ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
فنان من العالم الطليق
albawtaka@albawtaka.com

تكرمت دار  "أزمنة " الأردنية بنشر فنان من العالم الطليق عام 2006.

الرواية المنشورة بالبوتقة نسخة منقحة من الترجمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى والديّ

 

 

 

أكتوبر 1948

———————————————————————————

إذا تسلقتَ في يوم مشمس الطريق المنحدر الذي يرتقي إلى أعلى مبتدئاً بالجسر الخشبي الصغير؛ ذاك الجسر الذي ما زال يشار إليه في هذه الأنحاء بـ "جسر التردد"، فلن تضطر إلى المشي بعيداً قبل أن يتراءى لك سطح منزلي من بين قمتين من قمم أشجار الجنكة. وحتى لو لم يحتل المنزل مثل هذا الموقع المطل على التل، سيظل بارزاً من بين كل المنازل المجاورة، وعليه فقد تتساءل، إن صعدتَ الطريق، عن ماهية الثري الذي يمتلكه.

بيد أني لست رجلاً واسع الثراء وما كنتُ أبداً. وربما يمكن تفسير أبهة المظهر الخارجي للمنزل لو أنبأتُك أن بانيه هو سلفي الذي لم يكن سوى أكيرا سوجيمورا. بالطبع قد تكون غريباً عن هذه المدينة وفي هذه الحالة لن تألف اسم أكيرا سوجيمورا. لكن اذكره لأي شخص عاش هنا قبل الحرب وسوف تعلم أن سوجيمورا كان بلا مراء من بين أكثر رجال المدينة احتراماً ونفوذاً زهاء ثلاثين عاماً.

لو أخبرتُك بهذا، فلعلك تتساءل حقاً – عند وصولك إلى سطح التل ووقوفك عليه متطلعاً إلى المدخل الجميل المصنوع من خشب الأرْز، والمساحة الواسعة المحاطة بسور الحديقة، والسطح بقراميده الفاخرة ورافدته المنقوشة بأناقة التي تبرز قبالة المنظر – كيف تأتى لي الحصول على مثل هذا العقار مع كوني حسبما أزعم رجلاً متوسط الدخل. الحق أني ابتعت المنزل بثمن بخس لا يكاد يستحق الذكر – بل بسعر قد لا يساوي نصف القيمة الفعلية للعقار في تلك الآونة. وقد تيسر ذلك بسبب إجراء غاية في الغرابة يمكن أن يصفه البعض بالحماقة طبقتْه عائلة سوجيمورا في أثناء البيع.

مضى الآن على هذه الحادثة نحو خمس عشرة سنة. في تلك الأيام عندما ظهر التحسن على أحوالي بمرور الشهور، جعلتْ زوجتي تلح عليّ للعثور على منزل جديد. وببصيرتها المعتادة، ناقشتْ أهمية امتلاكنا لمنزل يتماشى مع مقامنا ليس من قبيل الزهو ولكن من أجل احتمالات زواج ابنتينا. أدركتُ صواب رأيها، ولكن بما أن سيتسوكو، كبرى أطفالنا، كانت لا تزال في الرابعة عشر أو الخامسة عشر من عمرها، لم أشرع في الأمر على عجل. وبرغم ذلك، قضيت حوالي سنة كلما أسمع عن منزل مناسب للبيع، كنت أتذكر أن أستعلم عنه. كان واحداً من تلاميذي هو أول من نبهني إلى أن منزل سوجيمورا معروض للبيع عقب سنه من وفاته. بدت فكرة شرائي لمثل هذا المنزل منافية للعقل ورددت الاقتراح إلى الاحترام المبالغ فيه الذي طالما خلعه عليّ تلاميذي. استفسرتُ مع ذلك عن المنزل وحظيت برد لم أتوقعه.

زارتني بعد ظهر أحد الأيام سيدتان متعجرفتان ذواتا شعر أشيب واتضح أنهما بنتا أكيرا سوجيمورا. ولما عبّرتُ عن دهشتي لمثل هذا الاهتمام الشخصي بي من قِبل عائلة بهذا السمو، أنهت الأخت الكبرى إليّ بلهجة باردة أنهما لم تحضرا بدافع الكياسة فقط. ففي خلال الشهور السابقة تلقت العائلة عدداً كبيراً من الاستعلامات حول منزل والدهم الراحل غير أن العائلة قررت في النهاية رفضها جميعاً عدا أربعة طلبات. وقد تحرى أفراد العائلة الدقة في انتخاب المتقدمين الأربعة؛ إذ تم اختيارهم على أساس محض من كرم الخلق وحسن الإنجاز.

واصلتْ الأخت الكبرى: "إنه لغاية في الأهمية بالنسبة لنا أن يؤول المنزل الذي بناه أبونا إلى شخص يوافق عليه ويعتبره جديراً به. ترغمنا الظروف بطبيعة الحال على مراعاة الجانب المادي إلا أن هذا الجانب ثانوي تماماً. وقد حددنا بناء على هذا سعراً."

