مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد الثامن والثلاثون، إبريل 2013        Thirty-eighth issue, April 2013

 

 

تكرم نايچِل چاريت بالموافقة على نشر قصة "خوذة بسمارك" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Jarrett was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Bismarck's Helmet"" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Jarrett a great debt of gratitude for his kind permission.

Bismarck's Helmet” by Nigel Jarrett. Copyright © 2012 by Nigel Jarrett. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

خوذة بسمارك

نايچِل چاريت

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-إبريل-2013

 

 

 

 

 

إن لم تر صورة، دعني أصفها لك. تبدو كقبعة رجل مطافئ أو نسخة مطابقة للقبعة نفسها مُعَدَّة لأغراض الاحتفال. مصنوعة كما هو واضح من مادة لامعة أشبه بالنحاس الأصفر. تنتأ من قمتها رَزَّة، جزء وحيد يجعلها تَظهر للناظر كوميدية أو عدوانية عدواناً مسرحياً، ولولاه لبدت رائعة. ما قد يُشكِّل عند تحركيه طوقاً على الذقن ممتداً من الأذن إلى الأذن تَثَبَّت فوق الحافة الناتئة كما المنديل الرفيع. وفي الخلف هناك شفير يحمي القفا مثلما يحميه قماش مربع متدلٍ من قلنسوة أحد أفراد فيلق أجنبي تحت شمس الصحراء. تتحلى بزخرفة كافية للإيحاء بغرض لا ينحصر كلية في المنفعة. ولو تجاهل المرء الرَّزَّة، قد يحسب أن المرتدي يصدِّر انطباعاً جلياً يتعلق بالمنزلة أو السلطة؛ وعند ضمها إلى بزَّة مناسبة، توحي بالقوة أو قد توحي بطبيعة تتسم بالعند الشديد. والأهم دلالتها على عزم عتيق، حالة من الاستعداد تعود إلى حدث لا سبيل إلى استرجاعه، وهو الآن فريسة للسخرية. يستعد المرتدي في الصورة – أوتو فون بسمارك – لخوض المعركة أو حضور حدث يستحضر المآثر العسكرية بقدر من الحنين إلى الماضي أو يهب أبناء البلد الشجعان الميداليات. تلائم الخوذة شاربه الكثيف كثافة الدغل وتحديقته الفولاذية. تتضرع إليه كي تَظهر في صورة، وبسمارك – الشبيه بالفيلسوف نيتشه في سبيله إلى حفلة تنكرية راقصة – يتفضل عليها بها.

لم يمتلك بسمارك إلا اثنتين من خوذات المراسم. صَنعت كليهما دانسيجر، شركة لصناعة كؤوس الجوائز مقرها مدينة ماينتس، تخصصت في الأتراس والسيوف وأغمادها المنقوشة من أجل الأرستقراطية البروسية. وبعد وفاة بسمارك أورثت أسرته متحف التاريخ والآثار الألماني بمدينة بريسلاو إحدى الخوذتين، ولبثت الأخرى معروضة مع عدد من ممتلكات بسمارك في منزل أسلافه قبل دفنها مع شقيقه. وبعد الحرب أفضت الضائقة الاقتصادية وسوء إدارتها إلى إفلاس متحف بريسلاو، فاضطر إلى بيع العديد من مقتنياته الثمينة بالمزاد العلني. وفي 14 فبراير 1950 اشترى خوذة بريسلاو أحد جامعي التحف، الأمير هانز-ديته فريا، أمير بلدة بيتزدورف، زايد بثلاثة آلاف مارك ألماني في غياب أي اهتمام من دولة بليدة مثقَلة بالذنب. ومع أنه اعتزم ضمها إلى متحفه الخاص، أتاح الخوذة للعرض على العامة بانتظام مع قطع أخرى خاصة ببسمارك في حوزة الأمير. مكثت معه إلى أن انحدرت ثرواته عند فرض ضرائب إرث معوِّقة.

