مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم دان شون بالموافقة على نشر قصتيّ "النحل" و"خمس غرائز منسية" في مجلة البوتقة.

Mr. Chaon was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "The Bees" and "Five Forgotten Instincts" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Chaon a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

النحل

خمس غرائز منسية

دان شون

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

كنز ماكسوينيز الضخم من القصص  المثيرة

 

 

يفيق فرانكي، ابن جين، من النوم وصرخاته تسبقه. كان يصاب بما يصاب به من حين لآخر، مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً في أوقات عشوائية: عند منتصف الليل – في الثالثة صباحاً – في الخامسة صباحاً. ها هي صرخة جوفاء عالية النبرات تنتزع جين من لاوعيه كما الأسنان الحادة. إنه أسوأ صوت سمعته مخيلة جين، صوت طفل صغير يموت ميتة عنيفة – يسقط من أحد المباني أو يقع في شرك ماكينة تقطع ذراعه إرباً أو يتمزق لحمه بأسنان حيوان ضار. مهما بلغ عدد المرات التي سمعه فيها، يرتج وتلك الأخيلة تتنازع عقله. يجري دوماً بخطوات ثقيلة مكتومة إلى غرفة نوم الطفل ليجد فرانكي جالساً في الفراش وقد أرخى جفنيه وفغر فاه فغرة بيضوية كمن ينشد إحدى ترانيم عيد الميلاد. يَلوح فرانكي كما لو كان في غشية لا تخلو من سلام، ولو حدث وأخذ أحدهم صورة له سيبدو للعيان وكأنه في انتظار تلقي ملء ملعقة من الآيس كريم وليس صارخاً بذلك الصوت الرهيب.

"فرانكي!" سيعلو صوت جين ويداه تصفقان بقوة أمام وجه الصبي. يؤتي التصفيق ثماره. فعندها تتوقف دائماً الصرخة فجأة ويفتح فرانكي عينين تطرفان وهو يرنو إلى جين بوعي يلفه الغموض. يعاود الاستقرار فوق وسادته، يحك أنفه فيها قليلاً ثم تهبط عليه السكينة. هو الآن غارق في النوم، هو دائماً غارق في النوم، رغم ذلك لا يتمالك جين أن ينحني لتلتصق أذنه بصدر الطفل كي يتأكد – حتى بعد مضي شهور على هذه الحال – أنه لا يزال يتنفس وأن قلبه ينبض بالحياة. لم يخفق قلبه مرة من أن ينبض.

لم يقعا على أي تفسير لما يطرأ. ينشق الصباح فيغيب عن ذاكرة الطفل ما جرى. وفي المرات القليلة التي تمكنا فيها من إيقاظه وسط نوبة الصراخ، لا يجداه سوي نعسان يتولاه الضيق. في مرة من المرات، أخذت كارين، زوجة جين، تهزه إلى أن فتح عينيه أخيراً وآي الدوخة ترين عليه. "حبيبي؟" قالت. "حبيبي؟ هل حلمتَ حلماً مزعجاً؟" إلا أن فرانكي لم يند عنه إلا أنين يُسمع بالكاد. "لا،" أجابها فيما راودته الحيرة والضيق لإيقاظه، وهذا كل ما يجري ولا مزيد عليه.

لم يتوصلا إلى نمط معين لتلك النوبات. فهي تطوله في أي يوم من الأسبوع، في أية ساعة من الليل. ولا تبدو ذات صلة بما يأكله أو ما يصنعه خلال اليوم، ولا تنبع – على حسب علمهما – من أي اضطراب نفسي. فهو يتراءى طيلة النهار طفلاً طبيعياً تماماً تشمله السعادة.

أخذاه عدة مرات إلى طبيبة الأطفال إلا أن الطبيبة لم تضف شيئاً ذا نفع. لا علة جسدية بالطفل، أنهت الدكتورة بانيرجي. أعلمتهما أن مثل تلك الأشياء شائعة بين الأطفال في عمر فرانكي – كان في الخامسة – وغالباً ما يختفي الاضطراب من تلقاء نفسه.

"لم يسبق له أن عاني أي نوع من الصدمات العاطفية، أليس كذلك؟" استفسرت الطبيبة. "لا شيء في البيت خارج عن المعتاد؟"

"لا، لا،" تمتم كلاهما في صوت واحد. هزا رأسيهما فهزت الدكتورة بانيرجي كتفيها بدورها.

"لا يوجد على الأرجح ما يدعو إلى القلق." أفصحت وعلى ثغرها ابتسامة ما لبثت أن تبددت. "وعلى الرغم من صعوبة المسألة، نصيحتي هي أن تصبرا حتى تتلاشى."

 

إلا أن الطبيبة لم تسمع قط تلك الصرخات. في الأصباح التي تلي "الكوابيس،" كما تسميها كارين، تركب جين العصبية والانفعال. يعمل سائقاً بهيئة الطرود المتحدة، وعقب نوبة من نوبات الصراخ يقضي نهاره وطنين مسموع بصعوبة يقف عند حافة أذنيه، تشوش متعمِد كله تصميم ينزلق وراءه وهو هائم بين الشوارع في شاحنته. يتوقف إلى جانب الطريق ليرهف السمع. ترتجف أمام زجاج الشاحنة الأمامي ظلال طرحتها أوراق تبث حفيفها خلال الصيف بينما تسرع العربات بإحدى الطرق المجاورة. وفي أعالي الأشجار، تطلق حشرة زيز الحصاد هسيساً مرتعشاً أشبه بصوت حلة تعمل بضغط البخار.

ثمة شيء مشئوم ينقب عنه منذ زمن، يفكر في قرارة نفسه، والآن – أخيراً – تدنو خطواته منه.

 

عندما ينتهي إلى البيت ليلاً، يلفي كل شيء طبيعياً. يقطنون في منزل قديم بضواحي كليفلاند. أحياناً بعد العشاء يفلحان معاً حديقتهما الصغيرة الكائنة خلف المنزل – طماطم وقرع صيفي ولوبيا وخيار – على حين يلهو فرانكي بدمى ليجو* في التراب. أو يتمشيان في الحي، فرانكي يركب دراجته أمامهما بعد أن أزالا عنها مؤخراً العجلتين المخصصتين لتدريب الأطفال. يجتمعون فوق الأريكة ليشاهدوا الرسوم المتحركة معاً أو يلعبوا ألعاب الطاولة أو يرسموا صوراً بأقلام الشمع الملونة. بعد أن يأوي فرانكي إلى فراشه، سوف تجلس كارين إلى مائدة المطبخ لتذاكر دروسها – فهي بكلية التمريض – وسيتخذ جين مجلسه في الشرفة ليتصفح مجلة إخبارية أو إحدى الروايات وهو يدخن سجائر وعد كارين بالإقلاع عنها في الخامسة والثلاثين. إنه الآن في الرابعة والثلاثين وكارين في السابعة والعشرين. يداخله إدراك يتعاظم الفينة بعد الأخرى بأنه لا يأخذ بأسباب هذه الحياة عن استحقاق. كان الحظ من أعظم حلفائه، قال في سره. إنه مبارك، كما تقول دائماً بائعة جين المفضلة بالمتجر. "يومك مبارك،" تتمنى له عندما يدفع النقود وتسلمه الإيصال، فيخامره إحساس بأنها نضحته شيئاً من غبطتها الرقيقة المألوفة. استدعت إلى ذاكرته حادثة قديمة، لمّا أمسكت ممرضة عجوز بيده في المستشفى وأخبرته أنها تصلي من أجله.

