مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

 

تكرمت ريتشل كاديش بالموافقة على نشر قصتيّ "الجدال" و"نساء يحلمن بالقدس" في مجلة البوتقة.

Ms. Kadish was so kind to permit the publication of the Arabic texts of “The Argument and "Women Dreaming of Jerusalem" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Kadish a great debt of gratitude for her kind permission.

The Argument by Rachel Kadish. Copyright © 2002 by Rachel Kadish. Originally published in Zoetrope: All-Story, Vol. 6, No. 2, Summer 2002. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

"Women Dreaming of Jerusalem" by Rachel Kadish. Copyright © 1996 by Rachel Kadish. Originally published in Story, v44 #3, Autumn 1996. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

الجدال               نساء يحلمن بالقدس

ريتشل كاديش

تقديم: هالة صلاح الدين

Posted: Jul.-1-2006

Updated: Apr.-1- 2011

http://www.rachelkadish.com

 

 

زويتروب: أول ستوري صيف، 2002

 

 

طالع كرويتسر الجريدة. حسا حسوة من قهوة فاترة وهو يقرأ عن مرض يدعى أعراض الذاكرة المزيفة. إنها أعراض حديثة اكتُشفتْ للتو. يخال المرء أنه يتذكر حادثة بشعة ثم يتضح أنها لم تجر على الإطلاق. أرسل كرويتسر تنهيدة. تخيل. يا لها من راحة.

ذكّره ما اقتُبس من حوار واحدة من الفتيات بالجريدة بشخص ما لم يسعه الوقوف عليه. "لكن إن لم تكن قد حدثت مطلقاً،" قالت الفتاة، "لِم أشعر بمثل هذا الإحساس الفظيع؟"

~

دُهنت حجرة جاكبسون في بيت المسنين بالألوان الفاتحة. كان يرتدي سترة زرقتها فاتحة طالتها بعض البقع؛ انبسط على رجليه وشاح أصفر. إنها ألوان الربيع.

انصرف عقل جاكبسون اليوم إلى المتناقضات. "ما هو عكس الستارة؟" سأل ضيفه.

كان كرويتسر يتكأ بثقله على الحائط فما صدر عنه سوى زفرة. نزل به الإعياء لصعود السلالم الطويلة. مد بصره إلى الستائر وقد نضحت بضوء الشمس.

"سجادة،" أجاب جاكبسون. هز رأسه الأصلع صعوداً وهبوطاً لكرويتسر. ثمة بعض الفتات التقطتها لحيته.

ازدرد كرويتسر ريقه. هو ليس برجل قاس إلا أن أمامه مهمة لينجزها. ثمة سبب يدعو كرويتسر إلى استجواب جاكبسون: كان جاكبسون في حياته السابقة يُعرف أيضاً بالحاخام هارولد جاكبسون. إن الحاخام لا ينفك حاخاماً حتى وإن ظن أن رئيسة ’شعبة المرأة‘ هي جدة جدتها الميتة، حتى عندما يخبر خادم الكنيسة في حضرة أسرة الرجل بأكملها: طالما أضمرتُ لك إعجاباً يفوق إعجابي بزوجتك. أنتَ تتحلى بروح دعابة إنما هي فكئيبة، حتى عندما تمر عشر سنوات على انضمامه إلى الأبرشية ثم يتسبب عقله المرهَق في فصله، يظل الحاخام حاخاماً. ولا سيما حينما يكون على دراية بمكان صك الأرض التي يقف عليها المعبد، ورقة يحتاج إليها المعبد ليتجنب أداء رسوم قانونية إضافية من أجل المبنى الجديد.

قاربت الأبرشية على اليأس من العثور على الصك. فجعلت تفتش في جيوبها وتوكل المحامين. لم يكشف التنقيب في ملفات المعبد عن جديد. لم تعتر المفاجأة أحداً. إذ تعود الحاخام على إخفاء المستندات المهمة في أماكن لا يَطلع عليها مخلوق. الآن طار عقل جاكبسون إلى أعلى غصن بالشجرة ولن يفلح التملق في إرجاعه إلى الأرض. بل إن أصدقاء الحاخام القدامى جاهروا بيأسهم، ليس فقط من الصك بل من الكلمات – فقد بات من المستحيل تجاذب أطراف الحديث مع الرجل.

