مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرمت كيانا دافينبورت بالموافقة على نشر قصة "عظام الأذن الباطنية" في مجلة البوتقة.

Ms. Davenport was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Bones of the Inner Ear" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Davenport a great debt of gratitude for her kind permission.

Bones of the Inner Ear” by Kiana Davenport. Copyright © 1999 by Kiana Davenport. Originally published in Story, Autumn 1999.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

عظام الأذن الباطنية

كيانا دافينبورت

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

مجلة ستوري, خريف 1999

 

 

يضرب البرق فتنشطر امرأة إلى نصفين. يتراءى خط متعرج من الأيونات وتعلو صرخاتها عند انقصاف عظامها. أتذكر السماوات وهي تطقطق. يهوي طاووس مشوي من أعلى إحدى الأشجار. أذكر أن شعر أحدهم ازرق وتشعث كما لو كان شعراً مستعاراً. هل ما تعيه ذاكرة المرء هو بالفعل ما جرى؟ يقول الخال نوح إن كل لحظة تنطوي على حقيقتين.

انحدرنا من القبائل الفظة التي سكنت جبال واياناي الواقعة بالساحل الغربي البري للجزيرة. هنا أنتجتْ عشائر السكان الأصليين المنبوذين والمجرمين وإن حملتْ بلداننا أسماء مثل لالابيز وماكاها ومايلي وناناكولي ولوالوالاي. في ناناكولي تدلى أحد الأودية تدلي الأرجوحة بين الجبل والبحر، وبه وُلدتُ في منزل معروف برجاله المحطمين.

قبل ولادتي بأمد طويل رجع جدي إلى البيت قادماً من الحرب العالمية الأولى بعد أن طيّرت الطلقات أنفه. جهز له الأطباء أنفاً معدنية كان يخلعها ليلاً قبل أن يخلد إلى النوم. زعم الناس أنها تسببت في جنون جدتي التي كانت ترقد تحت وجهه الخالي. أتى خالي بن من الحرب العالمية الثانية فاقداً ذراعه. أما أخوه الأصغر نوح فقد عاد من المعركة بكوريا وهو صامت صمت القبور. وفي النهاية رجع ابن خالتي كيمو من فيتنام حاملاً معه ثماني عشرة أونصة من الشظايا التي انتزعوها من رجله قبل بترها.

عندما انتهى الأمر بجدتي إلى قضاء نحبها بمستشفى المجانين، قدِم الناس من كل أوب وصوب جالبين سلال الطعام. قعدوا يتفرجون على رجالنا شأن المتفرجين على حديقة الحيوانات. أفرط جدي وأولاده في احتساء الخمر فتعروا وراحوا يهذون ويرقصون في رشاقة همجية بينما علق الضوء فيما خلفته أطرافهم المقطوعة من فراغ فتوهجتْ تشوهاتهم. تصارعوا مع كلاب صيد الخنازير وطرحوها أرضاً. لعبوا بأنف جدي، يرمونها ثم يلتقطونها، ريثما انصرف الجميع إلى بيوتهم.

عقب رجوع جدي من الحرب امتهن مهنة إصلاح التوابيت بمستودع ماركليز مورتشواري لحفظ الجثث، وهكذا ترعرعنا ونحن نستمع لحكاياته عن الجثث – الجثث الملوثة تماماً وتلك الممتلئة بالغرز من غير ذي جدوى. سمعنا عن نساء توفين قبل موت أجنتهن وعن رصاصات اخترقت صدور الشباب. وأثناء سرده لقصصه المخيفة تطايرت الأشياء من آن إلى آخر من نوافذ منزلنا كسكين المطبخ لمّا كان أخوالي به والزجاجات المصوبة نحو كلاب تقلب في النفاية. وذات مرة طارت كيكي من إحدى النوافذ، قذفتها أمها، خالتي أفا، إحدى بنات جدي.

كن خمساً من الحسناوات العنيدات يقطن بهاواي، شهيرات بطول الساحل. بوا وجنجر وجيد وأمي ليلي وأفا التي كانت أكثرهن استحواذاً على انتباهي. اشتغلتْ أفا وأمي بالرقص في الملاهي. تميزتا بأرداف ثقيلة وببشرة عسلية. كانتا ترتديان ملابسهما كل ليلة وتتوجهان إلى صالات الرقص. كانت أفا تضع بودرة بلون الأرز على خديها وذراعيها في محاولة لتفتيحهما في حين تزم أمي شفتيها المثاليتين لتلونهما بأحمر الشفاه. كنت أحلم أحياناً أني أرتفع بمنأى عن عينيّ أمي لأنسل إلى جلدها. أتحرك بسلاسة في الصالات بدماء مليحة مختلطة وألف ساقيّ حول فخذين يوجهاني على أرضية الصالة.

