البوتقة
 

شهرية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة الأدب الإنجليزي

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
فنان من العالم الطليق
albawtaka@albawtaka.com

يونيه 1950

—————————————————————

 

 

بعد أن تلقيت خبر وفاة ماتسودا في ساعة متأخرة من صباح الأمس، أعددت لنفسي غذاء خفيفاً وخرجت بعدها لأمارس القليل من الرياضة.

كان نهار دافئاً لطيفاً عندما قطعتُ الطريق نازلاً التل. انتهيت إلى النهر وصعدتُ جسر التردد مردداً بصري حولي. كانت السماء تتلون بزرقة صافية وبالقرب من الضفة في الأسفل بموازاة الموقع الذي بدأ فيه تشييد العمارات الجديدة – رأيت ولدين صغيرين يلعبان بصنانير الصيد عند حافة الماء. راقبتُهما هنيهة وأنا أتأمل في خاطري أخبار ماتسودا.

كنت قد عزمت دوماً على زيارة ماتسودا ثانية منذ عاودتُ توطيد صلتي به أثناء مفاوضات زواج نوريكو على أني في الحقيقة ما تمكنتُ من الذهاب إلى أراكاوا إلا منذ حوالي شهر فقط. كان الباعث على ذهابي مجرد دافع مفاجئ، إذ لم تكن لدي أية فكرة وقتئذ أنه يقف على عتبة الموت. لعل ماتسودا قضي نحبه أكثر سعادة قليلاً لأنه شاركني أفكاره في تلك الظهيرة.

عند وصولي إلى منزله، تعرفتْ الآنسة سوزوكي عليّ تواً وأدخلتني وهي من اللهفة في حال. وقد أوحى سلوكها إليّ بأن ماتسودا لم يستقبل زواراً عديدين منذ زيارتي الأخيرة من ثمانية عشر شهراً.

"إنه أقوى بكثير من آخر مرة كنتَ فيها هنا،" أفضت إليّ بكلمات ملؤها السعادة.

رافقتْني حتى غرفة الاستقبال وبعد لحظات معدودة أقبل ماتسودا يمشي دون أن تسنده يد وهو يرتدي كيمونو فضفاضاً. انتابته سعادة واضحة لرؤيتي، وتحدثنا وهلة عن شئون عادية ومعارفنا المشتركين. أخالني ما تذكرتُ أن أشكره على خطاب تشجيع بعثه إليّ أثناء مرضي الأخير سوى عندما أحضرتْ الآنسة سوزوكي الشاي وخرجتْ مجدداً.

قال: "يظهر أنك تعافيت جيداً يا أونو، عندما أنظر إليك لا أخالك قط كنت مريضاً مؤخراً."

"أنا أحسن بكثير الآن. يجب ألا أرهق نفسي ولازم أن اتكئ على هذه العصا. غير هذا وذاك أشعر أني بصحة موفورة كما كنتُ على الدوام."

"خيبتَ أملي يا أونو، ظننتنا سنجتمع كرجلين عجوزين يناقشان معاً صحتهما المعتلة. لكن ها أنت ذا، تماماً كما أتيت في المرة السابقة، وعليّ أنا أن أجلس هنا وأحسدك على صحتك."

"كلام فارغ، أنت تبدو بصحة وعافية."

"لن تقنعني بهذا يا أونو،" قال ضاحكاً. "برغم أنه صحيح أني استعدت قليلاً من وزني خلال العام الماضي. لكن أخبرني، هل السيدة نوريكو سعيدة؟ سمعتُ أن زواجها تكلل بالنجاح. لمّا جئتَ آخر مرة، كان القلق يتملكك على مستقبلها."

"انتهت الأمور على خير، فهي ستنجب طفلاً في الخريف. وبعد كل هذا القلق، أمست حياتها على ما يرام، أحسن مما كنتُ أتمنى لها."

"حفيد في الخريف، لا بد أنك تتطلع إليه."

"في الواقع ستلد ابنتي الكبرى طفلها الثاني الشهر المقبل. كانت تصبو إلى طفل آخر، لذا فهي أخبار عظيمة."