عند هذه اللحظة أعطتني الأخت الصغرى، التي لم تفه بكلمة واحدة، ظرفاً، وراقبتاني بوجوه متجهمة وأنا أفتحه. كانت بداخله ورقة واحدة خالية من الكتابة فيما عدا رقم كُتب بأناقة بفرشاة حبر. هممت بالتعبير عن دهشتي للثمن الضئيل إلا أني رأيت وقتها من خلال تصفح الوجوه أمامي أن أية مناقشة أخرى للماديات ستعد بغيضة. قالت الأخت الكبرى ببساطة: "لن يكون في مصلحة أي منكم أن يحاول المزايدة على غيره. فنحن لا نرغب في أن نحصل على أي شيء سوى الثمن المحدد. إذ نهدف من الآن فصاعداً إلى إدارة مزاد يتسم بالوجاهة."  

وشرحتْ أنهما قد حضرتا شخصياً لسؤالي رسمياً بالنيابة عن عائلة سوجيمورا أن أُخضع نفسي - مع المتقدمين الثلاثة الآخرين بالطبع لتحر أدق عن خلفيتي وأوراق اعتمادي. وهكذا سوف يتم اختيار مشتري مناسب.

كان إجراء غريباً وإن لم أجده بغيضاً، فقد كان في النهاية أشبه بالانخراط في مفاوضات زواج. انتابني في الحقيقة شيء من الإطراء لاعتباري جديراً بالترشيح من قِبل هذه العائلة العتيقة المحافظة. وعندما وافقتُ على التحري وأفضيت إليهما بامتناني، خاطبتني الأخت الصغرى للمرة الأولى قائلة: "كان أبونا رجلاً مثقفاً يا سيد أونو. وكان يكن عظيم الاحترام للفنانين. وكان بحق على دراية بعملك."

أجريت استفساراتي الخاصة في الأيام التالية واكتشفتُ صحة كلمات الأخت الصغرى; فقد كان أكيرا سوجيمورا بالفعل متحمساً للفن حيث دعم المعارض بأمواله في عدة مناسبات. صادفتُ أيضاً إشاعات أثارت اهتمامي: يبدو أن عدداً كبيراً من أفراد عائلة سوجيمورا وقف ضد فكرة بيع المنزل على أي نحو ودارت مجادلات مريرة حول المسألة. في النهاية كانت الضغوط المادية تعني حتمية البيع، وكانت إجراءات الصفقة الغريبة بمثابة التسوية التي تم التوصل إليها مع مَن لم يشاءوا أن يخرج البيت عن العائلة. لا يمكن إنكار وجود شيء تعسفي يداخل هذه الترتيبات لكني من جانبي كنت مستعداً أن أتعاطف مع أحاسيس عائلة لها هذا التاريخ المميز. بيد أن زوجتي لم تتقبل فكرة التحري.

اعترضتْ الزوجة: "من يخالون أنفسهم، ينبغي أن نقول لهم إننا لا نريد أية علاقة بهم بعد الآن."

فأوضحتُ لها: "لكن ماذا سيضيرنا من الأمر؟ لا تعيبنا شائنة لا نود أن يكتشفوها. صحيح أني لست من أصول ثرية، لكن بالقطع يعلم آل سوجيمورا ذلك بالفعل، وما زالوا يعتقدون أننا مرشحون جديرون بالمنزل. فدعيهم يتحرون، فلن يسعهم إلا أن يجدوا ما في صالحنا." وكان من اللازم أن أضيف: "مهما يكن الأمر هم لا يفعلون أكثر مما كانوا سيفعلون لو أننا نتفاوض معهم في زواج. سوف نضطر إلى الاعتياد على مثل هذه الأمور."

إلى جانب أنه هناك بالتأكيد ما يدعو إلى الكثير من الإعجاب بفكرة "المزاد المتسم بالوجاهة" كما أسمته الأخت الكبرى. ويتساءل المرء عما يحول دون حسم الأمور بمثل هذه الوسائل. كم هو أنبل هذا التنافس، حيث تُقدَم أخلاق المرء وإنجازاته كشواهد دالة عليه بدلاً من حجم ثروته. لا زلت أتذكر ما اعتراني من رضا عميق عندما علمتُ أن آل سوجيمورا اعتبروني عقب تحر مستفيض أجدر مَن يتملك المنزل الذي يجلونه عظيم الإجلال. لا شك أن المنزل يستحق تحمل بعض الإزعاج من أجله; ففضلاً عن مهابة مظهره الخارجي المؤثر، تجده من الداخل مصنوعاً من أخشاب ناعمة طبيعية اختيرت لجمال تجزعاتها، وكل مَن عاش منا فيه ألفاه باعثاً على الاسترخاء والهدوء.

