مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم ها جين بالموافقة على نشر قصة "العريس" في مجلة البوتقة.

Mr. Jin was so generous to permit the publication of the Arabic text of “The Bridegroom” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Jin a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

العريس

ها جين

تقديم: هالة صلاح الدين

 

العريس

 

 

قبل أن يعاجل الأجل أبا باينا، قطعتُ له وعداً بأني سأتعهد ابنته بالرعاية. فقد ربطتْ بيننا صداقة حميمة لمدة عشرين سنة. خلف طفلته الوحيدة في عهدتي لأني وزوجتي لم نرزق أطفالاً. كان من السهل أن أفي بوعدي عندما كانت باينا في سن المراهقة. إلا أني وجدت الأمر أكثر صعوبة وهي تتقدم في السن، ليس لأنها عنيدة مزعجة، إنما لأن أحداً لم يأبه لها، إذ كانت فتاة قصيرة القامة تخلو ملامحها من مسحة جمال. حينما بلغتْ الثالثة والعشرين دون أن تفوز بصديق، طفق القلق يساورني. أين سأعثر لها على زوج؟ فقد كانت تتصف بالخجل والهدوء بلا أية معرفة عن كيفية الاقتراب من الرجال. تسرب الخوف إلى قلبي أن تصير عانساً.

ثم ما أدري إلا وقد تقدم باوين هوانج لخطبتها. ألفيتُ نفسي في حيرة شديدة، فهما بالكاد يعرفان أحدهما الآخر. كيف تأتى له أن يكون جاداً في عرضه؟ خشيتُ أن يجعل من باينا أضحوكة، لذا أصررت على عقد خطبتهما إن كان جاداً حيالها. صار إلى منزلي حاملاً ديوكاً مخصية مكتفة الأطراف وأربع علب كرتون من سجائر الجينسينج وزجاجتين من شراب فايف جرينز ساب وعلبة طويلة من شاي التنين الأسود. سعدتُ بهداياه وإن لم أنبهر بها تماماً.

تزوجا بعدها بشهرين. هنأني زملائي قائلين، "تم الزواج سريعاً يا أولد تشانج."

يا للراحة. إلا أن الكثيرات من الشابات بمصنع ماكينات الخياطة الذي نعمل به عددن زواج باينا لطمة على وجوههن. كن يقلن، "الدجاجة حبستْ طاووساً." أو، "يعطي الحلق لمن ليس له أذنان." هذا صحيح، فباوين من أكثر العزاب وسامة بالمصنع، ولم يتوقع أحد أن تظفر به باينا، الفتاة القصيرة ممتلئة الجسم. الأكثر من ذلك أن باوين كان لطيف المعشر وحسن التعليم – إذ كان خريج مدرسة إعدادية – ولم يكن التدخين أو السُكْر أو القمار من عاداته. كما تمتع بسلوكيات حميدة وغالباً ما كان يبتسم للناس بكل أدب كاشفاً عن أسنان لامعة قويمة. كان يشبه النساء على نحو ما، إذ كان رقيق المسلك، صافي البشرة، معسول الحديث؛ بل إنه كان يشغل الملابس من الصوف. غير أن أحداً لم يتجاسر على التنمر عليه ذلك أنه كان يجيد الفنون القتالية. فقد فاز ثلاث مرات متتالية بالجائزة الأولى في الكونج فو بالمسابقة الرياضية التي ينظمها المصنع كل عام. مَهَر مهارة بالغة في المبارزة بالسيوف الطويلة وفي الملاكمة الحرة. عندما كان يدرس الإعدادية، طالما ضايقه الأولاد الأضخم منه، لذلك أرسله زوج أمه إلى مدرسة الفنون القتالية بمسقط رأسيهما. انقضت سنة لم يزعجه بعدها أحد على الإطلاق.

لم أتمالك نفسي أحياناً من أن أتساءل عن السبب الذي حمل باوين على اختيار باينا. ما الذي استحوذ على قلبه فيها؟ هل أعجب حقاً بوجهها اللحيم الذي كثيراً ما ذكّرني بسمكة الفهكة الكروية؟ ورغم ما خامرني وزوجتي من شكوك، لم نقو على التفوه بكلمة سلبية عن الزواج. منبع قلقنا الوحيد كان أن باوين قد يكون عريساً أفضل بمراحل من ابنتنا، ابنتنا بالاسم فقط. وكلما تناهى إليّ أن أحدهم طلق، تتملكني فجأة ارتعاشة مشحونة بالهلع.

بصفتي رئيس قسم الأمن بالمصنع، تمتعتُ ببعض النفوذ فلم آل وسعاً لمعاونة الزوجين. إذ سرعان ما حصلتُ لهما بعد الزفاف على شقة جديدة تماماً يلحق بها حمامان، الأمر الذي أغضب بعض الناس الذين كانوا في انتظار دورهم لنيل شقة. بيد أن انتقاداتهم لم تثبط من همتي. فقد كنت سأفعل تقريباً أي شيء لضمان استقرار زواج باينا لأني اعتقدت أن زواجها لو استمر سنتين، قد يدوم عقوداً – فما إن يصبح باوين أباً، سيصعب عليه الفكاك.

لكن بعد مرور ثمانية أشهر على زواجهما، ظلت باينا بلا حَمْل. خشيتُ أن يضج باوين منها سريعاً ويجري وراء امرأة أخرى بما أن العديد من الشابات بالمصنع ظللن على انجذابهن إليه. بل إن إحدى الوقحات أعلنت أنها ستخلف بابها مفتوحاً له طيلة الليل. وبين الفينة والأخرى كان بعضهن يعرضن عليه تذاكر سينما أو قسائم صرف لحوم. فبدا الأمر وكأنهن عاقدات العزم على تحطيم زواج باينا. أضمرتُ لهن مقتاً، وإن حدث وخطرن ببالي، هاجم الألم أذني أو أصيبت معدتي بالحموضة. لحسن الحظ أن باين لم يقْدم بعد على أية فعلة لا يفعلها أي زوج محترم.

في صباح أحد الأيام التي استهلت شهر نوفمبر، مرقتْ باينا من باب مكتبي. "عمي،" نبس صوتها الدامع، "لم يرجع باوين إلى البيت الليلة الفائتة."

حاولتُ أن أحتفظ برباطة جأشي وإن شرع رأسي في التأرجح. "أتعلمين أين كان؟" سألتها.

"لا أدري. لقد فتشتُ عنه في كل مكان." لعقتْ شفتيها المشقوقتين وخلعتْ قلنسوة العمل الخضراء فحسرتْ عن شعرها المعقود على شكل كعكة ضخمة.

"متى رأيته آخر مرة؟"

"على مائدة العشاء مساء الأمس. قال إنه سوف يقابل شخصاً ما. فلديه الكثير من الأصحاب بالبلدة."

"صحيح؟" لم أكن أعلم أن لديه العديد من الأصدقاء. "لا تقلقي. عودي إلى ورشتك ولا تخبري أحداً بهذا. سأجري عدة مكالمات وسوف أعثر عليه."

جرجرتْ خطاها إلى خارج مكتبي. لا بد وأنها أضافت على الأقل دستة من الأرطال إلى وزنها منذ الزفاف. بلغ سروالها الأزرق من الضيق أن ظهر على وشك الانفجار. ألقيتُ نظرة عليها من الخلف فبدت مثل ثمرة اللفت العملاقة.

اتصلتُ بسينما رينبو وبفندق فيكتوري بارك وببعض المطاعم بالبلدة. فاجمعوا على أنهم لم يبصروا أحداً يطابق مواصفات باوين. وقبل أن أتصل بالمكتبة العامة حيث يمضي باوين أحياناً عطلات نهاية الأسبوع، أتتني مكالمة. كانت من مكتب الأمن العام التابع للمدينة. أنبأني مَن بالهاتف بأنهم احتجزوا عاملاً لدينا بالمصنع يدعى باوين هوانج. لم يطلعني على ما وقع. إذ لم يزد على قول، "نشاط مخل بالآداب. احضر على وجه السرعة."