حضر والد كيكي في بعض الليالي، كان طبالاً وسيم الملامح من الفلبين. كان يغلق باب حجرة أفا من دونه فيرتفع غناء زنبرك السرير ويعلو التأوه البشري في صورة نداء واستجابة. ثم يتناهى صوته وهو يصفعها فتتعالى سلسلة من الصرخات. يصوب جدي بندقيته التي كانت تصيد الخنازير فيهرع الطبال إلى الطريق. ذات ليلة ظهرتْ أفا بالزقاق، كانت تقهقه وقد تدلى ذراعها حول خاصرة رجل جديد يجوب الآفاق على دراجة بخارية ماركة هارلي. طوح جدي بحقيبتها في الفناء ثم أغلق الباب. جاءت بعدها بأسابيع تتوسل إلى جدي فسمح لها بالعودة. وقفتْ في المدخل تنفض رماد السيجارة وتتخلص من زجاجات العطور. لقد كنت أهيم بها لفترة من الوقت.

في يوم من الأيام ضربتْ كيكي بكل عنف من غير أدنى داع فانقلبتْ الفتاة على جنبها وحطت برأسها على الأرض. دارت حدقتا عينيها في محجريهما وابيضتا، حركة أوقعت في نفسي الذهول. ران السكون في تلك الليلة؛ وانتبهتْ حواسي لما يدور حولي. ثم حدث أن سار جدي نحو الكرسي الذي جلست أفا عليه ورفعها بالكرسي فوق رأسه ملقياً كليهما عبر الحجرة. فما كان منها سوى أن تمددتْ مكانها وقد ارتسم خيال عظمة خدها على الأرضية.

كان أبي عازف ساكسوفون على المراكب التي طافت بسواحل الجزر. عندما كان يرسو بالميناء، كان يروقه أن يفاجئ أمي بأن يتسلق نافذتها. وعقب مغادرته المكان، كانت تلزم الفراش لعدة أيام. أما أنا فأجلس مع ابنة خالتي كيكي خارج حجرتها لنستمع إلى غطيطها الرقيق. لقد نشأنا وثيقتا الصلة وحسبنا نظرة نرنو بها لبعضنا بعضاً كي نستشعر الأمان.

تواصلتْ وتيرة الحياة في ناناكولي. تتابعتْ طلقات النار وما انفكت عصابات الموت تقتل بركلات الكاراتيه الدائرية. سيق مزارعو الماريجوانا إلى سجن هالاوا بينما ولدتْ الفتيات في مراحيض المدارس الثانوية. بيد أن سحر ناناكولي لم ينقطع هو الآخر. إذ كنا نصطاد الخنازير البرية مع أخوالنا ونستمع لغناء كلاب الصيد أعلى جبال اليشم. ما أجمل الليالي التي كنا نصطاد فيها السمك على ضوء المشعل فيما يصدح الكبار وتلتمع العضلات البرونزية المجهدة من حمل الشباك الزاخرة التي تقطر المياه من أطرافها. وداخل الأكواخ المسقوفة بالصفيح تمايلت النسوة وهن يجهزن الوجبات على مواقد صدئة بينما تراءت ظلالهن ضخمة على الجدران.

حينما ساقت الخمس بنات رجالهن إلى البيت، جاش منزلنا بالدراما الإنسانية واهتز بها. وهم لفي أسرتهم في الصباح، كنتُ وبنات خالتي نصقل شفاهنا بعصير التوت فتتلون بالأزرق كالغيلان، ونكشط العفن الأخضر عن الجدران لنلطخ به جفوننا، ثم نثبت فرع شجرة في شعرنا وترقص كل اثنتين معاً رقصة بطيئة مثلما يفعل الكبار.

عاود زوج أفا الظهور. أتتنا رنة إبزيم حزامه حين تهدل بنطلونه على مؤخرة سريرهما. ندت عنهما أصوات الغرام ثم وكما هو متوقع صيحاتها. لسنوات عديدة اعتبرتُ هذا الرجل مسؤولاً عن حدة مزاجها. لكني أفطن الآن أنها كانت مفعمة كلية بجينات جدتي، إذ كانت حامية الطباع. ففي مرة من المرات ضربتْ رأس كيكي بمقلاة حديدية وفي مرة ثانية حلقتْ شعر رأسها تماماً عقاباً لها على كذبها. وذات يوم أمسكتْ بيد كيكي فوق لسان من اللهب مما حدا بخالي نوح إلى دفعها نحو الجدار.

كر العام بعد الآخر. شاهدته ينزوي عن العالم مراقباً إياه من نافذة ازداد لمعان عتبتها لكثرة اعتماده عليها خلال تلك السنوات. لم تعد ذاكرته تعي كوريا. ولمّا كنا ننوه بتلك الحرب، كان نوح يقطب جبينه سائلاً إن كنا قد اختلقنا المسألة برمتها. ولأنه نبذ الماضي، فقد تصاعد وعيه بالحاضر تصاعداً حاداً فانصب انتباهه أكثر فأكثر على أفا. 

