



إبريل 1949
———————————————————
ما زلت ألفي نفسي أسلك هذا الطريق ثلاث مرات أو أربع مساء كل أسبوع، أنزل باتجاه النهر والجسر الخشبي الصغير الذي لا يزال معروفاً لدى بعض مَن عاشوا هنا قبل الحرب بـ "جسر التردد". أطلقنا عليه ذلك الاسم لأنه حتى وقت قريب كان عبوره يفضي بك إلى حي المتعة الخاص بنا، وحسبما ذهبتْ الأقاويل كنتَ ترى مَن اضطربتْ ضمائرهم من الرجال يحومون حول المكان وقد وقعوا في شرك التردد بين السعي إلى قضاء أمسياتهم في اللهو أو العودة لزوجاتهم. لكني إن شوهدت أحياناً أعلى ذلك الجسر، متكئاً على الحاجز تتوزعني الأفكار، لا يعني هذا أن تردداً يلم بي. فالأمر لا يعدو أني أستمتع بالوقوف هناك وقت الغروب، أعاين الأجواء المحيطة وما طرأ عليها من تغييرات.
أطلت مجموعات من المنازل الجديدة قرب سفح التل الذي هبطتُ منه للتو. وعلى مسافة أبعد بحذاء ضفة النهر – حيث لم يكن هناك سوى الحشائش والطين منذ عام مضى – تقوم إحدى شركات المدينة ببناء وحدات سكنية لمَن سيفد في المستقبل من الموظفين إلا أنها لا تزال في حاجة إلى وقت طويل حتى تكتمل، وعندما ينخفض قرص الشمس على النهر، قد يذهب المرء إلى أن يحسبها بالخطأ أنقاض القصف الموجودة حتى الآن في بعض أجزاء المدينة.
على أن مثل هذه الأنقاض تزداد ندرة بمرور الأسابيع؛ فربما كان على المرء حقاً أن يمضي إلى أقصى الشمال حتى منطقة واكاميا أو إلى تلك المنطقة التي اندكت في القصف ما بين هونشو وكازوجاماشي ليصادف الآن تلك الأنقاض بأعداد كبيرة. غير أني واثق أن أنقاض القصف كانت منذ سنة فقط لا تزال مشهداً معهوداً في أرجاء المدينة كافة. فمثلاً في مثل هذا الوقت من العام الماضي كانت المنطقة البادئة من جسر التردد حيث وقع حي المتعة ما تزال صحراء من الأنقاض بيد أن العمل يتقدم فيها الآن كل يوم باطراد. وخارج حانة السيدة كاواكامي – حيث تزاحمتْ ذات يوم حشود طالبي المتعة الحشد وراء الآخر – يتم تشييد طريق واسع من الأسمنت، وعلى جنبيه تُرمى أسس صفوف من أبنية المكاتب الضخمة.
وفي إحدى الأمسيات منذ أمد قصير أبلغتني السيدة كاواكامي بعرض الشركة لشراء محلها مقابل مبلغ سخي، فسلّمتُ منذ حينها أنها ستضطر عاجلاً أو آجلاً إلى إغلاق محلها والانتقال إلى مكان آخر.
أسرت إليّ: "لا أدري ماذا أفعل، سيشق عليّ الرحيل عن المكان بعد كل هذه الفترة. لقد جافاني النوم طوال الليلة الماضية ولم أنقطع عن التفكير. لكن يا معلم، حين أمعنتُ النظر في المسألة، قلتُ لنفسي، طيب، الآن مع رحيل السيد شينتارو، أضحى المعلم هو الزبون الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه. لا أعرف حقاً ماذا أصنع."
أنا بحق زبونها الحقيقي الوحيد هذه الأيام؛ فشينتارو لم يرنا وجهه بحانة السيدة كاواكامي منذ تلك الحادثة البسيطة التي وقعتْ في الشتاء الماضي – يفتقر إلى الشجاعة بلا شك لمواجهتي. وأخال ذلك جلب سوء الحظ إلى السيدة كاواكامي التي ما كان لها دخل في الموضوع.