يقتعد جين كرسياً قائماً فوق العشب، يسحب الدخان من سيجارته ويتفكر في تلك الممرضة وإن لم تكن له رغبة في إثارة ذكراها. نزعت ذاكرته إليها وهي تميل لتمشط شعره فيما يشخص ببصره إلى ملامحها. كان سجيناً في جبيرة تغطي جسمه بالكامل، يتصبب عرقاً فيما ينسحب الخمر من جسمه ويستبد به الهذيان.

كان وقتذاك شخصاً مختلفاً. ما كان سوى وحش سكير. تزوج في التاسعة عشر بفتاة حبلتْ منه ثم طفق يدمر حياتهما تدميراً بطيئاً إنما منتظم. وفي نيبراسكا عندما هجر زوجته وابنه، كان في الرابعة والعشرين، مصدر خطر على نفسه والآخرين. أسدى إليهما صنيعاً برحيله، تدبر، وإن لا يزال الذنب ينهشه متى تذكرهما. انصرمت سنوات صحا بعدها من سكره وحاول الاتصال بهما. بوده أن يعترف بمسئوليته عن تصرفاته، أن يقوم بنفقة طفله المتأخرة، أن يقدم اعتذاره غير أنهما اختفيا من وجه الأرض. فقد برحت ماندي بلدة نيبراسكا الصغيرة حيث التقيا وتزوجا، ولم يستدل على عنوانها الجديد. كان والداها ميتين ولم يعثر على مخلوق يعرف لهما أثراً.

لم تكن كارين ملمة بتفاصيل القصة. فهي – ويا ارتياحه لهذا – لم تضمر فضولاً حول حياته المنصرمة وإن كانت تعرف أنه عاقر في الماضي الخمور وعانى بعض الأوقات العصيبة. كانت تحيط أيضاً بزواجه السابق بيد أنها لم تعلم ذيوله، فلم تقف مثلاً على ابنه الآخر ولا مغادرته إياهما ذات ليلة دون حتى أن يأخذ حقيبة واحدة. ما كان منه إلا أن دس الزجاجة بين فخذيه وانطلق بسيارته شرقاً إلى أقصى بقعة يمكن بلوغها. لم تكن على علم بحادثة السيارة ولا بحطام كان يجب أن يودي به. لم تدر ما انخرط فيه من شر.

كانت كارين سيدة طيبة القلب. ربما لم تتعرض كثيراً لمصاعب الحياة. والحقيقة هي أن خجلاً – بل فزعاً – تملكه من تخيل رد فعلها على حقيقة ماضيه. فهو لا يعلم إذا ما كانت ستثق فيه حقاً لو ألمت بالقصة الكاملة، وكلما طالت فترة عشرتهما بات أكثر عزوفاً عن كشفها. حسب أنه قد انكتبت له النجاة من نفسه القديمة. وعندما حبلت كارين قبيل زواجهما، حدّث نفسه بأن لديه الفرصة الآن ليعيش ثانية نفس الأحداث لكنه سيُحسن التصرف هذه المرة. كانا قد ابتاعا المنزل معاً، هو وكارين، وسيدخل فرانكي الروضة في الخريف. لقد عاد إلى نقطة البداية لينتهي إلى نفس المرحلة التي تقطعت فيها أوصال حياته السابقة مع ماندي وابنه دي جيه. يرتقي ببصره وكارين مقبلة إلى الباب الخلفي لتتحدث إليه عبر الباب السلكي. "آن موعد النوم يا حبيبي،" تنبس في نعومة فيرتعش نافضاً عنه هذه الأفكار والذكريات وترف على شفتيه ابتسامة.

 

لم يسلم مؤخراً من حالة مزاجية غير مألوفة. لقد نالت منه شهور الصحو المنتظم، وكان النوم يستعصي عليه بعد واحدة من حالات فرانكي. عندما توقظه كارين صباحاً، غالباً ما يحل به الخمود والبلادة وكأنه يعاني تأثير الخمور. لا يتناهى إليه صوت المنبه. ولمّا ينزل من فراشه مترنحاً، يلفي روحه غير قادر على كبح تقلباته المزاجية. يسعه أن يستشعر انفعالاته وهي تضطرم داخل صدره.

لقد فارقته تلك الشخصية منذ فترة، منذ زمن. ومع ذلك لا يتمالك أن يلسعه القلق. يقولون إن هناك فترة يشتهي فيها المدمن الخمر ثانية بعد عدة سنوات من الإقلاع السلس؛ تنقضي خمس سنوات أو سبع ثم تداهمه الحالة بدون سابق إنذار. كان يتدبر الذهاب مجدداً إلى جلسات جمعية "المدمنين المجهولين" وإن لم تطأ قدماه تلك الجلسات منذ فترة – منذ لقائه بكارين.

لا يصيبه الارتعاش متى يمر بمتجر للخمور بل إنه لا يجابه أية مشكلة عندما يخرج مع أصحابه ويمضي الأمسية في شرب الصودا والبيرة الخالية من الكحول. لا. إن العناء يكمن ليلاً حين يخلد إلى النوم.

جعلت الأحلام تنتابه بابنه البكر دي جيه. ربما تتعلق بما يغمره من قلق على فرانكي. ظهرت له صورة دي جيه – البالغ نحو خمسة أعوام – عدة ليال بلا انقطاع. يلوح جين في الحلم مخموراً، يلعب الاستغماية مع دي جيه في الفناء الواقع خلف منزل كليفلاند حيث يقطن الآن. تقوم بالخارج شجرة الصفصاف كثيفة الأغصان، تمتد عينا جين إلى الطفل وهو يبزغ من خلفها ليعدو فوق العشب في منتهى السعادة والأمان مثلما يفعل فرانكي. يستدير دي جيه لينظر من فوق كتفه وعلت ضحكته. يتأثره جين بخطوات مضطربة، أب سكران أحمق كله ابتهاج احتسى على الأقل ست زجاجات من الخمر. كان الحلم غاية في الواقعية حتى إنه عندما يستيقظ لا يزايله الإحساس بالثمل. يحتاج إلى بضع دقائق حتى يتولى عنه.

 

في أحد الأصباح وبعد نسخة من هذا الحلم ظلت حية تماماً بذهنه، يستيقظ فرانكي وهو يشتكي من شعور غريب – "هنا بالضبط،"  يقول مشيراً إلى جبهته. إنه ليس صداعاً، يخبرهما. "إنه كالنحل!" يبوح. "النحل الطنان!" يحك حاجبه بيده. "داخل رأسي." يفكر هنيهة ثم يقول، "أنت عارف عندما يصطدم النحل بالنافذة بعد أن يدخل المنزل ثم يريد الخروج؟" يوقع هذا الوصف في نفسه سروراً فينقر جبينه بأصابعه نقراً خفيفاً وهو يطن، ززززززز، ليشرح لهما.