رغبتْ خلال نشأتها في أن تصبح سباحة أولمبية لكنها غدت جميلة الوجه فاكتشفتها صالات الرقص. قال عنها الناس إنها تشبه الممثلة لينا هورن. رُزقت أفا طفلاً ثانياً. كان الأب رجلاً صينياً رشيق القوام مشهوراً ببراعته في رقص التانجو وكان أكبر مني ومن كيكي بخمس سنوات لا غير. طرد جدي أفا مجدداً فلم يسعها أن تبلغ العيادة قط. انزلق طفلها في المقعد الخلفي للتاكسي الوحيد بناناكولي فيما جثا السائق بين الشجيرات وهو يتقيأ.

حكت لنا أفا بعد ذاك بأمد طويل أنها عضت الحبل السري وقلبتْ الطفل وضربته حتى علت صرخاته ثم دثرته في قميصها. جلستْ بعدها بمقعد السائق دافعة بسترة الرجل بين رجليها ثم سرقتْ عربته. مرت عليّ السنوات وأنا أتخيلها تسرع بسيارة فورد صدئة وطفلها المولود من دقائق يصرخ حتى الاحمرار في حين تُغّير هي سرعة السيارة وتقاوم آلام المشيمة.

اختبأتْ وراقص التانجو في الحي الصيني وعاشا من بيع قطع التاكسي المفككة. عندما قبضتْ الشرطة عليهما في آخر الأمر، بعث جدي بالكفالة عن طريق البريد فأطلق سراح أفا مع وضعها تحت المراقبة ثم أحضرها جدي إلى البيت. كان الطفل، وكانت قد أسمته تاكسي، جميل الملامح. حينما انحنت كيكي لترفع أخاها الصغير، هجمتْ أفا عليها محذرة:

" سأكسر ذراعك إن لمستيه!"

استقامت كيكي وحدجتْ أمها بنظرة ثاقبة ثم قالت: "ثقي أني لن أعاود الاقتراب مطلقاً من صغيرك الحقير."

كانت تلك أول مرة أشهد فيها طبع كيكي الحاد. وقعتْ عيناي على شيء آخر يومذاك. فقد أمست مشيتها واضحة للعيان. انصرمت سنوات عدة وهي تميل قليلاً أثناء سيرها وكأن قدمها اليمني قد حُرمت من كعب طبيعي. كل سنة تزداد المشية المائلة وضوحاً. اصطحبها جدي إلى طبيب عظام فلم يجد علتها غير أن أخصائي الأذن أعلن أن توازنها ليس سوياً، فالعظام الصغيرة بأذنها الباطنية مدمرة على نحو غير قابل للعلاج. اجتررت الذكريات: كيكي وهي تطير من النافذة لتسقط على رأسها، أمها وهي تلوح بمقلاة حديدية كمن يلوح بمضرب كرة البيسبول، يد كيكي ذات الندوب المتخلفة عن لهب النار والتي أطاحت بفرصتها للخلاص. زحفتُ إلى سريرها واحتضنتها.    

شحت أمطار ذلك الصيف فبعثتْ الغزلان أصواتاً بنباح الكلاب أشبه وهبطتْ في حركات مضطربة من فوق الجبال لتلعق نوافذ المحلات مكيفة الهواء. ارتفع صوت كالأزيز من جراء تبول كلاب الصيد على القطران. زحفتْ النموس تحت منزلنا ثم طفقتْ تسعل وتمص الأنابيب. وفي غمرة هذه الحال، وفد أبي، ’أبي‘ كلمة لم تخفق مرة في إطباق فمي. أقبل بعيونه الداكنة وأغلق باب حجرة أمي. أعلم أنه أحبها في وقت ما. لا أظنه كذب عليها بيد أني أخال هذا الزمن قد ولى.

رفعتُ ستارة النافذة لأرقب ضوء القمر ينعكس على قدميّ. استدعى خيالي أبي وهو يذرع حجرة أمي منبئاً إياها أنه لن يعود مرة ثانية. تفكرتُ في أحوال الناس، كيف يظهرون في حيواتنا ثم يختفون، وتساءلتُ عن القوى المتحكمة فيهم. تبدى في مخيلتي جني سماوي ضخم يفرك ما يحمل البشر على الغدو والرَوح. غادرها فتظاهرتْ بالموت كالعهد بها. حسبتُها تمثل دوراً من أدوارها. انتحب جدي عدة ليال بلا انقطاع ثم واريناها الثرى. لم تمض فترة طويلة بعدها حتى آويت إلى الفراش على صوت إعصار توالى ثلاثة أيام.

اكتشفتْ كيكي الرقص وهي في السادسة عشر ربيعاً، اكتشفتْ أنها لا تعرج أثناء الرقص. جعلتْ تضوع منها رائحة الكولونيا التي يتعطر بها الرجال بعد الحلاقة. كان أحدهم يعلمها رقصة التانجو.

في إحدى الليالي ركعتْ بحذاء سريري. "آنا! أنا أحب جَمْ، أبو الصغير تاكسي."

جلستُ وقد بلغ بي الاندهاش مداه. "أجننت؟ ماذا عن أمك؟"

"هي لم تحبه ألبته أو تحب غيره."

