مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد السادس والثلاثون، أكتوبر 2012        Thirty-sixth issue, October 2012

 

 

تكرمت ريتشل تريزايز بالموافقة على نشر قصة "دجاج" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Trezise was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Chickens" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Trezise a great debt of gratitude for her kind permission.

“Chickens” by Rachel Trezise. Copyright © 2005 by Rachel Trezise. From her story collection, Fresh Apples, © 2005 by Rachel Trezise. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

دجاج

ريتشل تريزايز

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-أكتوبر-2012

 

 

 

 

 

 

المجموعة القصصية تفاح طازج (2005)

 

 

 

 

 

كان جدي أشبه بالفهد وهو يلعب معنا. انبعثتْ طاقته في انقضاضات سريعة إلا أنها تدحرجت منحسرة من جديد دون إنذار، فاحتاج إلى الراحة مرة أخرى إلى أن مر إعياؤه المضجر مثله مثل سحابة سوداء. كان يُلوح أمامه بعصا للمشي تسلمها من الهيئة القومية للصحة مكتشفاً حُفر الطريق وحواف الأرصفة، شأن رجل ضرير، يقطب جبينه على الدوام وكأن كل شيء ألحق به ارتباكاً. ومنذ أن أصيب مفصلا ركبتيه بالالتهاب، التهاب بدا كالنازل به منذ دهر، صارت عصاه طلسماً، استخدمها ذات مرة في متنزه لونجلييت وايلدلايف ليدفع برفق قروداً هائمة كيلا تنزع الشريط المطاطي من زجاج سيارته الذهبية، ولكن القرد قائد الشغب خطَفها وطفق يطرق بها محْدثاً انبعاجات في غطاء السيارة. لاح القرد وكأنما يبتسم لنا بعينيه المجعدتين ويضحك بصوت متقطع مسموع الأنفاس مثله مثل الكلب ماتلي بينما تشبثتُ أنا بيد أمي تشبثاً حتى إن أظافرها الطويلة الحمراء بدأتْ تلسع جلدي. حدَّق الكل إلى مؤخرة رأس جدي الرمادي متسائلاً لِم لَم يقفز خارج السيارة ويخنقه.

قال، "شيل يا صغيرتي، يجب أن نعود إلى البيت بعد قليل. جدتك بلود ستبحث عنا." ربت قمة رأسي المسطَّحة بين ذيليّ حصان نابتين وحدج بعينين نصف مغمضتين سمكة ذهبية ربِحها وهو يصوب السهام. "حافظي على تلك السمكة، لا تُسقطيها. لا تضغطي عليها بقوة."

"لعبة واحدة فقط،" قلت متطلعة عبر ماء الكيس البلاستيكي الغائم إلى سمكة حمراء لا تعوم، وإنما تطفو داخله. "واحدة فقط." تراءت الملاهي أكثر فتنة مع تحول اليوم الدافئ إلى أمسية ضبابية تلفها برودة معتدلة.

انتهى الأمر بجدي إلى أن راح يرشوني. وعدني بوفرة من أيس كريم نابولي ماركة 'مستر كريمي' بعد عشاء مشوي يوم الأحد، زيارة ثانية سوف ينفق فيها جنيهين يوم السبت وتلك الأمسية؛ كوب جعة ماركة 'برينز سا' أطلق عليه عن حب اسم 'هَبَّة'، لم أعبأ بأي منهما. ولكنه ذكَر الدجاج، "سوف أقطع كل الطريق غداً إلى قرية جلين نيث، فدجاجي يَكبر في السن."

استفسرت، "لماذا؟" لم أكن أسأل تحديداً عن سبب ذهابه إلى جلين نيث أو سبب كبر دجاجه – مثله – في السن، ولكني استخدمت الكلمة كدافع إلى إطالة وقتي بالملاهي مثلما تبقي كلمة اشرح في سؤال المقال تلميذاً على كرسي الامتحان، وعقله يتكتك.

"لم يعد يضع بيضاً يا صغيرتي،" قال متجاهلاً السؤال، "وجِدَّتك بلود في حاجة إلى البيض لخبز الحلوى لكم يا بنات. لا بد أن أُحْضر المزيد. نحتاج إلى المزيد من الدجاج يا شيل!" ضرَب الأرضية بطرف عصاه، طرف رمادي من المطاط، وكأن الضربة أكدتْ تصريحه. "لو مضينا إلى البيت الآن لنشرب الشاي، يمْكنك المجيء معي غداً، طيلة الطريق حتى جلين نيث!" جاهد ليرسم ابتسامة عبر ألمه.

