مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد الثامن والثلاثون، إبريل 2013        Thirty-eighth issue, April 2013

 

 

تكرمت كيت أورايلي بالموافقة على نشر قصة "بكتيريا" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. O'Reilly was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Bacillus"" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. O'Reilly a great debt of gratitude for her kind permission.

Bacillus” by Kaite O'Reilly. Copyright © 1999 by Kaite O'Reilly. From the short story anthology Mama's Baby (Papa's Maybe) © 1999. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

بكتيريا

كيت أورايلي

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-إبريل-2013

 

 

 

كتاب المختارات القصصية رضيع ماما، ربما ابن بابا، 1999

 

 

 

 

 

 

وعوا أنها قريبة لوجود الميليشيات في الشوارع. أحصت ذات ليلة ثمانياً وستين عربة تَقطع البلدة. لم يضيئوا مصابيحها. أدركت في تلك اللحظة أن الواقعة ستقع.

 

"هل أنت بخير؟"

"أجل."

"آمنة؟"

"آآه."

"خذي حذرك."

صمَت الهاتف صمت الموتى.

 

عندما وضعت أوزارها، شرَع القادرون منهم في العودة إلى مسقط رأسهم. حمَلت جوازات سفرهم أسماء بلاد مختلفة عن أخرى مطبوعة في شهادات ميلادهم. مكث آخرون لينقلبوا أرقاماً ضمن القوائم الرسمية. فتَحت البنوك أبوابها من جديد. شجعت الحكومة الإنفاق بهدف ازدهار الاقتصاد. عزفت محطات المذياع النشيد القومي كل ساعة بالضبط. حاولت أن تصفر به أثناء القيام بأشغال المنزل غير أن ذهنها شرَد. ما انفكت تعود إلى النشيد القديم.

 

مضت في عشية رأس السنة لتسير عبر الثلج في اتجاه النهر المتجمد. وقَفت مسددة بصرها إلى موضع قصدتاه للسباحة في الصيف السابق على القذائف. اجتازت جسراً اتخذتاه مجلساً وهي تدخن سيجارة لرد البعوض في الغسق. لم تزل القرية المقابلة تحترق، ترسل بين الثلج دخاناً بلا لهب. نسَفها الجيش في وقت سابق بقنبلة مُحْرِقة تبقَّت منه، بغرض الاحتفال. لم تُمعن في السير.

 

تتوقف خارج محل الخباز أمام ما بدا لها كقالب على هيئة رَجل بالحجم الحقيقي، قالب لتشكيل كعك الزنجبيل. تقرأ أنه لوح للتمرين على تصويب المسدسات، نُصُب تذكاري للموتى. تلم بها رعدة، فالرياح تَنشط، تجذب طرفيّ معطفها معاً عند الياقة. أصابعها الشاحبة تؤلمها. تسير في الميدان بدلاً من التبكير في العودة. مع غلق الباب يتطلب الصمت صبراً أي صبر.

 

اكتسبت عادة جمع الأحجار. تنتفخ جيوبها وتنفرج لتتلف خطاً خاطته يوماً لإبراز نحافتها. لقد تبدل جسدها النحيل. ما عاد مشتهى، تستره تحت كنزة من الصوف. إنه مرض. تسير عائدة إلى الشقة، بذلة من جلد مرتخٍ تكسو عظاماً جافة.

 

سوف تَخرج الليلة لأنه المتوقَع. سوف تقام حفلة، ديسكو، أناس يتراقصون. سوف تَخرج الليلة وإلا سينال منها العذاب كل منال.

"لن أذهب إن لن تذهبي. لن أَقدر أن أنبسط وأنا أفكر فيك هنا وحدك."

سوف تمضي مع صديقاتها، وسيقلن لها إنها جميلة. سوف يثنين على قدَّها ويتظاهرن بالغيرة من خفتها. تَعلم أنهن سيعرينها بأعينهن، سيعتريهن الفزع من نتوء عظمة حادة تتراءى عبر القماش الخفيف. سوف يقلن في قرارة أنفسهن إنها مهزولة. بل إن إحداهن قد تقترح أن تستشير طبيباً. سوف يراقبن عاداتها الغذائية أسبوعاً ثم يتولاهن النسيان ليركزن انتباههن على مشكلات شخص آخر. دوماً مشكلات شخص آخر. هكذا يأخذن بأسباب الحياة.