حاول جم أن يشرح الأمر لأفا؛ أدركنا ذلك بعدما انطلقت صرخاتها. أخذنا في العدو على الطريق حتى الوادي ووصولاً إلى الممرات النائية بالغابة التي ابتلعتنا. أمضينا الساعات نعترش جلاميد الحمم البركانية متشبثتين بالجذور والكروم المعقدة. خلصنا إلى ملجئنا الكائن خلف أحد الشلالات. منذ سنوات خلت حينما واتتنا الشجاعة أول ما واتتنا للمجيء إلى الشلالات، اكتشفنا خلفها كهفاً مرعباً مغطى بالطحالب ومليئاً بالعظام المبعثرة في كل مكان.

أما الآن فقد زحفنا خلف تلك الستائر الضخمة لنسقط من الإعياء داخل الكهف، داخل التجاويف التي شكلها الإنسان من مئات السنين. أضاءت العظام في العتمة بألوان الأخضر والأزرق. استلقينا جنباً إلى جنب شاعرين بدفء الشمس الذي التهمته الأرض. عدنا أطفالاً مرة ثانية وقد بات مهدنا من الحجر.

"أحياناً ما أبصر أشياء غريبة،" أفضت كيكي في نبرات هامسة. "آمل ألا يروني... آمل ألا يطاردوني."

كنت أعرف أنها تخاف أن ترث مزاج أمها العنيف. "هل تظنين أن جدتي فعلت نفس الشيء مع أمك؟"

"لعلها. ربما لو حلقتْ أمي شعرها، سنرى الندوب."

مكثنا خلف الشلالات طوال الليل، وخلال تلك الساعات حاولتْ كيكي أن تبدل حياتها، أن تخلعها مثلما تخلع المعطف وتخلفها ورائها.

"أنا الآن امرأة. إن ضربتني مجدداً، سوف أرد عليها."

اليوم التالي اندفعنا كالطلقات خارج تلك الشلالات فغمرنا الزبد الهائل وأقدامنا تتقدمنا نحو نهر يدوّم. ارتدى جدي معطفه الأخضر الواقي من المطر وخرج باحثاً عنا إلى أن عثر علينا منهكتا القوى على الشاطئ. سرنا إلى البيت كالمحاربات كلنا عزم وإصرار.

لا بد وأن أفا قد شعرت بما يقع، إذ لم تأت البتة على ذكر جم. إلا أنها كانت تقف ليلاً بغرفة كيكي مسددة نظرات شاخصة نحو السرير الفارغ. وذات يوم صك مسامعي صراخ تاكسي ثم شمل الصمت المكتوم. بانت على يديه ورجليه دوائر زرقاء لم تكن سوى كدمات صغيرة في حجم القرصة. لاحظها جدي هو الآخر فراح يلقي بالكراسي ثانية آمراً أفا أن تخرج بلا رجعة قائلاً إنه سيربي أطفالها. جثتْ على ركبتيها وصياحها يرتفع وكذا توسلاتها.

استسلم جدي بطبيعة الحال وبقت أفا بالبيت. ثم شرع أفراد الأسرة في التشتت. إحدى الأخوات ركبت سيارة يقودها سائق خاص ولم نرها مطلقاًً مرة ثانية. أخرى ترهبنت بالكنيسة الكاثوليكية. الثالثة تزوجت رجلاً من جزر ساموا يكسب رزقه من بلع النار وطالما فاحت منه رائحة الجازولين. أما ابن خالتي كيمو الذي كان يمشي على ساق واحدة فقد باغتنا كلنا بالتحاقه بالجامعة الكبيرة في الجزيرة. سرعان ما لم يبق غير أفا ونوح وبن، مجموعة متنوعة الطباع من أبناء الخالة مكثت مع جدي.

أنشأ يشكو من أنفه فأعطاه الأطباء أنفاً جديدة، أنفاً ترقيعية قبيحة بدت كالحقيقية بشكل غريب. فاحت منها رائحة بلاستيكية كريهة وانتابته بسببها الآلام. بعدها لم ينتبه أي شيء، إذ داهمتْ الغنغرينا قنواته الأنفية. وقد بلغ من تشوه وجه جدي لمّا عاجله الأجل أن دفناه وهو يرتدي قناعاً. أعددنا جثمانه للدفن، فألبسناه بذلته الكتان البيضاء التي حال لونها بفعل الفطريات ووضعنا ورقة شجر طويلة على صدره لتؤّمن له رحلة آمنة. عادتنا العشائر من الساحل بطوله ومال الناس على تابوته في محاولة منهم لرؤية الوجه المقزز الذي ستره القناع. التفت أعناقهم وهم مستقرون على مقاعد الكنيسة ليتفرسوا فينا كما كانوا يفعلون زمان.

لبثتْ عيناي مسلطتين على أفا التي لم تزل تنعم بجمال ينذر بالخطر. جلس تاكسي جوارها، كان طفلاً خجولاً عصبياً في الخامسة من عمره إلا أنه اتسم بنحافة أبيه ورشاقته. حظيتْ أمي بمكانة الابنة المفضلة لدى جدي لكني أخال أفا أشدهن حباً له. تحركتْ نحو تابوته وصوتها يزداد بشاعة وقوة.