كان كرويتسر يقف ببرنس الحمام في المطبخ فيما كان رئيس الأبرشية يفصح عن التماسه بالهاتف. عنت لعقله هذه الفكرة: كانت الأبرشية تسأله زيارة جاكبسون أملاً في حث كرويتسر الأرمل على أن ينشط إلى المعبد مرة أخرى. إلا أن التدبر لم يطل بكرويتسر حتى فطن إلى أنه من المستبعد أن يراود الأبرشية هذا الأمل، الأرجح أن أعضاء الأبرشية يعتقدون أن كرويتسر، الذي كان في نفس سن جاكبسون، بوسعه أن يدلف إلى متاهة عقل الحاخام. وقع كرويتسر في الحيرة أيشعر بالإهانة أم لا؟

بيد أنه أبدى موافقته. والآن لا بد من تنفيذ المهمة على صعوبتها. نقل إليه رئيس الأبرشية أن الحاخام غير معتاد على الزوار. فزوجته وحدها هي التي لا تزال تعوده، تحيك بجوار سرير زوجها؛ يعلم كرويتسر أن الزوجة وزوجها ليسا في حاجة دائمة إلى كلمات تقال. أما عن ابن الحاخام، فقد أقعده سكنه البعيد عن الزيارة – هكذا تقول زوجة الحاخام التي تكن لولدها كل حب. يعرف الجميع أن الابن يعيش في مكان ما بعيداً عن مدينة جيرسي، في مكان تهطل به ثلوج يتزحلق عليها. الأدهى والأمر أن الابن انتقل إلى هذا المكان المجهول مع فتاة سوداء، زوجته. ومعاً يتزحلقان. حاول كرويتسر أن يجول بخياله. لا يجب أن يتزحلق السود. فليس بإمكانهم التناغم مع لون الثلج. اليهود أيضاً، تفكر كرويتسر، لا يجب أن يتزحلقوا. لو أراد الرب لهم تزحلقاً، لاصطفى النرويج أرضاً موعودة، لكَتبه في واحد من كتبه، كتاب الزحاليق.

"ما هو عكس دوريتو*؟" التقط جاكبسون رقاقة بطاطس من صينية الغداء.

كان الرجل حاخاماً، فكر كرويتسر. أجرى أحاديث مع الرب.

قلّب الحاخام جاكبسون بائساً الرقاقة في راحته.

"جاكبسون،" مال كرويتسر إلى الأمام ويداه تعتمدان على ركبتيه. انساقت عينا جاكبسون المحملقتان ناحيته كسفينة تهيم بلا دفة. "أيها الحاخام."

علا الفزع وجه الحاخام. ثم، وكرويتسر ينتظر، غلبت عليه الرزانة. "تفضل بالجلوس،" قال.

" أيها الحاخام، اسمح لي بسؤال."

لكن لا فائدة ترجى من السؤال. فرأس الحاخام يأبى أن ينفلق مثله مثل محارة ترفض إفشاء معلومة كاللؤلؤة الدقيقة. فالحاخام لم يسمع مطلقاً عن أي صك، كما تبين أنه لم يسمع مطلقاً عن المعبد.

أخرج كرويتسر كتاباً جلبه معه: إنه كتاب مقدس. عل بعض الدراسة لكلمات مألوفة ستساعد جاكبسون على استرجاع ذاكرته. لا ريب أن كل تلك السنوات من التدريب والدراسة المخلصة مودعة في محل ما بعقل الحاخام. ولو تمكن الحاخام من استدعاء هذه الذكريات، ربما سيستدعي غيرها. إلا إذا – توقف كرويتسر عند هذا الخاطر – كان تأمل المتناقضات هذا مجرد شفرة. أمن الممكن أن يكون الحاخام استحال إلى صوفي؟ أن يكون اختار النسيان – هجر تدريبه التلمودي وخدعهم جميعاً، انسل خلسة وراء الحياة اليومية وتوارى خلف غابات القبلانية*.

تطلع كرويتسر إلى الحاخام. بادله الحاخام نظرته بأختها ثم أطلق ريحاً مرتفع الصوت.

فتح كرويتسر الكتاب. وجّه كلامه إلى الحاخام في نبرة حشد لها ما استطاع من صبر. "سنبدأ بقوانين الطعام الحلال."

