ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
فنان من العالم الطليق
albawtaka@albawtaka.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نوفمبر 1949

—————————————————————

 

 

 

ما زالت ذاكرتي عن المرة الأولى على الإطلاق التي قابلتُ فيها الدكتور سايتو قوية للغاية مما جعلني واثقاً كل الثقة من دقتها. لا بد وأنها كانت منذ عهد لا يربو على ست عشرة سنة في اليوم الذي أعقب انتقالي إلى منزلي. أذكر أنه كان يوماً صيفياً تسطع شمسه وكنتُ بالخارج أضبط السور أو لعلي كنت أثبت شيئاً بالمدخل متبادلاً التحية مع مَن يمر من جيراني الجدد. أوليت الطريق ظهري برهة وعيت بعدها أن شخصاً يقف خلفي، الظاهر ليشاهد ما أصنع. استدرت لأجد رجلاً في مثل عمري تقريباً ينعم النظر في اسمي المنقوش حديثاً على عمود البوابة.

"إذن فأنت السيد أونو، حسناً، حسناً، إن هذا لشرف حقيقي، شرف حقيقي أن يسكن شخص في مثل منزلتك هنا في حينا. أنا عن نفسي مستغرق في عالم الفن الرفيع. أعرفك بنفسي، أنا سايتو من جامعة مدينة الإمبراطور."

"الدكتور سايتو؟ ياه، إن الشرف لنا، سمعتُ عنك الكثير يا سيدي."

أعتقد أننا أخذنا نتحدث عدة لحظات هناك خارج مدخل بيتي، وأنا متأكد تمام التأكد أن الدكتور سايتو نوه مراراً وتكراراً في نفس تلك الواقعة بعملي وسيرتي المهنية. أذكر أنه قبل أن يمضي في سبيله نازلاً التل ردد كلمات فحواها: "إنه لشرف عظيم يا سيد أونو أن يقيم بحينا فنان له مثل مكانتك."

منذ ذلك الحين داومتُ أنا والدكتور سايتو على تبادل التحية بكل احترام كلما اتفق أن تقابلنا. صحيح على ما أخال أنه نادراً ما توقفنا لإجراء أحاديث طويلة عقب تلك المقابلة الأولى إلى أن خلقتْ الأحداث الأخيرة مودة أكبر بيننا غير أن ذاكرتي عن ذاك اللقاء الأول وتعرُف الدكتور سايتو اسمي بقائمة البوابة واضحة بقدر كاف لأن أؤكد بشيء من الثقة أن ابنتي الكبرى سيتسوكو أخطأتْ على الأقل في بعض الأمور التي حاولت الإلماح إليها في الشهر المنقضي. فليس من المحتمل مثلاً أن الدكتور سايتو غمضتْ عليه هويتي حتى ألزمتْه مفاوضات الزواج في العام المنصرم على اكتشاف شخصي.

ولأن زيارتها هذه السنة كانت بالغة القصر ولأنها قضتها في بيت نوريكو وتارو الجديد بحي إيزوميماشي، كانت تمشيتي مع سيتسوكو في ذاك الصباح عبر متنزه كاواب جد فرصتي الوحيدة للتحدث إليها كما ينبغي. ليس من المستغرب إذاً أن أقلب تلك المحادثة في عقلي فترة من الوقت بعدها، وأظنه معقولاً أن أجد نفسي الآن ساخطاً أكثر فأكثر على أشياء معينة قالتها لي يومذاك.

على أني لم أستطع حينها أن أعمل فكري في كلمات سيتسوكو لأني أذكر أن مزاجي كان على ما يرام، سعيد بصحبة ابنتي والاستمتاع بالمشي عبر متنزه كاواب بعد انقطاع. جرى هذا منذ أكثر من شهر بالضبط عندما كانت الشمس، كما ستذكر، تشرق نهاراً رغم تساقط أوراق الشجر. كنتُ أنا وسيتسوكو نشق سبيلنا في طريق مشجر واسع يخترق وسط المتنزه. بكرنا إلى موعد اتفقنا عليه لمقابلة نوريكو وإشيرو بجانب تمثال الإمبراطور تيشو، فرُحنا نسير على مهل متوقفين من حين إلى آخر لنتطلع بعيون تنطق بالإعجاب إلى مشاهد الخريف الطبيعية.