"أبي! كيف لم تقدرني حق قدري مطلقاً كل هذه السنين؟ دوماً تصرخ فيّ مخبراً إياي كيف أربي أطفالي؟ كيف لم تحبني كل هذه السنين!"

هزت التابوت بقوة محاولة أن ترميه على الأرض. هرع القس رايلي من المذبح وحاول أن يشدها إلا أن أفا رفعته وطرحته بكل عنف حتى إنه تزحلق على الأرضية. صاح خالي بن وأسقطها بضربة من يده. في تلك اللحظة دنت كيكي من تاكسي وأخذت بيده ثم ما لبثتْ أن أخرجته من الكنيسة وهي لا تفتأ تمشي تلك المشية غير المتوازنة المائلة يميناً. دفنا جدي وأعدنا أفا إلى البيت. جلستْ في غرفتها تصدر الهمسات وتتأرجح يمناها ويسراها.

في إحدى الليالي وقفتْ عند مدخل حجرتي ثم تسللتْ مقتربة مني وربتتْ على يدي في دقة حالمة.

"كان أبوك رجلاً جد مؤذياً. مرة وضع سحلية في حقيبة يدي. آه، كان هو راقصاً بحق!"

لم أقو على الحراك. داخلني إحساس بأن فمي مخيط.

مالت بجسدها لتقترب مني فأبصرتُ حشو أضراسها، سوداء مزرقة كالحمم البركانية، وشواطئ اللعاب الملتصقة بسقف فمها.

"لقد فزت به أولاً لكنه لم يكن ذا قيمة. كان يتنفس فقط. فتنازلتُ عنه لأمك."

وجهتُ نظرة محملقة إلى عينيها مباشرة. "لقد انتحرتْ، أليس كذلك؟"

"أجل! كانت حاملاً." طوحتْ برأسها إلى الخلف وأرسلتْ ضحكاتها.

"الرجال لا قيمة لهم ولا وزن."

"لعلهم يخشونك،" قلت. "حتى كيكي تخافك. يجب عليها أن تمقتك... كل تلك الندوب."

عاود الضحك أفا. "إن الندوب تجعها مثيرة للاهتمام."

ثم صار جلدها مشدوداً فظهرتْ عظام خدودها وكأنها تضوي لتصبح مفاصلاً. "أين ابني تاكسي؟"

"لن أخبرك."

قبضتْ على معصمي وهزته كالهراوة. "أعيديه إليّ وإلا سأضرم النار في هذا المنزل."

مضت عدة أيام كانت السيارات تقبل فيها بطيئة إلى شارعنا ثم ترحل. إذ ولدتْ كلبة من كلبات الصيد اثني عشر جرواً فعرضناها للبيع. خرج رجل يرتدي كالنسوة لابتياع بعض الإكسسوارات فانتهى به الأمر إلى شراء اثنين منها. التقت عيناه بتاكسي مع كيكي وجم وهم يتدربون بصالة الرقص المسماة كاسترو. "ياله من ’فريد إستير‘ صغير!"

ما أن طرق ذلك الكلام أذنيها حتى تسلقتْ أفا خارج نافذتها وسرقتْ شاحنة الرجل المخنث. ألفتْ تاكسي نائماً بسيارة جم بجانب صالة الرقص. لم تجد مكاناً آخر لتفر إليه فقصدتْ البيت وحبستْ الصبي معها في غرفتها. أطلق الصبي صرخاته في مبدأ الأمر غير أنها هدّأتْ من روعه وحملته وهزهزته مثلما تفعل الأمهات. راقبتُها من ثقب المفتاح.

ناشدناها ليوم كامل أن تفتح الباب وقرعناه بكل ما فينا من قوة. ثم أسدل بن حبلاً مربوطاً بآخره زجاجة لبن من الطابق الثاني وحتى نافذتها. فتحتها أفا بالقدر الذي سمح لها بانتزاع الزجاجة. انقضت ثلاثة أيام ونحن نمرر لها سلال الطعام المتدلية من الحبل. استخدمتْ والطفل دلواً لقضاء حاجتهما مفرغة إياه من النافذة كل ليلة. وصلتنا أصواتهما وهما يضحكان ويصدحان بأغاني الأطفال. ولمّا نادينا على تاكسي باسمه، أجابنا. كان وأمه يلعبان معاً.

أدرك بن نفاذ الصبر. وفيما كانت أفا والصبي نائمين ليلاً، حاول فتح بابها بأن يفلق مفصلات الباب بإسفين. وذات يوم بينما كانت تمد يدها خارج النافذة لتحصل على طعامهما، حاول بن أن يكسر الباب.

اعترى أفا السعار. "لن تأخذ ابني! لقد حذرتك! حذرتك!"

كانت صرخاتها غاية في البشاعة حتى إن كيكي سجدت على ركبتيها تصلي بصوت عال. نادينا عليهما بالساعات ثم انتهينا إلى كسر الباب. كانت مستلقية في الركن مع طفلها المخنوق. شرطتْ عنقها في محاولة منها لقطع شريانها. التقط نوح الطفل الذي تبدل لونه بلون الدم وحمله خارجاً ثم جلس في ضوء الشمس وهو في أحضانه. كان يفتح فمه ويغلقه كما السمكة ويؤرجح الجثة للأمام وللخلف.

