مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم كيفين بروكماير  بالموافقة على نشر قصة "التاريخ الموجَز للموتى" في مجلة البوتقة.

Mr. Brockmeier was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Brief History of the Dead" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Brockmeier a great debt of gratitude for his kind permission.

Reprinted by kind permission of Dunow, Carlson and Lerner Literary Agency. Copyright  2003, Kevin Brockmeier. First appeared in The New Yorker.

Special thanks go to Mr. Yishai Seidman from Dunow, Carlson & Lerner Literary Agency

 

 

 

 

التاريخ الموجَز للموتى

كيفين بروكماير

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

التاريخ الموجَز للموتى

 

 

عندما وصل الأعمى إلى المدينة، زعم أنه سافر عبر صحراء من الرمال الحية. أعلن أنه فارق الحياة أولاً ثم – وفي لمح البصر! – وجد الصحراء. جاهر بالقصة لكل مَن أعطاه أذنيه محركاً رأسه صعوداً وهبوطاً في تتبعه لصوت خطواتهم. تساقط من لحيته وابل من الرمال الحمراء. قال إنه ألفى الصحراء جرداء لا تطأها قدم وإنها أطلقت في وجهه فحيحاً كالأفعى. سار أياماً بلا انقطاع حتى انشقت الكثبان من تحت قدميه وجاشت حوله لتجلد وجهه بسياطها ثم عم السكون كل شيء وإذ بالمحيط ينبض مثله مثل القلب. كان أوضح صوت طرق سمعه في حياته. ثم راحت مليون حبة من الرمال تطعن جلده كما السهام، وعند تلك اللحظة فقط، نبس، أدرك حقاً أنه ميت.

 

جيم سينجر، المسؤول عن محل الشطائر بمنطقة النصب التذكاري، قال إنه استشعر وخزاً في أصابعه ثم لفظ النفس الأخير. "لقد كان قلبي،" أصر وهو يضرب صدره ضربات مكتومة. "أودى بي في فراشي." أغلق عينيه وحين فتحهما ثانية ألفى نفسه يستقل قطاراً من نوعية القطارات التي تطوف بالأطفال الصغار في حدائق الملاهي. قادته القضبان عبر غابة كثيفة تتلون أشجارها بلون بني ضارب إلى الذهبي إلا أن الأشجار كانت في الواقع زرافات تمتد رقابها الطويلة نحو السماء امتداد الفروع. هبت رياح لتقشر أظهرها من النقاط. فطفت النقاط حوله وهي تدوم وتهبط في إثر القطار. استغرق وقتاً طويلاً حتى استوعب أن ما صك أذنيه من خفقان مزعج لم يكن صلصلة العَجل على شريط السكة الحديد.

 

قالت الفتاة التي طاب لها الوقوف تحت شجرة الحوْر بالمتنزه إنها قضت نحبها في محيط بلون الكرز المجفَف. حكت أن المياه حملت وزنها برهة فاستلقت على ظهرها دائرة في حلقات عاطلة من المعنى، تنشد لزمات ما استدعته من أغان شعبية. سمعت بعدها رعداً يدوي شأن الطبلة وانشطرت السحب لتنهمر حولها كرات معدنية صغيرة – عشرات الآلاف من الكرات. ابتلعت منها قدر ما استطاعت، قالت وهي تمرر يدها برفق على جذع شجرة الحور المشقوق. لم تقف على السبب. ثم امتلأت مثلها مثل كيس يحوي رصاصاً وغرقت ببطء عبر طبقات المحيط. مست جسمها أفواج من الأسماك فتراءت حراشفها الزرقاء والصفراء أزهى ما في المياه. ومن كل جانب حف بها ذلك الصوت، الصوت الذي نمى إلى الجميع، النبض المنتظم لقلب عملاق.

 

تميزت حكاوي الناس عن العبور بالتنوع والاستفاضة كما هو حال حيواتهم البالغ عددها عشرة مليارات. فكانت بذلك أكثر تفصيلاً بمراحل من قصصهم الأخرى، تلك التي سردوها عن موتهم. ففي النهاية ثمة طرق محدودة يتوفى المرء من جرائها: إما أن يأخذك قلبك وإما أن يأخذك رأسك وإما أن يأخذك واحد من الأمراض الجديدة. بيد أن أحداً لم يسلك نفس الطريق إبان العبور. قال ليف بيلي إنه شاهد ذرات جسمه تتفكك إلى كرات زجاجية صغيرة تدحرجت عبر الكون ثم تجمعت ثانية من لا شيء على الإطلاق. أما هانبينج لي فقد صرح أنه استيقظ داخل جسد إحدى حشرات الأرْق ليحيا حياة كاملة في لب ثمرة من ثمرات الخوخ. بينما لم تزد جراشيلا كافازوس عن أن قالت إنها بدأت تُسقط ثلجاً – ثلاث كلمات – وكلما يلح عليها أحدهم لنيل بعض التفاصيل ترسم ابتسامة تشي بالخجل.

 

لم يسبق قط أن تطابقت رواية مع الأخرى ومع ذلك لم تخل واحدة من ضوضاء مكتومة تماثل صوت الطبلة.