وبرغم ذلك تجلى تحكم آل سوجيمورا في كل الجوانب في أثناء عقد جلسات الصفقة، فلم يحاول بعض أفراد الأسرة أن يخفوا عداءهم حيالنا، وربما شعر مشتر آخر أقل تفهماً بالإهانة ونبذ الأمر برمته. حتى فيما تلا من سنين كنتُ أحياناً أصادف بعض أفراد العائلة الذين كانوا يقفون في الشارع ليستجوبوني عن حالة المنزل وعن أي تغيير قمت به بدلاً من تبادل المعتاد من مهذب الحديث.

قلما أسمع هذه الأيام عن آل سوجيمورا. مع ذلك زارتني – عقب فترة وجيزة من الاستسلام – الأخت الصغرى التي فاتحتني في الموضوع وقت البيع. أحالتها سنون الحرب إلى عجوز نحيفة. وكما هو أشبه بطبائع العائلة لم تجاهد لإخفاء أن همها ينصب على ما حدث للمنزل خلال الحرب، وليس على سكانه; عزتني عزاء وجيزاً عند سماعها بما حدث لزوجتي ولكنجي قبل البدء في السؤال عما أسفر عنه القصف من ضرر. تميزتُ من الحنق عليها في مبدأ الأمر; بيد أني بدأت حينذاك ألحظ كيف كانت عيناها تترددان في الحجرة تردداً لا إرادياً وكيف كانت تتوقف أحياناً فجأة وسط إحدى جُملها المدروسة الرسمية، فأدركتُ أنها تكابد جيشاناً عاطفياً لمّا وجدتْ نفسها تؤوب إلى هذا المنزل مجدداً. وعندما خمنتُ أن معظم أفراد عائلتها الذين كانوا موجودين في أثناء البيع قد عاجلتهم المنية الآن، انطوى صدري على شفقة عليها وعرضتُ أن أريها المكان.

بُلى المنزل بنصيبه من دمار الحرب. كان أكيرا سوجيمورا قد بنى جناحاً شرقياً للمنزل يضم ثلاث حجرات واسعة يصلها بالجزء الرئيسي من المنزل ممر طويل يقطع جانباً واحداً من الحديقة. كان هذا الممر مفرط الطول حتى أوحى البعض أن سوجيمورا بناه - مع الجناح الشرقي – من أجل والديه اللذين كان يريدهما بمنأى عنه. على كلٍ كان الممر واحداً من أبرز عوامل الجذب بالمنزل; فعند الظهيرة كان يتعامد بالكامل مع الأضواء المنبعثة من أوراق النباتات وظلالها بالخارج حتى ليشعر المرء أنه يمشي في حديقة على هيئة نفق. وقد أثر أغلب ما خلفه القصف من دمار على هذا الجزء من المنزل، وإذ كنا نعاينه من الحديقة، أبصرتُ الآنسة سوجيمورا وقد أوشكتْ على البكاء. تخلصتُ في هذه اللحظة من كل إحساسي السابق بالضيق من العجوز وطمأنتُها بقدر استطاعتي أن الضرر سوف يتم إصلاحه في أول فرصة وأن المنزل سيعود مره أخرى إلى سابق عهده كما بناه والدها.

لم أدر عندما قطعتُ هذا الوعد أن التجهيزات ستظل ضئيلة للغاية; فبعد مضي مدة طويلة من الاستسلام، كان من الممكن أن ينتظر المرء أسابيع حتى يحصل على قطعة معينة من الخشب أو إمداد من المسامير. وتحت مثل هذه الظروف كان لا بد أن يتم ما استطعت صنعه في الجزء الرئيسي من المنزل – الذي لم ينج كلية من الدمار - أما العمل في ممر الحديقة والجناح الشرقي فقد كان بطيئاً. لم آل جهداً كي أمنع أي تدهور خطير يحل به لكننا ما زلنا لا نستطيع أن نعيد فتح هذا الجزء من المنزل. إلى جانب أن وجود شخصين هنا دون سواهما، أنا ونوريكو، جعلنا لا نتعجل توسيع مساحة معيشتنا.

إذا أخذتك اليوم إلى خلفية المنزل وأزحت جانباً الحاجز الثقيل كي أسمح لك أن تحدق في بقايا ممر حديقة سوجيمورا، ربما تولد لديك – رغم ذلك – الانطباع بما كان عليه من روعة فيما خلا. لكنك ستلاحظ أيضاً بلا شك ما لم أستطع منعه من خيوط العنكبوت والعفن، وما تخلل السطح من فجوات واسعة لا يحجبها عن السماء سوى ألواح من المشمع. أحياناً ما كنت أزيح هذا الحاجز في الصباح الباكر لأجد ضوء الشمس يتدفق من خلال المشمع في صورة أشعة باهتة تكشف عن سحب من التراب معلقة في الهواء وكأن السطح قد انهار في نفس هذه اللحظة.