دفنا تاكسي إلى جانب جدي ولحقتْ أفا بجدتي بمستشفى كانيوي الحكومي. كان الناس يقودون سياراتهم بحذاء منزلنا ليلتقطوا الصور. أسرعتُ خارج المنزل حاملة كاميرا جدي وصورتُ مَن يصوروننا غير أن الصور طاردتني مقتفية أثر حرارة جسمي شأنها شأن أسماك الموراي. طفقتُ أعدو في أحلامي. وذات ليلة استقليت حافلة تتعقب السهم ياقوتي اللون الذي انتظم من الأضواء الخلفية للسيارات المتجه نحو هونولولو.

تعلمتُ سريعاً، بنفس سرعة استيعاب النساء، وغدوت في نهاية الأمر ممرضة تكتشف مجموعة كاملة جديدة من البشر، ألا وهم الجرحى والمرضى. أشخاص لا يسألونني غير السلوى. تعلمتُ ألا أقحم عواطفي في العمل وأن أداوي الناس أو أوليهم ظهري. تعلمتُ أن بمقدوري إنقاذ حياة أحدهم عن طريق الكذب وأن بعض الناس في حاجة إلى الموت. عانقتُ الموتى حتى بعد تيبس أجسادهم خشية أن تكون الروح معلقة. أمسكتُ بقلب رجل خارج صدره فأكسبني نبضه شيئاً من العزاء.

تحولتُ إلى امرأة تعيش حياتين منفصلتين. إحداهما تمرّض الغرباء والثانية تتعاطى الخمر في الثانية صباحاً. كنت أتحسس لباسها الداخلي الذي كان في لون قشرة الخوخة القديمة وأشم العطر الذي ظل عالقاً بدبوس شعرها. أخذ أحدهم بمكان ما مقاييس رأس أبي لصنع قبعة فاحتفظتْ أمي بتلك الورقة الحاوية للأرقام. كان ذلك كل ما تيقنتُ منه: مقاس لباس أمي ومقاييس رأس أبي. كنت أستمع في بعض الليالي للساكسوفون وأبكي في الغسق من حين لآخر.

لم يتضح قط السبب الذي دعاهم لإطلاق أفا. ربما كانت أجنحة المستشفى المزدحمة أو سنها أو حدتها التي غدت واهنة غير جلية. وقّع خالي بن على الإذن بإخراجها وجاء بها إلى البيت ثم اتصل بي. وقفتُ بذلك الطريق في حينا الفقير الحبيب الحافل بالحُفَر وأعشاش الدجاج ورائحة التحمير بالسمن الحيواني. حث المنزل الخطى لملاقاتي. إذ لوّح خالي نوح لي وهو لا يفتأ يجلو عتبة النافذة بساعديه ويسبح في حوضه الرائق المليء بالأفكار. دأب لمدة سنوات على مراقبة كرسي شاغر وهو يتأرجح متذكراً الصبي الذي جلس عليه. أدركتُ عندئذ مدى الحب الذي أضمره للصغير تاكسي.

كانت أفا تضع شعراً مستعاراً شديد السواد وتضغط بجبهتها إلى جدار غرفتها لتعترف بخطاياها. فقدتْ كل أسنانها ولاحتْ عيناها كفوهتيّ بركان فارغتين ورقبتها كشبكة لؤلؤية من الندوب. التفتت وجرت عليّ ثم ما أدري إلا وقد بدرت منها حركة مفاجئة إلى الوراء مثلها مثل الشيء الذي يثب عالياً إلى الأمام رغم سلسلته. لم تتعرف عليّ. لكنها استأنفتْ ما كانت تفعله مع كيكي، فكانت تهمس ليلاً خارج حجرتها بأشياء شنيعة داعرة لا يجدر أن تسمعها أية ابنة. حزمتُ حقائب كيكي عاقدة النية على أن آخذها إلى هونولولو، بيد أنها تراجعتْ فقد كانت منهمكة في أكل الفطائر. كَفّت عن الرقص وعن صنع كل شيء وما قامت بشيء سوى الأكل. لم تنفك أفا تطاردها بل إنها حاولت أن ترتكب الفحشاء معها.

هز خالي بن رأسه متلمساً كتفه مقطوع الذراع. "لقد جانبني الصواب حين أتيتُ بها إلى البيت. إنها تحمل تلك الفتاة على الانتحار."