لفّت البرودة الجو في ذلك اليوم. وبينما كنت أقود الدراجة إلى وسط البلد، ما فتئتْ الرياح الشمالية الصاخبة تقلب حواشي معطفي الأمامية. أحسست بالألم ينتاب ركبتيّ ولم أقو على مغالبة الارتجاف. ما لبث حلقي أن ضاق بفعل الربو وشرعتُ في الأنين. لم أمسك عن لعن باوين. "كنت أعلم. كنت بحق أعلم،" حدثتُ نفسي. لقد استشعرتُ أنه عاجلاً أو آجلاً سينشد المتعة مع امرأة أخرى. هو الآن في قبضة الشرطة والمصنع بأسره سيتكلم عنه. كيف يمكن لباينا أن تتحمل هذه اللطمة؟

داهمتني الدهشة بمكتب الأمن العام لمرأى حوالي دستة من الموظفين العاملين بمصانع ومدارس وشركات أخرى. كنت أعرف أغلبهم، إذ عُهد إليهم بشؤون الأمن في محل عملهم. قادتنا شرطية إلى حجرة للمؤتمرات بالطابق العلوي تدلت على نوافذها ستائر حريرية خضراء اللون. جلسنا حول مائدة طويلة من خشب الماهوجني منتظرين إطلاعنا على الوضع. اعتلى المائدة زجاج جديد كل الجدة، فحافته لم تزل حادة. قرأتُ علائم القلق والحيرة على وجوه الرجال الآخرين. حسبتُ أن باوين لا بد قد تورط في جريمة ما منظمة – إما حفلة قصف وعربدة وإما جريمة اغتصاب من قِبل عدة أفراد. لكني شعرتُ بعد أن عاودتُ التفكير أنه لا يمكن أن يكون مغتصباً؛ إذ كان بطبعه طيب القلب، رقيقاً كل الرقة. رجوت ألا يكون ضالعاً في قضية سياسية، عندئذ سيصير العفو عنها ضرباً من المستحيل. فمنذ ستة أعوام أو سبعة أنشأ خريج أحمق من خريجي المدارس الثانوية اتحاداً بمدينتنا أسماه حزب تحرير الصين وألحق به بعد ذاك تسعة من الأعضاء. وعلى الرغم من صغر حجم العصفور، فقد اكتملتْ أعضاؤه – إذ اختار حزبهم رئيساً وسكرتيراً بل ورئيس وزراء. لكن قبل أن يتسنى لهم طبع بيانهم الرسمي الذي عبّروا فيه عن عزمهم على الإطاحة بالحكومة، اعتقلتهم الشرطة. أعدم اثنان من القيادة العليا وسُجن باقي الأعضاء.

وأنا لفي تساؤلي حول طبيعة الجريمة التي اقترفها باوين، أقبل رجل في خريف العمر. نمّ وجهه ذو العينين شبه المغلقتين عن الوقار. خلع سترته الضيقة كحلية اللون وعلقها على ظهر الكرسي ثم اتخذ مجلسه عند نهاية المائدة. تعرفتُه؛ إنه قائد الشرطة مياو من قسم التحقيقات. كان يرتدي سترة عتيقة الطراز، طويلة ضيقة بلا أكمام مصنوعة من جلد الخراف، فأعاد إلى ذاكرتي على نحو ما جانكيز خان بعظامه الغليظة ووجهه المستدير. أطل المكر من عينيه ذواتي الجفون الكبيرة وإن بدتا ناعستين. صرح دون أية ملاحظات افتتاحية أن لديهم قضية شذوذ بين أيديهم. حالما نطق بتلك الكلمة، عجت الغرفة بالضجيج. كنا قد سمعنا بالكلمة بيد أننا لم نفقه مغزاها بالضبط. عندما شهد قائد الشرطة مياو حيرة العديد منا، شرح لنا، "إنه داء اجتماعي شأنه شأن القمار أو الدعارة أو الزُهري." لم تزايله آيات الارتباك البالغ وهو يتحدث وكأن البواسير تستثير فيه الحكة.

رفع شاب من المدرسة الإعدادية الخامسة بالمدينة يده سائلاً، "ماذا يفعل الشواذ؟"

سرى الابتسام في وجه مياو فكادت عيناه تختفيان. رد عليه، "يقيمون علاقات جنسية مع أفراد من نفس جنسهم."

"لواط!" صاح أحدهم.

عم السكون لمدة عشر ثوان على الأقل ثم سأل أحدهم عن نوعية هذه الجريمة.

فسر الرئيس مياو له الأمر، "ترجع أصول الشذوذ إلى الرأسمالية الغربية وأسلوب الحياة البرجوازي. وطبقاً لقوانيننا يعامَل الشواذ معاملة أفراد العصابات. وعلى هذا، سوف يُسجن المقبوض عليهم فترة تتراوح ما بين ستة أشهر وخمس سنوات وفقاً لفداحة الجرم وموقفهم تجاهه."

أطلقتْ إحدى الشاحنات في الشارع بوقها فآنستُ وخزاً في قلبي. لو سُجن باوين، ستعيش باينا عيشة الأرملة ما لم تطلقه. أولى تساؤلاتي كانت لِم تزوجها؟ لِم دمرها بهذه الطريقة؟

ما جرى هو أن مجموعة من الرجال، معظمهم من الكتبة والفنانين والمدرسين، ألّفوا نادياً أطلقوا عليه اسم عالم الرجال وكان أشبه بالصالون الأدبي. كانوا يجتمعون مساء كل خميس في حجرة واسعة الأركان بالطابق الثالث من المبني الإداري التابع لمعهد علوم الغابات. ونظراً لأن النادي لم يقبل سوى الرجال، ارتابتْ الشرطة في أنه قد يكون اتحاداً سرياً ينزع نحو العنف، لذا عينتْ اثنين من المخبرين ليختلطوا بالمجموعة. صحيح أن بعض الرجال أظهروا قدراً من الحميمية بالنادي إلا أنهم تحدثوا في الغالب حول الأفلام والكتب والأحداث الجارية. وأحياناً كانوا يستمعون إلى الموسيقى ويرقصون معاً. وطبقاً لرواية المخبرين، تراءى المنظر غريباً ومشوباً بالعاطفة. ظهر بعض الرجال في أزواج، كانوا يقبّلون ويعانقون بعضهما بعضاً بلا خجل في حضور آخرين. وراح البعض يقول بنبرات باكية، "أخيراً حصلنا نحن الرجال على مكان خاص بنا." وهتف رسام متوسط العمر يلبس أقراطاً، "الآن أشعر بأني على قيد الحياة! هنا فحسب أستطيع أن أكف عن حياة النفاق." كل أسبوع يظهر وجهان جديدان أو ثلاثة. وحينما اقترب عدد أعضاء النادي من ثلاثين رجلاً، تحركتْ الشرطة ملقية القبض عليهم جميعاً.

بعد الاجتماع الموجز بقائد الشرطة مياو، سمح لنا بلقاء المجرمين لمدة خمس عشرة دقيقة. قادني شرطي إلى حجرة صغيرة بالطابق السفلي وسمح لي بقراءة اعتراف باوين بينما توجه لإحضاره. طالعتُ على عجل الصفحات الأربع التي تضم ملاحظات التحقيق والتي قررتْ أن باوين مستجد في النادي وأنه اجتمع إليهم مرتين فقط لأنه كان بالأساس معنياًً بحواراتهم. على أنه لم ينكر شذوذه.