تناهى إلى قُطْب هوليوود السينمائي دينيس ثالاتوبينوس مأزق الأمير، وكان يَعلم أنه يمتلك – من بين أشياء أخرى – زياً ارتداه بسمارك يوماً، فقدَّم عرضاً من خلال وسيط لشرائه مقابل مبلغ وصفه في أحد خطاباته بأنه 'ليس بخساً ولا مجنوناً'، ويُعتقَد أنه اقترب من 25000 دولار. لم يسمع الناس بعدها أخباراً كثيرة عن الخوذة، إذ افترضوا أنها باتت منبع حلم يقظة سرِّي انتاب أحد الأثرياء أو أن أحدهم أخفاها في خزينة مع نفائس أخرى. ومع ذلك ارتدتها ممثلة شبه عارية مترنِّحة سُكْراً في حفلة سيئة السمعة من حفلات ثالاتوبينوس وزوجته تيلي، ثم امتلأت بشمبانيا احتساها جمع المعربدين بالمصاصات. هناك صور تثْبت الواقعة وإن خلت من أية إشارة إلى أصل الخوذة. الممثلة المذكورة هي بلوسوم كالڤيرت، تورطت بعد عامين فيما عُرِفَ 'بفضيحة الكعكة المتجمدة' – اسم لا يشي بأي احترام – عندما أُدخلت في مَهْبِلها مكعبات من الثلج، بتغاضيها على ما يبدو، وبعدها 'أطلقتها' في ثغور ذكور جاثمين، ثَمَن 'الطلقة' مائة دولار. إنه ما تولده الثروة من طيش وفسوق وعبث. تشي الإشاعات والفطرة السليمة بأن مسارات مكعبات الثلج كانت روتينية تعوزها الحماسة.

وفي الساعات المبكرة من 15 يونيه 1961، بينما كان ثالاتوبينوس وزوجته يَحضران احتفالاً لتسليم جوائز في نيويورك، اقتحم اللصوص فيلتهما في منطقة ريفرسايد بلوس أنجلوس وسرقوا أموالاً وملكيات تضم خوذة بسمارك. قُدرَّت الغنيمة – وأغلبها جواهر نفيسة تخص السيدة ثالاتوبينوس – بما يساوي مليون دولار. ربما تآمر اللصوص مع العاملين بالفيلا، وكلهم يشتغلون بنصف دوام عدا خادمة طلبت إجازة في تلك الليلة؛ وجدوا رجل الأمن المُقِيم مكبَّلاً مسدود الفم إلا أن إصابة لم تَلحق به. ما أثبتوا شيئاً. كانت المقتنيات جميعها مؤمَّناً عليها، فاستلم الزوجان مبلغاً ضخماً من المال. فوجئا بارتفاع قسط التأمين ارتفاعاً غير هين، كما أضاف المؤمِّنون شرطاً يقضي بتركيب المزيد من الأجهزة المضادة للسرقة في الفيلا. اقترح كذلك المؤمِّنون زيادة طقم الأمن، وهو ما تم، ثم أخطرهما الحارس الضحية المتورط في الليلة باستقالته.

وبسبب حجمها الكبير مقارنةً ببقية المسروقات، وربما لاعتبارها عديمة القيمة لشبهها بأزياء الاستوديوهات، رموا الخوذة من نافذة سيارة الهروب وهم يقودون بحذاء 'إل كاليباتريا' – منطقة فقيرة تتوسع أطرافها في جنوب لوس انجلوس على بعد ميلين فحسب من طريق سانتا مونيكا السريع. لو درى اللصوص أين يفتشون، لاكتشفوا داخل الخوذة بالقرب من قطعة تعلو الأذن اليمنى دمغة مَسْبك دانسيجر لا تخطئها العين، سَيْفان متصالبان، مكتوبة بالفرنسية. ولكن لم يكن من المحتمل في تلك الظروف أن تؤكد أي شيء عدا رأيهم في الخوذة بوصفها عائقاً ليس إلا. وبينما نهَبت السيارة الأرض لتخلف مزيجاً من الدخان والغبار، تدحرجت الخوذة فوق سد ثم قبعت تحت إحدى الشجيرات لمدة ثلاثة أعوام، عكست الشمس بين الفينة والأخرى بينما وكزتها الحيوانات الفضولية إلى الأمام وإلى الخلف وأطاحت بها الرياح من جانب إلى آخر. وفي كل طقس من الطقوس، وبالرغم من سمعة دانسيجر المعنية بالجودة، انقلبت الخوذة باهتة تماماً. ضرَبها البرق ذات ليلة وإن لم تصب إلا بأقل ضرر.