حل فصل البرق. فأمسى الجو معبئاً بشحنة عالية من الكهرباء حتى إن حشو ضروسنا أصدر أصواتاً كالأزيز. أحدث كل ما لمسناه شرراً. هطلت الأمطار مدراراً فاجتاحتنا الفيضانات وعكستْ أمواج المحيط وهجاً أصفر. تجلى البرق في خطوط متعرجة لعدة أيام فوق الوادي فضرب خنزيراً متوحشاً تدحرج في فناءنا وهو مشوي تماماً. سقطتْ الطواويس من أعلى الأشجار بعد أن صعقها الجهد العالي. ذات ليلة برقت السماء بأشكال من الأيونات ضاربة كل مكان. لم ير أحد أفا وهي تبرح المنزل إلا أن السماء طقطقت وسمعنا صرختها الرهيبة. وجدنا بن يقف إلى جانبها وقد لونت الكهرباء شعره بالأزرق الشاحب.

انطرحتْ ووجهها للأرض وتمددتْ كجلد حيوان لم يدبغ بعد. أعزى المسعفون وفاتها إلى البرق. غير أن جسدها بدا على حاله فقالوا إن قدميها لا بد زلت ووقعت. اكتشف الطبيب الشرعي في مؤخرة جمجمتها شقاً كبيراً من أثر ضربة قوية. فحسب أن البرق قد أصاب غصناً تسبب في الضربة. قال الناس إن مصدر الضربة هو بن أو كيكي. هدأتْ السماء. وارينا أفا التراب ثم اتخذنا مجالسنا كي نُفرغ زجاجات البيرة طويلة العنق، كي ندع العالم الجريح يغدو زجاجاً أخضر. كانت تلك اللحظات في مثل طيبة الدنيا.

تعاقبت عدة سنوات قبل أن أكرر السير في ذلك الطريق. وقفتُ أمام المنزل وقد استولت عليّ الدهشة. أرسلتُ طرفي إلى كيكي الجالسة بالشرفة، أضحت بدينة للغاية وظهرتْ في حجم الأريكة. وزنتْ حينذاك حوالي أربعمائة رطل. ابتلي قلبها بالمرض وإحدى أذنيها بالصمم. كانت تقشر شيئاً ما في سلطانية حينما رفعتْ إليّ وجهها. وقفتْ ببطء على قدميها المتورمتين اللتين بدتا كرغيفين حتى ظننته مستحيلاً أن تقف. حاولتْ أن تجاهد لتهبط السلالم؛ جريتُ نحوها وألقيتُ بذراعيّ حول رجليها مجهشة بالبكاء. انحنت كيكي وربتت على شعري.

في تلك الليلة أنفرد بي بن وأبلغني بأن كيكي حاولت أن تشنق نفسها بعد سنة من رحيل جم لمدينة سياتل. خالتْ أن أحداً لم يكن بالبيت بيد أن لصاً يجول بالمنزل دلف إلى غرفتها في اللحظة التي جعلتْ ترفس فيها الكرسي من تحت قدميها. صاح الرجل بها وصعد بجانبها على الكرسي ممسكاً بخصرها وتكلم معها بالساعات. وقعتْ كيكي في غرام اللص الذي أنقذ حياتها.

انتقل إلى العيش في المنزل ورزق هو وكيكي طفلة. بدا وكأنه رجل طيب إذ كان يحسن معاملتها، إلا أنه غادر في إحدى الليالي بلا رجعة. قال بن إن السبب يرجع إلى "نوبات" كيكي التي دفعته دفعاً إلى الرحيل. كانت نوباتها تنطلق بلا أدنى موجب تماماً مثل أمها. والآن بلغتْ ابنتها نحو الثانية، كانت طفلة صغيرة ريانة تدعى ليلي على اسم أمي. ألفيتها مربوطة كالكلب بحبل غسيل حال دون أن تبتعد. جثوت على ركبتيّ باحثة عن أية كدمات ثم حملتها لبرهة.

انتهيتُ إلى البيت ثانية من أجل خالي نوح. أنفق معظم سنوات عمره ملتزماً بالصمت، والآن وهو يقترب من السبعين بات مهيئاً لاستقبال النهاية. ركعتُ بجانب سريره.

"كنتَ دوماً بطلي، أعلمتَ بذلك؟ أحببتُ فيك معرفتك بكل الحلول واحتفاظك بها لنفسك."

افتر ثغره عن ابتسامة ثم سبح بفكره هنيهة. جلس بعدئذ نصف جلسة وأشار إلى خزانته. بداخلها ثمة شيء كبير ومستدير ملفوف بقماشة بالية. لم يزد على كلمة واحدة. "ادفنيها." فتحتها ليلتها بغرفتي. علا المقلاة الصدأ كما يحل بالحديد وإن ظلت ثقيلة الوزن. لا ينفك ظهرها ملبداً بالدماء وخصلات الشعر الأشيب وأجزاء من جمجمتها تشبه رقاقات الثلج. مسحتها لأنظفها ثم دفنتها مع نوح وعدت لهونولولو.

 

أجالس المرضى في بعض الليالي، أضع يدي على صدورهم لأتأكد من بقائهم على قيد الحياة. أنظم تنفسي مع تنفسهم فأشاركهم في إيقاع الارتفاع والانخفاض، الارتفاع والانخفاض. أحياناً ما يتراءى نصل المشرط المعدني اللامع كالشمعة المضيئة حيال وجهي أشاهد فيها حياتي منعكسة، حياة يعمها الحذر بلا صدمات أو مشاعر مغلوطة، حياة مخففة تماماً من الأحمال. مرة طلبتُ يد رجل وأنا أفرغ مبولته. قلت له إني معجبة بطريقته في الشخير؛ فالشخير يدل على شخصية المرء. خالني أمازحه. تطلعتُ إلى المرآة لأتيقن من أن وجهي يحسن التعبير ثم رجعتُ إلى البيت وآويت إلى مضجعي لأيام.