صررت على أسناني ومشيت بكل ما وسعني من بطء وعناد، دون أن أتوقف بحق. بدا الذهاب إلى الملاهي في الأصل ضربة موفقة لم أتوقعها، والمغادرة استهزاء، مأساة. كانت تتوقف في بلدتنا أسبوعاً خلال عطلة مايو، رجال بشوارب وأذرع تتحرك عضلاتها كالمويجات ووشوم تمتد على صدورهم العارية، فككوا أدوات غريبة ضخمة من المعدن ثم شيدوها - وأعقاب السجائر تتوازن بين شفاههم - على أرض قاحلة أمام ملعب الرجبي. أسمتهم جدتي "چيبيز" بلهجة غاضبة وكأنما تنفُض عن نفسها أسلافها الغجر. كان باستطاعتك أن تمد بصرك من نافذتها الأمامية إلى أشكال نحيلة ترقص حول رقعة من الأرض لكي تُحول العوارض الفولاذية وأثواب أقمشة القنب إلى دوامات خيل وعجلة ملاهٍ تدور. كنتُ أتفرج صابرة حتى تضيء أنوار النيون المتوهجة ثم يعلو بكائي لأنزل. وعندها تحاول جدتي أن تخيفني لتثنيني عن مطلبي. تنعت الرجال باللصوص، وأحياناً بآكلي لحوم البشر، فأستسلم رعباً، لا من الرحالة، ولكن من جدتي نفسها، بإصرارها المهتاج المضحك ألا يربطها بهم أي شيء من أي نوع.

كنتُ أقِيم في منزل جدي وجدتي لأن أمي سافرت. "سافرت" هو كل ما قالاه مما عنى أن الحكاية تنطوي ولا بد على المزيد. في خلال ست سنوات وثلاثة أرباع سنة عشتها لم "تسافر" البتة. كنت أنزع حبات البسلة عن قرونها بيد خرقاء ثم أسقطها في سلطانية من الخزف. شاهدتُ حَلبة السيارات الإلكترونية تَظهر للعيان ثم أباريق الشاي ثم سقفاً مخطَّطاً بالأحمر والأبيض اعتلى كشك التصويب. ودون تفكير في العاقبة غامر جدي بدخول غرفة المعيشة بينما كانت جدتي في حجرة الصحون تعد فخذ خنزير مقدداً بالفلفل والزبد وتغني عالياً أغنية 'كالون لان'، كانت تصدح بنغمات مرتفعة متذبذبة واضعة يدها مسطَّحةً على صدرها الأيسر الكبير.

"شيل يا صغيرتي،" قال جدي بعد أن لمحني أرسل طرفين شاخصين فوق أسقف المنازل المستوية. "هل آخذك إلى هناك؟ آخذك؟" وضع إصبعه لصق شفتيه آمراً إياي ألا أصيح. تناول يدي الصغيرة بأصابع عريضة جاسئة ثم هز كتفيه مراراً بما يوحي بالسعادة وكأنه الساحر تومي كوبر، على وشك القيام بخدعة. تناهى إليّ صوت جدتي تجأر والبوابة الأمامية ترتد منغلقة خلفنا.

"داني؟ داااني؟"

داني هو اسم جدي الحقيقي. اعتقدتُ طويلاً أن الأغنية الأيرلندية الولد داني مكتوبة عنه لأنه عاش فعلاً عند سفح أحد المنحدرات الجبلية. وكأنما تعمد أن يؤكد اعتقادي، كثيراً ما كان يميل رأسه إلى جانب قائلاً إن باستطاعته أن يسمع نداء أنابيب الأرغن. تجاهلتُ جدتي وشققت طريقي بمشقة مع ركبتيّ جدي الملتهبتين نازلين التل صوب الملاهي. خالجه الابتهاج في البداية لوجوده هناك. "ماذا سنَركب أولاً يا صغيرتي؟" سألني ملوحاً بعصاه كمن يشارك في عرض راقص خليق بالراقصين فريد وچينچر. جلسنا في سيارة إلكترونية حمراء اللون متلألئته، وجَّهها إلى أخرى زرقاء يقودها صبي من الصِبية الرحالة. أوقع بي الارتطام العنيف صدمة خفيفة وبعث عبر سقف الحَلبة سلسلة من الشرارات الزرقاء والرمادية. ضحكتُ ضحكات جامحة حين جرَت نظارته على أنفه واندفع شعره الخفيف، لشطارته، سوطاً في الهواء. رجَع أيضاً بالعربة في لهفة، ومرة أخرى اصطدم مباشرة بمؤخرة الصبي اللامعة الكبيرة.

