حمولتي على الطائرة إلى الملكة الأم، إذ كانت تؤْثر استخدام الدانتيل في الستائر والمفارش. وعلى الرغم من انصرام ستة أعوام منذ رأت إحدانا الأخرى، لم أشذ عن المعقول لمّا افترضتُ أن حياتي شهدت التغيير الأكبر. غير أن العكس قد تبدى لعينيّ عندما أحاطت بي تواً فتيات لم تزد أمهاتهن الشابات على مجرد فتيات أثناء زيارتي الأخيرة.

 

دعتني الملكة الأم إلى الجلوس في ردهتها حيث أمضيت الظهيرة والمساء يوم وفاة مارتن. كانت الردهة تحفل الآن بطقم أثاث ذي قطع تشبه الصناديق، منجَد بقماش من وبر صناعي لونه بني غامق ضارب إلى الحمرة. احتشدت النساء في فنائها بحجة جلب بضع بيضات دافئة أو حبات بامية لنينا إبينا من حدائق صغيرة أقرب من حقول حرثنها هي الأخرى. أتين على استحياء لكن سرعان ما انفتحت علبة الكرتون وتوزعت محتوياتها ليعرضنها فوق القماش البني كي تتضح الرسوم. وحين هدلتْ إحدى النسوة قطعة حول كتفيها ولفت أخرى حول خصرها، أتت إحداهن بمرآة طويلة تشوب أركانها الكسور وسندتْها مائلة على الأرض. ما لبثن أن ارتدين كلهن الأبيض بينما رحن يشرن إلى صورهن المنعكسة دون أن يمسكن عن لفظ كلمتين لم أعهما. كيف لي أن أخمن – حين تخيلتُهن يتظاهرن بأنهن عرائس – أنهن يقلن إن الأبيض هو لون الأراملة.

 

هتفن بعدها بدهشتهن لسهولة تخيل أزواجهن وقد سقطوا موتى. انغمس جميعهن في التخيلات عدا الملكة الأم التي قالت إن الأخريات يتظاهرن ليس إلا. "لأنهن يعلمن أني أرملة؟" لا يوجد مكان آخر في العالم عدا هنا يعرفني كأرملة وليس كمطلقة.

 

"لا، لا،" نفت نينا أبينا. "فعلى الرغم بالطبع من معرفتهن أنكِ كنت أرملة، يفترضن أنكِ تزوجت مرة ثانية. كل الحكاية إنهن يستمتعن بالتظاهر البريء في تطلعهن إلى الزجاج."

 

ولأن العرائس هنا يلبسن فساتين تقليدية لحضور الطقوس المهمة، لا صلة للعبة التأنق هذه بأفراح خرافية تتظاهر فيها العامة من الفتيات بأنهن أميرات يتزوجن أمراءهن. إن ارتداء اللون الأبيض هنا هو نقيض الانتماء إلى رجل. فأثناء هذه الفترة الفاصلة بين الزواج والزواج ثانية أصبح من الممكن ارتداء الأبيض – هنا يكمن السبب فيما انطلق من ضحكات لا تحفظ فيها.

                                  

دائماً ما كنا نرتدي اللون الأسود بمتجر ’عرائس يونيه‘ وكأننا نمثل الرجال في بذل السهرة المؤجرَة حتى نوقع أثراً في نفوس العرائس. ومثل كل النساء اللاتي أعرفهن، أُفضل أن أبدو أصغر حجماً وعليه أتجنب اللون الأبيض. ورغم أني لم أقو على الاعتراف بهذا إبان عملي هناك، لبستُ في فرحيّ الاثنين فستانين لم يتلونا فقط بلون "سكري" بل سكري غامق. تذكرتْ الملكة الأم أني ومارتن ارتدينا ملابس كلّف مارتن أحدهم بخياطتها من قماش الكينت، وقد بحت إليها بأن فستان زفافي التالي اكتسى بلون رمادي – فضي، على حد وصف جيسي، بحثاً دوماً عن هذه البطانة – لأني كنت بضاعة مستعملة.