"هل رأسك يوجعك؟" تسأله كارين.

"لا،" يجيبها فرانكي. "إنه يدغدغ."

ترمق كارين جين بنظرة مثقلة بالقلق. تجعل فرانكي يتمدد على الأريكة وتأمره بغلق عينيه برهة. يقوم بعد عدة دقائق وفمه يشرق بابتسامة قائلاً إن الإحساس قد راح.

"أنت متأكد يا حبيبي؟" تسأل كارين. ترمي خصلات شعرها إلى الوراء وتحط راحتها على جبهته. "ليس دافئاً،" تفوه. يجلس فرانكي بما ينم عن نفاذ صبره ويبدو بغتة مهتماً بالعثور على سيارة لعبة ماركة ماتشبوكس أوقعها تحت أحد الكراسي.

تُخرج كارين واحداً من كتب التمريض فيما يراقب جين وجهها والهم يريم عليه وهي تقلب الصفحات ببطء. تدقق في الفصل الثالث: الجهاز العصبي. يرصدها حين وهي تتوقف هنا وهناك مارة بقائمة من الأعراض. "ربما من الواجب أن نأخذه إلى الدكتورة بانيرجي مرة أخرى،" تقترح. يومئ جين وخاطره يعرج إلى ما قالته الدكتورة عن "الصدمة العاطفية."

"هل تخاف من النحل؟" يسأل فرانكي. "هل أنت متضايق منه؟"

"لا،" يرد فرانكي. "عادي."

حينما كان فرانكي في الثالثة، لسعته نحلة فوق حاجبه الأيسر. كانا يقومان بنزهة طويلة سيراً على الأقدام ولم يكونا يعلمان أن فرانكي مصاب "بحساسية متوسطة" للسعات النحل. بعد دقائق من اللسعة طفق وجه فرانكي يتشوه وينتفخ، تورمت عيناه حتى انغلقت. بدا كالممسوخ. ارتعب جين ارتعاباً لم يعهده في حياتها بأكملها. قطع الطريق ركضاً ورأس فرانكي يلتصق بقلبه. يحاول بلوغ السيارة والوصول إلى الطبيب مرتعباً أن يكون الطفل في طور الاحتضار في حين كان فرانكي نفسه هادئاً.

ازدرد جين ريقه. إنه يعلم الإحساس الذي يتحدث عنه فرانكي – فقد لمسه بنفسه، ذبذبات طفيفة غريبة تتردد داخل رأسه. الحق أنه يشعر بها الآن مجدداً. يضغط ببنانه على حاجبه. صدمة عاطفية، يتمتم عقله، بيد أنه يفكر في دي جيه وليس فرانكي.

"ما الذي تخاف منه؟" يسأل جين فرانكي بعد لحظات. "أي حاجة؟"

"تعرف ما هي أفزع حاجة؟" يسأل فرانكي وهو يُبرق بعينيه مصطنعاً نظرة تعكس رعباً. "سيدة مقطوعة الرأس تمشي في الغابة باحثة عن رأسها. "ارجع... لي... رأسي..."

"رباه، أين سمعتَ مثل تلك القصة؟!" تسأله كارين.

"بابا حكاها لي،" يرد فرانكي. "لمّا كنا في المعسكر."

يحمر وجه جين ارتباكاً حتى قبل أن ترميه كارين بنظرة حادة. "آه، جميل،" تقول. "رائع."

لا يواجه عينيها. "كل ما هنالك أننا كنا نروي قصص الأشباح،" يقول بنبرة منخفضة. "ظننته سيجدها قصة مضحكة."

"بالله عليك يا جين،" توبخه. "وهو يرى مثل هذه الكوابيس؟ أين ذهب عقلك؟"

 

واقعة تجتر ذكرى أليمة، من نوعية الذكريات التي يستطيع في العادة تلافيها. تنحو ذاكرته فجأة إلى ماندي، زوجته السابقة. يقرأ في وجه كارين نظرة كانت ماندي تسددها إليه عندما يُفسد شيئاً ما. "ما أنت، أبله؟" اعتادت ماندي أن تقول. "أنت مجنون؟" الظاهر أن جين أيامها لم يستطع أن يصيب في عمل أي شيء، وعندما كانت ماندي تصيح في وجهه كانت معدته تتقلص خجلاً وحنقاً أعياه الإفصاح عنه. كنتُ أحاول، يفكر، كنتُ أحاول، اللعنة. وكأنما مهما صنع يخيب على الدوام. جثم هذا الشعور بثقله على صدره، وفي النهاية حين تفاقم الوضع، ضربها في مرة من المرات. "لماذا تريدينني أن أحس بأني نكرة،" فرت كلماته من بين أسنان مطبقة. "أنا لست زبالة،" قال. التفت حدقتا عينيها استهانة فرفع يده عليها رفعة أطاحت بها من فوق كرسيها.

وقع ذلك يوم رافق دي جيه إلى الملاهي. كان سبتاً احتسى فيه القليل من الخمر مما استثار حفيظة ماندي بيد أن دي جيه رغم كل شيء ابنه هو الآخر، جال بخاطره، وله الحق في تمضية بعض الوقت معه. لم تكن ماندي بمسيطرة عليه حتى وإن اعتقدت أن لها الهيمنة. لذ لها أن تجعله يبغض نفسه.

احتدم غيظها حين أركب دي جيه عربة الفيلوسيريتور. اكتشف بعدئذ غلطته إلا أن دي جيه نفسه توسل إليه أن يركبها. كان الطفل قد أتم الرابعة مؤخراً وجين الثالثة والعشرين مما أشعره بإحساس بالكبر يتعذر على التفسير. ود لو ينال القليل من المرح.

كما أن أحداً لم يمنعه من اصطحاب دي جيه إلى العربة. عندما تقدم دي جيه عبر البوابة، ابتسم قاطع التذاكر كالقائل، "ها هو شاب يمضي وقتاً لطيفاً مع ابنه." غمز جين دي جيه بعينه وابتسم واحدة من ابتساماته العريضة ثم شرب رشفة من زجاجة الفودكا بنكهة النعناع. خالجه إحساس بأنه أب حنون. تمنى لو كان أبوه ركب معه ألعاب الملاهي!

انفتح باب الفيلوسيريتور كما لو كان ثغرة تفضي إلى طبق طائر كبير فضي اللون. دوت من المدخل موسيقى الديسكو وتعالت فيما كانا يدلفان إلى الداخل. ألفيا حجرة مستديرة تقوم بها حيطان ملساء مبطنة. أوقف أحد العمال جين ودي جيه وظهراهما إلى الجدار ثم شدهما بحزامين جنباً إلى جنب. داخَل جين الدفء والانبساط من تأثير الفودكا. تناول يد دي جيه فشعر وكأن حباً يتوقد في قلبه. "استعد يا ولد،" همس جين. "ستكون ركوبة جامحة."