ولكن حان الآن أوان الانصراف. وبينما كنا نسير على الجسر، لاحظ جدي – المحتاج الآن إلى دعم من الدرابزين وكذلك عصا المشي – بطاً صغيراً في النهر أسفلنا. خمس من البط حديث الولادة بني اللون يتعقب أمه البطة البنية في صف واحد، مثله مثل قوارض تتهادى على طول الحصى عند طرف المياه، والرياح المقْبلة تنفش ريشه الناعم. بدا كفتيات صغيرات يحاولن السير بحذاء أمهن ذي الكعب العالي كما حاولتُ أنا منذ سنوات، ولكني تعرضت للضرب بعد أن جرحتُ الكعبين أو وقَعتُ وكوَّن الجرح قشرتين على مرفقيّ فحصتهما خالتي يومياً لترى إن كنت قشرتهما أم لا.

"انظري يا شيل!" قال متوقفاً. "بط صغير. هل معنا خبز؟ ماذا معنا؟" نسى ركبتيه الموجعتين وجثا على الأرض ليفتش بحركات خرقاء الحقائب في يدي. فرد أصابعي برقة، الإصبع تلو الأخرى، شيئاً فشيئاً، ليَرفع عن قبضتي غزل البنات تاركاً السمكة فقط. خدش السيلوفان حتى شقَّه ثم فصَل كرات أشبه بالقطن الطبي من غزل البنات. شملني العبوس وحجَبتُ عينيّ عن أطفال آخرين يغادرون الملاهي، يداي مرفوعتان كغمامتيّ حصان على جانبيّ رأسي. لا شيء يمْكن أن يحرجك في الطفولة مثل أحد أقربائك البالغين.             

"إنه جائع يا صغيرتي!" نبس جدي كمن استشعر إحساسي بالخجل. رفَعني على الحاجز لأتمكن من مشاهدة سُحُب من غزل البنات تطير كالثلج مع الريح في اتجاه النهر المظلم. تتبعتْ عينا الطائر السوداوان الشبيهتان بالخرز الرقائق الوردية من السماء إلى المياه، ولكنه لم يفارق ضفة النهر.

قلت متوسلة، "إنه لا يأكله. انظر يا جدي، يختفي فحسب في المياه."

"ذلك اختياره،" رد تاركاً إياي. "المهم أننا عرَضنا عليه."

قطَّبتُ جبيني طيلة الطريق، من عبورنا حانة 'البقرة الحمراء' وحتى غرفة جلوس جدتي بلود، وإبهامي الأيمن مزروع بين شفتيّ. مِثْلها تعلمتُ أن أدير حدقتيّ استهجاناً رداً على انطباعات جدي المرتجلة الشبيهة بانطباعات الطبيب دوليتيل - الشخصية السينمائية - ولكن انبهاراً خالجني سراً بقدرة جدي على احتمال معاناته فجأة حين ظن أن هناك معاناة في مكان آخر. لزِمتُ الصمت التام متذكِّرة أن أتذكر إيماءته النبيلة الغريبة.                         

كانت ابنة خالتي آنا تجلس إلى مائدة الطعام القابلة للطي، ترتدي بنطالاً من القطن المخملي يصل إلى أسفل ركبتيها، بلون غزل البنات المفقود، وأدوات الطعام مرتَّبة أمامها، وفي المقابل مكان آخر معَد من أجلي.

"داني؟" صاحت جدتي بأعلى صوت كالباخرة خلف ستارة من الخرز في مدخل حجرة الصحون. "أين كنتَ بحق الجحيم مع تلك الطفلة؟" جعلتْ بحق الجحيم تبدو للآذان كالقافزة من ثغر راهبة. صفَقتْ مقلاة على طاولة الحوض. "قلقتُ عليكما أشد القلق."

"لا تحفلي بتلك المرأة، بلودوين،" نبس جدي آخذاً إلى المطبخ الحقيبة الوحيدة المتبقية معنا. "أين الملح؟ هذه السمكة الذهبية بها بقعة بيضاء."