 

"لا يوجد ما يسمى بالبضاعة المستعملة في غانا،" قالت الملكة الأم بلسان موبخ. "كما تتذكرين من فترتك القصيرة هنا." افترضتْ أني أنوي البقاء هذه المرة لفترة أطول.

 

"تَظهر عليهن آيات السعادة،" غيرتُ مجرى الحديث راصدة إياهن وهن يتبادلن نظرات الإعجاب. لا حاجة إلى القول إن الدانتيل لاح في منتهى الروعة على بشرتهن الداكنة المتماثلة.

 

 

كانت رحلة الحافلة في إيابها من كوماسي إلى أكرا أقصر من ذهابها لكنها كانت كافية لإقناعي بالتوقف عند مكتب خطوط طيران غانا لدفع غرامة تغيير تاريخ تذكرتي من نهاية الأسبوع إلى يوم ما في المستقبل. انتهيت بعد ذاك إلى مكتب فيلق السلام الذي ما فارق موقعه. كنتُ قد أدركت بالحافلة أملي في أن يتاح لي الخيار لتكملة المدة التي قطعتُها.

 

"لحظة واحدة من فضلِك،" استأذنني الشاب في مكتب الاستقبال.

               

لم أجهل الطريق إلى المكتب القائم في أحد أركان الطابق العلوي لكن بما أني لم أطلب سوى تحديد ميعاد لليوم التالي، ساورتني الدهشة حين وجّهني الشاب إلى الطابق العلوي مباشرة. كان السائق على أتم استعداد للانتظار نظراً لأني كنت أول زبائنه يومها حسبما أنبأني.

 

لم يطل التغيير شيئاً على ما يبدو خلا كمبيوتر جديد استقر فوق المكتب بالمدخل. غلّفتْ طبقة من البلاستيك مجموعة تعليمات خاصة بالبريد الإلكتروني الشخصي إلا أن الأعداد العشوائية من مجلتيّ تايم ونيوزويك لم تزل مختومة بتحذير ممنوع الاستعارة. حلت الصورة الرسمية للرئيس المنتخب حديثاً جيه. إيه. كوفور محل صورة ملازم أول طيران جيه. جيه. رولينجز عقب عشرين سنة من اضطلاعه بالسلطة الصارمة. غير أن تبدلاً لم يطرأ على إطار الصورة المعلق فوق مستوى العين على حائط مرت فترة منذ دهنه أحدهم مجدداً بماء الجير.

 

"أهلاً وسهلاً،" حيتني امرأة أمريكية أقبلتْ من خلف الباب المغلق. "لقد لحقتِني وأنا منصرفة لكن تعالي على أية حال." أشارت إليّ بالجلوس لكنها ظلت واقفة. "بالنسبة لكوت ديفوار." قصدتْ طريقة نطقها لساحل العاج أن تُعْلمني بتحدثها للفرنسية. فهمتُ أنها هي نفسها متطوعة حين التقى بصري على مكتبها بصورة ذات إطار أظهرتْها داخل مستوصف ريفي. وعلى النقيض من طريقة الغانيين في تبادل الرسميات قبل البدء في الجد، توقعتْ مني أن أقدم روحي بنفس هذا التقديم الوافي.

                                                 

اعترتني الصدمة لِما استغرقه سرد قصة مارتن من دقائق قصيرة. كان نصيبي من فيلق السلام قصيراً هو الآخر. "غادرتُ غانا مبكراً،" قررتُ أن أنهي إليها، "وبما أني قد عدت، لا أريد أن أرحل قبل الأوان مرة أخرى."

 

"سوف أغادر بعد عشرة أيام أو أكثر،" ذكَرتْ وهي تحدق إليّ بعينين نصف مغمضتين تنمان عن ريبة مؤقتة، "وأظن أن تأشيرتِك على وشك الانتهاء." زفرتْ نفخة هواء أبلغتني بأن استياء خامرها لاضطرارها إلى التعامل مع التأشيرات.