 

تدير المذياع أثناء الاستعداد، يذيع ألحاناً عسكرية. تجْمع بالغريزة حصص طعامها، فقد كانت في الماضي علامة على الإنذار بغارة جوية. ما أخطروهم بأية أخبار، فقط ألحان عسكرية تُهيِّج المشاعر في كل القنوات. تكف الألحان وهي تضع في حقيبتها فرشاة أسنان. تُفرغ حقيبتها أثناء الإنصات إلى أغنية شعبية لا تخلو من رومانسية.

 

تعلقت ملابسها المُبَهْرَجة في نهاية الدولاب لمدة طويلة حتى إن رائحة الإهمال تفوح منها. تُخرج فستاناً فتجد في قماشه ثقوب عُثَّة. ترمق الألوان ببصرها، يخامرها الانزعاج لدرجاتها الساذجة الفاقعة. اختارتها امرأة بعناية فائقة، فقد اعتقدت بأهمية مثل تلك الأشياء. تحاول أن تتذكر تلك المرأة غير أنها تلفي المسألة فوق الاحتمال. تتهدل عليها الملابس التالفة تهدل الأسمال. لم تعد تشْبه نفسها.

 

"في صحتك"

"چيڤالي!"

"الحياة!"

تقعقع الكؤوس.

 

تنبض قاعة المدرسة بوقع الأقدام. يرقص المراهقون جامحين على أسطوانة فونغرافية عادية. إنه الحدث الشعبي الأول منذ بدأ ما بدأ. تعي أن بعض الشبان هنا لم يَحضروا أبداً ديسكو أو حفلة راقصة أو عرضاً موسيقياً حياً. يقفون على جانب في حال من الارتباك، تساورهم الريبة فيما يفعلونه.

يرين المرح على صديقاتها، يحاولن بكل طاقتهن. يفْرطن في احتساء الخمر وتدخين السجائر. "آه، حسناً، ينبغي أن تموتي من شيء." يحاولن إبداء مظهر يشي بالإهمال، ولكن يسعها أن ترى في أعينهن أنهن لا يزلن يتطلعن إلى الجانبين. وسِّع مدى نظرك، طوِّر حاسة بصر في مؤخرة رأسك. قضين سنوات يرصدن الحياة من الأركان. يتحركن في اللحظة نفسها دون أن ينظرن وأحد السكارى يمر بينهن مترنحاً، بالكاد يخطئ أكتافهن. لا يزال الرادار شغالاً.

تظن صديقاتها أنهن ينبغي أن يرقصن. يتمايلن على صوت الموسيقى ويشرن إليها بأصابعهن كي تشاركهن. تُحرك إحداهن شفتيها بالتوسلات، تلفظها بجلاء وثغر واسع دون ضرورة. تبتسم ابتسامة ضعيفة وتُلوح بيدها بما يدل على 'فيما يعد'. يرفضن، يجرجرنها، يدفعن يديها ويجذبن وكأنما يجدفن. تتحملهن، تتأرجح متيبسة من ساق إلى أخرى. يهللن ويصفقن. "كنتِ دوماً راقصة بارعة."

كان جسدها يتدفق في الماضي تدفُق نار تنتشر في غابة. نعِمت بالمرونة، بمفاصل مُزَيَّتَة، طقطق الشرر أسفل قدميها. تشعر الآن بأنها عتيقة، عظامها متكلِّسة في بنية واحدة. لم تعد من ذوات الفقرات، تقهقرت في سلسلة النشوء والارتقاء. لا تحسب أن باستطاعتها تحريك حوضها. لقد تصفحت بالفولاذ، تُجرجر قدميها الثقيلتين مثلما يليق بمصاب في معركة.

يلقي أحدهم ألعاباً نارية فيخيم الصمت لحظات. يحفل الهواء ببارود كما الدقيق والاسترخاء يَنزل على الوجوه المتوترة. يطْلق رجل ضحكة ثم يشجب بألفاظ مريرة، يقودوه إلى الخارج باكياً بصوت خافت.