أزور ابن خالي كيمو بين الفينة والأخرى، صار الآن محامياً تفتخر به ناناكولي. شاهدتُ رقة ابنه وهو ينزع الرباط عن رجله الصناعية. أثرتُ طبقة الرماد التي غطت طفولتنا متسائلة عن السبب الذي جعل بعضنا يتمكن من النجاة من ذلك المنزل على حين لم يستطع آخرون. يفسر كيمو المسألة بأنها وراثة عن الأم. يقول إني تطبعت بطبائع أمي، فأنا أطيل النوم.

لا تزال كيكي تعيش هناك مع أرملة بن وأولاد الخالة الذين يأتون ويذهبون. تدهورت حالة قلبها؛ وأصابتها الأدوية بالنعاس. لم تعد ذاكرتها تعي مبادئ المشي. تهاجمها النوبات على حين غرة. كنت أقعد في بعض الأيام بجوارها وهي تقيّل فيلوح جسمها كجبل يتنفس. قاربتْ ملامحها على الاختفاء، لكن ثمة في مكان ما بقناع اللحم ذلك تكمن الفتاة التي اختبأت وراء الشلال: نزقة وقوية ولا حدود لتصميمها.

استيقظتْ يوماً باسمة لي. "حتى في أحلامي تحاول أمي اللحاق بي. لكني لا أزال أسبقها."

يزداد حبي لهذه المرأة، فجيناتنا معوجة معاً وبنيتها هي بنيتي. أحبها لأنها لا تفتأ تحارب الفجوة التي تريد أن تمصها داخلها.

بلغتْ الصغيرة ليلي الثامنة الآن. كان جلدها بني اللون وملامحها فاتنة. اتصفتْ بالذكاء الشديد، إذ كانت تحتفظ ببعض الكتب والألعاب كما ثبتتْ خريطة للنجوم بسقف حجرتها، لكن ثمة شيئاً مكسوراً يطل من عينيها. كانت تقف بالمطبخ لتعبث بالمقابض وتراقب التحول البطيء لدوائر الموقد الكهربائي من الرمادي إلى البرتقالي. كانت تطيل التأمل في كآبة بغرفتها الحافلة بالأسرار. ورَد على أذنيّ صوتها في يوم ما، كان مخيفاً مألوفاً. سمعتُ أصواتاً مكتومة ففتحتُ الباب. ألفيتها قابضة على دمية لم أرها على الإطلاق من قبل، دمية قبيحة مشوهة مهشمة.

"لقد حذرتك وحذرتك،" قالت كالهامسة. "أيتها الحقيرة الصغيرة الأنانية." ثم سددتْ إليها الصفعات على نحو متكرر وضربتْ رأسها في الأرض.

ابتعدتُ وأنا أتعامى عن الإشارات وأتحاشى الرموز التي تصلني من خطوات ليلي. أي أني كنت أغض بصري عندما تتقدم صوبي وعندما تبتعد عني. لا أرغب في أن تطالع عيناي مشيتها الغريبة التي تبدو مائلة.

بيد أنها أقبلت بعدها وهي تجرجر تلك الدمية البشعة المضروبة وقد أحاطت رأسها بالضمادات ورجليها بالجبس المصطنع كبديل عن الأصلي. أقحمتْ ليلي نفسها بين ذراعيّ وجلستْ نصف جلسة على حجري آمرة إياي، لا طالبة، أن أعيرها انتباهي. كانت طفلة غريبة الأطوار عدوانية المسلك. احتضنتها مشيرة إلى الدمية.

"ما كل هذا؟ حسبتك تكرهينها."

ربتت على رأس الدمية. "نعم. لكنها كانت محتاجة إلى رعاية طبية."

ندت عني ضحكة. "طيب يا ليلي. قد تصبحين يوماً ممرضة."

تراجعتْ إلى الوراء ورمقتني بعين فاحصة ثم هزت رأسها في عناد. "لا يا خالتي! سأصبح طبيبة. سوف آمر الناس بما يفعلون."

عانقتُها مجدداً لأنها مثلت خير ما في أمها – قاطعة وكلها عزيمة. احتضنتني بذراعيها الصغيرتين على أني شعرتُ بما خامرها من صلابة ورجفة وكأن دماءها تنظم بالفعل جيوشاً صغيرة ستعيد توجيه جيناتها، كأنها تكسر بالفعل القالب، تكرم البنات اللاتي وُلدن بلا دلائل أو شفرات، تكرم أمهات أولئك الفتيات – النساء الذهبيات ثقيلات الأرداف اللاتي كان ينبغي عليهن الهرب لا الرقص.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.