انسد باب الفيلوسيريتور فتصاعد صوت كما التنهيدة ناجم عن تكييف ضغط الهواء. ثم أخذت الحيطان المربوطين إليها تلف في بطء. شد جين على يد دي جيه وهي تشرع في الدوران وتستجمع سرعتها. ارتفعت بعد برهة بطائن الحيطان المربوطين إليها ودفعتهما قوة السرعة إلى الخلف فتعلقا بسطح جدار دَوار كما يتعلق الحديد بالمغناطيس. انسحب خدا جين وشفتاه إلى الوراء فحمله الشعور بقلة الحيلة إلى الإغراق في الضحك.

شرع دي جيه لحظتها في الصياح. "لا! لا! توقف! اجعلها تتوقف!" بعث بصرخات يشيب لها الولدان فأحكم جين قبضته على يد الطفل. "لا تخف،" صاح بنبرة تبطن جذلاً غير أن صوت الموسيقى العالي كان يصك الأسماع. "لا تخف! أنا هنا جنبك!" بيد أن عويل الطفل ما ازداد إلا بشاعة رداً عليه. تبدى الصراخ وكأنما ينطلق في دائرة تتجاوز جين، دائرة تدوم سريعاً حول محيط الركوبة شأنها شأن شبح تتعقبه الأصداء وهو يطفو في الهواء. حين كفت الماكينة في النهاية، كان دي جيه قد انفطر انتحاباً والرجل الواقف عند لوحة التحكم يحملق غضباً. استطاع جين أن يستشعر عيون الركاب الآخرين الشاخصة وهي تعبس في وجهه بانتقاد لا مزيد عليه.

استحوذ على جين شعور كريه إلى أقصى حد. كانت السعادة تستفيض به وهو الظان أنهما يمضيان أخيراً وقتاً لا يُنسى كما يليق بأي أب وابنه. أحس بقلبه يغوص في الظلام. ما برح دي جيه يبكي حتى بعد أن غادرا المركبة ومشيا في جناح الملاهي، حتى بعد أن حاول جين إلهاءه بوعوده بشراء غزل البنات ودمى الحيوانات الممتلئة. "أريد أن أروح إلى البيت،" قال دي جيه بصوت باك و "أريد ماما! أريد ماما!" تكدر جين لسماع تلك الكلمات فصرت أسنانه غيظاً.

"طيب!" قال في استياء. "هيا نروح إلى أمك أيها العيل الباكي. أقسم بالله، لن آخذك ثانية إلى أي مكان أبداً. هز دي جيه هزة خفيفة. "يا يسوع، ماذا بك؟ انظر، الناس يضحكون عليك. شُفتهم؟ يقولون، ’من هذا الولد الكبير الذي يعيط كالبنات.‘"

 

تهجم تلك الذكرى من حيث لا يدري. كان النسيان قد طواها غير أنها تزوره الآن المرة بعد الأخرى. لم تختلف تلك الصرخات عما يصدره فرانكي من أصوات في منتصف الليل وهي لا تمسك عن اختراق غشاء أفكاره بدون تحذير. يلفي نفسه في اليوم التالي يستحضرها من جديد، تنطبع ذكرى الصرخة في عقله بعنف لا يملك معه سوى أن يوقف شاحنة هيئة الطرود المتحدة إلى جانب الطريق ليضم وجهه إلى راحتيه: رهيب! رهيب! لا بد وأنه بدا كالوحش لعينيّ الطفل.

يجلس في شاحنته متمنياً لو يجد وسيلة للاتصال بهما – ماندي ودي جيه. ليته يستطيع أن يطلعهما على شديد أسفه ويبعث لهما أموالاً. يضع بنانه على جبهته فيما تجتازه السيارات في الشارع. يفتح عجوز ستارته ليحد بصره من المنزل الذي يقف جين أمامه على أمل أن يسلمه طرداً.

تُرى أين هما؟ يحاول أن يتخيل بلدة ومنزلاً إلا أن ذهنه صفحة خالية. لا مراء أن ماندي بطبيعتها المعتادة كانت ستلاحقه لتطالب بنفقة الطفل. كان سيحلو لها أن تعامله كأب يتهرب من إعالة ابنه. كانت ستوكل إحدى الشركات للحجز على راتبه.

وبينما هو جالس إلى جانب الطريق إذ تطرأ على باله خاطرة، أنهما ميتان. تذكر حطام السيارة الذي حُشر فيه خارج مدينة ’دي موين،‘ ولو كان قد فارق الحياة ما كان سيتهيأ لهما أن يدريا على الإطلاق. استدعى لحظة استيقاظه في المستشفى والممرضة العجوز التي أفضت إليه، "لقد حالفك الكثير من الحظ أيها الشاب. كان الموت لك بالمرصاد."

علهما – ماندي ودي جيه – في عداد الأموات، يتبادر إلى عقله. ينزل به الخاطر كما اللطمة، فهو يقيناً لا يفتقر إلى المنطق. أنه السبب في عدم اتصالهما به البتة. بالتأكيد.

لا يدري ماذا يفعل بكل هذه الهواجس. فهي لا تدل إلا على سخافته ورثائه لذاته ومخاوفه المرضية بيد أنه واقع الآن – ولا سيما مع قلقهما على فرانكي – تحت رحمة اضطراباته. حين يصل إلى البيت عائداً من عمله تسدد إليه كارين عينين محملقتين.

"ما دهاك؟" تستفسر فما تحظى منه سوى بهزة كتف. "تبدو مهموماً،" تقول.

"ولا حاجة،" يجيبها غير أنها لا تنفك تدقق في ملامحه بنظرات مرتابة ثم تهز رأسها.

"اصطحبتُ فرانكي مجدداً إلى الدكتورة اليوم،" تنبئ جين بعد قليل فيقعد معها إلى المائدة حيث تبسط كتبها الدراسية وكراساتها.

"أخالك تحسبني أماً مصابة بالعُصاب،" تقول. "أظنني مستغرقة زيادة عن اللزوم في الأمراض، تلك هي المشكلة."

يهز جين رأسه. "لا، لا،" ينفي وهو واع بحلقه الجاف. "أنت على حق. من خاف سلم."

"ممم،" تلفظ بنبرة متفكرة. "أظن الدكتورة بانيرجي على وشك أن تكرهني."

"لا،" يقول جين. "لا يمكن لأحد أن يكرهك." يفتر فمه عن ابتسامة وديعة تكلفه كثيراً من الجهد. يطبع – هو الزوج الصالح – القبلات على راحتها ومعصمها. "حاولي أن تخففي من قلقك،" يقول رغم اهتياج أعصابه. يطرق سمعه صياح فرانكي قادماً من الفناء الخلفي، كان يزعق بأحدهم آمراً.

"مع من يتكلم؟" يسأل جين في حين لا يرتفع ناظرا كارين.

"آه،" تقول. "احتمال يكون بوبا." صديق من وحي خيال فرانكي يشاطره اللعب.