فاحتْ رائحة البول من الغرفة، فقد جاورتْ الحمام. أتى الشرطي بباوين آمراً إياه أن يقعد إلى المائدة في مواجهتي. تحاشى باوين المكبل اليدين التطلع إلى وجهي. كان وجهه متورماً تغشاه الكدمات. خلفتْ هراوة الشرطي أثراً عريضاً طوله أربع بوصات تقريباً يميل على جبهته. كانت ياقة سترته مفتوحة من أثر التمزيق. ومع ذلك لم يبد عليه الهلع. استولى عليّ الغضب لسلوكه الهادئ وإن خالجتني الشفقة تجاهه.

احتفظتُ بوجه صارم وقلت، "يا باوين هل تعلم أنك ارتكبت جريمة؟"

"لم أفعل أي شيء. غاية أمري أني مضيت إلى المكان لأستمع إلى أحاديثهم."

"قصدك أنك لم تأت تلك الفعلة مع أي رجل؟" أردتُ أن أتيقن من المسألة حتى أستطيع مساعدته.

رنا إلى وجهي ثم غض بصره قائلاً، "بصراحة، ربما كنت سأفعل شيئاً لكني لم أفعل."

"ماذا يعني ذلك القول؟"

"أنا – راقني رجل بالنادي جداً. ولو كان طلب مني، لعلي كنت سأوافق." التوت شفتاه إلى أعلى كما لو كان فخوراً بنفسه على ما صرح.

"أنت مريض!" ضربتُ المائدة بمفاصل أصابعي.

فباغتني جوابه، "حسناً؟ أنا رجل مريض. أتخالني لا أعلم ذلك؟"

ملك عليّ إحساس بالذهول. استطرد، "جربتُ منذ سنوات كل شيء كي أبرأ. تناولتُ الكثير من الأعشاب والأقراص بل وأكلتُ العقارب والسحالي وضفادع الطين بعد تحميصها. ما أجدى أي شيء نفعاً. لا زلتُ مولعاً بالرجال. لا أعلم لماذا لستُ منجذباً إلى النساء. متى أكون مع امرأة، يغدو قلبي ساكناً كما الحجر."

  استبد بي الحنق لسماعي اعترافه، فسألته، "إذن لِم تزوجتَ ابنتي باينا؟ لتهزأ بها، هه؟ لتشوه سمعتي؟"

"كيف أتدنى إلى ذلك القدر من الحقارة؟ أخبرتها قبل الزواج أني لا أحب النساء وقد لا أمنحها طفلاً."

"وصدقتك؟"

"أجل. قالت إن ليس عندها مانع وإن كل ما أرادته هو أن تتزوج."

"إنها بلهاء!" فردتُ منديلي وتمخطتُ من أنفي المسدود ثم سألته، "لِم اخترتها إن لم تكِن لها أية مشاعر على الإطلاق؟"

"وما الفرق؟ هي بالنسبة لي مثلها مثل الأخريات."

"يا نذل!"

"لو لم أتزوجها، مَن كان سيتزوجها؟ لقد أفادنا الزواج نحن الاثنين، ستر هويتي وحفظ لها ماء وجهها. إلى جانب أننا استطعنا الفوز بشقة جميلة – بيت لنا. لقد حاولتُ فيما ترى أن أعيش حياة رجل عادي. ولم أسئ إلى باينا قط."

"لكن الزواج مزيف! لقد كذبتَ على أمك أيضاً، أليس كذلك؟"

"أرادتني أن أتزوج."

أشار إليّ الشرطي بأن لقاءنا قد انتهى. أنبأتُ باوين رغم ما شملني من غضب بأني سأسعى لمعاونته وأنه من الأفضل أن يتعاون مع الشرطة وأن يُظهر الصدق في موقفه.

ماذا عليّ أن أفعل؟ داخلني الاشمئزاز منه لكنه فرد من أفراد عائلتي، على الأقل بالاسم، وكنتُ ملزماً بمؤازرته.

في طريقي إلى البيت قدت الدراجة ببطء على حين أثقلتْ الأفكار عقلي. فطنتُ تدريجياً إلى أني ربما أستطيع أن أصنع شيئاً يحول دون سجنه. ثمة خطوتان يمكن اتخاذهما: الأولى، سوف أؤكد على أنه لم يُقدم على شيء بالنادي حتى أعزله عن هؤلاء المجرمين الحقيقيين؛ الثانية، سأظهره في صورة العليل، وهكذا قد يحصل على علاج طبي بدلاً من مدة بالسجن. فهو حالما يمسي مجرماً، سيوصم إلى الأبد باعتباره عدواً للمجتمع الأمر الذي لم يعد من الممكن تداركه. بل إن أطفاله من بعده قد يعانون. يتعين عليّ أن أنقذه.

 

حالفنا الحظ، إذ كان كل من سكرتير الحزب ومدير مصنعنا على استعداد أن يتقبلا باوين بوصفه رجلاً مريضاً، على الأخص السكرتير دجو الذي أعجب بأسلوب باوين في لعب الكونج فو وتركه ذات مرة يُعّلم ابنه الأصغر كيفية القتال بنبوت بثلاثة أجزاء. اقترح دجو ألا نألو جهداً لإنقاذ باوين من الشرطة. قال لي داخل حمام الرجال بالمبني الإداري الخاص بمصنعنا، "يا أولد تشانج لا يجب أن ندع باوين يؤول إلى السجن." راودني الامتنان لكلماته.

أضحى الشذوذ بين ليلة وضحاها موضوعاً شائعاً بالمصنع. روى بعض العمال العجائز أن بعض الممثلين بأوبرا بكين عاشروا بعضهم بعضاً في الأيام الخوالي، فلم يكن مسموحاً للنساء بالتمثيل في أية فرقة وكان بمقدور الممثلين قضاء أوقاتهم بصحبة الرجال دون غيرهم. زعم السكرتير دجو الذي كان قارئاً مطلعاً أن بعض الأباطرة بسلالة هان الحاكمة امتلكوا عشاقاً من الرجال علاوة على أجنحتهم المتخمة بالحريم. كما سمع المدير ليو أن الإمبراطور الأخير، بيوي، طالما أمر خصيانه بمداعبة أعضائه. بل إن أحدهم ادعى أن الشذوذ عادة كانت تمارسها الطبقة الراقية وليست للناس العاديين. أصابني كل هذا الحديث بالتقزز وانطوت نفسي على الخجل من زوج ابنتي الذي ما كان سوى زوج بالاسم. فلم أشاركهم في أحاديثهم واكتفيت بالاستماع متظاهراً بعدم الانزعاج.

صحت تنبؤاتي، فقد تطايرت الإشاعات بالمصنع وبخاصة بورشة المسبوكات. رمى بعضهم باوين بالعجز، وصدّق آخرون أنه مخنث وإلا لحملتْ زوجته منذ زمن.

قصدتُ باينا في إحدى الأمسيات لمواساتها. كان منزلها جميلاً، كل ما به منظم. قامت على جانبيّ النافذة قبالة حائط أبيض مكتبتان زاخرتان بالكتيبات الصناعية والسير الذاتية والروايات والكتب الطبية. ونهض بأحد أركان غرفة المعيشة مشجب عمودي علّقتْ باينا عليه فراء أحمر بقلنسوة مزيناً بالريش ابتاعه باوين لها قبل زفافهما، وبركن آخر قام أحد المصابيح على أرضية الحجرة. في الطرف المقابل للحجرة ثمة أصيصان من الزهور المتفتحة، بأحدهما نبات بخور مريم وبالثاني ورود بنغالية. وُضع الأصيصان على زوج من الكراسي المنخفضة يبتعدان عن بعضهما وعن الحائط من الجانبين بقدر متساو. وبالقرب من الحائط الداخلي وبجوار مبصقة صفراء مطلية بالمينا، ثمة أريكة ضخمة منجدة بقماش برتقالي تقليد للجلد. استقر تلفزيون أبيض وأسود بخزانة من خشب البلوط أمام الحائط الخارجي.