جلستُ إلى المائدة في حذر وتطلعتُ إلى مفرش من الكروشيه بدلاً من رفع عينيّ إلى ابنة خالتي. أضمرتُ لآنا كراهية، لأسباب جمالية في أغلبها، كانت ضفائرها أطول وأفتح من ضفائري، فساتينها أجمل. كرِهتها في تلك العطلة أكثر من أي وقت مضى. كانت قد بلَغتني في الليلة الفائتة نبرات جدتي المضطربة من خلال جدار غرفة النوم، "ياه يا داني، ماذا سنفعل؟ لو دخَلتْ السجن؟" صوْتها همهمة خفيضة لم آلفها. تحدثا عن تفاصيل الموقف باللغة الويلزية، وأقصى ما أمكنني استيعابه هو أن أمي محبوسة احتياطياً لسرقة سيارة أبي الجديدة، أبي البعيد عنا. أنهى جدي إليها، "سوف نعتني بميشيل، ذلك ما سنفعله." سمِعتُه يُسقط أسنانه في كوب الماء. لم أكن أَعلم ما هو السجن تحديداً، فقط أن اللصوص دخَلوه، وعلِمتُ أنه شيء سيء لو أقلق جدتي. كانت تَنعم بجهاز عصبي مثل التيتانيوم. الواضح أنها لم تكن مجرد حالة ابتعاد، وهي ما بدت ألطف وإن خامرتها أنانية أكبر. والآن ذكَّرتني آنا بكل شيء. كانت هناك لأنها أرادت أن تكون هناك. وليلاً ستمضي مرة أخرى إلى بيتها.

وضعتْ جدتي أمامنا أطباق لحم الخنزير والبسلة والسلطة، لم تزل مريلتها مربوطة حول خصرها وشعرها الرمادي المموَّج الثابت يُسطحه العرق. حمَلتْ وجبة جدي ووجبتها إلى غرفة المعيشة. أكلتُ في صمت ورائحة البصل الأخضر النفاذة تتصاعد من الطبق لتقتلع من مقلتيّ الدموع. لاحظتُ بعد هنيهة أن آنا ترصدني بدقة وتقلد حركاتي بتمهل - بل والطعام الذي أختار رفعه بالشوكة - وكأنها مرآة. دفَعتْ البسلة والكراث في دوائر، التهمتْ قطعة وردية من الخنزير عدا جلد أبيض ناعم رقَد رخواً مثله مثل الثعابين الميتة.

"ألا يعجبك البصل الأخضر؟" سألتُ بنبرة هادئة في انتظار سخريتها أو الجملة الأخيرة من نكتتها، على علم أني سأكون الأضحوكة.

"لا،" أجابت بلهجة مسرحية "لا أطيقه." وضعتْ مخللاً حلواً في ثغرها برقة. كانت تجيد التمثيل؛ سوف تصبح ممثلة. مثَّلتْ بالفعل دور سنووايت في فرقة 'بارك ودير' المسرحية للهواة. "خلاص." قالت وهي تمضغ. "انتهيتُ".

"لا بد أن تأكليه."

"لا، سأرميه في صندوق الزبالة." هزت رأسها فرقَصتْ ضفائرها الذهبية.

همستُ، "ممنوع."

"مسموح. انظري." وببطء ما بعده بطء، وكأن غرفة الجلوس خزينة في بنك تحميها أشعة الليزر، مشت على أطراف أصابعها نحو الصندوق القائم في الركن، وبأطراف أصابعها كشطتْ الخضراوات في النفاية. "والآن أعطيني طبقك." جلستُ أتطلع بعين البلادة إلى طبقها الفارغ. كانت يدها تقبض على طرفه حاجبة رسم من الزهور البنية حول الحرف. لا بد أنها خدعة بغيضة ستلومني عليها.

رفضتُ، "لا."

"هل تريدين أن تضطري إلى أكل كل ذلك؟" أومأتْ إلى كومة أوراق تحولتْ أرجوانية بفعل عصارة البنجر المخلل. ناولتُها طبقي والشك يستولي عليّ. وفيما كانت تنتر صامتة خساً عنيداً من الطبق، انتبهتُ إلى كراستي، كراسة التلوين المستقرة على كرسي المائدة الإضافي. وبمهارة مزقتُ صفحات من منتصفها المدبَّس وغضَّنتُها لتصبح كرات من الورق الأصفر وضعتُها بحرص في الصندوق حتى أداري الطعام الفظيع. تقول جدتي إن لا فائدة من الأكسجين بدون وجبة معدَّة جيداً تناسبه، لذا لم أكن مستعدة أن تضبطني وأنا أرمي الخضراوات الطازجة. كانت لتخنقني.