يومئ جين ثم يتجه إلى النافذة ليشرف على الفناء. يتظاهر فرانكي بإطلاق النار على شيء ما وإبهامه وسبابته تتخذان شكل المسدس. "اقتله! اقتله!" يصرخ فرانكي. يحدق جين إليه وهو يتوارى خلف شجرة متفادياً إحدى الطلقات. لا وجه للشبه بين فرانكي ودي جيه إلا أنه عندما يطل برأسه من بين أوراق الصفصاف المتدلية، تتخلل جسد جين رعدة طفيفة، رجة، إحساس ما. يطبق راحته على فكه.

"سوف أفقد صوابي من هذا الدرس،" تشتكي كارين. "متى أقرأ عن أسوأ الاحتمالات، يستولي عليّ القلق. العجيب أنه كلما تزداد معرفتك يقل يقينك من أي شيء."

"بماذا أخبرتك الدكتورة هذه المرة؟" يسأل جين. يتململ بما لا يوحي براحة وعيناه لا تزالان مثبتتين على فرانكي، يبدو لبصره وكأن بقعاً غامقة تدور في ركن الفناء وتبرز بغتة منه. "هل هو بخير؟"

اهتز كتفا كارين. "على حد علمهم." تغض نظرها إلى الكتاب وهي تحرك رأسها. "يتبدى في صحة جيدة." يريح يده برقة على مؤخر عنقها فيتراخى إلى الأمام والخلف وأصابعه تلامسه. "لا أصدق أبداً أن أية مصيبة قد تلم بي." أسرت إليه ذات مرة في بداية زواجهما فدب في نفسه الخوف. "لا تقولي هذا،" قال همساً ففرت منها ضحكة.

"إنك تؤمن بالخرافات،" "يا لجاذبيتك."

 

يعرض عنه النوم. فما يداخله من هاجس عجيب بأن ماندي ودي جيه ميتان ينغرز عميقاً في عقله. يفرك قدماً بالأخرى تحت اللحاف في محاولة منه أن يجد وضعية مريحة للاضطجاع. ترد على أذنيه التكات المنخفضة لآلة كاتبة كهربائية قديمة تتم بها كارين بحثها الدراسي، كلمات تقعقع في انفجارات تذكره بلغة الحشرات. يرخي جفنيه متظاهراً بالنوم عندما تعتلي كارين السرير أخيراً إلا أن ذهنه مضى يتكتك بصور صغيرة متسارعة: زوجته السابقة وابنه، ومضات من صور لم يمتلكها، لم يحتفظ بها. ليسا على قيد الحياة، ينطق عقله بصوت يشي بالحزم، صوت لا لبس فيه. حاصرهما حريق التهمهما. ليس صوته هو المتحدث إليه. وإذ به يتمكن من تخيل المنزل المحترق. إنها مقطورة تنهض في مكان ما بضواحي بلدة صغيرة ويتدفق الدخان الأسود من بابها المفتوح. التوت أطر النوافذ البلاستيكية وطفقت تنصهر. تتصاعد كتل الدخان من المقطورة شطر السماء على نحو ذكره بقاطرة عتيقة. يعجز عن رؤية ما بالداخل عدا انفجارات تطقطق بألسنة لهب برتقالية قاتمة لكنه يعلم أنهما بالداخل. تقع عيناه لحظة على وجه دي جيه الخافق، يشخص ببصر ثابت من نافذة المقطورة المحترقة وفمه مفتوح في دائرة غريبة كمن يغني.

يفتح عينيه. انتظم إيقاع تنفس كارين واستسلمت لنوم عميق. يغادر الفراش في حذر ليمشي ببيجامته في المنزل بخطى خافتة مفعمة بالأرق. ليسا ميتين، يحاول أن يقول في سره وهو واقف أمام الثلاجة يصب اللبن من العلبة في فمه. عادة قديمة كانت تجلب له شيئاً من الراحة أيام علاجه من الكحول. كان طعم اللبن الغليظ يهدأ قليلاً من شهوته للشراب لكن لا جدوى منه الآن. لقد ارتعدت فرائصه من جراء هذا الحلم، تلك الرؤيا. يتخذ مجلسه على الأريكة مطوقاً كتفيه ببطانية من الصوف ويشاهد برنامجاً علمياً في التلفزيون. يتفرج على عالمة في البرنامج تفحص مومياء لطفل. إن هذا الشيء أصلع، يقترب شكله من الجمجمة وإن لم يكن بجمجمة. ثمة غشاء من جلد عتيق مشدود بإحكام فوق محجريّ العين. تمتد الشفتان إلى الوراء وتظهر أسنان صغيرة مكسورة كأسنان القوارض. يرشق هذا الشيء بعينيه فما يتماسك عن معاودة التفكير في دي جيه. ينظر من فوق منكبه بحركة سريعة جرياً على عادته القديمة.

 

في آخر عام قضاه مع ماندي، كان دي جيه في بعض الأوقات يوقع في نفسه حقاً شعوراً بالذعر – يروعه. كان دي جيه يتصف بنحافة غير معتادة. رأسه كرأس طائر صغير وقدماه طويلتان نحيلتان تنتهيان إلى أصابع طويلة طولاً غريباً وكأنها معدة للقبض على الأشياء. تذكر كيف كان الطفل ينساب حافي القدمين عبر حجرات المنزل، ينسل خلسة، يتسلل ليرصده – كما ظن جين – دائماً وأبداً يرصده.

إنها ذكرى نجح تقريباً في نسيانها عدة سنوات، ذكرى يبطن لها كراهية وارتياباً. كان آنئذ يحتسي الخمور بشراهة وهو يعلم الآن أن الكحوليات قد حرفت إدراكه تحريفاً بشعاً. لكن الآن ومع تزحزح ذلك الإحساس القديم عن مكانه صار يتحرك داخله مثله مثل نفَس الدخان. خُيل إليه وقتذاك أن ماندي تحرض دي جيه عليه وأن دي جيه تحول جسدياً – بطريقة ما عجيبة – إلى مخلوق لم يكن ابن جين الحقيقي. يتذكر جين أنه كان أحياناً يجلس على الأريكة لمشاهدة التلفزيون ثم يساوره شعور غريب. تحين منه التفاتة ليلتقي بصره بدي جيه قائماً عند حد الغرفة، ينحني بعموده الفقري بارز العظام ويتلع عنقه الطويل فيما يحملق بهاتين العينين الكبيرتين كبراً لا يخلو من غرابة. وفي أوقات أخرى ينسل دي جيه على غرة إلى الحجرة في خضم جدال بين جين وماندي، يزحف إلى ماندي ليتكأ برأسه على صدرها وسط انهماكهما في حديث هام. "أنا عطشان،" ينطق مقلداً صوت الرضع. ومع أنه في الخامسة كان يتصنع صوت طفل صغير يحبو. "ماما،" ينبس. "أشطان." ثم تستقر عيناه على جين لحظات، عينان لا تنقصهما البرودة، تحفلان بكراهية ماكرة.