"خمرٌ زيادة عن اللازم!" يصيح أخوه. "لا يعتاد كل هذه الوفرة!"

تفتر صديقاتها عن أسنانهن وتهز رؤوسهن. "أجل، هنيئاً لنا! الكثير من كل شيء – يسيل الشراب نهراً!"

كان يقوده خارجاً وهو يشكرهن بعينيه وذراعاه لِصْق صدره وكأنما يحمياه. عمِل أخوه بواباً في المدرسة المحلية إلى أن احتاج إليه المجهود الحربي الأخير. يفضي إلى الجميع، "كنتُ أحب العمل، إنما الآن، كل ضربة خفيضة، كل صوت..." يهز كتفيه بما ينم عن لامبالاة ثم يشرق صوته، "ولكن لا يزال الأطفال صاخبين. لن يمسك الأطفال عن التصرف كأطفال. وهو خيرٌ بالرغم من كل شيء."

يفيض شعور بالأُنْس والسماحة، يبث فيها الغثيان لِما يعمه من ابتهاج. تود أن تقاومه وتُذكرهم أين كانوا. تود أن تصارحهم بأن الخداع لا ينطلي عليها على إدراكها أنه ليس خداعاً. تَطبع صديقتها عبوساً طفيفاً يثنيها. "صَهْ." حالت يد صديقتها على ذراعها دون أن تتفوه بكلمة. "لا تسيئي بنا الظن. نحاول أن نحيا ليس إلا."

 

ما احتاجت برانكا إلى بذل الجهد من أجل البقاء على قيد الحياة. كانت كل لحظة معجزة صغيرة، شكراً لله على كل شهيق. تفكرت في رئتيها، جذور رقيقة في تربة إسفنجية، فأحجمت عن التدخين. أرادت أن تتحلى بالنظافة، نسيج وردي يتمتع بالصحة، لا يسده القطران الأسود. أرادت أن توسع طاقتها، دماء مشبَّعة بالأكسجين تهرع في أوردتها. تخصصت برانكا في الأمراض الصدرية. عانى الرجال في الجبهة مشكلات عديدة؛ وقد سرى كلام عن مواد كيميائية محظورة. ذهبت برانكا إلى هناك لتصير ذات نفع. رقَدوا على الفراش في ليلتهم الأخيرة، يرسلون أنفاساً سطحية وأياديهم البطيئة تجد فتحات هادئة.

 

يدعوها رجل إلى الرقص فتوافق، تتمايل أمامه ببلادة. ترتاح أصابعه على خصرها غير أن أحدهما لا ينكص عن اللمسة الهشة. هو الآخر مبتلى بالمرض. يُحْدث هيكلاهما العظميان صريراً أثناء الاحتكاك على ساحة الرقص مثلما تتخيلهما بعد ذاك في غرفته المستأجَرة. تتصور أنه سيجامعها جماعاً عارياً من المعنى، سيتبادلان نيكاً مفتقراً إلى المرح. وبعدها سيعانق أحدهما الآخر لأنه المتوقَع، إيماءة روتينية إلى الحنان تعوزها الحماسة، ما تسميه الكتب المدرسية 'الثقة'. لن يتصلا إلا بيولوجياً، سوف يؤديان الحركات والضجر يشملهما. سيظنان أن الغريزة لا تزال قوية. إنهما كائنان حيَّان، وهو ما تفعله الكائنات الحية.

سوف ترتدي بعدئذ ثيابها، تنسل إلى العام الجديد، جديد كل الجدة حتى إنه لم يستشعر بعد فجره الأول. سيحس كلاهما براحة. لن يتسع الفراش للكل، إنه عاج بالأشباح.

 

تقف بجوار النهر المتجمد وفي يدها كيس وسادة مثقَل بمجموعتها من الأحجار. بعضها قرميد، والبعض الآخر دَبْش. ها هي سبابة مَلاك من الحَجَر، بوصة من الإردواز من سُلَّم أحدهم الخلفي. إنها تذكاراتها، تَذْكِرة بغيلان تنبش القبور وتحيا على الجثث. قطعة من الحَجَر مقابل كل ستة من القتلى.