 

أصر بعضهم أنها لم تذهب البتة، أنك لو ركزت انتباهك دون أن تصرف أذنيك عن الصوت، سوف تتمكن من سماعها تقبع خافتة وراء كل شيء بالمدينة – الفرامل والأبواق، أجراس أبواب المطاعم، الأحذية المختلفة وهي تطق وتطقطق على الرصيف. احتشدت جماعات من الناس في المتنزهات أو فوق أسطح المباني لا لغرض سوى الاستماع إليها، كانوا يجلسون في صمت وظهورهم ملتصقة ببعضها بعضاً. با-دوم. با-دوم. با-دوم. فكانوا كمن يحاول إدامة النظر إلى طائر وهو يرتفع حتى تخبو ملامحه ويضمحل إلى نقطة في السماء.

 

وقع لوكا سيمز على ماكينة نسخ قديمة خلال أول أسبوع أقامه بالمدينة فعقد العزم على استخدامها لإصدار جريدة. أخذ يقف خارج مقهى ’ريفر رود‘ كل صباح ليوزع مجاناً ما طبعه من نشرات. ثمة عدد معين من صحيفة ل. سيمز للأخبار & التخمينات صحيفة سيمز كما يسميها الناس – تناول موضوع هذا الصوت. أقل من عشرين في المائة ممن حاورهم لوكا ادعوا أنهم لا يزالون يسمعونه بعد العبور إلا أن كلمتهم اجتمعت بلا استثناء تقريباً على أنه لا يشبه إلا – أنه ليس إلا – نبض قلب. السؤال إذن هو من أين أتى؟ لا يمكن لقلوبهم أن تكون مصدره، فقلوبهم لم تعد تدق. اعتقد العجوز محمود قاسم أنه ليس صوتاً فعلياً لقلبه بل الصوت المتذَكر الذي – لأنه سمعه وأخفق في ملاحظته سنيناً طويلة – لا ينفك يتردد في أذنيه. أما المرأة التي تبيع الأساور بالقرب من النهر فقد خالته نبض مركز العالم، ذلك المكان المشرق المهتاج الذي سقطت من خلاله وهي في طريقها إلى المدينة. "أما هذا المراسل،" اختتم المقال، "فأنا أتفق مع الأغلبية. فطالما ظننت أن ما يرد إلينا من صوت مكتوم هو نبض من لا يزالون أحياء. فالأحياء يحملوننا داخلهم شأن اللآلئ. ونحن نبقى على قيد الحياة ما داموا يتذكروننا." كانت استعارة تفتقر إلى الكمال – حسبما علِم لوكا – فاللؤلؤة تعيش مدة أطول من المحارة. غير أن القاعدة الأولى في مهنة الصحافة هي أنك لا بد أن تلتزم بميعاد النشر. لقد تخلى منذ زمن عن السعي إلى الكمال.

 

توافد المزيد من الناس يومياً إلى المدينة، ومع ذلك لم تخفق المدينة مطلقاً في استيعابهم. قد تكون سائراً في شارع تعهده لسنوات وإذ بك تصادف عمارة أخرى أو صفاً كاملاً من المباني. اضطر كارسون ماكوجرين – سائق واحدة من سيارات الأجرة السوداء الأنيقة التي جالت في الشوارع – إلى إعادة رسم خرائطه مرة كل أسبوع. عشرون، ثلاثون، خمسون مرة يومياً يلتقط راكباً قدِم حديثاً إلى المدينة ليقله إلى مكان لم يسمعه – كارسون – مطلقاً من قبل. كانوا يفدون من أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين. جاءوا من عواصم لا يعوزها الاهتياج ومن جزر صغيرة في وسط المحيط. هذا هو ما يفعله الأحياء: إنهم يموتون. ثمة موسيقي عجوز ممن يعزفون في الشوارع طفق يعزف بمنطقة الطوب الأحمر بمجرد أن بلغ المدينة مصْدراً أنفاس بطيئة حزينة بآلة الأكورديون. ثمة جوهري شاب أقام محلاً عند التقاء شارعيّ مابل وكريستوفر وجعل يبيع أحجاراً ماسية مثبتة في قلائد فضية. أنفقت جيسيكا أوفيرت ما يزيد عن ثلاثين عاماً في إدارة متجر الجواهر الخاص بها القائم في الركن نفسه لكن لم يبد عليها أي استياء من الرجل بل إنها كانت في الواقع تجلب له كل صباح كوباً كبيراً من القهوة الطازجة الخالية من الحليب وتتبادل معه القيل والقال وهي تشاربه القهوة في حجرته الأمامية. ما أوقع في نفسها الدهشة هو حداثة سنه – وحداثة سن الكثير من الموتى في تلك الأيام. فعديد ضخم منهم كانوا مجرد أطفال يقعقعون بألواح التزلج أو يتسابقون بحذاء نافذتها وهم في سبيلهم إلى الملعب. حلا لأحدهم – صبي يتلون خده ببقعة على شكل حبة فراولة – التظاهر بأن الأحصنة الخشبية التي هزهز نفسه عليها أحصنة حقيقية، أحصنة نظفها بالفرشاة وأطعمها في مزرعته قبل أن يُقتلوا في القصف. صبي آخر راقه أن يندفع على المزلقة المرة تلو المرة خابطاً الحصى بقدميه وهو يتفكر في والديه وأخويه الكبيرين الذين لا يزالون أحياء. كان قد راقبهم يعلون متحررين من نفس المرض الذي امتصه ببطء إلى القاع. لم يطب له الحديث عن الموضوع.