وباستثناء الممر والجناح الشرقي أصاب الشرفة أكبر الضرر. كان أفراد أسرتي، ولا سيما ابنتيّ، مغرمين دوماً بقضاء الوقت جالسين هناك، يثرثرون ويتفرجون على الحديقة; لذا عندما زارتنا سيتسوكو ابنتي المتزوجة لأول مرة عقب الاستسلام، لم أجد عجباً لرؤية حزنها العميق على حال الشرفة. كنت وقتها قد أصلحت أسوأ ما في الدمار إلا أن أحد أطرافها كان لا يزال متموجاً ومتهدماً حيث دفع تأثير الانفجار الألواح من أسفل. عانى كذلك سطح الشرفة، فقد كنا نضطر إلى أن نَصف الأواني على ألواح الأرضية لتلتقط الماء المتساقط في الأيام المطيرة.

غير أني استطعت أن أحرز بعض التقدم على مدار السنة السابقة. وبحلول زيارة سيتسوكو التالية الشهر الماضي، كانت الشرفة قد رُممت بالكامل تقريباً. أخذت نوريكو إجازة من العمل من أجل زيارة أختها، وهكذا ومع استمرار الجو الصحو قضت ابنتاي الاثنتان الكثير من وقتهما بالخارج مثلما كانتا تفعلان في الأيام الخالية. غالباً ما كنت أنضم إليهما، وبين الفينة والأخرى كان الحال يشبه تقريباً ما كان يجري في سنوات سابقة عندما تجتمع العائلة هناك في الأيام المشمسة لتبادل الأحاديث المسترخية، الفارغة في الغالب. وفي وقت ما من الشهر الماضي ربما كان الصباح الأول من وصول سيتسوكو - كنا جالسين هناك في الشرفة بعد الإفطار عندما قالت نوريكو:

"أنا مرتاحة لأنك حضرتِ أخيراً يا سيتسوكو. سوف ترفعين عن كاهلي قليلاً مسؤولية أبي."

"كفاك يا نوريكو..." عدّلت أختها الكبرى من جلستها على الوسادة بما ينم عن عدم راحتها.

"أبي في حاجة إلى الكثير من الرعاية أما وقد تقاعد الآن،" استرسلتْ نوريكو في الحديث وعلى وجهها ابتسامة خبيثة. "لا بد أن تشغلي وقته وإلا سيبدأ في التجول في المنزل."

"حقاً..." ابتسمتْ سيتسوكو بعصبية ثم بدرتْ منها التفاتة نحو الحديقة وتنهدتْ:

"يبدو أن شجرة القيقب قد تعافت بالكامل. تلوح رائعة الجمال."

"يظهر أن سيتسوكو ليست لديها أية فكرة يا أبي عن طباعك هذه الأيام. إنها تتذكرك فقط عندما كنت طاغياً آمراً لنا طوال الوقت. أنت الآن أكثر رقة، أليس كذلك؟"

أطلقتُ ضحكة لأبين لسيتسوكو أن كل هذا الكلام مجرد دعابة غير أن الضيق لم يفارق وجه ابنتي الكبرى. التفتت نوريكو إلى أختها وأضافت: "لكنه بالفعل يحتاج إلى الكثير من الرعاية لأنه يتجول في المنزل طيلة اليوم."

"كلام فارغ كالعادة" قلت بدوري مقاطعاً. "إذا كنتُ أقضي اليوم بأكمله في التجول، كيف تأتى لي إنجاز كل هذه الإصلاحات؟"

"فعلاً" قالت سيتسوكو منصرفة ببصرها نحوي وهي باسمة الثغر. "إن المنزل يبدو الآن في منتهى الروعة. لا بد أن أبي قد عمل جاهداً على إصلاحه."

"لقد أحضر رجالاً لمعاونته في جميع الأجزاء الصعبة. يبدو أنك لا تصدقينني يا سيتسوكو. لقد تغير أبي تغيراً كبيراً الآن. ما عادت بنا حاجة إلى الخوف منه. فقد أصبح أكثر رقة وأكثر حباً للحياة المنزلية."

"ويحك يا نوريكو..."

"بل إنه يطبخ من آن لآخر. لا يمكنك تصديق ذلك، أليس كذلك؟ إلا أن أبي أصبح طباخاً ماهراً هذه الأيام."

قالت سيتسوكو بصوت هادئ: "أعتقد أننا ناقشنا هذا الأمر بما فيه الكفاية يا نوريكو، أليس كذلك يا أبي؟ أنتَ تحرز الكثير من التقدم."