كان ذلك في إحدى أمسيات الشتاء الماضي – كنا نشرب معاً كالمعتاد وقتئذ – عندما ذكر لي شينتارو لأول مرة أنه يطمح إلى الفوز بوظيفة مدرس بإحدى المدارس الثانوية الجديدة، وأخذ يبوح لي أنه ملأ بالفعل جملة من الطلبات لمثل هذه الوظائف. انقضت الآن بالطبع عدة سنوات منذ كان شينتارو تلميذي، ولا يوجد ما يدعوه ألا يباشر مثل تلك المحاولات بدون استشارتي؛ فقد كنتُ أعي تمام الوعي بوجود آخرين الآن - رئيسه في العمل مثلاً – ممن يحتلون مكانة أنسب مني بكثير ليقوموا بمهمة الضامن في تلك الأمور. مع ذلك أعترف أن اندهاشاً قد داخلني لأنه ما ائتمني مطلقاً على هذه الطلبات. وهكذا عندما ظهر شينتارو عند منزلي في ذلك اليوم الشتوي بعد بداية العام الجديد بقليل وألفيته واقفاً يقهقه بعصبية في المدخل ويقول: "إنها منتهى الوقاحة مني أن آتي على هذا النحو،" شعرتُ بإحساس يقترب من الراحة وكأن الأمور قد عادت إلى مجاريها المعهودة.
أشعلتُ كانوناً بحجرة الاستقبال ثم جلس كلانا إلى جانبه ندفئ أيدينا. لاحظتُ أن بعض ندف الثلوج تذوب على معطف شينتارو الذي كان لا يزال يرتديه، فسألتُه:
"هل راح الثلج يتساقط مجدداً؟"
"القليل منه فقط يا معلم، ليس كما كان صباحاً."
"آسف على شدة برودة المكان، فهي للأسف أبرد حجرة بالمنزل."
"مطلقاً يا معلم، فحجرات بيتي أشد برودة بمراحل." ابتسم ثغره بسعادة وأخذ يحك يديه معاً فوق الفحم ثم قال: "إنها طيبة منك أن تستقبلني هكذا. كنتَ يا معلم أشد ما تكون عطفاً عليّ طوال السنين. أنا لا أقدر أن أحصي ما فعلتَه من أجلي."
"العفو يا شينتارو. أحياناً ما أحسب في الحقيقة أني تعاملت معك بشيء من الإهمال في الماضي، لذا لو هناك وسيلة ما يمكنني أن أعوضك بها عن إهمالي هذا – حتى في تلك المرحلة المتأخرة – يسعدني أن تعلمني بها."
ضحك شينتارو وأخذ يحك يديه: "حقاً يا معلم، إن كلامك غير معقول. لا أقدر أبداً أن أحصي ما فعلتَه من أجلي."
راقبتُه لحظة ثم تساءلتُ: "إذن قل لي يا شينتارو، كيف أستطيع خدمتك؟"
رفع عينين نال منهما الاستغراب ثم بدرتْ منه ضحكة أخرى.
"معذرة يا معلم. كنتُ قد بدأت أحس براحة بالغة هنا حتى إني كنتُ سأنسى تماماً الغرض من قدومي لإزعاجك هكذا."
كان عظيم التفاؤل حسبما قال لي بخصوص طلبه المقدَم إلى مدرسة هيجاشيماشي الثانوية؛ فقد جعلتْه مصادر موثوق بها يعتقد أن طلبه موضع استحسان جم.
"رغم ذلك يا معلم، يبدو أن هناك نقطة أو نقطتين صغيرتين دون غيرهما ما تزال اللجنة تشعر حيالهما بالقليل من عدم الرضا."
"ياه؟"
"بالفعل يا معلم. لعلي يجب أن أصارحك بالمسألة: النقاط الصغيرة التي أشير إليها تخص الماضي."
"الماضي؟"
"أجل يا معلم." انطلقتْ في تلك اللحظة ضحكة عصبية من شينتارو الذي أردف جاهداً: "ينبغي أن تعرف يا معلم أن احترامي لك لا يماثله أي احترام. فقد تعلمتُ منك الكثير وسأظل فخوراً برابطتنا."
أومأتُ برأسي وتريثتُ حتى يمضي هو في حديثه.