لا ريب أن جين يقف الآن على حقيقة الأمر. إنه يعلم: كان سكيراً، أما دي جيه  فمجرد ولد صغير يحيق به الحزن والخوف ويحاول التعامل مع حياة نتنة. أثناء علاجه من الخمر بعد ذاك، كانت تلك الذكريات عن ابنه تدفعه إلى الارتجاف خجلاً. لم يستطع أن يحمل نفسه على الحديث عنها حتى عندما قطع شوطاً طويلاً في برنامج العلاج المكون من اثنتي عشرة خطوة. كيف له أن يجاهر بما عراه من نفور من الطفل وما أترع به قلبه من ذعر؟ يا يسوع! كان دي جيه طفلاً مسكيناً تعساً ما تجاوز الخامسة! غير أن جين يتذكره حاقد النفس، يسند رأساً معتل المزاج إلى صدر أمه، يتكلم بهذا الصوت الرتيب ذي اللثغة، يتفرس بإمعان في جين بعينين لا تطرفان وابتسامة خفيفة ترتسم على فمه. يتذكر جين أنه قبض على قفا دي جيه. "لو ستتكلم، تكلم مثل الناس،" همس جين من بين أسنانه وهو يضيق أصابعه حول عنق الطفل. "أنتَ لا تحبو. كفاك تمثيلاً." فما كان من دي جيه إلا أن كشف عن أسنانه مرسلاً أنين واهن في استياء.

 

يفيق مقطوع الأنفاس. يطغى عليه دوار ويشعر مختنقاً بأن عينين تحملقان إليه، بأن شيئاً يمقته يرصده. يلهث طالباً الهواء قبل أن يختنق. هناك سيدة تنحني عليه، يتوقعها لحظة أن تقول، "لقد حالفك الكثير من الحظ أيها الشاب. كان الموت لك بالمرصاد."

لكنها كارين. "ماذا تفعل؟" تسأل. انشق الصباح. يجاهد حتى يتكيف مع ما حوله – إنه راقد على أرضية غرفة المعيشة والتلفزيون لا يزال مشتعلاً.

"يا يسوع،" يقول ويطلق سعاله. "ياه، يا يسوع." يتصبب عرقاً والسخونة تنبعث من وجهه لكنه يحاول أن يهدأ من روعه إزاء تحديقة كارين المرعوبة. "حلمتُ حلماً مزعجاً،" يفضي إليها محاولاً التحكم في أنفاسه اللاهثة. "يا يسوع،" يلفظ هازاً رأسه. يحاول الابتسام ليطمئنها. "قمتُ من النوم ليلة أمس ولم أستطع النوم. لا بد أني غفوت أمام التلفزيون."

إلا أن كارين لا يبدر منها سوى التفرس فيه بوجه لم ينج من الذعر والشك وكأنها تشهد تبدلاً يطرأ عليه. "جين،" تتفوه. "أنت بخير؟"

"طبعاً،" يقول بصوت أجش فيطوي صدره على قشعريرة تسري على كره منه. "بالتأكيد." ثم يكتشف أنه عار. يجلس ساتراً عورته بيديه في خجل ويلقي نظرات سريعة حوله. لا يبصر لباسه الداخلي ولا بيجامته بل إنه لا يجد البطانية التي هدلها فوقه وهو قاعد على الأريكة يشاهد مومياوات التلفزيون. ينهض وهو من الارتباك في حال فيلاحظ فرانكي واقفاً هناك في الممر بين المطبخ وغرفة المعيشة، يرقبه ويداه تلتصقان بجنبيه كراعي بقر على أهبة الاستعداد لسحب مسدسيه من قرابيهما.

"ماما؟" نادى فرانكي. "أنا عطشان."

 

أخذ يوزع الطرود بشاحنته في حالة من التشوش. يُعمل فكره في النحل. عاوده كلام فرانكي منذ بضعة أصباح عن النحل داخل رأسه، نحل يئز ويرتطم بجبهته من الداخل وكأنه ينقر على لوح النافذة الزجاجي. هذا هو الشعور الذي يكابده الآن. كل الوقائع التي تاهت من ذاكرته تدور الآن لتحط عليها بأجنحة شفافة تتذبذب في إصرار. يرى نفسه يضرب ماندي على وجهها براحة يده ليطرحها أرضاً من فوق الكرسي؛ يرى قبضته تضيق حول قفا ماندي الدقيق ذي الخمسة أعوام، يهزه والصغير يلوي قسمات وجهه باكياً. يفطن إلى أنه سيتعثر في المزيد – بل فيما هو أردأ بمراحل – لو عصر ذاكرته قليلاً. كل الحوادث التي يدعو ألا تدريها كارين مطلقاً.

كان يوم رحل عنهما سكراناً أيما سكر حتى إنه يستحضر بالكاد ما جرى. شق عليه أن يصدق أنه قطع كل تلك المسافة حتى ’دي موين‘ عند الطريق السريع قبل أن ينحرف عن سبيله وينقلب تكراراً في الدجى. تذكر أنه كان يضحك ملء شدقيه والسيارة تنبعج حول جسده. يرغمه الخوف على إيقاف الشاحنة إلى جانب الطريق، فالوخز يستفحل في رأسه. هاك صورة لماندي جالسة على الأريكة تحوي دي جيه بين ذراعيها لحظة اندفاعه خارج المنزل، كانت إحدى عينيّ دي جيه مغمضة من التورم والانتفاخ. صورة ثانية لنفسه يقذف الكؤوس وزجاجات البيرة على الأرضية ويصغي إلى شظاياها تتطاير.

وسواء فاضت روحاهما أم لا، هو يعلم أنهما لا يتمنيان له خيراً. لن يطيبا له أن يسعد أو يذوق المحبة مع زوجته وطفله، حياته العادية التي لا يستحقها.

 

عندما صار إلى بيته ليلتها، كان الإعياء قد أخذ منه كل مأخذ. لم تعد له رغبة في التفكير. يخال لحظة أنه سينال برهة من الراحة المؤقتة. ففرانكي في الفناء يلعب بكل رضا وكارين في المطبخ تعد شطائر اللحم وكيزان الذرة، كل شيء يبدو على ما يرام. لكنه عندما يجلس ليخلع جزمته، تصوب إليه نظرات غاضبة.

"لا تخلع حذاءك في المطبخ،" أمرت ببرود ما بعده برود. "من فضلك، لقد قلتُ لك من قبل."

يطرق رأسه نحو قدميه: فردة جزمة مفكوكة الرباط ونصف مخلوعة. "آه،" يقول. "آسف."

إلا أنه حين يتراجع إلى غرفة المعيشة ويقتعد كرسيه، تتتبعه. تعتمد على عضادة الباب وذراعاها مطويتان أمام صدرها. تسلط عليه ناظريها وهو يحرر قدميه المتعبتين من الجزمة ويدلك أسفل جوربيه بيده. تخيم على ملامحها آيات العبوس.

"ماذا؟" يسأل مستعيناً بابتسامة تشوبها عدم الثقة.

ترتفع منها تنهيدة. "لازم أن نتكلم عن ليلة أمس،" تقول. "أريد أن أعرف ماذا يحدث."

"ولا حاجة،" يرد. غير أن تفحصها المتجهم يثير مخاوفه من جديد. "جافاني النوم فخرجتُ إلى حجرة الجلوس لأتفرج على التلفزيون. هذه هي كل الحكاية."