انتوت ذات مرة أن تملأ جيوبها ثم تتيه عبثاً وتتزلج على الجليد إلى أن تلقى حتفها. سوف تغص رئتاها النظيفتان بالمياه شأنهما شأن جذور برانكا، تتخثران وتنتفخان.

تقف بحذاء النهر المتجمد، تدرك أنها لن تخطو إلى مياهه. تحس أثناء تماثلها للشفاء بفقدان رئة إلا أن العضو الآخر لا يزال يُعمِل مِنفاخه.

    

كانت برانكا قد أنهت إليها أن هناك عدة أنواع من السُل. صورة من صور التهاب السحايا تصيب الأطفال، وفيروس آكل للحم يصيب أطراف البالغين. بإمكانه أن يلتهم أطراف العظام الطويلة، يفتت فقرات عظمية كاملة. هاجم دَرَناً رئات الشعراء الحساسة، الشعراء الإنجليز الرومانسيين. تفرجتا في الفراش على فيلم عاطفي في أحد آصال الأحد، ضحية ترتدي مُخْمَلاً وتسعل بتهذب ارستقراطي في مناديل زواياها من الدانتيل. ندَّت عن برانكا ضحكات بغيضة، رمَت اللحاف وهي تَشِب برجلين ترفسان. "ستحتاجين إلى حوض. إنه سيل من الدماء، يصل إلى نصف لتر، برغوة."

كانت أمها قد ماتت من جرائه. حين كانت برانكا تُمرِّضها، غيرت مطمحها من بطلة في التزلج على الجليد إلى اختصاصية في السل. وقد نجحت، نالت مرتبة الشرف من الدرجة الأولى وصيتاً ذائعاً بالنظر إلى سنها الصغير. كانت قد ترأست فريقاً صغيراً لبحث ظهور السل مرة أخرى في الدول المتقدمة ودول العالم الثالث. اعتقدت أنه قد يَبلغ – مجتمِعاً مع فيروس نقص المناعة – نسباً وبائية عالمية. حِلْفٌ شرير. ما لبث فيروس نقص المناعة أن تحول في وجود السل إلى إيدز تام التطور. كانت تهم بنشر مقالة تتضمن نتائج البحث عندما بدأ الأمر برمته. ضاعت بياناتها في مكان ما من معمل قصفته القنابل، ولا يوجد تقرير رسمي عن كيفية قتلها.

 

يصبح العام أقل جِدَّة، تستحيل حوافه رمادية مثلها مثل الثلج العنيد. تدعي الحكومة أن بمقدورها تحقيق الإصلاح والتعافي الكاملين، ولكن لا بد من فرض نظام صارم وبذل تضحيات.

"أجل، لقد نلنا الكثير بيد أن صحتنا تعتمد على التمرينات والحِمْيَة." تستمع إلى الأخبار خلال طهو وجبة المساء. "إننا مسحوقون، إننا موجَوعون، ولكننا في حاجة جميعاً إلى تناول دواء قوي." تبتلع ملعقة مليئة بزيت كبد القُد ثم تزدرده بمُكَمِّل غذائي سائل. "قد نضطر من أجل سلامة جسد أمتنا إلى الإقدام على أفعال لا نرغب فيها، ولكنها ذات نفع لنا." تغلق المذياع، وبدلاً منه تحملق إلى السقف. بدا لأذنيها خليقاً بالفاشيين، خليقاً بالشيوعيين. يحبطها ألا تجد الجمهورية الاشتراكية جديداً للتصريح به.

 

اعتادت برانكا أن تقول، "أياً كان من صوَّتِ له، سوف تفوز الحكومة،" مهملة واجبها على التصويت. فضَّلت أن تضع علامة x على أعداد المرضى المتزايدة وأحصت احتمالية وجود السل في مليونيّ حامل للمرض على مستوى العالَم.

عثرت على سلالات خبيثة وطفرات مقاوِمة، بكتيريا منيعة على المضادات الحيوية ووسائل العلاج. أدارت حملة للتلقيح الإجباري ضد السل، وحاولت توعية العامة بأنه لم يعد مرضاً من أمراض الفقر. وعندما انتقلت العدوى إلى أحد مذيعي الأرصاد الجوية بالتلفزيون، أخطأ الأطباء تشخيص حالته وظنوا أنه سرطان الدم. آثره على الحقيقة، على ما اعتقد أنه أحد أمراض القرن التاسع عشر، متفشٍ في أحياء الأقليات القذرة وملاجئ الفقراء.