خلف المكان في نفسي أثراً قوياً ولاسيما الأرضية المطعمة بالقراميد والمطلية بدهان أحمر زاه. حتى زوجتي لم تستطع أن تجعل بيتنا بمثل ذلك التنسيق. لا ريب أنه من صنع باوين لأن باينا لا يسعها أن تكون منظمة إلى هذه الدرجة. على أنّ الغرفة قد وشت بالفعل بأثر من عاداتها المهمِلة – إذ تبعثر في أحد الأركان كيس دقيق فارغ وكومة من الغسيل المتسخ. قلت وأنا أرتشف الشاي الذي صبته لي، "آسف يا باينا على ما دهى باوين. لم أعلم أن به هذا القدر من الشر."

"لا، إنه رجل طيب." ومضتْ عيناها المستديرتان وميضاً راسخاً وهي تطالعني.

"لِم تقولين ذلك؟"

"إنه يعاملني بالحسنى."

"لكن ليس بمقدوره أن يكون زوجاً صالحاً، أليس كذلك؟"

"ماذا تعني؟"

قلت بلهجة فظة، "لم يكن يشاركك في الفراش كثيراً، أليس كذلك؟"

"آه، هو لا يستطيع فعل ذلك لأنه يمارس الكونج فو. قال لي إنه لو نام مع امرأة، كل سنوات عمله ستضيع هباء. لقد أمره معلمه من البداية أن يتفادى النساء."

"إذن فأنت لا تجدين بأساً في الأمر؟" أسقط في يدي وقلت لروحي، يا لها من فتاة غبية.

"ليس تماماً."

"لكنكما أكيد تشاركتما في الفراش عدة مرات، أليس كذلك؟"

"لا، لم نفعل."

"أحقاً؟ ولا حتى مرة واحدة؟"

"لا." توردتْ وجنتاها قليلاً وأشاحت بعينيها وهي تلوي شحمتيّ أذنيها ببنانها.

شعرتُ برأسي يلف. بعد ثمانية أشهر من الزواج كانت لا تزال عذراء! ولم تكترث للأمر! رفعتُ الفنجان آخذاً جرعة كبيرة من الشاي ذي نكهة الياسمين.

نزل الهدوء على الحجرة. التفتنا نحن الاثنان لنشاهد أخبار الفترة المسائية؛ عجز عقلي المخدَر عن استيعاب ما أعلنته المذيعة حول مصادمة على الحدود بين القوات الفيتنامية والقوات الصينية.

مرت هنيهة ثم قلت لبانيا، "أنا آسف لأنه يعاني تلك المشكلة. ليتنا علمنا بها من قبل."

"لا تتضايق يا عمي. الحق أنه أحسن من الأزواج الطبيعيين."

"وكيف ذلك؟"

"أغلب الرجال لا يقوون على الابتعاد عن الجميلات، لكن باوين يطيب له فقط الاحتفاظ بالقليل من الأصحاب. ماذا يعيب ذلك؟ هذه الحال أحسن لأني لن أضطر إلى القلق بشأن هؤلاء البغايا الوقحات بمصنعنا. فهو لن يتجشم عناء مجرد النظر إليهن. ولن يواجه البتة مشكلة في أسلوب حياته."

كدت أغرق في الضحك وتساءلتُ كيف أشرح لها أنه كان من الممكن أن يعاشر الرجال وأن ما منعه دون ذلك هو تحديداً مشكلة في أسلوب حياته. أعدت النظر فأدركتُ أن لعله من الأفضل لها أن تلبث على ظنها. فهي لم تكن في حاجة إلى المزيد من التوتر في الوقت الحالي.

ثم تكلمنا عن كيفية مساعدة باوين. فأشرت عليها بأن تكتب بياناً تؤكد فيه على شخصية زوجها الطيب الذي يراعي مشاعر الآخرين. عليها بطبيعة الحال ألا تأتي على ذكر تبتله في الزواج. أيضاً، من الآن فصاعداً، مهما بلغ الشر بتعليقات زملائها، ينبغي أن تتجاهلهم ولا ترد عليهم مطلقاً وكأن شيئاً لم يرد إلى أذنيها.

حينما نقلتُ إلى زوجتي أفكار باينا الساذجة ليلتها، أفتر ثغرها عن ابتسامة قائلة، "عندما تقارن باوين بأكثرية الرجال، لن يظهر على هذا النحو السيئ. إن باينا ليست بالمغفلة."

 

توسلتُ إلى قائد الشرطة مياو وأحد الضباط من ذوي الرتب العالية أن يعاملا باوين بقدر من اللين، بل إني أهديتُ كلاً منهما زجاجتين من البراندي وقسيمة للحصول على ماكينة خياطة ماركة باترفلاي. بديا راغبين في معاونتي لكنهما لم يقطعا أية وعود. استحوذ عليّ القلق لعدة أيام حتى إن زوجتي خشيت أن تعاودني قرحة المعدة.

في صباح أحد الأيام اتصل مكتب الأمن العام، قالوا إنهم قد وافقوا على اقتراح مصنعنا وإنهم سوف ينقلون باوين إلى مستشفى الأمراض العقلية الكائنة بضاحية من الضواحي الغربية شريطة أن يقبل مصنعنا بتغطية نفقات علاجه. وافقتُ على العرض بسرعة وتنفستُ الصعداء. علمتُ في وقت لاحق بعدم وجود مكان كاف بسجن المدينة لإيواء سبعة وعشرين من الشواذ الذين ما كان ينبغي لهم الاختلاط بالسجناء الآخرين إنما توجب وضعهم في زنازين منفردة. هكذا لم يُسجن عدا أربعة منهم؛ أما الباقي فقد دخلوا المستشفى (إن وافقتْ وحدات عملهم على دفع المصاريف الطبية) أو تم إرسالهم إلى بعض مزارع العمل الإلزامي لتقويم سلوكهم. لم يُسجن عضوا البرلمان المتورطان على أنهما قد طردا من الحزب، وهي عقوبة لا حد لقسوتها أطاحت بحياتهما السياسية.

فور أن وضعتُ سماعة الهاتف، أسرعتُ إلى ورشة التجميع ووجدتُ باينا. انخرطتْ في البكاء عند سماعها الأخبار المفرحة. ركضتْ إلى البيت لتملأ حقيبة أسطوانية من القماش بملابس باوين. التقينا بمكتبي ثم انطلقنا معاً إلى مكتب الأمن العام. ركبتُ دراجتي وجلستْ هي ورائي محتضنة الحقيبة كما لو كانت طفلتها. كانت الرياح الهابة من خلفي قوية فتسارعت الدراجة وسهلت قيادتها، لذا انتهينا إلى المكان قبل أن يبرحه باوين إلى المستشفى. كان ينتظر شاحنة أمام مركز الشرطة برفقة شرطيين.

شُفيتْ رضوض وجهه فاسترد وسامته. تبسم لنا وقال في شيء من السرية، "أريد أن أطلب منك خدمة." جال بعينيه حوله بينما انعطفتْ الشاحنة الخضراء الداكنة حول زاوية الشارع باتجاهنا.

"ما هي؟" أجبتُ.

"لا تخبر أمي بالحقيقة. فهي مسنة ولن تحتمل الخبر. لا تقل لها، أرجوك!"

"ماذا سنقول لها إذن؟" سألته.

"فقط قل لها إني أكابد اضطراباً عقلياً مؤقتاً."