 

كان هذا وقت حرب وإن شق عليهم جميعاً استحضار أي حرب كانت.

 

 

ومن حين لآخر يخطئ ميت أكمل للتو العبور فيحسب المدينة الجنة. ما استمر سوء الفهم طويلاً قط. فما هي تلك الجنة التي يصدر عنها ضجيج شاحنات الزبالة في الصباح وتلتصق بأرصفتها العلكة وتفيح منها رائحة السمك المتعفن بجانب النهر؟ وما هي تلك النار التي تصطف بها المخابز وتقوم بها أشجار القرانيا وتشرق بها أنهر زرقاء مثالية تجعلك شعرك يقشعر. كلا، لم تكن المدينة بجنة ولم تكن بنار ولا مراء أنها ليست الدنيا.المنطق يقول إذن إنها ولا بد شيء آخر. بات المزيد والمزيد من الناس يعتقدون في النظرية القائلة بأنها امتداد للحياة نفسها – أشبه بغرفة خارجية – وأنهم سيلبثون هناك طالما بقوا في ذاكرة الأحياء. وحينما يلقي آخر فرد يعرفهم مصيره، سوف ينتقلون إلى الخطوة التالية أياً كانت. الحق أن معظم سكان المدينة رحلوا بعد ستين أو سبعين عاماً. وعلى الرغم أن هذا ليس إثباتاً للنظرية، فقد عمل من غير ريب على تعزيزها. فهناك قصص عن رجال ونساء مكثوا في المدينة لمدد أطول، لقرون وما يزيد عنها، بيد أن مثل هذه القصص دائماً ما تذاع في كل زمان ومكان، ومن العالِم أنصدقها أم لا؟

 

اشتمل كل حي على موقع لتجمع القاطنين به، مكان يتقابل فيه الناس ليتبادلوا أخبار العالم الآخر. هناك صف الأعمدة بمنطقة النصب التذكاري وحانة ’وان آند أونلي تافيرن‘ بمنطقة المتاجر وبعد الصوبة بالضبط – في منتصف منطقة معهد الموسيقى – حيث يقع مقهى ’تي روم‘ الروسي لصاحبه أندريا كالاتوزوف. كان كالاتوزوف يصب الشاي المغلي من مِرجل روسي بلون النحاس الأصفر في فناجين صغيرة من الخزف قدمها على أطباق خشبية كبيرة لا يعوزها اللمعان. حلت المنية بزوجته وابنته قبل أن توافيه هو بعدة أسابيع. راحا في حادث انفجار لغم أرضي اقتلعاه من حديقة الأسرة. كان يتطلع من نافذة المطبخ لمّا وقع ما وقع. اصطدم جاروف زوجته بكتلة معدنية مسننة كانت صدئة صدأ – لدفنها قرناً تحت الأرض – لم يفطن معه لماهيتها حتى انفجرت. انقضى أسبوعان ثم قطع حلقه بالموسى على أمل الاجتماع بأسرته في الجنة. وكما هو متوقع، ها هما – زوجته وابنته – يبتسمان وهم يتناولان معطفيهما عند باب المقهى. راقبهما كالاتوزوف وهو يُشرح ليمونة على شكل أسافين ثم يرتبها في طبق صغير. كان أسعد رجل في الحجرة – أسعد رجل في أية حجرة. قد لا تكون المدينة هي الجنة لكنها كانت جنته. ومنذ انشقاق الصبح وحتى حلول المساء كان يستمع إلى زبائنه وهم يشاركون آخر أخبار الحرب. استأنف الأمريكيون والشرق الأوسط المعارك وكذلك الصين وأسبانيا وأستراليا وهولندا. كانت البرازيل تطور فيروساً متحولاً آخر، فيروساً سيقاوم أحدث أمصال الأنتيتوكسين. أو علها كانت إيطاليا. أو ربما إندونيسيا. لقد سرت شائعات كثيرة حالت دون التأكد من الحقيقة.

 

أحياناً ما يتفق أن يصل شخص فاضت روحه منذ يوم أو اثنين فحسب إلى مركز من مراكز تبادل الأخبار – الحانة أو المقهى أو السوق المجاور للنهر أو صف الأعمدة – فتتجمهر حوله حشود الموتى، يتدافعون شاقين طريقهم للفوز بأية معلومة. لم تختلف الجمل أبداً: "أين كنتَ تعيش؟" "هل تعرف أي شيء عن أمريكا الوسطى؟" "هل صحيح ما أشيع عن الأنهار الجليدية؟" "أريد أن أعرف أخبار ابن عمي. هو يعيش في أريزونا. يدعى لويس زيجلير، حروف اسمه ل-و-ي-س..." "ما هو الموقف بالساحل الأفريقي – هل تعلم، هل تعلم؟" "قل لنا أي شيء أرجوك، أي شيء على الإطلاق."

 

كانت كيران باتيل تشتغل بائعة عقود للسياح بمنطقة فندق بومباي زهاء قرن من الزمان. باحت إلى الموتى بتناقص أعداد المسافرين إلى بلدها لكنها أعلنت أنها لا تعبأ كثيراً نظراً لتناقص ما يستحق المشاهدة فيه. إن العقود العاجية التي كانت تبيعها متجولة في شبابها أضحت قليلة ثم ندر وجودها وفي النهاية تعذر الحصول عليها. فقد قبعتْ الفيلة الوحيدة المتبقية أسيرة في حدائق حيوانات دول أخرى. وقبل أن يدركها الأجل بسنوات معدودة، كانت "عقود العاج الأصلية" التي تبيعها في الحقيقة بلاستيك بلون القشدة صنعته مصانع كوريا في دفعات الواحدة منها تضم عشر آلاف عقد. لم تكترث لهذا أيضاً، فمَن توقف عند كشكها من السياح لم يستطيع تبين الفرق بأية حال.