ابتسمتُ ابتسامة أخرى وهززت رأسي تعباً. أذكر أنه عند هذه اللحظة ندت عن نوريكو التفاتة نحو الحديقة وأغمضتْ عينيها لتتقي ضوء الشمس ثم قالت: "حسنا، لا يستطيع الاعتماد على أن أرجع وأطبخ حين أتزوج. سيكون عندي ما يكفي لعمله بدون الاعتناء بأبي أيضاً."

حين تفوهتْ نوريكو بهذه الكلمات، رمتني أختها الكبرى بنظرة سريعة توحي بالتساؤل بعد أن كانت تتحفظ في إخفاء تحديقتها حتى لحظتها. مرة ثانية تحولتْ عيناها عني في الحال، فقد كانت مضطرة إلى رد ابتسامة نوريكو. غير أن سلوك سيتسوكو داخَله اضطراب جديد أعمق وبدت ممتنة عندما هيأ لها ابنها الصغير الفرصة لتغيير الموضوع. مر بنا سريعاً في اتجاه الشرفة فنادت عليه: "إشيرو، اهدأ أرجوك!"

لا شك أن إشيرو أخذه الانبهار بمساحة منزلنا الواسعة بعد أن ألِف شقة والديه الحديثة. على أي حال ظهر أنه لا يشاركنا افتتاننا بالجلوس في الشرفة، إذ فضّل الجري بسرعة كبيرة جيئة وذهاباً بطول الشرفة منزلقاً أحياناً على الألواح المصقولة. أوشك أكثر من مرة أن يقلب صينية الشاي ولم تفلح إلى الآن دعوات أمه أن يجلس. وحين دعته سيتسوكو أن يقعد معنا، مكث في نهاية الشرفة يكلله العبوس.

ناديت عليه: "تعال يا إشيرو، أشعر بالملل من الكلام مع النساء طوال الوقت. تعال واقعد بجانبي لنتكلم في مواضيع الرجال."

أحضره هذا الكلام في الحال. وضع وسادته بجانبي وجلس كالمهذب، يداه على فخذيه وكتفاه مدفوعان جيداً إلى الخلف.

"أوجي" قال في حدة، "عندي سؤال."

"نعم يا إشيرو، ما هو؟"

"أريد أن أعرف عن الوحش."

"الوحش؟"

"هل هو مخلوق من قبل التاريخ؟"

"من قبل التاريخ؟ أنت تعرف بالفعل مثل هذه التعبيرات؟ أنتَ أكيد صبي ذكي."

بدا تهذب إشيرو يتراجع في هذه اللحظة. فقد تخلى عن وضعه المتكلف واستلقى على ظهره وطفق يلوح بقدميه في الهواء.

"إشيرو!" همستْ سيتسوكو بلسان متعجل. "يا لها من تصرفات سيئة أمام جدك. اعتدل!"

ما كان من إشيرو إلا أن ترك قدميه تنخفضان بلا حراك على ألواح الأرضية. عندئذ ضم ذراعيه على صدره وأرخى عينيه.

"أوجي،" قال بصوت ناعس، "هل الوحش مخلوق من قبل التاريخ؟"

"أي وحش هذا يا إشيرو؟"

"أرجوك لا تؤاخذه،" قالت سيتسوكو في حين علت وجهها ابتسامة عصبية. "عند وصولنا بالأمس كان هناك ملصق يعلن عن فلم خارج محطة القطار. لقد أزعج سائق التاكسي بالعديد من الأسئلة. خسارة أني لم أر الملصق بنفسي."

"أوجي! هل الوحش مخلوق من قبل التاريخ أم لا؟ أريد إجابة!"

"إشيرو!" رمته أمه بنظرة مخيفة.

"لستُ متأكداً يا إشيرو. أعتقد أنه علينا أن نرى الفلم لنعرف."

"متى سنرى الفلم إذاً؟"

"أأ. من الأفضل أن تناقش ذلك مع والدتك. مَن يدري؟ فربما يكون مرعباً رعباً لا يتحمله الأطفال الصغار."

ما قصدتُ أن تكون الملحوظة مستفزة بيد أن تأثيرها كان مروعاً على حفيدي. فقد تراجع جالساً ورشقني بعينيه صائحاً: "كيف تجرؤ! ماذا تقول!"

"إشيرو!" صرختْ سيتسوكو فزعة. إلا أن إشيرو ظل يرصدني بنظرات جد مرعبة حتى إن أمه اضطرت أن تبرح وسادتها لتجئ إلينا. "إشيرو!" همستْ إليه وهي تهز ذراعه. "لا تحملق إلى جدك هكذا."

استجاب إشيرو بالاستلقاء على ظهره مرة أخرى مؤرجحاً قدميه في الهواء. وجهتْ إليّ أمه ابتسامة عصبية أخرى.

"إن خلقه في منتهى السوء." ثم بدت مرتبكة تتعثر لإيجاد كلمات مناسبة فعاودها الابتسام.