"فعلاً، فعلاً، تتطلع الآن إلى وصول حفيدين." جلس برهة هناك يبتسم ويومئ برأسه لنفسه ثم قال: "لا شك أنك تتذكر يا أونو أني كنت دائم الانهماك في تحسين العالم ولم أفكر في الزواج. أتذكر تلك المجادلات التي وقعت بيننا قبيل زواجك من السيدة ميشيكو؟"

انطلقتْ ضحكاتنا.

"حفيدان،" كرر ماتسودا. "ثمة شيء لتتطلع إليه الآن."

"بالفعل، حالفني حظ وفير مع بناتي."

"قل لي يا أونو، هل ترسم هذه الأيام؟"

"قلة من اللوحات المائية لصرف الوقت، نباتات وزهور في الغالب حتى أسلي روحي فحسب."

"يسعدني أنك ترسم مجدداً على أية حال. عندما حضرتَ آخر مرة لرؤيتي، بدا وكأنك هجرت الرسم إلى الأبد. كنتَ تشعر حينذاك بخيبة أمل شديدة."

"كنتُ هكذا دون شك، لم أكن قد لمست الألوان منذ زمن."

"أجل يا أونو، بدت عليك خيبة أمل شديدة،" ثم رفع بصره إليّ بابتسامة: "لكن لا ريب أن رغبة عارمة استولت عليك لتحقيق إسهام ضخم."

رددت على ابتسامته بأختها: "لكنك أردت الشيء نفسه يا ماتسودا، فأهدافك لم تكن أقل عظمة. فأنت فبرغم كل شيء مَن أعد البيان الخاص بحملتنا عن الأزمة الصينية. كانت تلك المطامح بعيدة كل البعد عن التواضع."

ضحك كلانا مرة أخرى ثم أنهى إليّ:

"لا شك أنك ستتذكر يا أونو كيف اعتدت أن أرميك بالسذاجة، كيف اعتدت أن أسخر من منظورك الضيق عن الفنان. كنتَ تستشيط غضباً. طيب، الظاهر أن كلينا في النهاية لم يكن يتمتع برؤية رحبة بما يكفي."

"أظنك على حق. على أننا لو كنا فطنا إلى الأمور بصورة أوضح قليلاً، لكان أمثالي وأمثالك يا ماتسودا – مَن العالِم؟ ربما كنا حققنا بعض الخير الحق. فقد تحلينا ذات يوم بطاقة هائلة وشجاعة أي شجاعة. لا بد وأننا كنا مفعمين حقاً بكليهما حتى نستطيع أن نقود شيئاً مثل حملة اليابان الجديدة تلك، أتذكر؟"

"فعلاً. وقفتْ بعض القوى الجبارة وقتئذ في وجوهنا وكان من الممكن أن نفقد جسارتنا بسهولة. أحسبنا كنا من أولي العزم يا أونو."

"لكن أنا عن نفسي لم تتجل الأوضاع قط أمام عينيّ تمام التجلي. إنه منظور الفنان الضيق كما تقول. ياه، بل إني الآن يشق عليّ التفكير في العالم المترامي وراء هذه المدينة."

قال ماتسودا: "في هذه الأيام يشق عليّ التفكير في العالم المترامي وراء حديقتي، لذا لعلك الآن يا أونو صاحب المنظور الأوسع."

استأنفنا الضحك معاً ثم حسا ماتسودا رشفة شاي من قدحه.

قال: "إنما لا داعي للمغالاة في لوم أنفسنا. نحن على الأقل أقدمنا على ما آمنا به وبذلنا ما في وسعنا. كل ما هنالك أنه اتضح في النهاية أننا رجال عاديون، رجال عاديون بلا أية مواهب متفردة فيما يخص نفاذ البصيرة. فمن سوء حظنا فحسب أن كنا رجالاً عاديين في مثل تلك الآونة."

حازت إشارة ماتسودا الآنفة إلى حديقته انتباهي. كانت ظهيرة ربيعية معتدلة، تركتْ الآنسة سوزوكي جزءاً من الستارة مفتوحاً فأبصرتُ من مجلسي الشمس وهي تنعكس بضيائها الساطع على ألواح الشرفة اللامعة. خفت نسمة رقيقة إلى داخل الحجرة ومعها رائحة دخان خفيفة. نهضتُ واتجهتُ إلى الستائر.

أسرتُ إليه: "ما زالت رائحة الحريق توقع في روعي اضطراباً. كانت منذ عهد وشيك تعني القصف بالقنابل والنيران،" رحت أحدق برهة في الحديقة: "سوف تمر الشهر القادم خمسة أعوام على وفاة ميشيكو."