علك ستوافقني في أن متنزه كاواب هو أكثر متنزهات المدينة إرضاء للزائرين؛ فبعد أن يسير المرء برهة في تلك الشوارع المزدحمة الضيقة بحي كاواب، ينتعش انتعاشاً لا حد له عندما يلفي نفسه في أحد تلك الطرق الطويلة الرحبة ذات الأشجار. غير أنك إن كنت حديث العهد بالمدينة ولستَ مطلعاً على تاريخ متنزه كاواب، ربما وجب عليّ أن أشرح لك هنا لِم استحوذ المتنزه دوماً على اهتمام خاص في قلبي.

هنا وهناك بالمتنزه، ستتذكر بلا شك عبورك لبعض رقع العشب المنعزلة التي لم تكن أكبر من فناء مدرسة، تطل عليك من بين الأشجار وأنت تمشي في أي من تلك الطرق المشجرة وكأن مخططي المتنزه اختلط عليهم الأمر وتخلوا عن خطة ما أو تركوها بغير إكمال. الواقع أن هذا هو تقريباً الوضع. فمنذ بضع سنوات كانت تعتمل بذهن أكيرا سوجيمورا أكثر الخطط طموحاً لمتنزه كاواب – وهو الرجل الذي اشتريت بيته عقب وفاته بوقت قليل. أنا مدرك أن اسم أكيرا سوجيمورا قلما يُسمع هذه الأيام لكن دعني أوضح لك أنه منذ فترة بسيطة كان بلا مراء واحداً من أكثر رجال المدينة نفوذاً. وقد سمعتُ أنه امتلك في إحدى الفترات أربعة منازل، وقلما أمكنك أن تطيل التجول في هذه المدينة قبل أن تصادف مشروعاً ما أو غيره يمتلكه سوجيمورا أو يرتبط به أشد الارتباط. وفي حوالي عام 1920 أو 1921 قرر سوجيمورا وهو في أوج نجاحه أن يغامر بأغلب ثروته ورأس ماله في مشروع يسمح له بدمغ بصمته على هذه المدينة وسكانها إلى الأبد. فقد استقر عزمه أن يحول متنزه كاواب – الذي كان وقتها مكاناً طاله الإهمال ولم ينج من الكآبة – إلى بؤرة النشاط الثقافي بالمدينة. فالأمر لن يقتصر على توسعة الأرض لتضم مناطق طبيعية إضافية يسترخي بها الناس بل سيغدو المتنزه موقعاً لمختلف المراكز الثقافية المتألقة – متحف للعلم الطبيعي؛ مسرح كابوكي جديد لمدرسة تاكاهاشي التي فقدتْ مؤخراً مسرحها بشارع شيراهاما بفعل حريق؛ مبنى للاحتفالات مقام على الطراز الغربي؛ وكذلك مدفن لقطط المدينة وكلابها على ما في ذلك من غرابة. ليس بوسعي تذكر المزيد مما خطط له بيد أني لم أخطئ تقدير ما طغى على الخطة من طموح جارف. فسوجيمورا لم يكن يأمل أن يبدل شكل حي كاواب فقط بل توازن المدينة الثقافي برمته ليضفي بذلك ثقلاً جديداً على الجانب الشمالي من النهر. ومثلما قلت لم تكن تلك الخطط بأقل من محاولة رجل واحد لدمغ بصمته على شخصية المدينة إلى الأبد.