~

وقف كرويتسر الآن على الشخص الذي استحضره. ذكّرته فتاة الجريدة بابنته، مارجوري. مارجوري هي الأخرى استعملت كلمات مثل "فظيع." تلوث البيئة؟ فظيع. مواقف كرويتسر وزوجة كرويتسر وكل معارفهما: فظيعة. وكذلك كانت على الدوام حرب فيتنام. تفكر في مارجوري وهي في المدرسة الثانوية بمفرداتها "الفظيعة". تفكر فيها خلال الصيف الذي بلغت فيه الثانية والعشرين حينما حزمت أمتعتها في حقائب مستعارة ورحلت. لم تجد مدينة جيرسي قريبة بما يكفي. فكان لا بد أن تنتقل إلى وجهها رأساً لتتنفس نفَسها الملوث: مانهاتن. كفت عن مشاهدة الأفلام التجارية وأخذت تشاهد الأفلام الفنية. التقت بأناس مثل بورشا ونيكيتا، وخلال سنتين كانت قد تزوجت بعازف كمان.

عازف كمان.

والآن هذا، مارجوري تحمل أخباراً.

~

إن لقاء الحاخام مرة أخرى لهو لقاء مرير. تدبر كرويتسر وهو يراقب جاكبسون يفرز خليط الفواكه في كوبه بملعقة شاي يرتفع منها صرير. ما كان مريراً لاعتلال صحة الرجل؛ فالحاخام لا يكابد ألماً. يبلغ جاكبسون اليوم ثمانية أعوام. لم يتول هتلر زمام السلطة، يوّقع أعضاء فريق ’بروكلين دودجرز‘ كرات البيسبول حتى وإن أعطاها لهم صبيان يهود. يعيش جاكبسون في حال من السعادة.

كان مريراً لما افتقر إليه من إنصاف.

كان الحاخام جاكبسون يتميز بثقافته الواسعة. قلة من الناس كانت تعلم بما يخفيه كرويتسر من تقدير له؛ إذ كان لا يجاهر سوى بنقائص الحاخام. بيد أن كرويتسر استمتع لمدة عشرين سنة بما كان يقيمه من طقوس في أصباح أيام الآحاد. كانت زوجته تكنس المطبخ وابنته مارجوري تجلس بالطابق العلوي تستمع إلى المذياع؛ أما جابريل، ابن كرويتسر المجتهد، فكان يطالع الجريدة فيما يمرر إليه كرويتسر المقطع بعد الآخر. وبعد أن يأتي كرويتسر على قراءة الأخبار، يجلس إلى مائدة القهوة ليشرع في كتابة خطابه. إلى الحاخام جاكبسون مع تحياتي، كتب يقول. كان أحياناً يقرأ بصوت عال لجابريل وهو يكتب. لقد حضرتُ موعظتك هذا السبت.

وبالرغم أني أحترم نواياك في انتقاء موضوعك، أنا من رأيي أنك قد جانبك الصواب على النحو التالي.

أغفل تفاصيل معينة وأبدى نزعات ليبرالية في تأويل النص مما ألفى له كرويتسر انزعاجاً. خط كرويتسر بحروف متعجلة، أنت دوناً عن كل الناس سوف تتفق معي على أن طبيعتنا كيهود هي المحافظة على تقاليدنا. خالجه ضيق لأن جاكبسون لم يَذكر معلقين ثانويين خالفوه الرأي في أحد التفسيرات، حتى لو أجمع الكل على أنه من الواضح أن الأغلبية على حق. كان الواجب أن ينوه الحاخام في موعظته بالمعارضين بهدف توخي الدقة. هناك أيضاً اختلافاتهما حول دولة إسرائيل – اختلافات لم تكن جوهرية كما أقر كرويتسر. غير أن تكوين أية دولة يتطلب مراعاة كل الفوارق الطفيفة، لذا أخذ على عاتقه مهمة تصحيح الحاخام جاكبسون عندما يشرد عن الصواب.