ظل ماتسودا مطرقاً وهلة ثم نمى إليّ صوته خلفي:

"رائحة الحريق في هذه الأيام تعني في المعتاد أن جاراً ينظف حديقته."

ومن مكان ما بالمنزل طفقتْ الساعة تدق.

أنبأني ماتسودا: "حان وقت إطعام سمك الشبوط. أتعلم أني اضطررت أن أتشاجر مع الآنسة سوزوكي كثيراً قبل أن تسمح لي بالبدء في إطعام الشبوط مرة أخرى. كنتُ معتاداً على إطعامها بانتظام لكني تعثرت منذ أشهر قلائل في واحد من تلك الأحجار التي أخطو عليها، وكان عليّ أن أتنازع معها بعدها لفترة طويلة."

وقف ماتسودا على قدميه ولبس صندلاً من القش كان متروكاً في الشرفة ثم نزلنا إلى الحديقة. وقعتْ البركة في الطرف البعيد من الحديقة وسط أشعة الشمس، تقدمنا بخطوات حذرة على الأحجار الموضوعة بين ربي الطحالب الملساء.

وأثناء وقوفنا على حافة البركة نرسل بصرينا إلى الماء الأخضر السميك، علا صوت جعلنا نرفع رأسينا، فألفينا ولداً في حوالي الرابعة أو الخامسة يتشبث بذراعيه الاثنين بفرع شجرة عند موضع ليس ببعيد عنا ويحدق فينا من فوق سور الحديقة. أشرق وجه ماتسودا بابتسامة وصاح:

"آه، مساء الخير يا بوتشان!"

ظل الولد يحملق إلينا برهة ثم توارى عن الأنظار. ابتسم ماتسودا وجعل يلقي بالطعام في الماء وهو يقول: "ابن أحد الجيران. كل يوم في ذلك الوقت يتسلق جذع تلك الشجرة ليراقبني وأنا خارج لإطعام الأسماك لكنه خجول ولو حاولتُ أن أتكلم معه يولي هارباً." صدرتْ عنه ضحكة خفيضة لنفسه. "كثيراً ما أتساءل عن سبب بذله مجهوداً كهذا كل يوم. فلا يوجد الكثير ليراه، مجرد رجل عجوز يتعكز على عصا ويقف بجوار بركته ليطعم الشبوط. تُرى ماذا يجده ساحراً في مثل هذا المشهد."

عاودتُ النظر تجاه السور حيث أطل الوجه الصغير منذ لحظة وقلت: "طيب، اليوم لقي مفاجئة، شاهد رجلين عجوزين بعكازين يقفان بجوار البركة."

ضحك ماتسودا ضحكة لا تخلو من سعادة وأخذ يقذف الطعام في الماء، فصعدتْ إلى السطح سمكتان من أسماك الشبوط الرائعة أو ثلاث وقد تلألأتْ حراشفها تحت ضوء الشمس.

قال ماتسودا: "ضباط جيش، سياسيون، رجال أعمال، كلهم ليموا على ما جرى لهذا البلد. لكن بالنسبة لمن هم على شاكلتنا يا أونو، كان إسهامنا هامشياً على الدوام. لا أحد يكترث الآن لما جاء به أمثالك وأمثالي في يوم من الأيام، فهم ينظرون إلينا ولا يرون سوى عجوزين بعكازين." ابتسم في وجهي ثم واصل إطعام السمك. "نحن مَن نأبه الآن ولا أحد غيرنا. ولمّا يتطلع أمثالنا إلى حياتهم من خلفهم ويفطنون إلى أنها قد شابتها النقائص، سيجدون أنهم وحدهم العابئون."