 

"سوف أحتاج إلى تجديدها إنما ليس في الحال."

 

"وفي الوقت الحاضر؟"

 

كنتُ أعلم أن هذا أيضاً اختبار. فلو قلتُ إني سأعود أدراجي إلى نيويورك لترتيب أوضاعي، لن تعبأ بي. لذلك أعلنتُ، "أستطيع أن أبعث وأنا خارجة برسالة إلكترونية إلى صديق كي أؤجر شقتي من الباطن."

 

الظاهر أنها فطنتْ الآن إلى عدم سؤالها عن أي شيء يخص حياتي منذ وفاة مارتن، لذا طرحتْ السؤال.

 

"حسناً،" قلت، "تزوجتُ مرة أخرى إلا أن الغرض الأساسي من الزيجة كان الوقوف على سبب زواجي بمارتن في المقام الأول. وبعد انقضاء تلك الزيجة الثانية، سلكتُ طريقي نحو متجر اسمه ’عرائس يونيه،‘ ربما لنفس السبب. أنا في الوقت الحالي غير متزوجة وغير عاملة."

 

وشت نظرتها بالتعاطف والاستنكار. لم تكن أكبر مني بسنوات عديدة، لبِستْ قرطين ذهبيين على شكل حلقتين ضخمتين ولفت شعرها كما الهدية بقماش قرية أكوسومبو الباتيكي الملون بالأخضر والأسود، نفس قماش بلوزة مجسمة وتنورة ارتدتهما مع صندل ماركة شاكو اشترته من مكان ما كمتجر ’إيسترن ماونتن للأدوات الرياضية.‘ جمَع لون بشرتها أيضاً بين المزيج من الألوان. سألتني بنبرة مؤدبة، "وهل يمكنِك اليوم أن تزعمي أنك فهمت السبب؟"

 

"ليس بعد." ثم أسرتُ إليها، "أستطيع مع ذلك أن أطلعك على سبب انضمامي إلى فيلق السلام وسبب رجوعي إلى هنا. شئون غير منتهية."

 

"شئونك؟"

 

"شئوني أيضاً لكني كنت أتكلم عن شئون العالم."

 

 

لمّا أبلغتُ موظف الاستقبال في فندق شاطئ الريفييرا برغبتي في غرفة لمدة أسبوعين، بدا وكأنني محوت بمفردي العجز في ميزانية الفندق. أمدني الفندق بملاءة علوية بدون أن أضطر إلى طلبها، وقد لاح أن مروحة السقف تشتغل بسرعاتها الثلاثة. لم تزل شمس الظهيرة مرتفعة فوق الأفق لكن تجلى لعينيّ أني سوف أطل من هذه النافذة على منظر لا يعترضه معترض لغروب الشمس على خليج غينيا.

 

كانت الشمس قد نشرت بالفعل ثروتها محولة لون المياه إلى الذهبي. لم ينقطع حفر المناجم في تلك الأرض تنقيباً عن المعدن النفيس الذي أغرى الاستغلال الأجنبي عبر تاريخ غانا العنيف. ولأن متطوعي فيلق السلام ينحدرون من نفس هؤلاء المستعمرين، فقد تلقينا تكليفاً بأن نعطي أكثر مما أخذنا. لذا خالجني الارتياب فيما راود صدري من شعور، وكأن مِلزماً كجُمع اليد يرسل قبضته. هل كان ممكناً الاستحواذ على السلطة بدون أخذ أي شيء من أي أحد؟

 

تواصل الطريق الساحلي من هنا حتى ميناء مدينة تيما ليمتد شمالاً إلى دائرة قرية أكوسومبو التي غادرتُها للانضمام إلى مارتن في كوماسي. لم يستفهم أحد وقتذاك عن رحيلي المباغت لكن الحقيقة هي أن أحداً لم يطلب مني أيضاً تفسيراً لعودتي. وللمرة الثانية ظهر وكأن مستقبلي القريب يعاد ترتيبه من جذوره بدون أية خطة محددة. تراءى لي هذا الإحساس المبهج القاسي مألوفاً، إنما مع اختلاف. إذ شعرتُ الآن بمثل حرية ضوء الشمس.