عندما ينخرط كرويتسر في الجدال، يلحق التوتر بعضلاته وتزفر الدماء بعروقه. داخله إحساس بأن هذا هو الحق. لم تكن الحياة هينة وعلى شاكلتها كان الجدال إنما لا غنى عن الاثنين. عندما كان كرويتسر صبياً بمدرسة اليهود الابتدائية، كان الحاخامات يبادلونه الكلام عن روحه. لم ينطق الحاخامات بهذه الكلمة لكن حينما كانوا يشجعون الصبية على مناقشة سطر واحد من الكتاب المقدس لمدة ساعات، كان كرويتسر يدرك أن هذه هي غايتهم. لا أحد يستسهل الكلام عن الأرواح ولا حتى الحاخامات. في ممر المدرسة الحكومية عندما تُغلق الخزائن غلقاً يصم الآذان وينهال زملاؤه بفريق حصة الألعاب عليه باللعنات، كان اسمه كرويتسر. أما خلال ساعات المساء الرائقة بالمدرسة اليهودية، فكان يدعى ديفيد. حوّر الحاخامات اسمه، فأمسى ’دوفيديل،‘ اسم تصغير لديفيد. ترفقوا بدوفيديل وهم يعلمونه الوضعية السليمة للصلاة الأسمى: ثلاث انحناءات، خطوة إلى الخلف عند إتمام الصلاة، فالمرء لا ينبغي قط أن يدْبر الرب. بعد أن انضم صبي آخر إلى كرويتسر – فاليهودي يجب أن يستذكر مع زميل يتشاور معه في بلاط الحَكم الحق الأوحد – تعلم دوفيديل مهارات الجدال. عندما يناقش عباد الرب نواميسه، يعرف أنهم يحبونه. فالإيمان الحقيقي، حسبما علّمه الحاخامات، جدال يأبى الحل. تجادل اليهود؛ علت ضحكات الرب في سماواته وتقلب في الرضا. كم أحب ما يبذلونه من جهد. ذات مرة جعلوا صِبية المَدرسة اليهودية يكتبون مقالات لمدة أسبوع، ليس بما ألِفوه من أبجدية عبرية، إنما بألفباء مائلة كان الحكيم العظيم راشي يكتب بها. حتى خط العالِم -- قال الحاخامات بلهجة لم تخل من جدية والصِبية يعملون -- حتى أتفه التواء أضافه إلى حروف الأبجدية العبرية في استعجاله كي يسجل أفكاره في الرَق، لا بد من الحفاظ عليه. لقد كافأ الرب اليقظة؛ كافأ الرب التفاني؛ لا تغاض عن أهون فارق.

على بعد صف من المباني من المدرسة اليهودية، انتظر الصبية الإيطاليون والسود من مدرسة ليونارد يانج الابتدائية ليبرحوا روحاً يهودية ضرباً إلى أن تسيل الدماء من أنفها وتبكي دموعاً حارة مخزية. لم يملك كرويتسر أن يسأل من بيته العون؛ فقد كان يدلف إلى المدخل في الأمسيات على أطراف أصابعه لئلا يشتت انتباه أبيه وهو يجلس إلى مائدة المطبخ قلقاً حول دفاتر مكتبه المتعثر الخاص بالعقارات. كانت والدة كرويتسر ترتاع من أقل شيء، ولو اتصل بها الخبر، لأبت إلا أن ترافقه إلى البيت من المدرسة اليهودية؛ وسيراه الصبية الآخرون. اتجه ديفيد كرويتسر إلى الرب. تصفح التوراة وقرأ أن موسى حامى عن أهله ضد مراقب العبيد. ففطن إلى أن الرب أراد منه أن يرد الضربة بمثلها. كان كرويتسر في الحادي عشر من عمره. همس بصلواته ثم تقدم خارجاً من باب المدرسة اليهودية. أُفضل أن تهشم وجوههم يدي على أن يخيب أمل الرب في واحد من عباده، كرر كرويتسر هذه الجملة في سره والصبية يدنون منه. أرشد الرب قبضته إلى وجه أنتوني مارسيتي. بعدها لم يمسسه الأولاد الإيطاليون والسود. كان الرب كريماً من نواح أخرى أيضاً. لم يكن دوفيديل أذكى الأولاد، قال الحاخامات، إلا أنه جد في المذاكرة. حضر والد كرويتسر كي يأخذه مبكراً ليمضيا إلى نزهة خلال العطلة الأسبوعية، نزهة ندر أن قاما بها. تحول الحاخام إلى الرجل المتململ بالمدخل في انتظار ابنه ومدحه عالياً بكلمات تناهت إلى آذان الجميع: الولد يفكر.