لكن حتى عندما تفوه ماتسودا بتلك الكلمات، لبث أمر ما بسلوكه في تلك الظهيرة يوحي بأنه لم يكن خائب الأمل على الإطلاق، ولم يكن هناك قطعاً أي سبب يدعوه إلى أن يموت خائب الأمل. لعله رنا بحق إلى حياته وألفى بعض الغلطات إلا أنه كان بلا مراء سيتعرف على نواح له أن يفخر بها، ذلك أن أمثالنا يتولاهم الارتياح لمعرفة أن أياً كان ما فعلوه قد فعلوه وقتها بحسن نية كما بيّن هو نفسه. أقدمنا بطبيعة الحال على خطوات جريئة وكم من المرات قمنا بأعمال تزخر بكل تصميم وعزم؛ لكنه من الأفضل بلا ريب ألا يضع الإنسان بتاتاً اعتقاداته على المحك لِما قد يعوزه من إرادة أو شجاعة. وعندما يكون إيمان الإنسان باعتقاداته على جانب من العمق، تأتي بالتأكيد مرحلة يصبح فيها من الحقارة أن يراوغ أكثر من ذلك. وأنا على يقين أن ماتسودا تدبر الأمر بصورة متسقة مع هذه الأفكار عندما اجتلى ماضيه.

 

 

ثمة لحظة محددة طالما وثبتْ إلى ذهني – كانت في مايو 1938 عقب تسلمي جائزة مؤسسة شيجيتا مباشرة. كنت قد تقلدت في تلك المرحلة من مسيرتي شتى الجوائز والأوسمة غير أن جائزة مؤسسة شيجيتا كانت في نظر أكثرية الناس نقطة تحول بارزة. أذكر بالإضافة إلى هذا أننا كنا قد فرغنا في نفس ذلك الأسبوع من حملة اليابان الجديدة التي لاقت نجاحاً منقطع النظير. وهكذا أمضينا ليلة تقديم الجائزة في احتفال كبير. كنت أجلس في الميجي-هيداري محاطاً بتلاميذي ومختلف الزملاء. توالى تقديم الخمور إليّ، واستمعت إلى الخطاب بعد الآخر تكريماً لشخصي. ليلتها وفد جميع المعارف إلى الميجي-هيداري ليقدموا التهنئات بل إني أذكر أن ضابطاً ما قابلتُه في حياتي من قبل أتي ليهنئني. لكن على قدر سعادتي ليلتها، كان من الغريب أني افتقدت الإحساس العميق بالانتصار والتحقق الذي كان حرياً بالجائزة أن تبثه في قلبي. الحقيقة أن هذا الإحساس لم يراودني سوى بعد أيام قليلة عندما خرجتُ إلى ريف إقليم واكابا المليء بالتلال.

لم أكن قد زرت واكابا منذ قرابة ست عشرة سنة – منذ ذاك اليوم الذي غادرتُ فيه فيلا السيد موري مصمماً على المضي لكن دون أن أنجو من الخوف ألا يدخر لي المستقبل نجاحاً. ورغم أني قطعت كل الاتصالات الرسمية بالسيد موري، بقيت في غضون تلك الأعوام محباً للاطلاع على أية أخبار تتعلق بمعلمي السابق، ومن ثم كنت على وعي تام بما آلت إليه سمعته بالمدينة من تدهور مستمر. فمساعيه لدمج التأثير الأوروبي بتعاليم يوتامارا باتت تُعتبر محاولات غير وطنية في جوهرها، ويسمع الناس من وقت لآخر أنه ينظم المعارض بصعوبة بالغة في أماكن أقل مقاماً من ذي قبل. الحق أنه ورد إلى مسامعي من أكثر من مصدر أنه طفق يرسم الرسوم التوضيحية للمجلات الشعبية ليحافظ على دخله. وبإمكاني في الوقت عينه أن أثق تمام الثقة أن السيد موري تابع تقدم مسيرتي وسمع بالتأكيد بتسلمي لجائزة مؤسسة شيجيتا. وفي ذلك اليوم ترجلتُ من القطار بمحطة القرية حاملاً بين جنبيّ إدراكاً عميقاً لِما جلبه الزمن علينا من تغييرات.