نادت نوريكو وهي تنهض: "يا سيد إشيرو، لِم لا تأتي لتساعدني في تنظيف مكان الإفطار؟"

رد إشيرو وقدماه تتأرجحان: "هذا عمل النساء."

"هكذا لن يعاونني إشيرو؟ عندي الآن مشكلة. المائدة ثقيلة جداً ولست قوية بما يكفي لتحريكها بمفردي. ترى من يمكنه مساعدتي إذاً؟"

حمل هذا الكلام إشيرو على الوقوف فجأة ليدخل المنزل بخطى واسعة دون أن يولينا نظرة خلفه. ضحكتْ نوريكو وتبعتْه إلى الداخل.

ألقت سيتسوكو نظرة خاطفة عليهما ثم رفعتْ براد الشاي وبدأتْ تملأ فنجاني من جديد. أسرتْ إليّ بصوت منخفض: "لم أكن أعلم أن الأمور تطورت إلى هذا الحد، أقصد بخصوص مفاوضات زواج نوريكو."

"لم تتطور الأمور إلى أي حد بالمرة،" قلت محركاً رأسي. "في الواقع لم يستقر أي شيء البتة. نحن ما زلنا في مرحلة مبكرة."

"معذرة، لكن ما ذكرتْه نوريكو من لحظة جعلني بطبيعة الحال أظن أن الأمور تقريباً " تثاقلتْ كلماتها ثم عادت تقول: "معذرة" لكنها نبست بالكلمة بطريقة أبقت سؤالاً معلقاً في الهواء.

قلت: "أخشى أنها ليست المرة الأولى التي تتكلم فيها نوريكو هكذا. فهي في الحقيقة تتصرف تصرفات غريبة منذ بدء المفاوضات الحالية. لقد زارنا السيد موري الأسبوع الماضي هل تتذكرينه؟"

"بالطبع، كيف حاله؟"

"بخير. كان فقط ماراً بالمنزل فعرج ليقدم التحية. القصد أن نوريكو راحت تتكلم عن مفاوضات الزواج أمامه واتخذتْ ذات الموقف الحالي قائلة إن كل شيء قد بت فيه. كان الموقف غاية في الإحراج حتى إن السيد موري هنأني أيضاً وهو خارج وسألني عن مهنة العريس."

"فعلاً" قالت سيتسوكو وهي مستغرقة في التفكير. "لا بد أنك وجدت حرجاً كبيراً."

"لكنها ليست غلطة السيد موري. فقد سمعتيها بنفسك الآن. ما المفترض أن يظن الغريب؟"

تركتْ ابنتي الجواب على هذا وجلسنا في صمت عدة دقائق. وبينما كنت أتطلع إليها في مرة من المرات، وجدتُها تحملق إلى الحديقة بالخارج وهي تمسك فنجانها بكلتيّ يديها كأنما نسيت وجوده. كانت تلك واحدة من مرات عديدة خلال زيارتها الشهر الماضي ألفيت نفسي أتأمل مظهرها ربما بسبب الطريقة التي وقع بها الضوء على وجهها أو شيء من هذا القبيل. فما من شك أن سيتسوكو أصبحت أجمل مع تقدم سنوات عمرها. ففي صباها مسني وأمها القلق لأنها كانت عادية أكثر مما ينبغي حتى إنها لن تستطيع الفوز بزواج جيد. حتى وهي طفلة كانت لسيتسوكو ملامح رجولية بدأتْ تتضح في سن المراهقة، لدرجة أنه كلما تعاركتْ ابنتاي، كانت نوريكو دائمة التغلب على أختها الكبرى بمناداتها "يا صبي! يا صبي!" ومن يدري تأثير هذه الأمور على تكوين الشخصيات؟ هي ليست صدفة بالتأكيد أن نشأتْ نوريكو عنيدة ونشأتْ سيتسوكو خجولة ومنكمشة على نفسها. لكن يبدو أن مظهر سيتسوكو بعد أن شارفتْ الثلاثين بات الآن يتخذ وقاراًً جديداً لا تخطئه الأعين. يسعني تذكر والدتها وهي تتنبأ بهذا – كانت أكثر ما تقول: سوف تزهر ابنتنا سيتسوكو في الصيف. وقد خلتها فقط طريقة زوجتي لمواساة نفسها غير أني ذهلت بالفعل مراراً الشهر الماضي من صواب ظنها.

استيقظتْ سيتسوكو من حلم اليقظة الذي استغرقتْ فيه وأولت المنزل نظرة أخرى ثم قالت: "أحسب أن ما حدث العام الماضي نال من نوريكو، ربما أكثر مما تصورنا."

أرسلتُ تنهيدة وأومأتُ قائلاً: "احتمال أني لم أعرها الاهتمام الكافي وقتها."