"الحقيقة يا معلم أني سأكون في غاية الامتنان لو كتبتَ بنفسك خطاباً للجنة لتؤكد فحسب على بعض الإفادات التي صرحتُ بها."
"وما نوعية هذه الإفادات يا شينتارو؟"
عاودتْ شينتارو القهقهة ثم مد يديه فوق المدفأة مجدداً.
"الهدف هو مجرد إرضاء اللجنة يا معلم، ليس أكثر ولا أقل. قد تتذكر يا معلم كيف اختلفنا في الرأي ذات مرة بخصوص عملي إبان الأزمة الصينية."
"الأزمة الصينية؟ أخشى أني لا أستحضر أننا تشاجرنا يا شينتارو."
"لا تؤاخذني يا معلم، لعلي بالغتُ. لم يصل الأمر قط إلى الشجار الصريح. لكني بالفعل تحامقت وعبّرت عن اختلافي في الرأي، بمعنى أني عارضت اقتراحاتك بخصوص عملي."
"معذرة يا شينتارو، لقد غاب عن بالي قصدك."
"لا شك لديّ أن مثل هذا الأمر التافه لن يعلق في عقل المعلم. لكن الحقيقة هي أن هذا الشأن يمثل أهمية كبرى بالنسبة لي في هذه المرحة الحاسمة. قد تنتعش ذاكرتك إن ذكّرتُك بالحفلة التي أقمناها ليلتها حين احتفلنا بخطبة السيد أوجاوا. حدث هذا ليلتئذ – أعتقد أننا كنا في فندق هامابارا – لعلي أسرفت قليلاً في الشراب وكنتُ من الوقاحة أن عبّرت لك عن آرائي."
"أذكر تلك الليلة بصورة مبهمة، لا أستطيع أن أقول إن ذاكرتي واضحة عنها. ومع ذلك يا شينتارو ما دخل اختلاف بسيط في الآراء مثل هذا بأي شيء يجرى الآن؟"
"اعذرني يا معلم، لكن الحقيقة هي أن الموضوع قد اكتسب أهمية ما. فاللجنة ملزمَة بالاطمئنان إلى بعض المسائل. فبرغم كل شيء لا بد من إرضاء السلطات الأمريكية...." خفت صوت شينتارو بعصبية ثم تابع: "أتوسل إليك يا معلم أن تحاول تذكر ذاك الخلاف البسيط. فبرغم إحساسي بالعرفان في الماضي – العرفان الذي ما زال قائماًً حتى الآن لغزارة ما تعلمتُه تحت إشرافك – لم أكن في الواقع دائم الاتفاق معك في الرأي. الحق أني قد لا أبالغ حين أصرح أن تحفظات قوية راودتني على مسلك مَدرستنا وقتها. ربما تذكر مثلاً أنه برغم اتباعي لتعليماتك في النهاية بخصوص ملصقات الأزمة الصينية، خامرتني فيها الشكوك وبالفعل ذهبتُ إلى حد إطلاعك على آرائي."
"ملصقات الأزمة الصينية،" حدّثتُ نفسي مفكراً. "أجل، أذكر الآن ملصقاتك. كان وقتاً حاسماً بالنسبة للأمة، وقتاً وجب علينا فيه أن نحجم عن التردد ونقرر ما نريده. أذكر أنك أحسنت البلاء وكنا جميعاً فخورون بعملك."
"لكنك ستذكر أن شكوكاً جادة تملكتني حول ما أردتَ مني القيام به. ولو ستذكر، صارحتُك من غير تحفظ بمعارضتي في ذلك المساء بفندق هامابارا. معذرة يا معلم لإزعاجك بمثل هذا الموضوع التافه."
أظنني أطرقت بضع لحظات. ولا بد أني وقفت في هذه اللحظة تقريباً لأني لمّا تكلمت بعدها، أذكر أني كنت أقف قبالته على الجانب الآخر من الحجرة عند ستائر الشرفة.
قلتُ في آخر الأمر: "تريد مني أن أكتب خطاباً للجنتك ينفي صلتك بتأثيري. هذا ما يعادله طلبك."
"لا شيء من هذا القبيل يا معلم، لقد أسأتَ فهمي. أنا فخور أبداًً بانتساب اسمي إلى اسمك. المسألة ببساطة هي أنه فيما يتعلق بمسألة حملة الملصقات الصينية، لو اطمأنت اللجنة فحسب إلى أن..."