كانت ظهيرة ربيعية مشمسة عندما شرعتُ في التوجه إلى فيلا السيد موري الواقعة بحذاء تلك الطرق المنحدرة التي تقطع الغابة. تمهلتُ في المشي مستمتعاً بمسيرة عرفتُها ذات يوم حق المعرفة. وأثناء سيري حامت أفكاري حول ما قد يحدث عندما أرى السيد موري وجهاً لوجه مرة ثانية. لعله سيستقبلني كضيف محترم؛ ربما سيعتليه نفس البرود والتحفظ اللذين كان عليهما أثناء أيامي الأخيرة بالفيلا؛ لكن من ناحية أخرى قد يعاملني كما عاملني دوماً حين كنت تلميذه الأثير – أي وكأن هذه التغييرات الهائلة لم تمتد يدها إلى مكانة كلينا. استوقفني آخر هذه الاحتمالات كأكثرها ترجيحاً. أتذكر أني فكرت ملياً في رد فعلي فقررتُ أني لن أرجع إلى العادات القديمة وأخاطبه بـ "أيها المعلم"؛ وعوضاً عن هذا سأخاطبه ببساطة كما لو كان زميلاً. ولئن أصر على عدم الاعتراف بما أحتله الآن من منزلة، سأطلق ضحكة ودودة قائلاً شيئاً له الوقع التالي: "كما ترى يا سيد موري، لم أضطر إلى تمضية وقتي في رسم الرسوم التوضيحية لمجلات الأطفال المصورة مثلما خشيتَ في يوم من الأيام."

ألفيت نفسي في النهاية عند ذلك الموضع فوق الطريق الجبلي المرتفع الذي يشرف على منظر جميل للفيلا بين أشجار الوادي. توقفتُ برهة لأطالع المشهد في إكبار كما كنت أفعل كثيراً منذ سنوات خلت. هفت عليّ رياح منعشة، وبالأسفل عند الوادي مددت عينيّ إلى الأشجار وهي تترنح في نعومة. تساءلتُ في قرارة نفسي إذا كان قد تم تجديد الفيلا على أنه استحال التحقق من هذا عن هذا البعد.

جلستُ بعد فترة قصيرة وسط العشب البري النامي بطول سلسلة التلال وأخذتُ أرنو إلى فيلا السيد موري. كنت قد ابتعت بعض البرتقال من كشك بجوار محطة القرية فتناولتُها من منديلي ورحت آكلها الواحدة تلو الأخرى. وفيما كنت أقعد هناك وعينايّ على الفيلا مستمتعاً بطعم تلك البرتقالات الطازجة، إذا بي يخامرني ذلك الإحساس العميق بالانتصار والقناعة. يصعب عليّ وصف الشعور، فقد اختلف تماماً عما يحس به الإنسان من ابتهاج من جراء الانتصارات الأقل قيمة – وكما سبق القول اختلف كلية عن أي شيء قام في نفسي أثناء احتفالات الميجي-هيداري. كان شعوراً عميقاً بالسعادة مستمداً من قناعتي بأن جهود المرء انكتبتْ لها البراءة؛ وأن ما اضطلعتُ به من عمل جاد وما تغلبتُ عليه من شكوك كلها تستحق العناء؛ قناعتي بأن المرء أنجز شيئاً ذا قيمة فعلية وامتياز حقيقي. لم أدن يومها أكثر من هذا صوب الفيلا – فقد بدا اقترابي لا مغزى له على الإطلاق. فما كان مني سوى أن جلستُ هناك لمدة ساعة تقريباً آكلاً برتقالاتي وأنا في حالة من الرضا البالغ.

أتخيل أن هذا الإحساس لن يختلج في صدر العديد من الأشخاص. لعل أمثال السلحفاة وشينتارو يتهادون في الحياة راضين مسالمين غير أن أمثالهم لن يخبروا البتة ما داخلني من سعادة يومذاك، فأمثالهم لا يفقهون معني أن يغامر المرء بكل شيء في مسعاه للعلو فوق المستوى العادي.

مع ذلك كان ماتسودا حالة مختلفة. فبرغم أننا لم نسلم كثيراً من العراك معاً، فقد تماثلتْ مناهجنا في الحياة، وأنا واثق أنه استطاع أن يجتر من ماضيه واحدة أو اثنتين من تلك اللحظات. أنا متأكد بالفعل أن تفكيره كان متسقاً مع هذا المجرى عندما قال لي بابتسامة وديعة على وجهه في المرة الأخيرة التي تحادثنا فيها: "نحن على الأقل أقدمنا على ما آمنا به وبذلنا ما في وسعنا." لأنه مهما أعاد الإنسان تقييم إنجازاته بعد مرور السنين، يستشعر دائماً العزاء حين يعلم أن بحياته لحظة أو اثنتين من القناعة الحقة كالتي شعرتُ بها يومها أعلى ذلك الطريق الجبلي المرتفع.