"أنا متأكدة أن أبي بذل ما في وسعه. لكن بالطبع مثل هذه الأمور تمثل صفعة فظيعة للمرأة."

"لا بد أن أعترف أني خلتها تمثل قليلاً، كما تفعل أختك أحياناً. لقد أصرت على أنه 'زواج عن حب' وبالتالي عندما فشل اضطرت أن تتصرف وفقا لذلك. لكن ربما لم يكن كله تمثيلاً."

"لقد ضحكنا وقتذاك لكن عله كان زواجاً عن حب بالفعل."

عدنا إلى الإطراق، ومن داخل البيت أمكننا سماع صياح إشيرو المتكرر.

"عذراً" نبست سيتسوكو بصوت غريب. "لكن هل عرفنا أبداً سبب إخفاق طلب الزواج العام الماضي؟ لقد كانت خطوة غير متوقعة تماماً."

"ليس عندي أي علم بما حدث. الأمر بالكاد يعنينا الآن، أليس كذلك؟"

"بالتأكيد، عذراً." بدا لي أن أفكار سيتسوكو قد حامت حول شيء لحظة ثم استأنفتْ الكلام: "غاية الأمر أن سويشي يلح في سؤالي من آن لآخر عما جرى العام الماضي، عن سبب انسحاب آل مياك هكذا." ضحكتْ ضحكة واهنة، تقريبا لنفسها. "يبدو مقتنعاً أني أعلم سراً ما وأننا جميعاً نخفيه عنه. يتعين عليّ أن أطمئنه باستمرار أني أنا نفسي لا أعرف أي شيء."

قلت بقليل من البرود: "أؤكد لك أن المسألة لا تزال لغزاً بالنسبة لي مثلك تماماً. ولو كنت أفقه شيئاً، ما كنت لأحجبه عنك وعن سويشي."

"بالتأكيد. أرجوك أعذرني. ما كنت لألمح أن " ومرة أخرى تثاقلتْ كلماتها ارتباكاً.

ربما بدوت جافاً قليلاً مع ابنتي هذا الصباح لكنها لم تكن المرة الأولى التي تستجوبني فيها سيتسوكو بمثل هذا الأسلوب بشأن العام الماضي وانسحاب آل مياك. لماذا تحسبني أكتم شيئاً عنها، لا أدري. لو لدى آل مياك سبب خاص لتراجعهم على هذا النحو، فمن المنطقي أنهم لن يفضوا به إليّ.

تخميني الشخصي أنه لا يوجد أي شيء غير اعتيادي في المسألة. صحيح أن انسحابهم في اللحظات الأخيرة كان خارج التوقعات، لكن لِم يجب أن يظن المرء الظنون؟ إحساسي أن الأمر لا يخرج عن شعورهم بوضعية العائلة. فآل مياك، مما رأيته عليهم، من النوع المغرور الصريح الذي لن يستريح إلى فكرة زواج ابنهم من فتاة تفوقه اجتماعياً، بل لعلهم تراجعوا حقاً على نحو أسرع لو وقع ذلك منذ بضع سنوات. لكن مع ادعاء الاثنين أنه "زواج عن حب" ومع الحديث أيامها عن أساليب الحياة الجديدة، حل على آل مياك الاضطراب فيما إذا كانوا على الطريق المستقيم من عدمه. والتفسير بلا مراء ليس أعقد من ذلك.

من الجائز أيضاً أن ارتباكاً قد تولاهم لموافقتي الصريحة على الزواج. لأني أهملت التفكير في الوضع الاجتماعي، فغريزتي ببساطة لا تشغلني بمثل هذه المسائل. والحق أني لم أكن واعياً في أية مرحلة من حياتي لمكانتي الاجتماعية، بل إني غالباً ما أندهش الآن عندما يُذكرني حدث أو قول ذكره شخص ما بما أحظى به من احترام رفيع نوعاً ما. ففي إحدى الأمسيات مثلاً كنت في حي المتعة القديم الخاص بنا، أحتسي الخمر في حانة السيدة كاواكامي حيث ألفينا، أنا وشينتارو، نفسينا الزبونين الوحيدين مثلما يحدث على نحو متزايد هذه الأيام. كنا جالسين كالمعتاد على كرسيينا المرتفعين بالبار، نتبادل التعليقات مع السيدة كاواكامي، ومع مرور الساعات وعدم وفود زبائن آخرين، اصطبغتْ أحاديثنا بالمزيد من الألفة. كانت السيدة كاواكامي تتحدث ذات مرة عن أحد أقاربها وتشكو أن الشاب لم يستطع الحصول على وظيفة تتناسب مع قدراته عندما صاح شينتارو ذات فجأة: "لا بد أن ترسليه إلى المعلم يا أوباسان! وبتوصية جيدة من المعلم في المكان الصحيح لن يلبث قريبك أن يجد وظيفة جيدة."