أقبل أكالان رولاندو موراليس إلى منطقة 'إل كاليباتريا' برفقة أبيه بعد أن عثروا على أمه ميتة بحلْق مُشَرَّط في البَّر على بعد عشرة أميال من بلدة ديماس الساحلية بالمكسيك، هناك امتهنت عائلته صيد الأسماك أجيالاً. لم يكن أكالان المعروف باسم موري يتعدى الحادية عشرة. وقَع أبوه على عدة وظائف في 'إل كاليباتريا' بيد أنه كان في أغلب الأحيان عاطلاً. اعتادت جدة موري أن تقول إن "الفقر في الدم". لم يلقوا القبض قط على شخص بتهمة قتل أمه. وشأنه شأن مراهق مفعم بالضجر، كان يحملق إلى الطريق السريع المتلألئ في الأفق، وكلما رمَز إلى وسيلة للخروج من أرض المعوزين، دنا منه في تجواله. وعندما مضى أبوه ذات أصيل للبحث عن عمل، ألفى نفسه يقترب من إحدى دعائم الطريق السريع على بعد ميلين من أطراف البلدة المتهرئة. وفي أسفل الطريق لم يسعه أن يبصر السيارات المارة، ولكن صمماً حل به من فرط هديرها. جذب عينيه المتفرستين شيء باهت يَرقد على بعد ست أقدام بجانب صَبَّار. تبدى كخوذة رجل مطافئ. وضعها على رأسه ففرَّت منه ابتسامة، نقرها بمفاصل أصابعه. وفي ساعة تالية صارت الخوذة دلواً وهو يقترب من بيته، إذ حمَلها موري إلى البلدة عامرة بأشياء أخرى وجدها أسفل الطريق السريع – باقة من الأزهار الجافة؛ أنجيل من أناجيل منظمة جيديون؛ علبة سيجار بعلامتها الأصلية. مُخَلَّفات. ما عثر على أموال قط. وجد أحد أصدقائه ذات مرة مسدساً قديماً. لم يزل يطقطق ومخزنه يدور كيفما يتفق شأن دُوَّامة خيل معطوبة. صادره أبو موري واحتفظ به لنفسه، نظفه محاولاً إعادته إلى وضع التشغيل. ولكن، مع أنه ومض أخيراً وفاحت منه رائحة الزيت، لم يطلق البتة رصاصة واحدة. ودون أن يرتاب في أنها أي شيء عدا خوذة رجل مطافئ، دق أبو موري ثقوباً أعلى الخوذة على جانبيّ قمتها ثم ملأها بالتربة وزرعها أزهاراً. دهنها وعلَّقها خارج المنزل لتلبث هناك خمس سنوات، ومحتوياتها الشائكة تندلق على الجانبين في سعيها إلى الشمس والنداوة.

اشتهرت لوس أنجلوس الكبرى بأنها نتاج عصر صناعة السيارات ونمو اقتصادي لا هوادة فيه، غطت وقتذاك 6000 كيلومتر مربع على طول ساحل كاليفورنيا، وترامت إلى أبعد من أي وقت مضى صوب الجبال والصحراء المحيطة. تضخم عدد سكان هذه المنطقة من 250000 في عام 1900 إلى ما يربو على 12 مليوناً، ومن المقدَّر أن يَبلغ بحلول الألفية 16 مليوناً. كتب بعض خبراء الديموغرافيا - وكأنما يتنبئون بدمار العالَم - عما قد يضمره المستقبل البعيد ما لم يتم الإقدام على خطوة جذرية. انقضَت سنة بعد قرار أبي موري بتشذيب محاليق الأزهار في السلة – وإن تسبب في موت النباتات – ثم قرر معهد كاليفورنيا للشؤون العامة ومدينة لوس أنجلوس ولجنة متنزهات ولاية كاليفورنيا من بين قرارات أخرى – وكانوا قد عمِلوا متعاونين – محو مناطق مثل 'إل كاليباتريا' وإعادة توطين سكانها. لم يرغب أحد، عدا قلة من الفقراء، إلا في أخذ الضروريات والحاجات الشخصية إلى بيوتهم الجديدة بالمدينة، وآخر ما قد يؤخذ سلال متدلية صدئة تحوي نباتات ميتة ينال منها الجفاف.