كانت برانكا قد جرَّبت دعاية الموضة، إذ حمَلت مصمماً شاباً على تصميم قمصان قطنية تنطبع عليها الشعارات.

لا يُفرق السل بين الطبقات.

سواء كان سلاً أم لا: خذ التطعيم الآن.

نشِبت حركة مضادة مصدرها مديرو حملات حرصوا على تعطيل ما حسبوه حُقَناً لا داع لها.

شمال جنوب شرق غرب لا للعلم، الطبيعة الأم هي خير معرفة.

استولى اليأس على برانكا وهي تشاهد الأطفال يهزلون ليصيروا عَدَماً، ولكن عندما بدأ قاتل الأطفال الأعظم، لاح ما تنهمك فيه معدوم اللياقة. ما مغزى التدابير الوقائية حيث يحل الموت يومياً دون تمييز من السماء. انقلبت خرائط الفحص القومية عتيقة بسبب تغير الحدود وترحيل السكان في شاحنات الماشية. تخلت عن تخصصها وتوسعت لممارسة الطب العام. ثم جاءتها المكالمة من الخط الأول.

 

تقف في مطبخها، داخل دائرة من ضياء الشمس يتخللها الزيت، يتناهى إليها اعتراف العالَم أخيراً بالحدود. يفد مبعوث أمريكي ليناقش المسائل الجادة، وتستهل شخصية مَلَكِيَّة ثانوية سلسلة من الزيارات الرسمية.

تُفتتح محال جديدة؛ تُدشَّن صناعة السياحة من جديد. تبدو العُملة أقل هشاشة، تمررها الأيدي بأطراف متغضنة على طاولات مكاتب البريد. لم تعُد العملات المعدنية الغريبة تقعقع خرقاء في جيبها. تكف عن الانتباه إلى الوجوه المطبوعة على الأوراق النقدية، تَصرفها بغير تردد دون أن تتأنى للتأكد من فئتها.

تتحدث صديقتاها عن الزواج – كل ما تحتاجان إليه هو زوج. تود إحداهما عينين زرقاوين، والأخرى روح دعابة. تتفقان مع تحليل الجريدة: لقد اختلَّت البلد طويلاً. آن أوان الاستقرار والحياة العائلية والتعاليم الأخلاقية. إنه واجبهن، ينبغي زيادة عدد السكان. لم تعُد وسائل منع الحمل متاحة بسهولة.

تُجادل صديقتيها قائلة إنهم يعاملونهما معاملة العبيد وأفراس الاستيلاد. لا، لم ترغب في طفل. لا، لم ترغب في زيادة المجتمع الجديد. ما كانت ساعتها البيولوجية تتكتك؛ فقد تحطمت مع العديد من الأشياء الأخرى بعد لحظات من وقوع الأمر بأكمله. هددت بإنهاء الصداقة بعد أن قذفتهما بألفاظ بذيئة ندمت عليها فوراً. رشقتاها بعيون تعكس شفقة. باحتا بأنها الوحدة. نكابد الوحدة. بَكَتَا بلا صوت خلف الأعين المغلقة، لم تطْرق الموضوع أبداً من جديد.

 

تستيقظ ليلاً لتهرع عمياء من أثر النوم إلى مرآة. تتجعد عيناها أمام ضوء كشَّاف، تلمس منخرين، شفتين، ذقناً. تآكلت في حُلْمها، انقلب جسمها كله آكلاً للحوم. "يقضم أنفك نكايةً بوجهك." كانت عِبارة برانكا.

تشوهت بشرتها، مُضغَت ملامحها، انمحت. قرأت صباحاً في مفكرات برانكا أنه داء 'لوباس ڤالجارِس' – الذئبة العاديَّة. صورة خبيثة من صور السل تُحول الوجه إلى شيء غير بشري شبيه بالكلاب. أشلاء تُشوِّه ذاتها بذاتها، قسمات وجه تستحيل إلى جمجمة حية.

لم تَذكر المفكرة إن كان له دواء.