خفت صوته مرة أخرى. أزحت الستارة عن ثغرة صغيرة فهَب هواء بارد على الحجرة لكني لسبب ما لم آبه له. ومن خلال الثغرة حملقتُ عبر الشرفة إلى الحديقة. كان الثلج يتساقط في ندف تنساب في بطء.
" لِمَ لا تواجه الماضي ببساطة يا شينتارو؟ لقد نلتَ فضلاً كبيراًً وقتها نتيجة ملصقك الخاص بالحملة، فزتَ بفضل عظيم واستحسان أي استحسان. قد يكون للعالم الآن رأي مخالف في عملك لكن لا حاجة بك إلى الكذب عن نفسك."
"فعلاً يا معلم. أنا أوافقك. لكن رجوعاً إلى موضوعنا، سأكون ممنوناً للغاية إذا كتبتَ للجنة فيما يتعلق بملصقات الأزمة الصينية، ومعي هنا في الواقع اسم رئيس اللجنة وعنوانه."
"من فضلك يا شينتارو، أصغي إليّ."
"يا معلم، مع كل احترامي، أنا في غاية الشكر على الدوام لنصيحتك وتعليمك لكني في هذه اللحظة رجل في غمرة مسيرته المهنية. خير أن يفكر المرء ويتدبر عندما يتقاعد لكن الواقع هو أني أعيش في عالم مشحون ولا بد أن أضطلع بأمر أو اثنين لو كنتُ سأحصل على هذه الوظيفة التي هي بكل الاعتبارات الأخرى من نصيبي بالفعل. أتوسل إليك يا معلم، تفهم موقفي أرجوك."
لم أحر نطقاً إنما رحت أرنو بالخارج إلى ما تساقط على حديقتي من ثلج. ومن خلفي التقطتُ صوت شينتارو وهو يقف على قدميه.
"ها هو الاسم والعنوان يا معلم. سأتركهما هنا إذا سمحتَ لي. أرجوك ول الأمر التفكير الوافي عندما يسنح وقتك."
أمسكتُ عن الكلام وهلة في حين انتظر هو على ما أخال ليرى ما إذا كنتُ سأستدير واسمح له بالرحيل بشيء من الكرامة. أخذتُ أتفرس في حديقتي: برغم استمرار سقوط الثلج، استقر بصورة طفيفة على الشجيرات والأغصان فقط. وبينما كنتُ أراقب المشهد، هزت نسمة غصناً من أغصان شجرة القيقب نافضة عنها معظم الثلج. كانت المشكاة الحجرية بخلفية الحديقة هي الوحيدة التي ارتدت قلنسوة سميكة من الثلج.
سمعتُ شينتارو يستأذن مغادراً الحجرة.
قد يبدو الأمر يومها كما لو كنتُ أقسو على شينتارو بلا داع. لكن لو وضع المرء نصب عينيه ما حدث في الأسابيع التي سبقتْ زيارته مباشرة، سيبيت مفهوماً من غير ريب لِم شعرتُ بعدم التعاطف مع مساعيه إلى التهرب من مسؤولياته. فقد أتت زيارة شينتارو في الواقع عقب عدة أيام من اللقاء المشترك الخاص بزواج نوريكو.
تقدمتْ بنجاح كاف طوال الخريف الفائت مفاوضات زواج نوريكو المعتزَم من تارو سايتو؛ إذ تم تبادل الصور في أكتوبر وتلقينا لاحقاً رسالة من السيد كيو، وسيطنا، بأن الشاب شديد التوق للقاء نوريكو. تظاهرتْ نوريكو طبعاً بأنها تفكر ملياً في المسألة غير أنه بحلول تلك المرحلة صار من الواضح أن ابنتي – وقد بلغتْ بالفعل السادسة والعشرين – لا تستطيع تجاهل فرصة مثل تارو سايتو باستخفاف.