"فتاتاي المؤدبتان،" نبستْ وهي تدلف إلى غرفة الجلوس مسدِّدة - بصينية شاي محمَّلة بالأطباق - طرفها إلى تَقَدُّمنا. وبينما كانت تمر بنا، توقفتْ وكأنما شمَّت في الهواء جريمتنا الشنيعة ثم ناورتْ نفسها نحو صندوق النفاية. داستْ على الدواسة فامتدت مؤخرتها المستديرة الضخمة بيضوية وهي تنحني لترمق ما بداخله. حبَستُ أنفاسي على حين اتسعتْ عينا آنا الخضراوان حتى إنهما كادتا تتدحرجان من محجريهما. وبعد ثانية - كمن فطنتْ إلى مدى سخافة الاتهام - أنزلتْ قدمها عن الدواسة ليَهبط الغطاء عالي الصوت. سارت بقدمين متثاقلتين إلى حجرة الصحون، وهناك نمى إلىّ صوت باب الفرن ينفتح. هبَّ عبير ساخن مغرٍ من كعك بمربى الفراولة خانقاً رائحة مائية فاحت من السلطة.  

جلستُ مع آنا على الأريكة، وسكرافي – كلب يوركشاير بأرجل ثلاث يربيه جدي وجدتي – يَفصل بيننا على الوسادة الوسطى كما تَفصل وسادة بين حبيب وحبيبة يتمنعان. كانت جدتي تحتسي جعة 'جينيس' من كوب زجاجي ضخم. نسوية قلباً وقالباً، فارت داخلها جينات أمها الفرنسية النارية وهي تعمل وتوبخ وترعى، ولكنك لو ذكَرتَ أمامها الكلمة في أي وقت، لن تعرف لها معنى. نام جدي، طرَف بعينيه خلال لحظاته المفعمة بالصفاء إلى سمكة تستعيد عافيتها في سلطانية على المائدة أو تليفزيون يَعرض ستيڤ ديڤيز لاعباً البلياردو. وبعد أن حان ميعاد النوم، سمِعتُ جدي وجدتي يتجادلان بنبرات عدوانية حول أية بطانة في مائدة البلياردو هي السفلية. كانا يفتخران بزواج طويل يستنزف الصبر بين جزْر متواصل من الانزعاج ومد سلس من التقبل.

ترامت حديقة جدي أكراً واحداً بمحاذاة أطناف غير مستوية ميَّزتْ جبل ماردي. تفرقتْ القطط الضالة مبتعدة عن إفطارها – لحم بقري معلَّب مطهو بالغلي البطيء ومرمي صفوفاً على سطح خالٍ مشيَّد من الحديد المموَّج يعتلي حجرة الصحون. أرجعتْ آذانها المثلثة في رؤوسها بما ينم عن ضيق لا يَسلم من الحذر وأنا أصعد السلالم بجزمة صفراء تَبلغ ركبتيّ. تلألأ الندى على نصال العشب. صعدتُ إلى أعلى الحديقة جاذبة سيقان السرخس لمساعدتي، تجنبتُ مقبرة حيوانات أليفة متوارية خلف إحدى شجيرات البهشية، كانت قلعتي خلال أصباح لم تَشهد كل تلك الأحداث الكثيرة. ألفيت جدي في حظيرة الدجاج، توازنتْ على راحته المفتوحة بيضتان صغيرتان يعلوهما النمش ويكسوهما الوحل وريش بني مصفَر.

"جدي،" صِحتُ. "لا بد أن نجلب دجاجاً جديداً، تَذْكُر!"

"بعد الإفطار يا صغيرتي،" قال مغلقاً البوابة خلفه بالمشبك وجيش الطيور يثب ناحيتنا، أبرزتْ رؤوسها الظريفة بما يشي بالفضول. ما راقني الدجاج كثيراً. ما كنتُ أتطلع إليه بحق هو الرحلة الطويلة. أحببت التنقل، فقد عنى بصورة ما أن الحياة معلَّقة، الوقت متوقف، وهو ما بث فيّ منتهى الابتهاج. أعطاني بيضة لأحملها، ثم تعكز كلانا على الآخر عائدين إلى المنزل.