 

تَشرع في دهان غرفة نومهما وملء شقوق تسببت فيها التفجيرات. كان السقف قد دمدم ذات ليلة فيما ألقت طائرة نفاثة حمولتها على البلدة. نبذت الملجأ واضطجعت بجسد متصلب على الفراش، تحث بقوة العقل أن ينقصف المنزل. كانت قاعدة برانكا قد تعرضت للقصف خلال الأسبوع الفائت. نزَّت كل الألوان من عينيها.

تملأ الحفر بالمعجون فيما تُنكر الحكومة في جينيف تهم القتل الجماعي والتطهير العرقي. تم العثور على قبور جديدة في أحد ملاعب كرة قدم. تدَّعي الحكومة أنها ليست الجاني، وإنما الآخرون، الحريصون على تلطيخ سمعتها. تُلَمِّس الجدران بمِكشطتها. يدوي المذياع. عندما ألقته من نافذة السقف، رن الزجاج وتكسر، كِسَرٌ من الماء الصلب تنهال عليها. لا يزال المذياع ينطق على تشوهه. علِق في المزراب.

 

تجلس على حرف الكرسي، مِرْفَقٌ مدبَّب على ركبة، منتظرة. تشعل سيجارة، كارهة طبقة بيضاء مألوفة تتكون على حَنَكها. ينمو الطُحْلُب داخل وجنتيها. تشغل موسيقى ثم تجلس منصتة إليها على حرف الكرسي، متلفعة بتأمل حزين. ليس بوسعها شيء. ينبغي إتمام الأعمال المنزلية غير أنها عاجزة عن تأمل تعقيداتها البسيطة. تُغير الموسيقى، تُقَدِّم إلى قطعة أخرى تُفضلها. تجلس. تشعل سيجارة أخرى شاعرة بالطبقة تَغلظ على لسانها. تطل من النافذة إلى قرميد المنزل المقابل. لا نوافذ. لا حياة. مِلَاط لا غير. تشعل سيجارة ثالثة ناسية أن أخرى تبعث بالفعل دخاناً في صحن الفنجان. تراقب عمود الرماد يَكبر، الاحتراق البطيء من أبيض جامد إلى رمادي مرتجف. يضغط مرفقها على لحم فخذها الذابل. تَنهض وتمشي عبر غرفها الثلاث، تسدد نظرات مبهمة. تكف الموسيقى. تعُود، تجلس. لا تدري ماذا تنتظر، لا تدري إلا أنه سينقضي. تشغل موسيقى أخرى غير أنها تقرر تفضيل الصمت. تجلس وتدخن سيجارة فيما تنتظر انقضاءه.

 

يهل الربيع متردداً، ثمة مسحة من لون أصفر تشوب ضوء الظهيرة. تفك ستائرها لتغسلها ثم تتركها تخفق على عتبة النافذة لتجف. تتفاقم تكلفة المعيشة. تطلب الحكومة تخفيضاً طوعياً للأجور، وإليها تذعن قوة العمل طوعاً.

 

تأتي صديقتاها للزيارة، وكل منهما ترتدي ملابس الأخرى. تتشاركان الثياب فتضاعفاها؛ تضحك كل منهما ضحكات الفتيات على ملابس الأخرى. تَعْرِض عليهما ملابسها، فتهجمان عليها مرسلتين الصيحات كما العصافير الصغيرة. يتهدل القماش بلا شائبة على الجسد الريَّان. تدوران وتلفان في تنوراتها المنفوشة. تجثو على الفراش، ترصد انقضاضهما ونعيبهما على بقايا ملابسها، تلتقي عيناها بأصابعهما الفضولية وهي تتراجع عن جانب برانكا من الأدراج. ينصرف الوجهان بيد أن العيون تصوب نظراتها إلى ذلك الجزء من الدولاب. تتراءى عليهما علامات الخجل والنفور، وكأنه لحم، لا قماش صامت على المِشجب.

 

اعتادت أن تنام مرتدية ثياب برانكا في ليال لا يُقْبل فيها اللاوعي. تتخيل أن لا يزال بمقدورها استنشاق أثر جسد دافئ يَبرد بين الخيوط.