لم يعد في استطاعة باينا مقاومة دموعها فقالت بنبرات عالية، "لا تحمل الهم. لن ندعها تعلم. اعتن بروحك وارجع لنا سريعاً." ناولته الحقيبة فأخذها دون أن يتفوه بكلمة.

أومأتُ برأسي مطمئناً إياه أني لن أكشف النقاب عن الحقيقة. وجّه ابتسامة إليها ثم مثلها إليّ. لسبب ما اكتسى وجهه بالعذوبة – بات جذاباً مغرياً كما لو كان وجهاً أنثوياً يلفه الغموض. طرفتُ بعينيّ متسائلاً إن كان بحق رجلاً. جاءتني خاطرة بأنه لو كان امرأة، لأصبح حسناء – طويلة ونحيلة وذات عضلات قوية إنما كسولة قليلاً.

قطع حبل أفكاري صرير معدني صادر عن الشاحنة التي توقفتْ أمامنا. صعد باوين إليها وتبعه الشرطيان. سرتُ حول الشاحنة ثم صافحته قائلاً إني سأعوده الأسبوع المقبل ولو احتاج إلى أي شيء في هذه الأثناء، كل ما عليه هو الاتصال بي.

لوّحنا له مودعين فيما ابتعدتْ الشاحنة التي صلصلت سلاسل إطاراتها وقذفت بقطع الثلج في الهواء. أطلقتْ بوقها المزعج ثم انعطفتْ يساراً متوارية عن الشارع المكسو بالثلوج. ركبتُ دراجتي فيما هبتْ عصفة ريح كادت تطرحني أرضاً. تبعتني باينا لمسافة عشرين ياردة تقريباً ثم قفزتْ على حامل الدراجة، بعدها اتجهنا معاً نحو البيت. شد ما ثقل وزنها. الحمد لله أني كنت أركب دراجة ماركة جريت جولدن ديير، إحدى أقوى الماركات.

 

خلال الأسبوع التالي اتصل باوين بي مرة واحدة. أخبرني وقتذاك عبر الهاتف أنه يشعر بتحسن وأن اضطرابه أصبح دون ذي قبل. الحق أن صوته قد أتاني هادئاً ناعماً. سألني أن أجلب إليه بعض الكتب عند حضوري خاصة كتابه قاموس المعرفة العالمية، وهو كتاب ثقيل الوزن نادر الوجود تُرجم عن الروسية في نهاية الخمسينيات. لا علم لديّ كيف حازه.

ذهبتُ لأراه صباح الخميس. شُيدتْ المستشفى على جبل يعلو ستة أميال جنوب غرب مدينة موجي. بينما كنت أقود الدراجة على الطريق الإسفلتي، ارتفع الدخان بطيئاً من بعض المداخن الطويلة وراء غابة من أشجار الأرزية القابعة غرباً. تقوستْ على الجانب الأيمن من الطريق خطوط الكهرباء وأثقلها الثلج الزغب الذي تساقطتْ ندفه الصغيرة كلما نفحتْ الرياح عبرها. تخطيت من حين لآخر عربة يجرها حصان محملة بحزم من عيدان القمح خالية السنابل ويلحق بها مُهر أو اثنان. بعد أن اجتزت جسراً من الأحجار وانعطفتُ نحو مدخل أحد الأودية، لاحت للعيان مجموعة من المباني المبنية من الطوب على منحدَر معتدل الميل اتصلتْ ببعضها بسبل مستقيمة أسمنتية. مددت ناظري بعيداً فوق التل، عبر تلك المباني، إلى حظيرة أبقار بها نحو دستتين من الأبقار الحلوب ترعى بمرج جاف فيما تجمعتْ بعض الأبقار معاً التماساً للدفء.

عمت على المكان سكينة متناهية حتى إنك لو لم تكن تعلم أنه مستشفى للأمراض العقلية، قد تتصوره منتجعاً للنقاهة مخصصاً لكبار رجال الدولة. دخلتُ مبني 9 فاستوقفني أحد الحراس الذي صحبني بعدها إلى حجرة باوين بالطابق الأرضي. اتفق أن الطبيب العامل وقتها، وهو رجل طويل القامة في الأربعين ذو أنامل مستدقة، كان يقوم بجولاته الصباحية ويتفحص باوين. صافحني وأنبأني بأن صهري على ما يرام. كان اسم عائلته ماي؛ أشع وجهه ذو السوالف بالذكاء. حينما استدار ليلقى بالتعليمات على أحد الممرضين بشأن علاج باوين، لاحظتُ نتوءاً ضخماً بأذنه يكاد يسد فتحتها أشبه بأداة طبية للسمع. ظهر على نحو ما كالأجنبي. تساءلتُ إن كانت أصوله تنحدر من المغول أو التبت.

"نحن نداويه بالحمام الكهربائي،" أنهى إليّ الطبيب ماي بعدها بلحظة.

"ماذا؟" سألتُ وقد أدركني الإجفال.

"نعالجه بالحمام الكهربائي."

حانت مني التفاتة إلى باوين. "ما هذا؟"

"إنه علاج جيد، جد مهدئ." ندت ابتسامة عن شفتيه لكن أطلت من عينيه نظرة أوحت باعتلال مزاجه وأحكم إطباق فمه.

كان الممرض يتأهب لاصطحابه لتلقي العلاج. لم أسمع من قبل عن مثل ذلك الحمام، لذا استأذنتُ الدكتور ماي، "هل أستطيع أن أشاهد طريقة عمله؟"

"حسناً، يمكنك أن تذهب معهما."

صعدنا معاً السلالم إلى الطابق الثاني. ثمة سبب آخر لانضمامي إليهما. أردتُ أن أعرف ما إذا كان باوين رجلاً طبيعياً أم لا. فقد أزعجني أيما إزعاج ما ترامى بمصنعنا من شائعات وخصوصاً تلك التي ادعت أنه بدون عضو ذكورة – لذا كان يتجنب دائماً الاستحمام بحمام العمال العمومي.

بعد أن خلعنا أحذيتنا ووضعنا أخفافاً بلاستيكية، دلفنا إلى حجرة ضيقة تتلون جدرانها بالأخضر الضارب إلى الصفرة وتتغطى أرضيتها بالخشب. امتد وسطها حوض استحمام من الخزف ألقى الروع في نفسي شأنه شأن أداة التعذيب. أضيفت على طول الجدار الداخلي للحوض مستطيلات من معدن أسود مثقوب. وصلتْ بينها ثلاثة من الأسلاك الغليظة المطاطية انتهتْ إلى جهاز طويل وقف قرب الجدار. مالت أعلى الجهاز لوحة تحكم مليئة بالأزرار والمقاييس والمفاتيح الكهربائية. فتح الصنبور الممرض الشاب الذي كان قوي البنيان مربع الوجه؛ أخذ الماء يتدفق بالحوض والبخار يتصاعد منه. ثم مضى الممرض ليشغّل الجهاز. بدا حلو الطباع؛ كان يدعى فوهاي دونج. حكى لي أنه من الأرياف، الظاهر من أصل قروي، وأنه قد تخرج من مدرسة التمريض بمدينة جيلين.

ابتسم باوين لي وهو يفك أزرار رداء المستشفى المقلم بالطول. لاح بخير الآن – إذ اختفت كل الكدمات من وجهه فصار وردي البشرة أملسها. اعتراني الخوف من هذا الحوض. فقد بدا ملائماً لإعدام المجرمين بالصدمات الكهربائية. مهما بلغ بي المرض، لن أستلقي بداخله لأتكئ بظهري على ذلك المجرى المعدني. ماذا لو طرأ تسرب كهربائي؟

"هل يؤلمك؟" سألتُ باوين.

"لا."