 

جاهر جيفري فالون – ستة عشر عاماً من مدينة بارك فولز بولاية ويسكانسين – بأن القتال لم يمتد بعد من السواحل إلا أن الجراثيم استشرت في الداخل، وهو دليل حي عليها. "ربما لستُ حياً لكني لا أزال دليلاً،" صحح لنفسه. كان الباكستانيون هم الأشرار ثم جاء الأرجنتينيون والأتراك وبعدها تاه منه الترتيب. "ماذا تريدني أن أقول لك؟" سأل هازاً منكبيه. "أنا في الأساس مشتاق إلى رفيقتي." اسمها تريسي تيبتون. ألِفت أن تفعل حركة بشحمة أذنه وحرف أسنانها الحاد أصابت جسده كله بالتوتر والإثارة مثله مثل وتر الجيتار. ما آبه قط لشحمة أذنه حتى أتى يوم أخذتها فيه بين شفتيها لكنه الآن وهو ميت لا يفكر في أي شيء آخر. مَن كان سيتخيل؟

 

رفض الرجل الذي أمضى ساعات راكباً السلالم المتحركة ونازلاً منها بمجمع التسوق بشارع جينزا أن يطلع أحداً على اسمه. وحين سأله الناس عما يتذكره عن فترة ما قبل الموت، ما ند عنه سوى أن هز رأس بقوة وصفق بيديه هاتفاً، "بوم!،" ثم حرك بنانه بما يوحي بأن نثاراً يتساقط.

 

 

إن المباني الشاهقة المشيدة بالفولاذ والبوليمر في قلب المدينة – بنوافذها الزجاجية اللامعة العاكسة لكل ثغرة بين كل سحابتين في السماء – حلت محلها عمارات من الحجر والقرميد والخشب بعد بضع مئات من المباني. ومع ذلك تراءى التغيير على نحو تدريجي تماماً وضجت الشوارع بالحركة حتى إنك كنتَ تمشى ساعات قبل أن تكتشف أن العِمارة بدلت نفسها حولك. اصطفت على الأرصفة دور السينما وصالات الرياضة وحوانيت الأدوات المعدنية وحانات الكاريوكي* وملاعب كرة السلة وأكشاك الفلافل. ثمة مكتبات عامة ومحلات للتبغ. أقيمت متاجر لبيع ملابس النساء الداخلية ومحلات للتنظيف الجاف. نهضت مئات الكنائس بالمدينة – بل المئات في كل مقاطعة – معابد شرق آسيوية ومساجد وكنائس صغيرة ومعابد يهودية. قامت مقحَمة بين أسواق الخضراوات ومحلات تأجير أشرطة الفيديو مرسِلة صلبانها وقبابها ومآذنها عالياً في السماء. صحيحٌ أن بعض الموتى نبذوا أديانهم القديمة بعدما خامرهم الاشمئزاز لأن الآخرة – هذه الآجلة العظيمة المزعومة – ليست ما وعدتهم به حيواتهم الحافلة بالعبادة. ولكن عوضاً عن كل فرد خسر إيمانه، ثمة آخر تشبث به وآخر اعتقد به. وظلت الحقيقة المجردة هي أن أحداً لم يكن يَعلم ما سيطرأ عليهم بعد انقضاء وقتهم بالمدينة، ولمجرد أنك مت دون مقابلة ربك، لا يوجب هذا الافتراض أنك لن تلقاه في يوم من الأيام.

 

هذه هي فلسفة خوزيه تامايو الذي أبدى استعداده للعمل كحارس بكنيسة القلب المقدس مرة كل أسبوع. ألِف أن ينتظر أيام الآحاد بجوار الباب الغربي حتى تنتهي آخر صلاة وينفض الحشد في أرجاء المدينة. يكنس بعدئذ قراميد الأرضية ويُلمع المقاعد والمذبح ويستعمل المكنسة في تنظيف الوسائد المستقرة بجانب سياج القربان. وحين يتم عمله، يهبط بخطوات حذرة سبعة عشر درجة واقعة أمام المبنى – حيث يقف الأعمى متحدثاَ عن رحلته عبر الصحراء – ثم يقطع الشارع متجهاً صوب شقته. كان قد أصاب ركبته ذات مرة خلال مباراة لكرة القدم، ومنذ وقتها كلما فرد رجله نزل به ألم فوق المفصل وكأن نجماً صغيراً انفجر بها. ما زايلته الإصابة حتى بعد العبور فلم يطب له السير عليها طويلاً. لذا اختار العمل بكنيسة القلب المقدس: فهي أقرب كنيسة وجدها. الحقيقة هي أنه تربي على التعاليم المنهجية في الأبرشية غير الكاثوليكية الوحيدة في وان تولا. كثيراً ما تفكر في المرة التي سرق فيها صندوقاً به ست زجاجات صودا، سرقه من مخزن الكنيسة برفقة صبية عرفهم في فصل مدرسة الأحد. تناهى إليهم صوت المُدرسة آتية فأغلقوا الباب. تسرب شعاع رفيع من الضوء مائلاً من خلال عضادة الباب ليضيء مقبض عربة عامرة بكراس مطوية – أربعين أو خمسين كرسياً مكومين معاً في تشابك مرتفع لا ينقصه الإحكام. ما استحضر خوزيه سوى التحديق إلى هذه العربة والإنصات إلى خطوات المُدرسة فيما تتحرك فقاقيع الصودا بخفة فوق لسانه، ترسل شرراً ثم تنفقئ مقابل سقف حلقه.