لاح لي أن العمل يجري على قدم وساق عندما كانت الخطة تجابه صعوبات مالية بالغة. لستُ متأكداً من تفاصيل الموضوع لكن كانت العاقبة أن تلك "المراكز الثقافية" الخاصة بسوجيمورا لم يتم بناؤها قط. خسر سوجيمورا نفسه مبلغاً لا يستهان من المال ولم يستعد أبداً سالف نفوذه. بعد أن وضعتْ الحرب أوزارها، وقع متنزه كاواب تحت السيطرة المباشرة لسلطات المدينة التي شيدت الطرق المشجرة. وكل ما بقى اليوم من خطط سوجيمورا هي رقع العشب الخالية على نحو غريب حيث كان من المفترض أن ترتفع متاحفه ومسارحه.

ربما قلت من قبل إن تعاملاتي مع عائلة سوجيمورا بعد أن وافته المنية – عند ابتياعي لآخر منزل من منازله – لم تكن من النوع الذي يجعلني أشعر تماماً بالود إزاء ذكرى الرجل. مع ذلك كلما ألفي نفسي أتجول بمتنزه كاواب هذه الأيام، أشرع في التفكير في سوجيمورا وخططه معترفاً أني بدأت أكن للرجل إعجاباً. فالحق أن مَن يتشوف إلى الارتفاع إلى ما فوق المتوسط، إلى الإضحاء شخص غير عادي، يستحق يقيناً الإعجاب حتى لو خاب في النهاية وخسر ثروته في سبيل طموحه. وفي اعتقادي أن سوجيمورا لم يمت رجلاً تعيساً، ففشله لم يكن شبيهاً بما يتعرض له أغلب الأشخاص العاديين من حالات فشل مهينة، ورجل مثله كان سيفطن إلى هذا الفارق. فالإنسان إن أخفق حيثما لم يتحل الآخرون بالشجاعة أو الإرادة للتجريب، يستشعر عزاء بل وقناعة عميقة عند اجتلاء حياته من خلفه.

غير أني لم أعتزم الإسهاب في سيرة سوجيمورا. فكما قلت كنت بوجه عام أستمتع بتمشيتي مع سيتسوكو عبر متنزه كاواب رغم إبدائها لملاحظات حملتْ دلالات ما استوعبتُها جيداً حتى تدبرتُها في وقت لاحق. مهما يكن انتهى حديثنا عندما لاح في منتصف الطريق تمثال الإمبراطور تيشو على بعد مسافة قصيرة حيث رتبنا لمقابلة نوريكو وإشيرو. كنتُ أحدق في اتجاه المقاعد المحيطة بالتمثال حين التقطتْ أذناي صوت ولد يصيح: "ها هو أوجي!"

أقبل إشيرو ناحيتي مهرولاً وقد بسط ذراعيه كمن يتوقع عناقاً. إلا أنه حين بلغني، بدا وكأنه كبح نفسه، إذ ثبت على وجهه تعبيراً رزيناً ومد يده ليصافحني.

"يوم سعيد،" خاطبني بأسلوب جاد.

"ياه يا إشيرو، كبرتَ حقاً وأصبحتَ رجلاً. كم عمرك الآن؟"

"أعتقد أني في الثامنة. من فضلك يا أوجي تعال من هنا. عندي أمور قليلة لأناقشها معك."

تتبعناه أنا وأمه إلى مقعد نوريكو حيث كانت تنتظر. ارتدت ابنتي الصغرى فستاناًً زاهياً لم أره مطلقاً من قبل.

"شكلك مبهج للغاية يا نوريكو، الظاهر أن البنت عندما تبرح بيتها، تبدأ فوراً في التغير."

"ليس هناك ما يدعو المرأة إلى لبس رداء رتيب لمجرد أنها تزوجت،" سارعتْ نوريكو بالرد وإن بدت مسرورة بمجاملتي.