سألتُه، "هل سنأكل ذلك الدجاج حين نُحْضر الجديد؟"

لم يجبني إلا أن تعبيراً ساخراً تبدى على وجهه كمن يرد على اقتراح سخيف. كان بالرغم من كل شيء رجلاً ينصب الفخاخ للفئران ولا يبدر منه إلا حملها في الأقفاص إلى قمة الجبل ثم تحريرها دون أن يمسها أذى. كان يأكل الدجاج بيد أنه لم يأكل مطلقاً واحدة من دجاجه. مات كله من الشيخوخة. أخبرني، "عارفة ماذا سأفعل؟ لمَّا تتزوجين أميراً، سأحفر هذه الحديقة بأكملها لأعثر على ذهب ويلزي يكفي خاتم زفافك! هيا، فلنعط جدتك هاتين البيضتين."

قام في قرية جلين نيث معمل بيض لا يلفت الأنظار مثله مثل صندوق بني هائل الحجم خلف إحدى المناطق الصناعية، تقشر دهان جدرانه المصنوعة من الحديد المموَّج. "امسكي يدي يا شيل،" أرسل جدي نفَساً مجهَداً يتخلله صفير، وضاق منخاراه لينقلبا شِقين سوداوين. لم نجد في الداخل إلا صوت الآلات مع أن الدجاج اصطف بحذاء الجدران داخل أقفاص تَوازن كل منها على الآخر أكواماً كعرائس باربي في متجر 'نحْن الدمى'. أسبغتْ أنوار النيون على المخزن منظراً فظاً غير طبيعي. تحدث جدي بصوته الجديد حاد النبرة إلى صبي في بَدْلَة الشُّغل بينما حملقتُ أنا إلى الطيور. لم تكن لديها مساحة كافية لفرد أجنحتها، ناهيك من الطيران، ذكَّرتني برؤوس الساحرة الشريرة المائة بفيلم العودة إلى أوز، ميتة محبوسة في خزانة، كل واحد منها متفرد قادر على الحياة إن نال فقط حريته.

"لم لا يصيح؟" سألتُ وجِدي يسحبني.

"الأرجح أنه متعَب للغاية يا صغيرتي."

"ما تلك الرائحة؟"

"الخوف. الخوف والبراز والموت."

عدنا إلى السيارة الذهبية يتبعنا الصبي ببدلة الشُّغل وفي قبضته يمسك، كمن يمسك جائزة، كيساً بنياً من القطن المضلع تحرك على هواه شأن حقيبة من البطاطس السحرية. سلَّم جدي إياه قائلاً، "خمسة جنيهات، لن ينفع في البيض، ولكن به قدراً وافراً من اللحم."

"سوف تندهش مما قد تَقُوم به الدجاجة حين ترعى بحرية،" قال جدي بنبرة جافة على أن العديد من دجاجه لم يضع بيضاً قط. كان يتركه ليعيش عيشة طبيعية مع الدجاج البائض. وضع الحقيبة في صندوق السيارة ثم دفَع الأموال للصبي. جلسنا دقيقة في السيارة، ننصت إلى صرير واهن تُصْدره الدجاجة حين تستخدم قدميها لأول مرة. مال جدي بعدئذ داخل السيارة ونتر الكيس البني مُخرجاً حشد من دجاج لا يَسلم من الحذر. وبينما كان ينتره، وقَعتْ منه دجاجة رخوة صغيرة. كان عُرفها اللحمي أبيض بينما كان ينبغي أن يكون أحمر.

سألتُ، "هل ماتت؟"

"ميشيل،" فاه جدي وهو يحملها بين يديه كمن يحمل طفلة، "ليست ميتة، ولكني سأضطر إلى قتلها. لا بد أن أريحها من عذابها وإلا ستموت ألماً قبل أن نصل إلى البيت." وبينما كان يتكلم، لوى رقبة الدجاجة بخفة بين إبهامه وسبابته وكأنما يدلكها، تدليكه أحياناً لكتفيّ جدتي الكبيرتين المليئتين بالكتل. "لمصلحتها يا شيل،" قال متطلعاً إليّ لحظة بعين تعكس غموضاً كالمتسائل إن كنت لا أزال أحبه. مد يده عبْري إلى درج القفازات ليأخذ كيساً من البلاستيك ويخفي الدجاجة داخله. كان يحتفظ دائماً بأكياس بلاستيكية كي يجمع أوراق الهندباء البرية من أجل الأرانب. "سوف ندفنها في الحديقة."