 

ولكن خوذة بسمارك سلَكت في النهاية الطريق نفسه الذي سلَكته عائلة موري.

 

لم تكن منازل 'إل كاليباتريا' اللَّبِنية مشيَّدة من مادة لم تتفتت أو تحترق. ومع ذلك صنَّف القطاع الصناعي في لوس أنجلوس المصانع نفسها اقتصادياً إلى مزدهرة ومتعسرة وميئوس منها. تأرجح أحد المشاريع بين التصنيف الثاني والثالث، ألا وهو 'توماس چيه ولف وأبناؤه لسباكة الحديد والنحاس'، منشأة صغيرة تلفظ كميات كبيرة من الدخان ظل أملها في الازدهار حياً، وإنما مؤجَّل إلى الأبد. رمَز حرف 'چيه' إلى چاكسِنڤيل، وتشير إلى معركة من معارك الحرب الأهلية تَحمل الاسم ذاته، فيما أشارت 'أبناؤه' إلى توماس چاكسِنڤيل ولف نفسه، وقد أنفق أغلب وقته يتسمم ويتوسخ بالسخام مع فريق من العمال المكسيكيين واللاتينيين يكدح في صناعة أصِمَّة من الدرجة المتوسطة لزبائن من الدرجة الدنيا. أدارت المشروع لينا زوجة ولف، مواطنة نحيلة القوام من شرق البلاد تُشْعل السيجارة بالسيجارة. ودت لو تنسحب منه وفضَّلت أن تظل نافذة مكتبها المطلة على ساحة الخردة قذرة كيلا تضطر إلى رؤية كيف جنوا حقاً ما ملكوه من نقود قليلة. كانت قد تدربت على أن تصبح خبيرة في المعادن، وبعدها نالت بمشقة ليسانس العلوم (فئة دال) في الفيزياء الهندسية من جامعة كونيتيكيت. ولكنها ميَّزت فضلات المعادن بمجرد أن وقَعت عيناها عليها، وبخاصة خردة لا عد لها أتت من عمليات تصفية جرَت في ضواحي المدينة. ولمَّا جاءها دلو الزينة – خوذة بسمارك – مع كومة من الأشياء الأخرى، قطعت شظية أرسلتها إلى المختبر. اكتشف أنها مكوَّنة من طبقة معدنية رفيعة تضم خليطاً لامعاً من النحاس الأحمر والزنك والقصدير مقحَماً بين طبقات من أكاسيد النحاس الأحمر. وسَمته بـ 'درجة ثانية'، فقط لأنه من نوع يولد قدراً معقولاً من الخَبَث، ثم أقرَّت باستعماله في ورشة النحاس الأصفر.

 

امتلك مشروع ولف فُرْنين لصهر الحديد وفُرْناً دَوَّاراً للنحاس الأصفر. كان كلاها يعمل يومياً غير أن الطلبات لم تكفِ أبداً لتشغيلهما طيلة الليل. استحق مشهد إسالة الحديد المصهور المشاهدة، وتراءى إخراج الخَبَث في نهاية الأصيل خليقاً بالألعاب النارية وكمية الخَبَث دالة على جودة المعدن الذي يغذي ألسنة اللهب. كان فرن النحاس الأصفر أقل إبهاراً من ناحية الحجم. ماكينة أصغر تشتغل بالقوة البدنية لا تعلو كثيراً على عامل وحيد يديرها، أرسلت هديراً ضارياً لا يتناسب مطلقاً مع حجمها وكمية المعدن المعتزم سبكه. الحق أنها بدت دوماً وهي مختفية في أحد أركان ورشة النحاس على وشك الانفجار وكأن نيرانها تلتهم الحمولة بغضب يليق بثلاثية أوريستيا المسرحية.

 

في يوم عيد الميلاد المجيد من عام 1981 وافى الأجل لينا ولف من جراء انتفاخ الرئة.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.