أذكر أننا جلسنا جميعاً تحت تمثال الإمبراطور تيشو وتجاذبنا أطراف الحديث برهة. كنا قد التقينا في المتنزه لأن ابنتيّ أرادتا قضاء بعض الوقت معاً في شراء الأقمشة، لذا وافقتُ على اصطحاب إشيرو لتناول الغذاء بأحد المراكز التجارية ثم أمضيت فترة بعد الظهر أريه وسط المدينة. ما طاق إشيرو صبراً على الانتظار وراح ينكز ذراعي ونحن جالسون قائلاً:

"يا أوجي، دع النساء يثرثرن مع بعضهن. عندنا مسائل لا بد من الاهتمام بها."

انتهيت أنا وحفيدي إلى المركز التجاري بعد ميعاد الغذاء المعتاد بوقت قليل، فلم نجد طابق المطعم مزدحماًً. أخذ إشيرو وقته في الاختيار من بين شتى الأطباق المعروضة فوق الأرفف، تلفت إليّ ذات مرة قائلاً:

"أوجي، خمن ما هو طعامي المفضل الآن."

"أأ. لا أعرف يا إشيرو. كعكة ساخنة؟ آيس كريم؟"

"السبانخ! فالسبانخ تمد الإنسان بالقوة!" قال وهو ينفخ صدره ويوسع كتفيه.

"نعم. حسناً، بوجبة الغذاء الصغيرة بعض السبانخ."

"وجبة الغذاء الصغيرة للأطفال."

"قد تكون للأطفال لكنها لذيذة جداً. ممكن أوجي يطلبها لنفسه."

"حسناً. سآخذ أنا أيضاً وجبة الغذاء الصغيرة لأكون معك. لكن قل للرجل أن يضع لي الكثير من السبانخ."

"حاضر يا إشيرو."

"لازم يا أوجي أن تأكل السبانخ بقدر الإمكان، فهي تعطي قوة."

اختار إشيرو إحدى الموائد إلى جانب صف من النوافذ العريضة، وفي حين كنا ننتظر غذاءنا، أخذ يضع وجهه قبالة الزجاج ليشاهد الشارع الرئيسي المزدحم الواقع أسفلنا بأربعة طوابق. لم أكن قد رأيت إشيرو منذ زيارة سيتسوكو من أكثر من سنة – فهو لم يحضر حفل زفاف نوريكو لإصابته بفيروس – فاسترعى انتباهي كم كبر خلال تلك الفترة. فهو لم يكن فقط أطول بكثير إنما صار سلوكه كله أهدأ وأقل طفولية ولا سيما عينيه اللتين اعترتهما نظرة أكبر سناً بكثير.

الحق أنه في الوقت الذي كنتُ أراقب فيه إشيرو يومها وهو يضغط وجهه إلى الزجاج ليتفرج على الشارع، استطعت أن أبصر كيف سيصبح شبيهاً بأبيه. كانت هناك أيضاً آثار من سيتسوكو غير أنها تواجدتْ بالأساس في سلوكه والقليل من حركات وجهه. بالطبع استوقفني من جديد شبه إشيرو بابني كنجي في تلك السن. أعترف أن راحة غريبة تداخلني حين ألاحظ أن الأطفال يرثون أوجه التشابه هذه من أفراد العائلة وكل أملي أن يحتفظ حفيدي بها في سن المراهقة.