استتر وراء حاجز بني مصفر بأحد الأركان وراح يخلع ملابسه. حينما ملأتْ المياه نصف الحوض، تناول الممرض من أحد الأدراج كيساً صغيراً يحوي مسحوقاً أبيض وفضه بمقص ثم صب المادة في الماء. لا بد وأنه ملح. شمر عن ردنيّ قميصه وانحنى ليحرك المحلول بكلتيّ يديه الكبيرتين القويتين.

لحق بي الفزع حينما خرج باوين وهو يلبس سروالاً قصيراً نظيفاً ودخل بلا أدنى تردد في الحوض متمدداً به كمَن يدخل حوض استحمام معتدل الحرارة. طغى عليّ الذهول. "هل وصلته بأية كهرباء بعد؟" سألتُ الممرض دونج.

"أجل، القليل منها. سأزيدها بعد وهلة." التفتْ إلى الجهاز وعدّل بعض الأزرار.

"تعرف؟" وجّه إليّ الكلام، "إن صهرك مريض ممتاز، فهو دائم التعاون معنا."

"هذا ما ينبغي عليه فعله."

"لذلك نعطيه الحمام. فالمرضى الآخرون يقيَدون بالأغلال الكهربائية حول أطرافهم أو بالقضبان الكهربائية حول أجسامهم. بعضهم يصرخون كالحيوانات في كل مرة مما يضطرنا إلى ربطهم."

"متى سيشفى مما به؟"

"لا يمكنني الجزم."

ران الصمت على باوين في الماء المكهرب. كانت عيناه مغلقتين ورأسه مرتاحة على وسادة سوداء من المطاط عند نهاية الحوض. بدا على ما يرام، فقد ظهر مسترخياً بعض الشيء.

سحبتُ مقعداً واتخذتُ مجلسي عليه. بدا باوين راغباً عن الكلام ومركزاً على العلاج، لذا لزمتُ الصمت وما بدر عني سوى مراقبته. كان جسمه نحيلاً إنما قوي، خلت رجلاه من الشعر وانتفختْ مقدمة سرواله قليلاً فظهر سليماً من الناحية الجسدية. كان يرسل تنهيدة واهنة بين الحين والآخر.

عندما أزاد الممرض التيار الكهربائي، جعل باوين يتلوى بالحوض كما لو كان يستشعر ألماً حاداً. "هل أنت بخير؟" سألته وما جرؤتُ على لمسه.

"نعم."

أبقى على عينيه مغلقتين. تجمعتْ قطرات لامعة من العرق فوق جبهته. حل الشحوب بوجهه والتوت شفتاه بين الفينة والأخرى وكأنه ظمآن.

بعدها أعطاه الممرض المزيد من الكهرباء. أنشأ باوين يتمعج ويئن قليلاً. من الواضح أنه يقاسي من العلاج. لا يمكن لهذا الحمام أن يكون ذا أثر مهدئ كما ادعى. مسح الممرض دونج العرق عن وجه باوين بمنشفة بيضاء ثم قال هامساً، "سأغلقه بعد دقائق معدودة."

"لا، امنحني المزيد!" أعلن باوين بإصرار دون أن يفتح عينيه وقد التوت قسمات وجهه.

خامرني إحساس بأنه خجلان من روحه. عل وجودي جعل هذا الجزء من العلاج أقل راحة بالنسبة له. قبضتْ يداه على حافة الحوض فارتعد معصماه المحدبان. لم يفه أحد ببنت شفة لمدة ثلاث دقائق كاملة؛ خيم على الغرفة هدوء شامل حتى بدت الجدران وكأنها تطن.

عندما أنقص الممرض التيار الكهربائي تدريجياً، هدأ حال باوين وكفت أصابع رجليه عن الاهتزاز.

لم أود أن أزعجه بوجودي أكثر من ذلك، فخرجتُ باحثاً عن الطبيب ماي كي أشكره وأستعلم عن ميعاد شفاء باوين. لم يكن الطبيب متواجداً بعيادته لذا خرجتُ من المبنى ملتمساً نسمة هواء. ارتفعتْ الشمس في صفحة السماء وتلون الثلج بلون أبيض متوهج. ولمدة دقيقة بالخارج أغلقتُ عينيّ مرة حتى أتكيف مع الضوء. ثم جلستُ على مقعد وأشعلتُ سيجارة. فاتت شابة ترتدي قبعة من فرو حيوان القاقم وقفازاً من قفازات الجيش التي تكسو الأصابع الأربعة معاً والإبهام منفرداً. كانت تمسك بسطل لبن فارغ وتدندن بأغنية "يا رفيقي من فضلك خذ فنجان شاي." بدت جميلة المحيا وسرني صوتها المرح. حدقتُ في زوج الضفائر السميكة المنسدلة على ظهرها والتي تمايلتْ قليلاً مع حركة الرياح.

حفل قلبي بالشفقة على باوين. فمَن في مثل روعته يجب أن يكون بمقدوره أن يحب امرأة ويحاط بأسرة وينعم بحياة طبيعية.

عاودتُ الانضمام إليه بغرفته بعد مضي عشرين دقيقة. بدا عليه الإجهاد وما انفك يرتجف قليلاً. قال لي إنه، مع تصاعد التيارات الكهربائية، بدأ يشعر بالوخز وكأن مئات من حشرات البعوض تلدغ جلده. لذا لم يقو على المكوث بالحوض أكثر من نصف الساعة.

شعرتُ بالأسف حياله فأبلغته، "سأطلع رؤساءنا على مدى إخلاص موقفك وعلى ما تبذله من تعاون."

"آه طبعاً." أمال رأسه الندي. "شكراً على الكتب."

"هل تحتاج إلى شيء آخر؟"

"لا." بلغني صوته حزين اللهجة.

"أتمنى يا باوين أن تتمكن من العودة إلى البيت قبل العام الجديد. فباينا في حاجة إليك."

"أعرف. لا رغبة لي أن أحبس هنا إلى ما لا نهاية."

أخبرته أن باينا راسلتْ أمه مبلغة إياها أنه غادر في رحلة عمل. قرع جرس الغداء بالمبنى وأنشأ مكبر الصوت يذيع بالخارج الموسيقى الملتهبة بالمشاعر "مسيرة المتطوعين." دخل الممرض دونج ومعه عودان وطبق به كعكتين من الذرة. قال لباوين في ابتهاج، "سوف أحضر لك وجبتك خلال دقيقة. نقدم اليوم جبن فول الصويا مطهو بالكرنب المخمر وكذا حساء فول نابت."

قمتُ من مكاني ثم غادرتُ الحجرة.

عندما أعلمتُ رؤساء المصنع بحالة باوين، لاح التأثر على وجوههم. إذ لا بد وأن مصطلح "حمام كهربائي" أطلق العنان لمخيلتهم. ما فتئ السكرتير دجو يهز رأسه قائلاً، "كلي أسف لاضطرار باوين إلى أن يعاني من مثل هذا الشيء."

لم أشرح لهم أن الحمام الكهربائي علاج أقل قسوة من طرق العلاج الأخرى كما أني لم أصف لهم الحمام. ما أردفتُ على، "إنهم ينقعونه في مياه مكهربة كل يوم." قلتُ في سري، دع الذعر يستبد بعقولهم، فربما يمسون أكثر تعاطفاً مع باوين حين يُطلق سراحه من المستشفى.