 

طالماً انتابت الموتى الدهشة من مثل هذه الذكريات. قد يواصلون الحياة أسابيع وشهوراً دون أن تخطر ببالهم المنازل والأحياء التي نشئوا فيها، أمثلة الخزي والمجد التي حلت بهم، الوظائف والوتائر والهوايات التي قوضت حيواتهم تقويضاً بطيئاً على أن أقل الأحداث وأتفهها تثب إلى أفكارهم مئات المرات يومياً مثلها مثل سمكة تخبط سطح البحيرة بذيلها. ورد على ذاكرة العجوز التي تستجدي أرباع الدولارات في الميترو أنها التهمت وجبة من فطائر سرطان البحر والفجل الحار بأحد أرصفة خليج تشيسابيك. تذكر الرجل الذي ينير مصابيح الغاز في منطقة المسرح أنه أبصر في أحد المتاجر هرماً من علب الفاصوليا مخصص للعرض فالتقط واحدة من منتصفه تماماً. وحين لم تسقط العلب الأخرى، استولت عليه خفقة من زهو ثم خفقة من حيرة لزهوه. أندرياس أندريوبولوس – الذي وضع شفرات ألعاب الكمبيوتر لمدة أربعين عاماً من حياته الراشدة – تذكر أنه قفز مرة ليقطف ورقة من إحدى الأشجار وأنه فتح مجلة من مجلات الأزياء كي يستنشق رائحة الصفحات المعلِنة عن العطور وأنه كتب اسمه ذات مرة على المياه المتكاثفة فوق زجاجة بيرة. لقد استحوذت عليه – هذه الذكريات المجردة من الشكل، شبه السرية. لاحت أعمق بكثير من المفترض وكأن فيها يكمن العبء الحقيقي لمغزى حياته. يفكر أحياناً في تجميع أجزائها ليؤلف سيرته الذاتية، كل تلك الذكريات الصغيرة التي احتلت مكان تفاصيل عمله وعائلته ويستثني كل ما عداها. سيخطها بيده على صفحات مفكرة عاطلة من السطور.

 

ثمة أماكن بالمدينة اكتظت الحشود فيها اكتظاظاً حتى إنك لم تستطع الحركة دون الاحتكاك بذراع أو ورك أو بطن. وبينما تضخمت أعداد الموتى، شاعت هذه المناطق بصورة متزايدة. لم تكن المسألة أن المدينة افتقرت إلى المساحات لإيواء المقيمين فيها بيد أنهم حين اختاروا الاجتماع، التقوا في أماكن معينة، وكلما زاد عدد السكان، باتت هذه الأماكن أشد ازدحاماً. أما مَن يرتاحون لخصوصيتهم فقد تعلموا كيفية اجتنابها. ولو رغبوا في زيارة الميدان المفتوح بمنطقة النصب التذكاري أو النوافير بمنطقة النيون، تمهلوا ريثما يتناقص عدد السكان. والبادي أن هذا وقع على الدوام في أوقات الحرب أو الطاعون أو المجاعة.

 

كان المتنزه الكائن بجوار النهر أكثر أماكن المدينة المزدحمة ازدحاماً، فقد نعِم بصف من المقاصير البيضاء ورقعة طويلة من العشب الحي. امتلأت أرصفته ببائعي الطائرات الورقية وأكشاك المشروبات الغازية، ونحتت صخور أشبه بالسروج المياه لتستحيل إلى عشرات من الأجوان المستديرة استدارة ملساء. أقبل يوم خرج فيه رجل – ذو لحية كثيفة شيباء وشعر أشعث كما الخيمة – بخطوات مضطربة من إحدى المقاصير وجعل يرتطم بأكتاف المحيطين به. لاح للأنظار فاقداً الإحساس بالزمان والمكان، ولم يغب عمن أبصروه أنه اجتاز للتو مرحلة العبور. صرح بأنه عالم فيروسات. قضى آخر خمسة أيام في تسلق أغصان شجرة ضخمة من أشجار القيقب فألصق النسغ ملابسه بجلده. الظاهر أنه خال جميع رواد المتنزه كانوا معه في الشجرة. وعندما استفسر أحدهم عن طريقة موته، سحب نفساً وأمسك للحظة قبل أن يجيب. "صحيح، أنا مت. عليّ أن أظل أذكر نفسي. فعلوها أخيراً، أولاد الكلب. عثروا على طريقة لتدمير كل شيء." فتل من لحيته خشبة مغطاة بالنسغ. "هل لاحظ أي منكم ضجة مكتومة داخل الشجرة؟"

 

لم تلبث المدينة بعدئذ أن بدأت تخلو.