النسيج الصوفي أفضلها. رائحة عِطْر ومُطَهِّر مُخْتَبَر وبشرة نظيفة خرَجت لتوها من الدش. بطَّنت السترات بقمصان قطنية قديمة، الأفضل أن تحافظ على بالرائحة وتقويها. تفقه في الحقيقة أنه خيالها. فقد غسَلت برانكا كل شيء، استعداداً للجبهة.

وبعدما جرى ما جرى، أعادوا حقيبة واحدة. حقيبة جيش مطابقة للمواصفات، وسخة مجرَّدة من أي اسم على مائدة المطبخ. وضعتها في خزانة؛ سوف تتعامل معها في وقت آخر. تطايرت منها رائحة الموت.

تقبع آخر حاجيات برانكا أسفل أدِلَّة هاتف في الخزانة بينما تنام بملابسها المغسولة في فراش واسع أكثر مما ينبغي.

 

يتسم علاج بعض صور السل بالتكثيف الشديدة حتى إن الأعراض تخف في الحال تقريباً. وبسبب تعقيدات السلالات يجب تناول أقراص عديدة لا تخلو في الغالب من آثار جانبية كريهة.

كانت برانكا قد طلبت من مرضاها الالتزام التام بالعلاج. قد يستغرق برنامج العلاج كاملاً ثلاثة أرباع عام، فترة حَمْل جنين بشري.

ما لم يتواصل العلاج المدة المحدَّدة بلا نقصان، يتجرد من فعاليته. وبالرغم من أن المريض قد يبدو معافى في الظاهر، قد يكون حَضَّانَة بشرية بالغة العدوى تحتضن سلالات من الطفرات. وعندما تنتقل إلى آخر، قد تنصرم شهور قبل ابتكار علاج يعوَّل عليه: مزيج من السموم لمقاومة العدوى القاتلة. ولو أخفق ذلك المريض في إكمال برنامج المضادات الحيوية، سوف تنقسم خلايا طفرات الطفرات لتَحمل كل واحدة منها خصائص بنية الفرد.

ألحق ببرانكا الكوابيس. كانت تتفحص الحسابات بعينين منتبهتين، تُنَقِّح بدائل مؤامرة الطفرات في رسم بياني عنكبوتي. غطَّت الاحتمالات أرضية غرفة النوم وزحفت متسلقة الفراش. تصبب منها العرق، استيقظت ليلاً مُتَقَلِّبة محمومة وأصابعها تُشغِّل ميكروسكوبات خَفية. أخبرها زملاؤها أنها منهَكة، تدفع نفسها أكثر مما ينبغي. خذي عطلة، خذي راحة... رمتهم بتحديقة فاقت تحديقتهم ثم سارت مبتعدة.

ما استحوذ على عقلها هو ما اتصف به المرض من مرونة صامتة. مَكْرُه. مدت ناظريها إلى أجسام البشر في الشارع، علامة ظاهرية على الغنى والصحة، داخِلها قد يستتر السم. أشخاص يقفون معاً عند محطة ترام، أكتافهم تحتك في مقهى مكتظ وقت الغداء. أي سن، أي عِرْق، أي طبقة، أي جنس. قد يَكِن المرض آمناً أسفل تلك الخيمة الجلدية، لا يتكتك بعد، وإنما ينتظر الانفجار. هفوة واحدة، فَوَاق بيولوجي، وقد تَنْشَط البكتيريا، متجلية في عدة مظاهر. لعَنت مهارته، اختلاطه الملتهِم. أسمته في سرها 'كراهية'.

 

حينما يهل الصيف، يبدأ الناس يَنزلون النهر في استحياء. يخلعون ملابسهم ببطء تحت ظلال الأشجار. تجلس على منشفة، تفك أزرارها بيدين محترستين. ومثلها مثل الآخرين تفكر ملياً وهي تعري بوصة في كل مرة.