 

عندما انتصف شهر ديسمبر، كان باوين قد قضى بالمستشفى شهراً. استمرت باينا أياماً تقول لي إنها تريد الاطمئنان على أحوال زوجها؛ إذ كانت متلهفة على أن تعيده إلى البيت قبل حلول العام الجديد. توالت الشائعات بين زملائها بالعمل. زعم أحدهم أن الحمام الكهربائي نثر البثور على جسد باوين؛ ادعى آخر أن أعضاءه التناسلية ذبلت من جراء العلاج؛ أضاف آخر أنه غدا نباتياً وأن غثياناً يصيبه لمجرد رؤية اللحوم. تزوجتْ للتو الشابة التي أعلنتْ ذات مرة أنها ستخلف بابها مفتوحاً له وأنبأتْ الجميع في افتخار بأنها حامل. راح الناس يحسنون معاملة باينا ويراعون مشاعرها، إذ عاملوها بوصفها زوجة تعرضتْ للإساءة. أوكل إليها رؤساء ورشة التجميع المناوبة الصباحية فقط. وقد أسعدني أن أعلم أن قسم المالية ما يزال يدفع لباوين أجره وكأنه في إجازة مَرضية. علهم أقدموا على هذا لعدم رغبتهم في إغضابي.

قصدتُ وباينا مستشفى الأمراض العقلية يوم السبت. لم تستطع قيادة الدراجة وكانت المسافة أطول من أن أحملها معي على دراجتي، لذا استقلينا الحافلة. كانت قد ذهبتْ هناك وحدها منذ أسبوعين لتوصّل بعض الجوارب وبيجاما صوفية شغلتها لباوين.

انتهينا إلى المستشفى مبكراً في الظهيرة. تبدت الصحة على باوين وارتفعتْ روحه المعنوية. يبدو أن الحمام قد أجدى نفعاً. تطلقتْ أساريره لمرأى باينا بل إنه ضمها إلى صدره في وجودي. أعطاها قطعتين من الحلوى؛ ولعلمه أني لا أستسيغها، لم يمنحني أياً منها. صب لنا كوباً كبيراً من اللبن الممزوج بالشعير النابت، إذ لم يكن بالغرفة سوى كوب واحد. لم ألمس اللبن، فلم أكن على يقين مما إذا كان الشذوذ معدياً أم لا. فرحني أن أراه يحسن معاملة زوجته. أعار كلامها حول زملائهما بالمصنع اهتماماً حقيقياً وعلت الضحكات من قلبه كل حين وآخر. يا له من زوج رائع لو لم يكن سقيماً.

جلستُ مع الاثنين لبضع دقائق ثم غادرتهما حتى ينفردا بأحدهما الآخر. ارتقيت السلالم نحو عيادة الممرضين فألفيتُ فوهاي دونج يكتب على أحد المكاتب. كان الباب مفتوحاً فقرعتُ على إطاره. أجفله الصوت فأغلق مفكرته البنية ونهض من مجلسه.

"لم أقصد أن أخيفك،" قلت.

"لا يا عمي، كل ما هنالك أني لم أتوقع صعود أحد إلى هنا."

أخرجتُ من حقيبتي علبة كرتون بها سجائر ماركة بييني ووضعتها على المكتب قائلاً، "لن آخذ الكثير من وقتك أيها الشاب. من فضلك اقبل هذه كتحية مني." لم أتعمد أن أقدم له رشوة. فقد كنت بحق ممتناً له لحسن معاملته باوين.

"ياه، أرجوك لا تعطيني إياها."

"ألا تدخن؟"

"بلى. الأفضل أن تمنحها للطبيب ماي. سيساعد باوين مساعدة أكبر."

خالجتني الحيرة. لِم لم تناوشه رغبة في سجائر من أجود الأصناف إن كان مدخناً؟ لم يغب عنه ما بي من ارتباك، فتابع حديثه، "سأحسن معاملة باوين بدون أية هدايا منك. فهو رجل طيب. عليك أن تجامل الطبيب لا أن تجاملني."

"معي علبة أخرى له."

"علبة واحدة لا تفي بالغرض هنا. ينبغي أن تعطيه اثنتين على الأقل."

أوقعتْ كلماته في نفسي عظيم الأثر فأعربتُ له عن جزيل الشكر ثم ودعته.

اتفق أن تواجد الدكتور ماي في مكتبه. عندما دخلتُ عليه، كان يطالع العدد الأخير من مجلة حياة النساء التي ظهرتْ على غلافها الأخير صورة كبيرة للسيدة ماو إبان محاكمتها – اتشحتْ بالسواد ووقفتْ مكبلة بالأصفاد بين اثنين من رجال الشرطة. نحى الطبيب ماي المجلة ودعاني للجلوس. اصطفت بالحجرة أرفف طويلة حافلة بالكتب والملفات. علقتْ بالهواء رائحة فاكهة عطنة. بدا مسروراً لرؤيتي.

بعد أن تجاذبنا بعض الكلمات، أخذتُ علبتيّ السجائر وأعطيتهما له. "هذا مجرد رمز بسيط لعرفاني بجميلك، من أجل العام الجديد،" قلت له.

تناول السجائر وأودعها بعيداً أسفل مكتبه. "شكراً جزيلاً،" تفوه هامساً.

"هل تظن يا طبيب ماي أن باوين سيبرأ قبل العطلة؟" سألته.

"ماذا قلتَ؟ يبرأ؟" لاح كالمندهش.

"أجل."

هز رأسه هزات بطيئة ثم التفتْ ليتحقق من غلق الباب. أومأ إليّ كي أدنو منه. سحبتُ الكرسي إلى الأمام قليلاً واستندتُ بساعديّ على حرف سطح مكتبه البلاستيكي.

"لا أخفي عليك، لا علاج له،" كاشفني.

"ماذا؟"

"إن الشذوذ ليس علة، لذلك لا دواء له. لا تخبر أي مخلوق أني قلت هذا."

"إذاً لماذا تعذبون باوين بتلك الطريقة؟"

"بعثتْ به الشرطة إلى هنا فلم نتمكن من الرفض. علاوة على أنه ينبغي علينا أن نجعله يشعر بتحسن ونوقظ فيه الأمل."

"فهو ليس مرضاً إذن؟"

" للأسف لا. دعني أكرر عليك هذا: لا علاج لصهرك يا أولد تشانج. إنه ليس مرضاً. ما هو إلا تفضيل جنسي؛ قد تكون مسألة خِلقية مثلها مثل الأعسر، أفهمت؟"

"إذن لِم تعطونه الحمام الكهربائي؟" لم أزل غير مقتنع بما يردد.

"العلاج الكهربائي موصوف من قِبل الكتب الطبية – إنه علاج قياسي تفرضه وزارة الصحة العامة. ولا خيار أمامي إلا أن أطيع النظم. من أجل ذلك لم أعرّضه لتلك الطرق العنيفة من العلاج. فالحمام أكثر اعتدالاً بكثير إن قورن بغيره. لقد بذلتُ ما في وسعي لمعاونته. دعني أطلعك على حقيقة أخرى: طبقاً للإحصاءات لم يفلح العلاج الكهربائي حتى اليوم في إبراء سوى واحد من بين ألف شاذ. لا شك لديّ أن زيت كبد سمك القد أو الشوكولاته أو لحم الخنزير المقلي أو أي شيء آخر يمكنه أن يؤتي بنتيجة أفضل. حسناً، حسبنا هذا الحديث. لقد أفضيت بالكثير."

أخيراًً استوعبتُ حديثه. قعدتُ لبرهة هناك لا أزايل موضعي قيد أنملة فاقداً الإحساس بعقلي. كان سرب من العصافير يتقافز بين الأغصان العارية خارج النافذة مطارداً العصفور الذي أمسك منقاره بسنبلة صغيرة من نبات الدخن. جر أحد العصافير خيطاً أصفر مربوطاً حول ساقه فعجز عن الطيران بمثل رشاقة الآخرين. قمتُ شاكراً الطبيب على حديثه الصريح. سحق عقب السيجارة بالمنفضة الموضوعة على عتبة النافذة قائلاً، "سوف أتعهد صهرك برعاية خاصة. لا تقلق."