سألتُ مجدداً، "هل ماتت؟"

أومأ برأسه ثم أدار المحرك.

قاد جدي السيارة بتأنٍ على قمة الجبل المترب. كان على أية حال يقود بتأنٍ بسبب الحادثة الشائنة. عندما كنت طفلة رضيعة ليس إلا، تراجع، وجِدتي بجانبه، بسيارته الخضراء الصغيرة فوق حافة أحد الأجراف. ما أصاب أياً منهما جرح إلا أن جدتي لم تغفر له قط ضياع شغل التريكو. (كانت تحوك سترة بيضاء موشاة حول الردنين بطبقة من اللآلئ، وقد طارت من النافذة. كان الصوف آخر ما تبقى في سوق بونتي، ولم تجد أبداً أبداً ما يضاهي لونه العاجي.) ارتجَّت السيارة رجة، فتطلع جدي إلى المرآة متأكداً من سلامة الدجاج. أمكنني أن أراه من خلال المرآة الجانبية. تجمع ملتصقاً متيبساً كجسم واحد من جِلد أصلع مشوب بالبثور بعشر أرجل. بدت عيونه مسلَّطة عليّ أيا كان اتجاه نظراتها.

توقفنا على قمة الوادي لشراء وقود، تركني جدي في السيارة وراح يدفع الثمن. كنت قد جلست دقيقتين في مقعدي حين أرسلتْ دجاجة أنيناً من الأعماق أسفل ريشها المتسخ. رانت لحظة صمت قبل أن تحذو دجاجة أخرى حذوها. بدا ضجيجه جميعاً أشبه بشكوى جماعية تنطقها صرخة امرأة. الظاهر أن الصوت منحه ثقة فانفصلتْ الواحدة عن الأخرى، نقَرت كل واحدة الأخرى شأنها شأن موت يستعد. لم تكن أصغر دجاجة تتحرك على الإطلاق، امتقع لونها وارتعد جسمها. جلستْ في منتصف صندوق السيارة على حين أخذ الدجاج الآخر ينخسها وينطحها، وبؤبؤ عينها البرتقالي لا يشيح عني. أحياناً ما يَعرف الحيوانات بالغريزة عندما يَمرض أحد الصغار. قبل أن يبتعد أبي عنا كان لدينا حوض سمك في غرفة المعيشة، ولو حل المرض بواحدة من السمك الملائكي، دفَعها السمك الآخر إلى سطح المياه مثله مثل حانوتيين مائيين. مددت يدي إلى الدجاجة ورفعتُها بسهولة كما الدمية.

وبسرعة لويت عنقها كما فعل جدي من قبل. جعل الحركة تبدو سهلة. ما خلَت في الواقع من سهولة غير أني استطعت أن أشعر بعضلاتها الدافئة تتحرك وروحها تثب منها مجفَلة مهتاجة.

لاحظني بعدها الدجاج الآخر. اتجهتْ إلى مقعدي أكبر دجاجة وهي ترفرف بجناحيها وتشب شبوب القطة المذعورة. لحِق بها الدجاج الآخر، يُميل رؤوسه على جانب ثم الآخر وكأنه يبصرني بآذان لم أستطع رؤيتها، ولكني خمنت وجودها في مكان ما من رؤوسه الواهنة المندفعة نحوي من حيث لا أدري. غطيت في البداية رأسي منتظرة أن تكف، ولكنها لم تكف، انضم إليها الدجاج الآخر، يعوِّل ويضرب يديّ بمناقير حادة هشة. مِن المهم ألا أبكي لأن البكاء معناه أني لن أذهب أبداً لشراء الدجاج مرة أخرى. لم أجد إلا حلاً واحداً.

"ماذا فعلتِ؟" سأل جدي وعيناه تدوران بعصبية في أرجاء السيارة حيث رقَدتْ الطيور الميتة والريش الهزيل كفضلات مبعثرة هنا وهناك. رفَع بنانه إلى صدغيه.

قلت، "لمصلحته يا جدي. كان يولول. يتألم."