 

"ماذا تودين فعله بعد ترك فيلق السلام؟" إنه الجزء المزيف الوحيد من عملية التقديم، لذا لا أستطيع أن أستدعي إجابتي في المرة الأولى. وبما أن الهدف من فيلق السلام هو تغيير حيوات المشاركين فيه، أعلم الآن أنه سؤال لتضليل المجيب، لكن الحق أن ولا حتى دارس علم النفس كمنهج أساسي له أن يتوقع إنفاقي ثلاث سنوات في متجر لمستلزمات العرائس. باح مارتن إليّ بأنه لن يرجع البتة إلى نيو هامبشير حيث تنتحل الفوضى صفة الفردية الصارمة. أما هنا ففعل الخير الأعظم يستلزم التعاون بين الناس على حد قوله، ولأجل ذلك أراد مني أن ألزم نفسي به – بهذا – "إلى الأبد أياً كان هذا الأبد" الذي سنحياه. لو أن هذه إشارة على أن وقت مارتن محدود، فمن البين أنها غابت عني.

 

استمرت مقابلتي المبدئية في المرة الأولى ساعة من الزمن بينما استغرقتْ ظهيرتها سبع دقائق أو ثمانياً. حينما صرحتُ بأن دافعي هو شئون العالم غير المنتهية، وجدتُني مستحوذة على انتباهها، لذا اقترحتُ عليها أن أخطط وهي خارج البلد مشروعاً لها الخيار في تمويله أو عدم تمويله. "قد أكون عاطلة عن الوظيفة،" أخبرتُها، "لكني لست عاطلة عن العمل."

 

فأردفتْ، "أنا متفهمة حاجتِك إلى إنهاء ما بدأتِه،" ثم سألتني، "لكن ماذا تأملين العثور عليه؟"

 

"الإنسان الذي كان من الممكن أن أكونه في يوم من الأيام."

 

ملأتُ صدري بنفَس عميق تشبثتُ به وحمَلتُ نفسي على التركيز في سطح الخليج المتألق لأعفي عينيّ من الحقيقة القاسية المتجسِدة في نظرة مباشرة إلى شمس شديدة نارية. استبدت بي الصدمة لقلة عدد مَن هم في حاجة إلى معرفة أني سوف أبقى هنا لمدة يتعسر تحديدها – وكذا قلة العارفين بتركي لبلدي – مما سمح لي بندب الصبي المندفع الذي لم يكمل السادسة والعشرين والفتاة التي تزوجته.

 

ما فتئ يطلب مني، "قولي لي مرة ثانية،" و"قولي لي مرة ثانية وثالثة،" فأجيبه، "مرة ثانية،" و"ثانية وثالثة." وفي تلك المرة الأخيرة كان من السهل عليّ أن أقول لمارتن، "لا رغبة لي،" بدلاً من "فكرة طيبة!" ليتني فقط أهملتُ وسائل الحمل حتى تتسنى الفرصة لنمو تلك البذرة التي زرعها داخلي في ذلك الصباح الأخير. علها كانت نيته، لو أنه انتوى شيئاً.

 

أخذني شيء من التقلقل وأنا واقفة على قدميّ فسلطتُ انتباهي مجدداً على سطح مياه تكسرتْ في تلألؤها. لقد فطنتُ إلى أن حب مارتن المتقد لم يعدم القوة كي يمكث حياً داخلي، فقط لو سمحتُ له. ومع بلوغي الثلاثين، أستطيع أن أقذف ببقية عقدي الثالث إلى الخليج – ليس كالمرساة – إنما كالسمكة.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.