لا ريب أننا لا نتعرض لهذه الخصائص المتوارثة الصغيرة في سن الطفولة فقط؛ فأي معلم أو ناصح يعجب به الإنسان بشدة في سن المراهقة المبكرة سوف يخلف بصمته. والواقع أنه بعد فترة طويلة من إعادة الإنسان تقييم أغلب تعاليم ذلك الرجل وربما حتى بعد نبذها، سوف تنزع بعض السمات إلى البقاء كظل ما لذلك التأثير وتمكث مع الإنسان طيلة عمره. فأنا مدرك مثلاً إلى أن بعض سلوكياتي – كالطريقة التي أحفظ بها توازن يدي حين أشرح موضوعاً ما وبعض التغييرات التي تنتاب نبراتي عندما أحاول التعبير عن تهكمي أو نفاذ صبري، بل عبارات بأكملها أولع باستخدامها وقد ظنها الناس عباراتي – أنا واع لأنها كلها سمات اكتسبتُها في الأصل من السيد موري، معلمي السابق. ولعلي لا أفرط في الإطراء على نفسي حين أتصور أن عديداً من تلاميذي اكتسبوا مني تباعاً مثل هذه الموروثات الصغيرة. أرجو كذلك أن يظل معظمهم شاكرين لأكثرية ما تعلموه برغم أية إعادة تقييم ربما قاموا بها لتلك السنوات التي قضوها تحت إشرافي. أنا عن نفسي مهما كانت مواطن الضعف الواضحة في شخصية معلمي السابق سيجي موريياما أو "السيد موري" كما لقبناه دائماً ومهما حدث بيننا في النهاية، لا شك أني سوف أقر دوماً بأن تلك الأعوام السبعة التي أنفقتُها مقيماً في فيلا أسرته بريف مقاطعة واكابا كثير التلال كانت أكثر السنوات حسماً بالنسبة لمسيرتي المهنية.

عندما أحاول اليوم استدعاء صورة لفيلا السيد موري، أميل إلى تذكر منظر غاية في البهاء من أعلى طريق جبلي يؤدي إلى أقرب قرية. فأثناء صعود المرء ذلك الطريق، ستظهر الفيلا في الوادي بالأسفل كمستطيل خشبي معتم يتوسط أشجار الأرز الطويلة. تتصل أجزاء الفيلا الثلاثة الشاهقة لتشكل ثلاثة أضلاع من مستطيل يحيط بفناء مركزي؛ وقد اكتمل الضلع الرابع بسور من أشجار الأرز وبوابة. هكذا كان الفناء مطوقاً بالكامل، وبإمكان المرء تخيل كيف شق على المعتدين في الأيام الغابرة أن يدخلوا حالما انغلقتْ تلك البوابة الضخمة.

على أن متطفلي هذه الأيام لن يواجهوا مثل تلك الصعوبة، ففيلا السيد موري أمست في حالة خربة كل الخراب وإن لم يتأت للمرء تمييز هذا من أعلى الطريق. فالمرء لن يحزر من هناك أن بالمبنى حجرات يكسو جدرانها ورق ممزق ويغطي أرضياتها حصير بال حتى إن خطر السقوط إلى الطابق الأسفل تربص بالمرء في عدة أماكن إذا ما وطأ بقدمه دون احتراس. وعندما أحاول في الحقيقة استدعاء صورة الفيلا عن كثب، لا يتوارد إلى ذهني سوى قراميد سطح مهشمة وتعريشات متفسخة وشرفات مهترئة تكسرتْ حوافها. كانت تلك الأسطح تكشف باستمرار عن ارتشاحات جديدة، وبعد انقضاء ليلة ينهمر فيها المطر، تفيح بكل الغرف رائحة الخشب الرطب ومصاريع النوافذ الرثة. انصرمتْ شهور كانت الحشرات والعثة تغزو فيها المكان بأعداد كبيرة، فكانت تلتصق بالأخشاب في كل مكان وتختبئ في كل شق وصدع حتى خشينا أن تتسبب في انهيار المكان تماماً.

من بين كل تلك الغرف ثمة غرفتان أو ثلاث في وضع يدل على ما كانت عليه الفيلا من روعة في يوم من الأيام. كانت واحدة من تلك الغرف تشع بضوء ساطع أغلب النهار لذا أفردها السيد موري للمناسبات الخاصة. أذكر أنه كان يستدعي كل تلاميذه – وكنا عشرة – إلى تلك الحجرة من وقت لآخر كلما فرغ من لوحة جديدة. أذكر كيف كنا نتسمر عند العتبة لنلهث معجبين باللوحة القائمة في منتصف الأرضية. قد يكون السيد موري في غضون ذلك يعتني بنبات من النباتات أو يطل من النافذة غافلاً فيما يبدو عن قدومنا. ما نلبث أن نتحلق حول اللوحة على الأرضية، وكل واحد يشير للآخرين بنبرات خفيضة إلى جمالياتها. "وانظر كيف ملأ المعلم تلك الزاوية هناك. بديع!" لكن لا أحد منا يوجه بالفعل إليه الحديث: "يا لها من لوحة مدهشة يا معلم" إذ كان عُرف هذه المناسبات بطريقة ما هو أن نتصرف كما لو لم يكن المعلم موجوداً.