لذلك أعلمتُ السيد كيو بموافقتنا على اللقاء المشترك، وانتهى بنا الأمر إلى الاتفاق على يوم في نوفمبر بفندق ’متنزه كازوجا.‘ وقد توافقني الرأي على أن فندق ’متنزه كازوجا‘ يخالطه هذه الأيام جو سوقي، وعليه تولاني شيء من عدم الرضا عن الاختيار. غير أن السيد كيو أكد لي أنه سيتم حجز غرفة خاصة ومضى يوحي بأن آل سايتو مغرمون بالطعام هناك، فأبديت موافقتي أخيراً وإن جاءت خالية من الحماس.
وقد بَين السيد كيو أيضاً أن اللقاء يبدو وكأنه يرجح كفة أسرة العريس المرتقب – فقد اعتزم أخوه الأصغر الحضور، هذا فضلاً عن والديه. لذا نوه بأنه سيكون من المناسب تماماً أن نصطحب قريباً أو صديقاً حميماً لنشد من أزر نوريكو. لكن بالطبع بما أن سيتسوكو تعيش بعيداً جداً، لم يكن هناك مَن يمكننا دعوته بصورة لائقة لحضور هذه المناسبة. ومن الجائز أن شعورنا بأن وضعنا في اللقاء ليس على ما يرام علاوة على عدم ارتياحنا إلى المكان تسببا في ازدياد توتر نوريكو تجاه المقابلة عما قد تكون عليه لو اختلفتْ الظروف. على أية حال ألفيت الأسابيع المفضية إلى اللقاء أسابيع عصيبة.
كثيراً ما كانت تعود إلى المنزل من مكتبها وتبدي من فورها تعليقاً مثل: "ماذا كنتَ تصنع طيلة النهار يا أبي؟ أحسبك كنتَ تتجول فقط بلا هدف في المنزل كما هي عادتك." وبغض النظر عن "التجول بلا هدف"، انشغلتُ في الواقع بمحاولاتي لضمان نتيجة مرضية لمفاوضات الزواج لكن لأني اعتقدت وقتها أنه من المهم ألا أقلقها بتفاصيل سير الأمور، ما كنتُ أفه سوى بعبارات مبهمة عن يومي، فأعطيتها الفرصة لتستمر في تلميحاتها. وعندما أستعيد ما حدث متدبراً إياه، أفطن إلى أن عدم مناقشتنا لأمور معينة بصراحة ربما فاقم من توتر نوريكو، وربما حالت مفاتحة أكثر صراحة من جانبي دون العديد من المحادثات المزعجة التي دارت بيننا طيلة تلك الفترة.
أستدعي مثلاً بعد ظهيرة أحد الأيام حين وصلتْ نوريكو إلى البيت وأنا أقلم بعض شجيرات الحديقة. ألقت عليّ من الشرفة تحية مهذبة كل التهذب قبل أن تختفي مجدداً في المنزل. بعدها بدقائق قليلة كنتُ أجلس في الشرفة، أتطلع إلى الحديقة لأقيّم ما خلفه عملي من أثر. ظهرتْ نوريكو ببعض الشاي بعد أن أبدلتْ ثيابها بالكيمونو. وضعتْ الصينية بيننا واتخذتْ مجلسها. أذكر أن كانت تلك الظهيرة واحدة من آخر تلك الظهائر الرائعة التي مرت علينا في خريف العام المنصرم. كان ثمة ضوء رقيق يقع على أوراق النباتات. تتبعتْ نوريكو عيني المحدقة وقالت:
"لِم قلمتَ الخيزران هكذا يا أبي؟ تلوح لي الآن غير متوازنة."
"غير متوازنة؟ أتعتقدين هذا؟ أظنها متوازنة بما يكفي، فعليك أن تضعي في الاعتبار الموضع الذي تغلب فيه البراعم الصغيرة."
"يميل أبي إلى الإكثار من العبث. أظنك ستتلف تلك الشجيرة أيضاً."
"أتلف تلك الشجيرة أيضاً؟" قلتُ ملتفتاً إلى ابنتي. "ماذا تقصدين؟ أتزعمين أني أتلفت شجيرات أخرى؟"
"لم تستعد الأزاليات شكلها السابق قط. هذا ما يحدث لمّا يتوافر عند أبي وقت طويل دون عمل أي شيء، ينتهي به الحال إلى العبث فيما لا يحتاج."