لا تزحزح نظرها عن وجهه. "جين،" تنطق بعد لحظة. "الناس عادة لا يصحون عرايا فوق أرضية حجرة الجلوس من غير أن يفقهوا كيف باتوا عليها. هذا أمر غريب، أليس كذلك؟"

آه، أرجوكِ، يتوسل في قرارة نفسه. يرفع يديه وكتفيه – حركة دالة على البراءة والضيق وإن كانت أعماقه تنتفض. "عارف،" يقول. "أنا أيضاً استغربت المسألة. كنتُ أرى كوابيس. إنني لا أعلم بالفعل ما حدث."

ولمدة طويلة ركزت عليه عينين منهكتين. "مفهوم،" تنبس فيسعه أن يشعر بإحباطها يفيض منها كموجات الحرارة. "جين،" تقول. "كل ما أطلبه هو أن تتوخى الصراحة معي. لو عندك مشاكل، لو كنتَ قد رجعت إلى الخمر أو تفكر فيه، أرغب في مؤازرتك. يمكننا أن نحل المشكلة معاً إنما لا بد أن تصارحني."

"أنا لا أشرب الخمر،" يشدد جين بلهجة حازمة. تتشبث عيناه بعينيها في جدية متناهية. "ولا أفكر فيه. لقد أخبرتكِ لمّا قابلتك إن الخمر انتهت من حياتي. حقيقي." لكنه يستشعر مرة ثانية وجود طيف خفي معاد يرقبه أثناء تحركه في أحد أطراف الغرفة. "أنا لا أفهم،" يقول. "ما هي الحكاية؟ لماذا تظنينني أكذب عليكِ؟"

تتململ وهي لا تفتأ تحاول قراءة شيء ما في محياه فيدرك أنها لا تزال مرتابة فيه. "اسمع،" تنطق أخيراً فيتبين من صوتها أنها تكبح دموعها. "اتصل بك رجل اليوم. رجل سكران. قال لي أن أخبرك أنه استمتع بوقته معك الليلة الماضية وأنه يتطلع لرؤيتك مرة أخرى قريباً." تقطب كما لم تقطب من قبل وتحدق إليه وكأن هذه المعلومة الأخيرة أدانته إدانة ستعري حقيقة كذبه. تنساب دمعة من ركن عينها لتسرع على قصبة أنفها. يحس جين بضيق في صدره.

"إنه الجنون بعينه،" يعترض. يحاول اصطناع الحنق لكنه في الحقيقة يشعر برعب اجتاحه فجأة. "من هذا الرجل؟"

تهز رأسها والحزن يؤتي عليها. "لا أعرف،" تجيبه. "اسمه فيه حرف الباء. كان يتلعثم بشدة لدرجة أني لم أستوعب ما قاله. بي بي أو بي جيه أو ..."

يحس جين بشعر ظهره الصغير يخز جلده. "أكان دي جيه؟" يتساءل بصوت لا أثر لقوة فيه.

تهز كارين كتفيها رافعة إليه وجهاً صار الآن دامعاً. "لا أعرف!" ترد بصوت مبحوح. "لا أعرف. ممكن." يغطي جين وجهه براحتيه. هو الآن واع بهذا الطنين الغريب يخز جبهته.

"من هذا الدي جيه؟" تسأل كارين. "لا بد أن تخبرني بما يحصل."

 

لكنه لا يستطيع، لا يستطيع مصارحتها رغم ما جد. وبالأخص الآن، يفكر. فإقراره بالكذب عليها منذ لقائه بها سيؤكد كل ما تضمره من مخاوف وظنون منذ – متى؟ أيام؟ أسابيع؟

"إنه شخص كنتُ أعرفه من زمان،" ينبئها جين. "رجل شرير، من نوعية الأشخاص الذين قد ... يتصلون بالآخرين وينتشون من مضايقتهم."

يتخذوا مجالسهم إلى مائدة المطبخ، يرتقبان في صمت بينما يأكل فرانكي شطيرة اللحم وكوز الذرة. يعجز جين عن هضم المسألة. دي جيه، يتأمل وهو يضغط بإصبعه على قرص الشطيرة دون أن يلتقطه. دي جيه، من المفترض أنه في الخامسة عشر الآن. هل ربما عثر عليهم؟ عله يترصدهم؟ يراقب المنزل؟ يحاول جين أن يفهم كيف قد يتأتى لدي جيه أن يتسبب في حالات صراخ فرانكي. كيف قد يكون هو المتسبب فيما وقع الليلة الفائتة – تسلل نحو جين وهو جالس هناك أمام التلفزيون وخدره أو فعل به شيء ما. يبدو احتمالاً بعيداً.

"احتمال يكون مجرد سكران عشوائي،" يقول لكارين في النهاية. "اتصل صدفة بالبيت. هو لم يسأل عني بالاسم، أليس كذلك؟"

"لا أتذكر،" تقول كارين بصوت خافت. "جين ..."

لا يطوق ارتيابها ولا ما اكتنف تعبيرات وجهها من ريبة. يضرب المائدة بقبضته فيصلصل الطبق وهو يدور. "أنا لم أخرج مع أحد الليلة الماضية!" يصيح. "ولم أسكر! إما أن تصدقينني وإما أن..."

تتفرس فيه العيون الأربع. تتسع عينا فرانكي ويضع كوز ذرة كان يهم بقضمه وكأنه لم يعد راغباً فيه. تعض كارين على شفتيها.

"أو ماذا؟" تسأله.

"لا شيء،" يقول جين وهو ينفخ.

 

سكتا عن النزاع إلا أن البرودة انتشرت في أرجاء المنزل وساده الصمت. تعلم أنه يقول كذباً، تعلم أن هناك المزيد. لكن بماذا يسعه أن يصرح؟ يقف أمام الحوض ليغسل الصحون بيدين حريصتين في حين تحمم كارين فرانكي وتضعه في السرير. تشمله حالة من الترقب، يرهف السمع إلى الأصوات المنخفضة المنبعثة من المنزل ليلاً. وبالخارج في الفناء تستقر الأرجوحة وشجرة الصفصاف – لونها فضي ضارب إلى الرمادي يراها الرائي بوضوح شديد تحت مصباح معلق فوق المرأب للحماية. ينتظر فترة أطول، يرصد وهو شبه متوقع أن تلتقي عيناه بدي جيه يطلع من وراء الشجرة كما فعل في الحلم، ينسل بظهره الهزيل المقوس وجلده المشدود على جمجمة رأسه الكبير. يخالجه ذلك الشعور الخانق الهامد بأن عيناً ترقبه فترتعش يداه وهو يشطف طبقاً تحت الحنفية.

عندما ينتهي به الأمر إلى الدور العلوي، يجد كارين في الفراش بملابس النوم تطالع كتاباً.

"كارين،" يقول فتتعمد تقليب صفحة بالكتاب.

"لن أتكلم معك قبل أن تكون مستعداً أن تكاشفني بالحقيقة،" تعْلمه من غير أن ترتقي ببصرها تجاهه. "نم على الكنبة لو لم يكن عندك مانع."