"ميشيييل،" لفظ على وشك أن يكمل صراخه، مثل الدجاج، يهاجمني بكلام فارغ مدوٍ، ولكن الكلمات لم تزايل فمه. جلس على مقعده وهو يضع عصاه بجواره ويرسل أنفاساً متلاحقة. بدت طاقته وكأنها تنسكب من مسامه على حين استحال وجهه مخدَّراً في ثوان. تفرستُ في الطين الأحمر الجاف على جزمتي، جزمة صفراء بلون عباد الشمس. سقَط فكه بعد هنيهة ليتكلم، "أظنه لن يفيد كثيراً في البيض على كل حال،" قال الجملة بصوت هادئ ثم أدار المحرك مرة أخرى.

وذات يوم اتفق أن سمعتُ آنا في الملعب تخبر أصدقاءها بالمسرح أن القاضي رشق أمي بالإنجيل، لا لجريمتها، وإنما لصفاقتها. رمتها شاتمة، "بقرة وقحة،" خالتها، أخت أمها. الحق أني لم أتأكد أبداً إن كانت تُمثل أو تُكرر ما قالته الأسرة بمنأى عن مسمعيّ أو تفعل الاثنين. مر عام وهي تُنفذ الحُكم أو – كما فضَّلتُ الاعتقاد – تُسمر بشرتها على أحد الشواطئ في جنوب فرنسا. لم يَرجع جدي إلى قرية جلين نيث لجلب المزيد من الدجاج. وبالتدريج أمسك الدجاج المتبقي عن وضع البيض تماماً. وفي يوم الاثنين، بعد إيماءتي النبيلة الفاشلة، طلبتُ من جدتي كعكاً بالمربى.

"ياه يا شيل،" قالت كمن تتذكر أمراً، "لا نستطيع خبز كعك، ليس لدينا بيض."

"لا يوجد أي بيض في كعك المربى."

أكَّد جدي، "يوجد يا صغيرتي. في العجين."

سألتُ، "ألا يمْكن أن نشتري بعض البيض؟"

ردت جدتي، "جدك يا حبيبتي أنفق كل أمواله على ذلك الدجاج."

تبادلنا حوارات مشابهة شهوراً بلا انقطاع. خلا الإفطار من البيض المخفوق، لا فطائر مع رقائق البطاطس وخل الشعير يوم السبت، لا فطيرة بلحم الخنزير والجبن في الرحلات، لا بودنج يوركشاير مع العشاء، لا بيض مسلوق بصفار جامد مع سلطة الصيف، لا كعكة كريسماس في الكريسماس. حتى عندما أخذ كل الأطفال في فصلي بيضاً إلى المَدرسة خلال عيد الفصح كي تنفخ فيه المُدرسة لإخراج الصفار والبياض ودهنه بخطوط أصلية الألوان، لم يسمحا لي بالمشاركة. من المذهل كيف يشكل البيض أساس الحياة. أضمرتُ طيلة الوقت إعجاباً بطريقة جدي في العقاب. أدركتُ أننا ينبغي أن نُقدر الأشياء التي يقدمها إلينا الآخرون، حتى دجاجة الأقفاص المتواضعة، ولكني لم أتخيل أبداً أنه سيواصل عقابه كل تلك المدة الطويلة.

وفي مايو حين توقعنا مجيء الملاهي من جديد، سارت بممرنا الأمامي امرأة غريبة. "شيل يا حبيبتي، تعالي لماما."

"ماما شقراء،" قلت متقهقرة. كانت چانيت جودوين المقِيمة في شارع آنا قد نجَت  في الأسبوع السابق من مختطف، وتحدثوا إلينا في المَدرسة ألا نلتفت للغرباء.

جذبتني إلى صدرها وشمَّت فروة شعري قائلة، "كنتُ شقراء." تفجرتْ عند جفنها السفلي الدموع، ووسعني أن أسمعها أيضاً، في كلماتها. "يا ربي، لقد اشتقتُ إليك. ماذا تريدين؟ يمْكنك أن تنالي أي شيء؛ فلأُحْضر لك حاجة حلوة، أي شيء في الدنيا، عروسة؟ أيس كريم بالفاكهة والشقدة من محل 'تيدز سوبر بار'؟ قولي، ماذا تريدين؟"

أردت أن أدفعها بعيداً. هممت بأن أقول، 'ذهبٌ ويلزي لخاتم زفافي. جدي سيحْضره، لا أحتاج إليك.'

"هيا يا شيل يا حبيبتي، قولي،" حثتني جاذبة إياي بذراع أشد فكنت أضمها دون رغبة حقيقية مني. "ماذا تريدين؟"

رنوت إلى أمي بشعرها الأسود قائلة، "عجة من فضلك."

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.