كثيراً ما كانت كل لوحة جديدة تشكل ملامح أحد الابتكارات الأخاذة ليتطور بيننا جدال متقد الحماسة. أذكر مثلاً أننا دخلنا الحجرة مرة لتعترض أعيننا لوحة تصور امرأة راكعة مرسومة من زاوية منخفضة بغرابة – منخفضة جداً لدرجة أننا بدونا وكأننا نتطلع إليها من مستوى الأرضية.

أذكر أن أحدهم جزم قائلاً: "من الواضح أن المنظور المنخفض يسبغ على المرأة وقاراً لن تناله لو رُسمتْ بنظرة مختلفة. إنه إنجاز غاية في الدهشة. فهي تلوح من كل النواحي الأخرى امرأة ترثي لحالها وهذا التوتر هو ما يضفي على اللوحة قوتها الرقيقة."               

علق آخر: "قد يكون هذا صحيحاً. ربما تتميز المرأة بضرب من الوقار على أن هذا ينبع بالكاد من المنظور المنخفض. إذ يبدو جلياً أن المعلم ينبئنا بأمر أكثر صلة باللوحة، فهو يقول إن المنظور لا يظهر منخفضاً سوى لأن أعيننا متناغمة مع مستوى معين من الرؤية لتتجلى هنا مشيئة المعلم في تحريرنا مما يقيدنا من عادات اعتباطية. فهو ينهي إلينا:"لا حاجة بكم إلى أن تبصروا دائماً الموجودات من الزوايا الاعتيادية المبتذلة،" ومن ثم فاللوحة في منتهى الإلهام."

ما أسرع ما انقلب حديثنا إلى صياح وعارض كل منا الآخر مستخدمين نظريات حول نوايا السيد موري. وعلى جدالنا، واصلنا اختلاس النظر إلى المعلم الذي لم يعطنا أية إشارة على موافقته على أي من نظرياتنا. أذكر أنه اكتفى بالوقوف هناك في النهاية القصية للحجرة وقد ربع يديه وجعل يتفرس في الفناء من خلال الشبكة الخشبية المثبتة بالنافذة فيما أطلت من وجهه نظرة توحي بالتأمل. استمع إلى جدالنا فترة من الوقت ثم استدار قائلاً: "ربما عليكم مغادرة المكان الآن. هناك بعض المسائل أود أن أتولى أمرها". ما إن فاه بهذه الكلمات حتى خرجنا جميعاً في صف واحد مغمغمين ثانية بآهات الإعجاب باللوحة الجديدة.

وفيما أحكي هذه الواقعة أدرك أن سلوك السيد موري قد يستوقفك وكأن به مسحة من العجرفة لكن ربما يسهل عليك فهم ما أبداه من تحفظ في مثل هذه المناسبات لو كنتَ أنت نفسك تشغل موقعاً لا ينفك الناس يبجلونه ويعجبون به. إذ ليس من المرغوب فيه أن يداوم المدرس على إلقاء التعليمات على تلاميذه وتقديم الآراء لهم؛ ففي كثير من المواقف يُفضَل أن يُمسك المدرس عن الكلام حتى يمنحهم الفرصة للنقاش والتأمل. وكما سبق القول أي شخص يفوز بمركز عظيم التأثير سوف يقدر هذا.