انضممت إلى باينا بالطابق الأسفل. لاح باوين في غاية الابتهاج وبدا أنهما أمضيا وقتاً لطيفاً. قال لي، "إن لم أستطع أن أعود إلى البيت قريباً، لا تجهد نفسك بمحاولة إخراجي من هنا. فهم لن يحجزوني هنا إلى الأبد."

"سأرى ما أستطيع فعله."

كنت في قرارة نفسي أتميز غضباً لأنه إن صحت كلمات الطبيب ماي، لن يسعني فعل الكثير لباوين. لو أن الشذوذ ليس علة، لِم شعر بالمرض وحاول أن يشفي روحه؟ هل كان يتظاهر بالأمر؟ احتمال بعيد.

 

انشغلتْ باينا بتنظيف بيتهما منذ زيارتها الأخيرة للمستشفى. جلبتْ ذكرين بط صغيري السن وانتوت طبخ البطة السكرانة، وهي أكلة قالت إن باوين يؤثرها على سائر الأكلات. أثقل قلبي بالهموم. فمن ناحية أحببت لو يرجع إلى البيت في العطلة؛ على الجانب الآخر، لم أكن متيقناً مما سيحدث لو لم تتحسن حالته. ما جرؤتُ على الكشف عن أفكاري لأي أحد ولا حتى لزوجتي ثرثارة اللسان. فبسببها عرف المصنع بأكمله أن باينا لا تزال عذراء فلقبها البعض بالعروس العذراء.

قضيت أياماً أتفكر فيما يجب صنعه. لجت بي الحيرة. ظن الكل أن الشذوذ مرض خلا الطبيب ماي الذي ما اجترأتُ على أن أجاهر برأيه للآخرين. سوف يغضب مني رؤساء المصنع لو بلغهم عدم وجود علاج للشذوذ. فلقد أنفقنا بالفعل ما يربو على ثلاث آلاف يوان على علاج باوين. ظللتُ أتساءل في عقلي، لو أن الشذوذ أمر طبيعي، إذاً لِم خُلق الرجال والنساء؟ لِم لا يستطيع رجلان الزواج وإنجاب الأطفال؟ لِم لم تمنح الطبيعة الرجال فرجة أخرى؟ أحدقتْ بي الشكوك. ليت بوسعي أن أستشير طبيباً آخر ثقة للتأكد مما ذهب إليه الأول. ليت لديّ صديقاً عليماً أميناً يمكنني مخاطبته.

لم أكن قد فصلتُ بعد فيما سأقوم به حينما اتصل قائد الشرطة مياو من مكتب الأمن العام قبل العطلة بخمسة أيام. أبلغني بأن باوين كرر جريمته لذلك أخرجته الشرطة من المستشفى وزجت به في سجن مقاطعة تانجيوان. "لقد ارتكب الجريمة هذه المرة،" جاهر قائد الشرطة.

"مستحيل!" صرختُ.

"لدينا الدليل والشهود. وهو نفسه لا ينكر الفعلة."

"آه." حارت الكلمات في فمي.

"لا مفر من أن يُسجن الآن."

"هل أنت متأكد من أنه ليس مخنثاً؟" نوهتُ بتلك النقطة كملاذ أخير.

أرسل مياو ضحكة خافتة جافة. "لا، إنه ليس كذلك. لقد فحصناه. جسمانياً هو رجل، معافى وطبيعي. الواضح أنه مرض فكري أخلاقي كإدمان الأفيون."

وضعتُ سماعة الهاتف ودارت الأرض بي. لعنتُ باوين لتدميره نفسه كلية. ما جرى هو أن علاقة سرية تطورت بينه وبين فوهاي دونج. طالما وهبه الممرض كميات مضاعفة من اللحوم والأسماك بوجبة العشاء. في المقابل فك باوين بيجامته الصوفية ليشغل لدونج كنزة من الصوف. وفي إحدى الأمسيات لمّا كانا يستلقيان في أحضان بعضهما بعيادة الممرضين، اجتاز الممر عامل نظافة عجوز وعلا سعاله. دب الهلع في قلب فوهاي دونج واقتنع بأن الرجل قد وقعتْ عيناه على ما كانا يفعلان. بيد أن باوين المتماسك حاول لأيام أن يثنيه عن قناعته. لم يتحول دونج عن ظنه ملقياً باللائمة على باوين لتضليله. قال إن عامل النظافة العجوز طالما رمقه بابتسامات ذات مغزى وإنه سيبلغ عنهما الشرطة لا محالة. انتهى الأمر بفوهاي دونج أن توجه إلى مديري المستشفى وأقر بكل شيء. لذلك، على عكس باوين الذي صدر حكم بسجنه ثلاثة أعوام ونصف العام، تم الاكتفاء بتعليق عقوبة الممرض دونج ووضعه تحت المراقبة؛ ولو اجتهد في عمله وانتقد نفسه أشد الانتقاد، قد يحتفظ بوظيفته الحالية.

ذهبتُ مساءها كي أنهي إلى باينا التطورات الجديدة. لم تنقطع عن النشيج وأنا أبلغها. مع أنها أنفقتْ عدة أيام في تنظيف شقتها، سادت الفوضى بيتها. إذ ذبلت الزهور وتكومت الأطباق والقدور في الحوض. كفكفتْ وجهها بمنشفة وردية سائلة إياي، "ماذا سأقول لحماتي؟"

"اخبريها بالحقيقة."

لم تحر جواباً. فقلت لها، "عليك أن تفكري في طلب الطلاق."

"لا!" استحال نشيجها إلى عويل. "إنه – إنه زوجي وأنا زوجته. لو مت، فروحي ملكه. لقد قطعنا قسماً ألا يهجر أحدنا الآخر البتة. دع الآخرين يقولون ما يحلو لهم، أنا عارفة أنه رجل صالح."

"إذن لِم عاشر رجلاً؟"

"لقد ود فقط الاستمتاع بوقته. هذا كل ما في الأمر. هذا ليس كالزنا أو اتخاذ زوجة أخرى، أليس كذلك؟"

"لكنها جريمة أودت به إلى السجن،" قلت لها. ورغم أني اعترفت في طويتي بأن باوين شخص صالح من جميع الجوانب عدا ولعه بالرجال، كان لزاماً عليّ أن أتشبث بموقفي. فقد اضطلعتُ بالأمن في مصنعنا؛ ولو كان صهري مجرماً، مَن سيستمع إليّ؟ ألن أقال من وظيفتي قريباً؟ ولو خسرتُ مهنتي، مَن سيحمي باينا؟ سوف يتم تسريحها عاجلاً أو آجلاً بما أنه لا يفترض أن تنال زوجة مجرم نفس فرص التوظيف كالأخريات. لبثتْ باينا مطرقة؛ عدت وسألتها، "ماذا ستفعلين؟"

"سأنتظره."

التقطتُ بضع بذور يقطين متبلة من سلطانية. نهضتُ واتجهتُ نحو النافذة. كان جهاز التدفئة الواقع تحت عتبة النافذة يصدر هسيساً خافتاً لتسرب البخار من ثقب صغير. وبالخارج وعلى البعد نثرتْ الألعاب النارية الواحدة تلو الأخرى مجموعات من الشرارات على صفحة السماء نيلية اللون وقت الغسق. أوليتها وجهي قائلاً، "إنه لا يستحق الانتظار. يجب أن تطلقيه."

"لا، لن يحدث،" قالت وهي تنتحب.

"طيب، استحالة أن يكون صهري مجرماً. حسبي المزيد من الإهانات. لو رغبتِ في انتظاره، لا تحضري لرؤيتي مجدداً." أرجعتُ بذور اليقطين إلى السلطانية وأخذتُ قبعتي الفرو ثم جررت أذيالي خارج الباب.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.