 

 

تكَون مكتب صحيفة ل. سيمز للأخبار & التخمينات من غرفة واحدة تقوم في أحد أقدم مباني المدينة، مبنى مشيد بآجر بلون الشوكولاتة وكتل من الجرانيت الفضي. تدلت من طوابقه العليا طحالب صفراء باهتة كما الأعلام المثلثة لتتهدل وصولاً حتى إفريز الباب الأمامي. وكل صباح، فيما يقف لوكا سيمز ليدير ذراع ماكينة النسخ، يتسلل ضوء الشمس عبر الطحالب المتدلية خارج نافذته فتتشبع الغرفة بنور دافئ أصفر. بالكاد يستطيع أحياناً التطلع إلى المدينة دون أن يتخيل أنه يحدق إلى غابة تحتضر.

 

ومع حلول الساعة السابعة، يكون قد فرغ من طباعة عدة آلاف نسخة من نشرته وحملها إلى مقهى ’ريفر رود‘ حيث يوزعها على المارة. راقه أن يعتقد أن كل مَن يأخذ صحيفة يمررها إلى آخر، يقرأها الآخر ويمررها إلى ثالث، يقرأها الثالث ويمررها إلى رابع بيد أنه كان ملماً بحقيقة الوضع. إذ كانت عيناه تلتقطان دوماً وهو في طريقة إلى البيت عدة نسخ على الأقل في النفاية وقد انفضت صفحاتها بالتدريج تحت أشعة الشمس. ومع ذلك لم يكن من غير المعتاد أن يرنو إلى داخل المقهى ليلتقي ناظراه بعشرين رأساً أو ثلاثين تنحني فوق نسخ من آخر إصدارات صحيفة سيمز. بات مؤخراً يتناول أخباراً أقل عن المدينة ليُكثر في المقابل من أخبار عالم الأحياء، أخبار جمعها من لقاءاته بالموتى حديثاً، وأغلبهم ضحايا لما سموه "الوباء." لاحظ أن أعين هؤلاء الأشخاص تنزع كثيراً إلى الطرف. كانوا يسددون عيوناً نصف مغمضة ويفركونها طويلاً. تساءل إذا ما كانت لها صلة بالفيروس الذي أودى بهم.

 

رمق لوكا نفس الوجوه خلف نافذة المقهى كل يوم. "تعرُض الآلاف للفيروس في طوكيو. اكتشاف مراكز جديدة للزلازل في جوهانسبيرج وكوبنهاجن وبيرث." كان إليسون براون – طاه الحلوى في المطبخ – يتمهل دائماً حتى ينصرف لوكا قبل أن يلقي نظرة سريعة إلى عناوين الأخبار. كانت زوجته شاعرة طاب لها أن تقف لصقه وقد علت وجهها نظرة شكسة فيما يطالع هو ما كتبته يومها، وما من شيء أزعجه أكثر من الإحساس بأن أحداً يرصد حركاته. "فترة الحضانة أقل من خمس ساعات. الإصابة ظهراً والوفاة عند منتصف الليل." ترشف شارلوت سيلفين رشفة من قهوتها وهي تنعم النظر في الجريدة بحثاً عن أي إشارة إلى باريس. لا تنفك تعتبر المدينة موطنها وإن لم تطأها قدماها منذ خمسين عاماً. أبصرت في مرة من المرات كلمة "السين" مطبوعة بالفقرة الأولى من أحد المقالات فما هي إلا أن ضاقت أصابعها حول الصفحة غصباً عنها لكنها لم تجدها سوى كلمة "السنين" مكتوبة خطأ. لن ترى موطنها مجدداً قط. "الفيروس ينتقل عبر الهواء والماء. وفاة مليارين في آسيا وأوروبا الشرقية." كانت مي ماتسودا رايو مولعة باللعب بالألفاظ. لَذ لها قراءة صحيفة سيمز مرتين كل صباح، مرة لمطالعة محتوياتها ومرة منقبة عن أية نماذج خفية قد تعثر عليها – لفظة أو جملة تُقرأ قراءة صحيحة من اليمين واليسار على حد سواء، حروف تتبدل مواقعها لخلق كلمات جديدة، حروف اسمها مختلطة داخل كلمات أخرى. لم تخفق مرة في اكتشافها. "جرثومة تفتك بالبشر خلال أربع وعشرين ساعة تعبر المحيط الأطلسي. معدل القتلى يقترب من مائة في المائة."

 

طفق مَن يدقون أبواب المدينة يلاحظون ما لم يكن بالمألوف. المبشرون والباعة المتجولون ومقدمو العرائض وموظفو الإحصاء السكاني، جميعهم جاهروا بنفس الشيء: أعداد الموتى تتضاءل. ثمة حجرات فارغة في مبان غير مأهولة كانت مفعمة بالأجساد منذ بضعة أسابيع فقط لا غير. لم تعد الشوارع غاصة بالسابلة. المسألة ليست أن الموت أحجم عن ملاقاة الناس. فالحقيقة هي أن أرقام الموتى كانت في أعلى معدلاتها. فقد وفدوا بالآلاف ومئات الآلاف في كل دقيقة من كل ساعة لتزخر بهم منازل ومدارس وأحياء بأكملها. لكن في مقابل كل شخص أتم عملية العبور اختفى على ما يبدو اثنان أو ثلاثة. راسل هينلي – بائع مقشات صنعها بربط أغصان خشب الأرْز بلفائف من أحبال بلاستيكية – شَبه المدينة بمقلاة يعيبها ثقب. "مهما صببتَ فيها من ماء، لا يفتأ ينسكب منها." أدار كشكاً في منطقة النصب التذكاري حيث راح يُجمع أجزاء مقشاته ليعرضها أمام الحشود المارة، حشود بلغ عددها بالكاد مئات قليلة في تلك الأيام. لو أن الحياة الوحيدة التي امتلكوها أسبغتها عليهم ذاكرة الأحياء – كما مال راسل إلى الاعتقاد – ماذا سيحدث حين يتجمع بقية الأحياء في المدينة؟ تساءل عما سيقع حين تفرغ تلك الغرفة الأخرى، العالم الأوسع؟