 

تزعم الحكومة أنها اكتشفت الفصائل المتطرفة، وستُنزل بها أشد العقاب بعد محاكمة علنية. يؤكد المتهمون براءتهم على حين تحاول جهة الدفاع البرهنة على أنهم كَبْش فداء. تحتدم الآراء؛ تنطلق المسيرات وتسري التعليقات في دول أخرى. ولتلافي أي اضطراب مدني تصرح الحكومة بأن المحكمة سوف تنعقد سراً. تمر ثلاثة أيام ثم يدان المتهمون ويُعدمون سراً بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

تقضي إحدى ناشطات السلام نحبها بمنزلها إثر حادث غاية في الغرابة. تَذْكُر الصفحة الثانية عشرة من الجريدة أن فحص جثتها يقضي بأنها 'وفاة من جراء حادث'. يحتشد الطلاب في الشوارع، تعمل مراكز السلام من أجل تحقيق التسامح والتعدد الثقافي. كانت قادمة من دولة عدوَّة في الماضي، وقد تلقت تهديدات عنصرية. كما هو مزعوم. تدعي الحكومة أنها مجرد مصادفة. فقد تطهرت البلد من تلك الأفعال. إنهم أمة، إنهم متحدون. يغريهم المستقبل. يتراءى مشرقاً. من المؤسف إلغاء الحق في التظاهر مؤقتاً. إنهم على ثقة من تفهم المواطنين. فالقرار يهدف إلى استقرار البلد ورخائها.

 

تسبح في النهر بقميص قطني يحمي جلدها من سفعة الشمس والعيون الشاخصة. يلتصق بها القطن مبتلاً. تَرْقُب جلدها المكشوف يُغَير لونه، من أبيض كاللبن إلى بقعة شاي. يرسم النَمَش جسراً عبر أنفها. تستلقي على منشفتها وأحد الأطفال يتدرب على العد على ضلوعها. وبلهجة حادة تأمره أمه بالابتعاد، هناك شال خفيف يلتف فضفاضاً حول كتفيها. تلتقي أعينهما لحظات. تفطنان إلى أن كلتيهما مصابة بالمرض. تغض الأم طرفها. تتحدث إلى الطفل بلسان قاس ثم ترتدي مزيداً من الملابس. يَدِبْ النمل في العشب. تدعه يتسلق أصابعها تسلقاً لا يَسلم من العناء.

 

اختلفت الآراء فيما إذا كان السل سيتطور أم لا في حاملي المرض. كانت البيانات واهية، فالبكتيريا لا تَظهر إلا عند الحركة. توارت عن الأنظار، في تعطل خامد مؤقت، مكبوحة في قيلولة تحت العديد والعديد من الجلود. قالت برانكا، الشخص الجالس بجوارك في العمل، نجمك السينمائي المفضَّل، رضيع في عربته همستِ إليه بصوت متودد لطيف. علِقت الآثار في الهواء، مصتها الرئات لتُمزقها ببراثنها، تنقرها بالبثور.

كانت منح الأبحاث قليلة لاعتباره مرضاً عفاه النسيان. بزَغت عدة أنواع من السل، كلها فظيعة. كان توعكاً عتيقاً أنكروه، فهو لا يناسب القرن الواحد والعشرين. حالة لم تعد موجودة. فقد تطور الجنس البشري. مرضٌ تغلبوا عليه بعد الحرب العالمية الثانية مثل العديد والعديد من الأشياء.

كانت برانكا قد ابتسمت ابتسامة مريرة. وذات مرة ذَرَفت عيناها الدموع.

 

تمشي بين أجساد تتلون بلون البرونز نحو موقفها في عشية رأس السنة. تستحضر الجليد وكيس وسادتها العامر بالأحجار. تدخن سيجارة فوق جسر وقَفت كلتاهما عليه صيفاً حين امتنعت عن التدخين. يجددون القرية المقابلة بغرض إيواء أُسر تتسبب في المشكلات. دخَلت الجرافات في يوم سابق لمحو جميع آثار السكان الأصليين. لا يزال الغبار يدور لولبياً في الهواء. تستنشقه، تأخذ نفَساً عميقاً، تكبحه في أوعيتها الشَعْرِية ورئتيها.

كانت برانكا قد قالت إن كل الهواء مسموم. كل شيء ملوَّث؛ لا شيء نقي. وما هو إلا حظ صِرْف أو تصميم جيني المحدِّد إن كانت البكتيريا ستتطور أم لا. لم تَعلم. لن تَعلم مطلقاً. لعله محتوم.

تقف. تكتم أنفاسها.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.