اعترضتُ قائلاً: "ماذا تقول يا شينتارو؟ أنا الآن متقاعد. وليست لديّ اتصالات هذه الأيام."

ألح شينتارو: "إن توصية من رجل في مثل مكانة المعلم تستحق الاحترام من أي شخص. أرسلي الشاب إلى المعلم يا أوباسان."

طغى عليّ الاندهاش في البداية من اقتناع شينتارو بتأكيداته بيد أني أدركت ساعتئذ أنه ما زال يتذكر كل هذه السنوات ما أسديته إلى أخيه الأصغر من صنيع متواضع.

يرجع هذا إلى عام 1935 أو 1936 أو نحو ذلك، كان أمراً روتينياًً للغاية كما أتذكر خطاب توصية لأحد معارفي في وزارة الخارجية، شيء من هذا القبيل. ما كنت لأطيل التفكير في الأمر وقتها غير أني كنت أسترخي بالبيت بعد ظهيرة أحد الأيام حين أبلغتني زوجتي بقدوم زوار لي بالمدخل.

"أدخليهم من فضلك."

"لكنهما مصران ألا يزعجانك بالدخول."

خرجتُ إلى المدخل حيث وقف شينتارو وأخيه الأصغر الذي كان شاباً حينذاك. وما إن وقعتْ أعينهما عليّ حتى بدءا في الانحناء والقهقهة.

قلت لهما: "أرجوكما تفضلا." إلا أن غاية أمرهما أن استمرا في الانحناء والقهقهة. "من فضلك يا شينتارو، تقدم إلى الحصيرة."

"لا يا معلم." قال وهو لا ينقطع عن الابتسام والانحناء.

"إنها منتهى الوقاحة منا أن نأتي إلى منزلك هكذا، منتهى الوقاحة. لكننا ما استطعنا أن نلبث في البيت أكثر من ذلك بدون أن نوجه إليك شكرنا."

"فلتدخلا. أعتقد أن سيتسوكو تعد بعض الشاي."

"لا يا معلم. إنها منتهى الوقاحة حقاً." ثم تلفت شينتارو نحو أخيه هامساً بسرعة: "يوشيو‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! يوشيو!"

كف الشاب عن الانحناء للمرة الأولى ورفع إليّ وجه تعلوه العصبية ثم قال: "سوف أظل ممنوناً لك بقية عمري. سوف أجهد كل ذرة في كياني لأكون عند حسن ظن توصيتك بي. أؤكد لك أنني لن أخذلك. سأعمل جاهداً وأكافح من أجل إرضاء رؤسائي. ومهما شجعني أحد في المستقبل لن أنسى قط الرجل الذي مكنني من بدء مستقبلي."

"حقاً لم آت بشيء ذي بال. فأنت أهل للوظيفة."

حملهما هذا التعليق على سلسلة من الاعتراضات المهتاجة، ثم خاطب شينتارو أخيه: "يا يوشيو، لقد فرضنا نفسينا على المعلم بما يكفي. لكن قبل أن نغادر، تفرس مرة أخرى في وجه الرجل الذي عاونك. إن من حسن طالعنا أن رجل الخير الذي أحسن إلينا ينعم بمثل هذا النفوذ والكرم."

"بالفعل" غمغم الشاب وحدق في وجهي.

"من فضلك يا شينتارو. أنت تحرجني. تفضل لو سمحتَ لنحتفل بشرب بعض الساكي"

"لا يا معلم، لا بد أن نغادر الآن. إنها منتهى الوقاحة أن نأتي إلى هنا هكذا ونفسد عليك ظهيرتك لكننا لم نقدر أن نؤجل شكرك لحظة أخرى."

عليّ أن أعترف أن هذه الزيارة خلفتْ في سريرتي شعوراً بإنجاز ما بعده إنجاز. ففي وسط مهنة مشحونة لا تسمح بالتوقف والتقييم، كانت تلك إحدى اللحظات التي ألقت فجأة الضوء على ما آل إليه المرء تحديداً. الحقيقة هي أني بدأت مستقبلي بلا تفكير تقريباً، بدأتُه كشاب يعمل في مهنة جيدة. ومنذ أعوام قلائل كان لا يمكن تخيل مثل هذه المكانة، وسعني رغم ذلك تبوؤ مثل هذا المركز دون وعي من جانبي تقريباً.

أوضحتُ في تلك الليلة بحانة السيدة كاواكامي: "تبدلتْ أشياء كثيرة عما عهدنا في السابق يا شينتارو. أنا الآن متقاعد، وليس لديّ العديد من الاتصالات."

وعلى الرغم من كل ما أحيط به علماً، لعل شينتارو لم يكن مخطئا كلياً في افتراضاته. لعلي لو اخترت أن أختبر منزلتي، سأندهش من جديد من مدى نفوذي. فأنا كما