 

لا مراء أن تغييراً ألمّ بالمدينة. إذ أقبل مَن أهلكهم الوباء وراحوا بسرعة متناهية، أحياناً خلال ساعات، مثلهم مثل ثلج يهطل في وسط الربيع ليكسو الأرض ليلاً ثم يذوب بمجرد طلوع الشمس. حضر رجل في أحد الأصباح إلى منطقة الصنوبرة وعثر على دكان شاغر. كتب لافتة على نافذته بصابون ملون ("شيرمان لتصليح الساعات. خدمة سريعة سهلة. الافتتاح قريباً"). ثم أغلق الباب وابتعد بخطوات متثاقلة ولم يرجع بعدها قط. رجل آخر قضى الليلة مع امرأة ثم أنهى إليها بأنه ذاهب إلى المطبخ ليشرب ماء، وحين نادت عليه بعد عدة دقائق لم تسمع جواباً. فتشت عنه في الشقة – ألفت النافذة المجاورة لمائدة التسريح مفتوحة وكأنه تسلق منها إلى الشرفة – بيد أنها لم تعثر له على أثر. وفي ظهيرة مشرقة لم تخل من رياح ظهر بالمدينة جميع سكان إحدى الجزر الصغيرة بالمحيط الهادي، اجتمعوا في الطابق العلوي من أحد المرائب ثم تلاشوا مع نهاية النهار.

 

إلا أن من عمّروا بالمدينة كانوا أكثر إحساساً بالتغييرات من غيرهم. ففي حين لم يدر أي منهم – أو درى على الإطلاق – مدة بقائهم بالمدينة أو ميعاد انتهاء هذه المدة، غالباً ما نشأ إيقاع يحدد فترة إقامتهم بالمدينة، أمور معينة يترقبها المرء: فبعد إكمال العبور، تجد بيتاً ووظيفة وثلة من الأصدقاء ثم تستهلك ستة عقود أو سبعة، وفي حين ليس بوسعك تكوين عائلة لأن لا أحد يتقدم في السن، بمقدورك دائماً لم شمل عائلة حولك.

 

مارياما إكوينسي مثلاً أقامت في الدور الأرضي من منزل صغير بمنطقة الصلصال الأبيض لما يقرب من ثلاثين عاماً. كانت امرأة طويلة القامة ممشوقة القد لم تنزل قط عن تصرفات المراهِقة التي سلكتها ذات يوم، مراهِقة راودها الانشداه والحيرة بفعل نموها. تخضبت فساتينها القطنية الزاهية بلون شمس في رسمة طفل، فكان جيرانها يتلقطون دوماً هيئتها قادمة من على بُعد مبان عديدة. اشتغلت مارياما مربية في إحدى دور الأيتام الكثيرة بالمدينة. فكرتها عن نفسها أنها مُدرسة ماهرة لكنها افتقرت إلى ما يلزم لتهذيب الأطفال، فصحيح أنها كثيراً ما خلفت الأطفال تحت رعاية شخص آخر لكي تطارد طفلاً انطلق جارياً منها. كانت تقرأ للأطفال الصغار كتباً عن رحلات طويلة أو حيوانات تُغير أشكالها. أما الأطفال الكبار فقد رافقتهم إلى المتنزهات والمتاحف وعاونتهم في أداء واجباتهم. ألْفت الكثيرين منهم سيئي السلوك، ينبسون بألفاظ تحمر لها وجنتاها بحق، فوجدتُ نفسها عاجزة عن التعامل مع مثل تلك المشاكل. حتى عندما تظاهرت بالغضب من الأطفال، كانوا من المهارة أن يدركوا أنها لا تزال تضمر لهم حباً. تلك هي أزمتها. ثمة ولد محدد، فيليب ووكر، اعتاد أن يركض ركضاً نحو منطقة التسوق متى واتته الفرصة. البادي أنه استظرف سماع صوتها وهي تعدو خلفه، تنهج جارية بخطواتها الثقيلة. لم يسعها أبداً اللحاق به إلا حين تخور قواه – لاهثاً من فرط الضحك – على مصطبة مبنى أو مقعد بمكان ما. وفي يوم من الأيام انعطفت في تتبعها له إلى أحد الأركان ولاحقته في زقاق لم تخرج من نهايته الأخرى قط. عاد فيليب إلى الميتم بعد نصف ساعة. لم تكن لديه أدنى فكرة عن مكانها.