"معذرة يا نوريكو، لا أفهم جيداً ما تعنينه، أتقولين إن الأزاليات غير متوازنة أيضاً؟"
تطلعتْ نوريكو إلى الحديقة ثانية ثم أرسلتْ تنهيدة: "كان يجب أن تدع الأمور في حالها."
"آسف يا نوريكو لكني أرى أن الخيزران والأزاليات في تحسن كبير. أخشى أني لا أبصر بتاتاً جانبك "غير المتوازن"."
"طيب لا بد إذاً أن أبي في طريقه إلى فقد بصره أو لعله مجرد ذوق سيئ."
"ذوق سيئ؟ ذلك رأي عجيب. تعلمين يا نوريكو أن الناس لم تربط إجمالاً بين الذوق السيئ واسمي."
قالت بنبرة متبرمة: "حسناً، أنا أرى يا أبي أن الخيزران غير متوازنة وقد أفسدتَ كذلك تدلي الشجرة عليها."
جلستُ برهة محملقاًً إلى الحديقة في سكون ثم قلتُ في آخر الأمر: "أجل،" وأومأتُ برأسي. "أظنك قد تشاهدينها على هذا النحو يا نوريكو، فأنت لم تتمتعي البتة بغريزة فنية، لا أنت ولا سيتسوكو، أما كنجي فقد اختلف عنكما. أنتما أيتها الفتاتين تشبهان أمكما. أذكر حقيقة أن أمك اعتادت أن تطلق بالضبط مثل هذه التعليقات الخاطئة."
"هل أبي خبير إلى هذا الحد في تهذيب الشجيرات؟ لم أكن مدركة ذلك. آسفة."
"ما ادعيت أية خبرة. المسألة فقط هي أني مندهش قليلاً لاتهامك إياي بالذوق السيئ، فهو اتهام غير مألوف في حالتي، هذا كل ما هنالك."
"طيب يا أبي، أنا على ثقة أنها مسألة آراء."
"كانت أمك يا نوريكو قريبة الشبه بك، فهي لم تكن تتردد في الإفصاح عن كل ما يدور بخلدها. أحسبها أمانة شديدة."
"أنا متأكدة أن أبي أكثر دراية بتلك المسائل، لا شك أن هذا لا يحتاج إلى جدال."
"أذكر أن أمك كانت أحياناً تطلق تعليقاتها حتى وأنا أرسم. كانت تعلق على شيء ما فتجعلني أغرق في الضحك ثم تضحك هي أيضاً مسلمة بعلمها بالقليل عن هذه الأمور."
"وهكذا أتصور أن أبي كان دوماً محقاً بخصوص لوحاته أيضاً."
"يا نوريكو، هذا حديث لا طائل فيه. إلى جانب أنه إذا لم يعجبك ما فعلتُه بالحديقة، فمرحباًً بك أن تخرجي إلى هناك وتفعلي ما يحلو لك لتصحيح الأوضاع."
"هذا لطف كبير منك يا أبي لكن متي تقترح أن أقوم بهذا؟ ليس لديّ اليوم بطوله مثلما هو متاح لأبي."
"ماذا تعنين يا نوريكو؟ كان يومي مشحوناً." رمقتُها غاضباً لحظة إلا أنها ما فتئت ترنو إلى الحديقة والضجر يكسو وجهها. استدرت وتنهدتُ قائلاً: "إنما هذا حديث لا طائل فيه. كانت أمك على الأقل تقول مثل تلك التعليقات لنضحك عليها معاً."
في مثل تلك اللحظات كان مغرياً بحق أن أبين لها مدى ما كنتُ في الحقيقة أبذله لمصلحتها. ولو كنتُ قد فعلت هذا، كانت ابنتي ستذهل لا مراء وأخالها كانت ستخجل من سلوكها تجاهي. فمثلاً في ذلك اليوم تحديداً قصدتُ حي ياناجاوا حيث اكتشفتُ أن كورودا يعيش هناك.