على أية حال كانت النتيجة تتابع المناظرات حول عمل معلمنا طيلة أسابيع متوالية. ومع الغياب المستمر لأي إيضاح من جانب السيد موري نفسه، نزعنا إلى الاعتماد على واحد منا، فنان اسمه ساساكي تمتع في تلك المرحلة بمكانة التلميذ القائد عند السيد موري. ورغم أني قلت إن بعض المجادلات كان من الممكن أن تستمر لأمد طويل، حالما يقرر ساساكي موقفه من القضية، يضع هذا في المعتاد نهاية للجدل. وبالمثل إن أوحى ساساكي أن لوحة شخص "غير وفية" بأية طريقة لتعاليم معلمنا، يؤدي هذا في كل الحالات تقريباً إلى استسلام فوري من قِبل المذنب الذي يهجر اللوحة تواً أو يحرقها مع النفاية في بعض الحالات.

أذكر بحق أن السلحفاة دمر أعماله مراراً وتكراراً لعدة شهور عقب وصولنا معاً إلى الفيلا تحت مثل هذه الظروف. ففي حين كنتُ أنا قادراً على الاندماج بكل سهولة مع أسلوب عملهم هناك، أنتج رفيقي المرة تلو المرة أعمالاً تبرز عناصراً تتعارض بوضوح مع مبادئ معلمنا. ناشدتُ زملائي الجدد عدة مرات شارحاً لهم نيابة عنه أنه لا يتعمد عدم الإخلاص للسيد موري. وخلال تلك الأيام الأولى طالما دنا السلحفاة مني بسحنة يكللها الحزن وقادني لأرى أحد أعماله غير المكتملة قائلاً بصوت منخفض: "يا سيد أونو، قل لي أرجوك، أهذه اللوحة تشبه ما قد ينتجه المعلم؟"

حتى أنا كان السخط يتولاني أحياناً حين أكتشف أنه استعمل غافلاً رغم الانتقادات – واحداً من العناصر المزعجة إزعاجاً لا اختلاف عليه. فأولويات السيد موري لم تكن صعبة مطلقاً على الفهم. فقد أُطلق أيامها لقب "يوتامارا الحديث" عدة مرات على معلمنا، وبرغم أنه نعت كان يُمنح بسهولة زائدة لأي فنان قدير تخصص حينذاك في تصوير نساء حي المتعة، يميل اللقب إلى تلخيص اهتمامات السيد موري بدقة. ذلك أن السيد موري كان يعمد إلى محاولة "تحديث" تعاليم يوتامارا؛ ففي العديد من أشد لوحاته تميزاً – "ربط طبلة الرقص" مثلاً أو "بعد الاستحمام" – يرسم المرأة من الخلف على نمط يوتامارا الكلاسيكي. والعديد من مثل تلك الملامح الكلاسيكية تتكرر في أعماله: امرأة تمسك بمنشفة أمام وجهها، أخرى تمشط شعرها الطويل. وقد استعمل السيد موري الأداة التقليدية الممثلة في التعبير عن المشاعر بشكل كلي وذلك من خلال منسوجات تمسك بها المرأة أو ترتديها بدلاً من استخدام ما يعتلي وجهها من نظرة. غير أن أعماله حفلت في نفس الوقت بتأثيرات أوروبية عدها أشد المعجبين بيوتامارا إخلاصاً بمثابة هجوم على تعاليمه؛ إذ أقلع مثلاً منذ فترة طويلة عن استخدام الخطوط الغامقة التقليدية لتحديد الأشكال وآثر الاستخدام الغربي لمجموعات الألوان مع الأضواء والظلال لخلق هيئة ثلاثية الأبعاد. كما اقتدى بلا مراء بالأوروبيين في اهتمامه الأول والأخير: ألا وهو استعمال الألوان المخففة. فقد كانت رغبة السيد موري أن يستثير سوداوية ما داخل جو ليلي يحف بنسائه، وطوال الأعوام التي درستُ فيها تحت رعايته، أجرى تجارب موسعة على الألوان في محاولة منه لانتزاع الإحساس بضوء المشكاة. ولأجل هذا كان دائماً تصوير المشكاة بمكان ما في اللوحة – بالإيحاء إن لم يكن في الواقع