"فقط أخبريني،" يطلب. "هل أعطاك نمرته؟ حتى أتصل به؟"

"لا، تجيبه كارين دون أن تمنحه نظرة. "ما قال سوى أنه سيراك قريباً."

 

يتوقع أن يسهر الليل بطوله بل إنه لا يغسل يديه أو أسنانه ولا يرتدي بيجامته. لا يبدر منه سوى الجلوس هناك على الأريكة بزي العمل وقدمين يندسان في جوربين. يشاهد تلفزيون أخفض صوته ليتنصت في منتصف الليل، في الواحدة صباحاً.  

يصعد إلى الدور العلوي ليطمئن على فرانكي فيلفي كل شيء مستقراً. فرانكي نائم بفم مفتوح وقد أزاح الأغطية عنه. يقف جين في الممر منتبهاً إلى أية حركة إلا أن كل شيء يتراءى في محله. سلحفاة فرانكي تجلس بلا حراك فوق صخرتها، الكتب تنتظم في صفوف، الدمى موضوعة في مكانها. تنقبض أسارير فرانكي وترتخي وهو يحلم.

إنها الثانية صباحاً. كان جين قد عاد إلى الأريكة. يجفل شبه نائم من صوت سيارة إسعاف مارة في الأفق ثم يعم السكون إلا من أصوات حشرتيّ صرصور الليل وزيز الحصاد. يصحو هنيهة فتطرف عيناه الناعستان أمام إعادة لمسلسل المسحورة ثم يقلب القنوات. هل هي بعض الجواهر للبيع، ها هو شخص يُجري تشريحاً لجثة.

كان دي جيه في الحلم أكبر سناً، في التاسعة عشر أو العشرين. يمرق من باب إحدى الحانات حيث يجلس جين منحني الظهر على كرسي وهو يرشف من قدح بيرة. يتعرفه جين من فوره – وقفته، هذان الكتفان النحيفان، هاتان العينان الواسعتان. إلا أن ذراعيّ دي جيه أضحتا الآن طويلتين، تبرز منهما العضلات وتتلونان بالوشوم. تغشي وجهه نظرة كريهة تنبعث من عينين نصف مغمضتين بينما ينقل خطاه متمهلاً صوب البار ليحشر نفسه لصق جين. يطلب دي جيه كأساً من ويسكي جيم بيم – صنف كان جين يفضله زمان.

"لم تغب عن بالي لحظة منذ متُ،" يتمتم دي جيه. لا ينصرف نظره نحو جين أثناء حديثه غير أن جين يعلم من يخاطب فترتعد يداه وهو يحسو البيرة.

"ظللت أبحث عنك طويلاً،" يرسل دي جيه صوتاً خافتاً فتنزل بالجو حرارة تكتم الأنفاس. يدس جين سيجارة مرتعشة في فمه ويسحب دخانها فيختنق بطعمها. يود لو يعلن، أنا آسف. سامحني.

إلا أنه يعجز عن التنفس. تحسر شفتا دي جيه عن أسنان صغيرة ملتوية وتحدق عيناه إلى جين وهو يلهث متلهفاً على الهواء.

"أعلم كيف أؤذيك،" يهمس دي جيه.

 

يفتح جين عينيه فيلفي الغرفة غاصة بالدخان. يجلس فاقداً الإحساس بالزمان والمكان: يتوهم لحظة أنه لا يزال في الحانة مع دي جيه قبل أن يكتشف أنه بمنزله.

ثمة حريق يندلع في مكان ما: يصك أذنيه. يقول الناس إن للنار "حسيساً" إلا أن صوتها يبدو في الواقع كصوت مكبَر لكائنات صغيرة تأكل، فكوك صغيرة طالها البلل، الآلاف والآلاف منها، ثم تنطلق ووف ثقيلة هامسة حين تلتقط النار كتلة أخرى من كتل الأكسجين.

بإمكانه سماعها حتى وهو يختنق كالأعمى بهواء معبأ بالدخان. يطفو سديم رقيق فوق غرفة المعيشة فتتراءى وكأنها تتحول إلى ذرات دقيقة، وكأنها تضمحل. ينهض فتختفي الحجرة تماماً. يعلو رأسه غشاء سميك من الدخان فيخر ثانية على يديه وركبتيه وهو يستفرغ ويسعل. يسيل خط رفيع من القيء على السجادة في مواجهة تلفزيون لا يزال يثرثر.

يلوذ بسرعة بديهته فيخفض رأسه ويزحف على ركبتيه ومرفقيه أسفل أدخنة تجيش في كثافة. "كارين!" ينادي. "فرانكي!" غير أن صوته تبتلعه ضوضاء متقدة تصدر عن لهيب يمتد بكل همة. "كا،" يختنق وهو يهم بنطق اسميهما.

حين يبلغ حافة السلالم، لا يرى فوقه سوى ألسنة اللهب وسواد الظلمة. يضع يديه وركبتيه على السلالم السفلية إلا أن الحرارة تدفعه إلى التقهقر. يشعر بواحدة من دمى فرانكي القتالية تقبع تحت راحته وقد التصق البلاستيك الذائب بجلده فينترها، وللحظة يبزغ من غرفة فرانكي انفجار ساطع من اللهب. يرسل عينيه – عبر ضباب يتلوى – إلى أعلى السلالم فيبصر هيئة طفل يرقبه بوجه كالح، ظهره منحن ووجهه مضيء يخفق. يصرخ جين مندفعاً في خضم الحرارة ليزحف على السلالم نحو غرف النوم. يحاول أن ينادي عليهما مرة أخرى إلا أنه راح يتقيأ.

يقع انفجار آخر يحجب ما حسبه صورة الطفل. بمقدوره أن يحس بشعر حاجبيه ورأسه ينكمش ويئز فوق جلده في حين ينفث الطابق العلوي رجة من الشرارات. يعي أن هناك قطعاً صغيرة ساخنة تطير في الهواء، تتوهج باللون البرتقالي ثم تنطفئ بغتة لتستحيل رماداً. الهواء مشحون بأزيز يستشيط غضباً وذلك كل ما يترامى إلى سمعه وهو ينزلق منقلباً على السلالم، الأزيز وصوته، صيحة طويلة تدور وأصداؤها ترتد فيما يدوم المنزل ليغدو ضبابياً.

 

يتمدد فوق العشب. تتكتك أنوار حمراء في إيقاع ثابت دائر أمام عينيه المفتوحتين. ترفع سيدة من فريق الإسعاف شفتيها عن شفتيه فيسحب نفساً طويلاً عاطل من الأمل.

"صه،" تفوه بصوت منخفض وتمرر يدها على عينيه. "لا تنظر،" تطلب منه.

لكنه يرمي بناظريه فيلتقط بعيداً في أحد الجوانب كيساً طويلاً بلاستيكياً أسود اللون تتدلى من قمته خصلة من شعر كارين الأشقر. ويطالعه جسم طفل ذابل يتشح بالسواد ويتكور في وضعية الجنين. يضعون الجثة في فتحة كيس بلاستيكي ينبسط على الأرض فيتمكن من رؤية الفم، متجمد متصلب ينفرج على شكل بيضوي. صرخة.

 

 

* ليجو: ماركة دمى.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.