بعد أن وقفتُ صبيحة الأمس على جسر التردد أتأمل حال ماتسودا بضع لحظات، قادتني قدماي إلى حيث وقع حي المتعة. بُنيت المنطقة من جديد وأصبح من العسير التعرف عليها. فالشارع الضيق الصغير الذي اخترق الحي في يوم ما وهو يغص بالناس واللافتات القماش المعلنة عن مختلف المنشئات شُيد الآن محله طريق عريض من الإسفلت تروح عليه الشاحنات الثقيلة وتجيء طوال اليوم. وفي الموضع الذي قامت فيه حانة السيدة كاواكامي يعلو الآن مبني للمكاتب ذو واجهة زجاجية ارتفاعه أربعة طوابق تجاوره المزيد من تلك المباني الشاهقة. وخلال النهار يستطيع المرء أن يبصر الموظفين وعمال التوصيل والسعاة يتحركون كلهم بهمة داخل المباني وخارجها. لم تعد هناك الآن أية حانات حتى منطقة فوروكاوا إلا أن المرء قد يتعرف هنا وهناك على جزء من سور أو شجرة تبقت من الأيام الخالية، تلوح متنافرة شاذة في موقعها الجديد.

توجد الآن في البقعة التي استقرتْ فيها الميجي-هيداري ذات يوم ساحة أمامية بمبعد عن الطريق تقوم أمامها مجموعة من المكاتب. يوقف بعض كبار الموظفين سياراتهم في هذه الساحة لكنها على العموم مساحة خالية مرصوفة بالأسمنت زُرعت في مواضع مختلفة منها قلة من الأشجار الصغيرة. وأمام هذه الساحة ثمة مقعد يواجه الطريق من النوع الذي قد تجده في المتنزهات. لمنفعة مَن وُضع هناك؟ لا أعلم، فأنا لم أر قط أياً من هؤلاء المشغولين يتوقف ليسترخي عليه. لكن خيل إليّ أن ذلك المقعد شغل مكاناً قريباً للغاية من مكان مائدتنا القديمة بالميجي-هيداري. لذا درجتُ على الجلوس عليه في بعض الأوقات. قد لا يكون مقعداً عاماً لكنه على بُعد يسير من الرصيف، ولم يعترض أحد مطلقاً على جلوسي عليه. وفي صباح الأمس مع إشراقة الشمس الصافية قعدتُ عليه ومكثتُ هناك برهة أرقب ما يموج حولي من نشاط.

لا بد أن الوقت أشرف آنذاك على موعد الغذاء لأني رأيت على الجانب الآخر من الطريق مجموعات من الموظفين بقمصانهم ناصعة البياض وهم يخرجون من المبنى ذي الواجهة الزجاجية حيث كانت فيما خلا حانة السيدة كاواكامي. وبينما كنت أشاهدهم، استوقفني كيف كان هؤلاء الشبان مفعمين بالتفاؤل والحماسة. توقف في إحدى اللحظات شابان خارجان من المبنى ليتجاذبا أطراف الحديث مع ثالث في طريقه إلى الدخول. وقف ثلاثتهم على درجات المبنى يتضاحكون معاً وأشعة الشمس تكللهم. أمكنني أن أتبين وجه أحد الشبان بوضوح تام، كان يضحك بابتهاج شديد وبراءة الأطفال المنفتحة تنطبع على محياه. تفرق الزملاء الثلاثة بعدها بإيماءة سريعة وذهبوا في سبيلهم.

رفت على شفتيّ ابتسامة ونظري لا يزال يتعلق بهؤلاء الموظفين الشبان. لا ريب أني عندما أسترجع أحياناً تلك الحانات ساطعة الإضاءة وكل هؤلاء المحتشدين تحت المصابيح – يتضاحكون ربما بصخب أعلى قليلاً من شبان الأمس إنما بنفس الروح الطيبة – ينازعني حنين إلى الماضي وإلى الحي كما كان. بيد أني حين أبصر كيف شُيدتْ المدينة من جديد وكيف تعافت الدنيا بسرعة فائقة خلال هذه الأعوام، يشمل قلبي سرور أصيل. إذ يبدو أن أمتنا لديها الآن فرصة لتحسين أوضاعها مهما كانت الأخطاء التي وقعتْ فيها في الماضي، ولا يسع المرء سوى أن يتمنى الخير لهؤلاء الشبان.