 

درَج فيل تولفانين على لعب البلياردو كل ليلة في حانة قائمة عند تقاطعيّ شارعيّ إيتث وفاين. لم يختلف أصدقاؤه بالحانة عن أصدقائه خلال الحياة. ثمة عبارة تعودوا قولها لبعضهم بعضاً وهم خارجون لاحتساء المشروبات بمدينة أولو، عبارة أشبه بأغنية اعتادوا ترديدها: "سأقابلك بعد الأجل / في تلك الحانة عند إيتث وفاين." ومع وفاة الواحد تلو الآخر، وجدوا طريقهم إلى زاوية إيتث وفاين، دلفوا من أبواب الحانة بأقدام يتملكها الحذر والشك لتقع أعينهم على بعضهم بعضاً بالقرب من موائد البلياردو حتى تجمعوا كلهم ثانية بالتدريج. كان فيل آخر من زالت عنه الحياة من المجموعة وقد بث عثوره على أصدقائه بالحانة هناك في قلبه عذوبة قاربت ما خالجه من شعور وهو شاب. قبض على أذرعهم وربتوا هم ظهره. أبى إلا أن يدعوهم إلى المشروبات على حسابه. "آخر مرة،" أفضى إليهم. ورغم أنه لم يستطع إتمام جملته، فطنوا جميعاً إلى مرماه. كان يبتسم ابتسامة عريضة ليحول دون أن تترقرق عيناه بالدموع. رماه أحدهم بقشره فول سوداني فقذفه بأختها، وسرعان ما تغطت الأرضية بالقشر حتى إن الأقدام كانت تسحقها حيثما داست. ولمدة شهور بعد موته، لم تفت فيل ليلة واحدة بجوار الموائد، لذا حين انقطع عن المجيء ذات ليلة، خرج أصدقاؤه باحثين عنه. توجهوا من فورهم إلى غرفة استأجرها فوق متجر للأدوات المعدنية في آخر الشارع. قرعوا الباب بقبضاتهم ثم أزاحوا القفل بالطرف الحاد لبعض أوراق الكوتشينة. وجدوا حذاء فيل بالداخل وكذا ساعته وسترته بيد أنه غاب عن المكان.

 

لم يحتس إيثان هاس عالِم الفيروسات الخمر في الحانات بل من قارورة معدنية صغيرة ثبتها في حزامه كمزادة عضو من أعضاء الكشافة. قضى ثلاثين سنة يرصد التطورات في حقله قبل أن يفارق الحياة، فكان يطالع الجرائد ويرهف أذنيه إلى ما يسري من ثرثرة في المؤتمرات، فتراءى له أحياناً أن كل حكومة وكل جماعة ضغط وكل زمرة في العالم تفتش عن نفس الشيء، فيروس مثالي، فيروس يتعقب كل ما يمكن تخيله من حشرات ناقلة للأمراض، فيروس سوف ينتشر بين السكان مثله مثل حلقة تتسع في بريكة بعد هبوط قطرة مطر. بات من الجلي له الآن أن أحداً نجح أخيراً في تصنيعه. لكن كيف ورب السماء وضعه موضع الاستعمال؟ لم يسعه الوقوف على هذا. فقد ندرت روايات الموتى حديثاً كما خلت دوماً من الدقة. وجاء يوم حبس فيه نفسه في حمام متحف الفن بشارع هاي وطفق يبكي بلا انقطاع، يقول وهو ينتحب شيئاً عن الهواء والماء ومخزون الطعام. استدعوا أحد حراس الأمن. "اهدأ يا رجل. فيه هواء وماء كثيران لك هنا بالخارج. لِم لا تفتح لنا الباب؟" استعان الحارس بأكثر نبرات صوته بطأ وتسكيناً فما كان من إيثان إلا أن صرخ "كل واحد! كل شيء!" وأخذ يفتح حنفيات الأحواض الواحدة بعد الأخرى. لم تبدر منه كلمة أخرى وحين اقتحم الحارس الباب بعد مضي عدة دقائق، كان قد اختفى.

 

كان الحال وكأن بوابة انفتحت أو جداراً انهد فراحت المدينة تطلق أخيراً سراح موتاها. اندفعوا من حدودها بأعداد غفيرة وما لبثت المتنزهات والحانات ومتاجر التسوق أن أصبحت تقريباً فارغة.

 

وذات يوم، بعد برهة من إغلاق آخر المطاعم أبوابه، كان الأعمى يقف على سلالم الكنيسة منتظراً مَن يستمع إلى قصته. لم يمر به أحد طيلة النهار فطفق يتساءل إذا ما كانت النهاية قد أقبلت أخيراً. علها جرت وهو نائم أو في الصباح الباكر خلال نصف دقيقة حسب فيها أنه شم رائحة عسل محترق. تناهت إليه بضعة أبواق تنطلق عالية من سيارات بأحياء مختلفة من المدينة. وبعد عشرين دقيقة ورد إلى مسمعيه قطار الميترو وهو يصدر صرخة طويلة حادة وقد تشبثت فرامله بالخط الحديدي. بعدها شمل السكون كل الموجودات عدا ريح مضت تلفظ أزيزها بين العمائر ثم تباطأت لتنتهي إلى السكون. أرهف السمع باحثاً عن حس أو خطوة إلا أنه لم يتبين صوتاً بشرياً واحداً.

 

كور كفيه كالفنجان حول فمه. "يا ناس؟" صاح. "يا ناس؟" لكنه لم يحظ برد.

 

نال منه هاجس لم يعتده فحط يده فوق صدره. خشي أن تكون دقة القلب التي سمعها هي في الحقيقة دقة قلبه هو.

 

 

 

* حانات تذيع موسيقى الأغاني الشعبية المسجَلة ليغني السامعون كلماتها.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.