في النهاية لم يكن اكتشاف مكان كورودا بالمهمة الشاقة. فأستاذ الفن بكلية يوماشي – بمجرد أن أقنعتُه بنواياي الحسنة – لم يكتف بمنحي العنوان بل حكى لي ما جرى لتلميذي السابق خلال هذه السنوات الماضية. البادي أن كورودا تحسنتْ ظروفه منذ إطلاق سراحه في نهاية الحرب. تلك هي أحوال هذه الدنيا، منحتْه سنون السجن أوراق اعتماد قوية وحرصتْ مجموعات معينة على الترحيب به والعمل على الوفاء باحتياجاته. ومن ثم لم يجد صعوبة كبيرة في إيجاد عمل – كانت في الأغلب وظائف تدريس صغيرة – أو في الحصول على الأدوات لاستئناف الرسم. ثم تعين في وظيفة مدرس رسم بكلية يوماشي قرب مستهل الصيف الفائت.
قد يبدو غريباً نوعاً ما أن يصدر عني الآن هذا الكلام غير أني سررت – بل وانتابني نوع من الافتخار – عندما سمعتُ بتطور مهنة كورودا. إلا أنه من الطبيعي فحسب أن يواصل – رغم كل شيء – معلمه السابق فخره بهذه التطورات حتى لو شاءت الظروف أن يغدو المعلم والتلميذ غريبين.
لم يكن كورودا يقيم في حي راق. فقد سرت فترة من الوقت عبر حارات ضيقة تغص بنزل متهدمة قبل أن أبلغ ميداناً مرصوفاً بالأسمنت يشبه ساحة مصنع أمامية. أبصرتُ بعض الشاحنات الواقفة عبر الميدان، وإلى أبعد منها وراء سور من السلك قامت جرافة تهز الأرض هزاً. أذكر أني وقفت أراقب الجرافة بضع لحظات قبل أن أدرك أن المبنى الضخم الجديد الذي يلوح فوقي هو في الحقيقة مبنى كورودا.
صعدتُ إلى الطابق الثاني حيث ألفيت ولدين صغيرين يركبان دراجة ثلاثية جيئة وذهاباً في الردهة. بحثتُ عن باب منزل كورودا. لم تلق رنتي الأولى إجابة غير أني كنت وقتها ماضي العزم على إتمام اللقاء فقرعتُ الجرس مرة أخرى.
انفتح الباب عن شاب جذاب في حوالي العشرين من عمره.
"أنا بحق آسف" – تكلم بجدية شديدة – "لكن السيد كورودا ليس بالمنزل حالياً. هل حضرتك يا سيدي زميله في العمل؟"
"شيء من هذا القبيل. ثمة موضوعات قليلة أبغي مناقشتها مع السيد كورودا."
"في هذه الحالة تفضل بالدخول والانتظار. أنا متأكد أن السيد كورودا لن يغيب طويلاً وسيأسف للغاية إن فاتته مقابلتك."
"لكني لا أريد أن أزعجك."
"على الإطلاق يا سيدي. أرجوك، أرجوك تفضل بالدخول."
كانت الشقة صغيرة، ومثلها مثل العديد من هذه الشقق الحديثة ليست لها ردهة بالمعنى المعروف، إذ انبسطتْ الحصيرة بعد سلمة صغيرة تبعد عن الباب الرئيسي بمسافة قليلة. اتسم المكان بالترتيب وتزينتْ الحوائط بعدد من اللوحات والمعلقات. طغى ضوء الشمس على الشقة من خلال نوافذ عريضة تنفرج عن شرفة ضيقة. نمت إلينا ضوضاء الجرافة آتية من الخارج.
"آمل يا سيدي ألا تكون في عجلة من أمرك،" أنهى الشاب وهو يحط وسادة لأجلس عليها. "إلا أن السيد كورودا لن يغفر لي قط لو رجع وعلم أني تركتك ترحل. أرجوك اسمح لي أن أعد بعض الشاي."
"يا للكرم،" قلتُ وأنا أتخذ مجلسي. "هل أنت تلميذ السيد كورودا؟"
فرت من الشاب ضحكة خفيضة النبرات: "من عطف السيد كورودا أنه يشير إليّ بأني تلميذه الذي يتبناه فنياً رغم أني أنا نفسي أشك في استحقاقي لمثل هذا اللقب. اسمي إنشي. كان السيد كورودا معلمي، والآن رغم ارتباطاته المرهقة في كليته، ما زال يتكرم بالاعتناء بعملي."
"حقاً؟"
ترامت