كان كرويتسر يطوي خطابه الموجه إلى الحاخام جاكبسون وهو يشرح لابنه جابريل أنه لا يزعم أن كتابة مقال بخط برجل مات منذ تسعة قرون هي الطريقة الوحيدة للتعلم، إلا أنها ببساطة تلقن مبدأ.

أقبلت ردود الحاخام يوم الأربعاء. كانت تبدأ على عجلة. كان الحاخام جاكبسون على عجلة، عجلة تكفي لأن تنذر كرويتسر أنه خطاب وجيز غير أن إيجازه لن يحول دون أن يدافع عن نفسه في كل نقطة. ملأ تفنيده صفحة من أوراق المعبد، أحياناً على وجهها وظهرها. انصرمت سنوات كان الحاخام يرد فيها ردوداً معتدلة – لقد أعدت قراءة النص كما اقترحتَ. وفي حين أرى أنك مخطئ، لم يغب عني حقاً من أين نبع تفسيرك. لكن في أوقات أخرى، ولا سيما خلال العام الذي أحضر ابنه فيه خطيبته إلى المنزل ومعه حفنة من كتيبات النمر الأسود*، كانت خطابات الحاخام أطول من خطابات كرويتسر. هل تنكر حكمة حكمائنا العظام؟ هل يجب أن تسخر من التعاليم؟ صرخت حروف الحاخام السميكة بالورقة التي أمسك بها كرويتسر.

لكن على المستوى الشخصي كان والحاخام يتعاملان تعاملاً مهذباً وإن لم يته عن كرويتسر أن الحاخام يقف على الجانب الآخر من الغرفة أثناء اجتماعات المعبد. لم يكترث كرويتسر للأمر؛ فأي حاخام في حاجة إلى من يجعله على أهبة الاستعداد. كان اليهود يدرسون في أزواج. هذه هي طبيعة العالم. صار كرويتسر ينظر إلى الأمر بعين الواجب. فكان يلزم البيت متخلفاً عن حفلات الشواء بالأفنية الخلفية ومباريات البوكر كي يكتب خطاباته.

الآن ارتدت الذاكرة عن الحاخام هارولد جاكبسون، شريكه القديم في الجدال، شأنه شأن تلميذ يمضي عطلة. يا للعار – هي طريقة الجبان في الهروب من الجدال. لم يكن الخزي أن يتملص الحاخام من جدال مع كرويتسر. كمِن الخزي في جدال آخر كان الحاخام يحاول التهرب منه: جدال مع الرب.

كان كرويتسر يجلس قبالة الحاخام – والكتاب مفتوح فوق المائدة بين الاثنين –عندما تعوذ بالصمت. قضى الساعة الأخيرة يقود الحاخام عبر التفكير الشرعي. يغامر الآن بامتحانه. "لمّا يتفق أن يلامس قِدر طعام حلال معدناً يُطبخ فيه طعام ليس حلالاً، ما هو الحُكم هنا؟"

 "لو كان المعدن بارداً، فهو حلال،" أجاب الحاخام بلسان لا تردد فيه. "لو كان ساخناً، لا بد من إعادة تطهير القدر."

غشي كرويتسر إحساس بالفخر. داهن كرويتسر الصبور الحاخام إلى أن استعاد ذاكرته النفيسة. الآن سيدفعه إلى الاعتراف بموقع الصك.

أغلقا الكتاب؛ أومأ كرويتسر إلى جاكبسون إيماءة انطوت على شيء من الوقار.

"ما هو عكس العنكبوت،" سأل الحاخام كرويتسر بنبرة تمتلئ سعادة.

ألصق كرويتسر يداً بصدره. باغته نبض يرتطم بضلوعه، هل هي أزمة قلبية؟ شعر بأنه لا يستطيع احتمال هذا التوتر المتناهي دقيقة أخرى. عراه شعور بأنه يبغض الحاخام.

~

لم يتعمد أن يلحق أية إهانة بغير اليهوديات. كل ما في الأمر هو أنه كان يصرح بواحدة من الحقائق. لمّا كانت مارجوري فتاة صغيرة، قتلت الفتيات غير اليهوديات ’مو روث‘، جاره بالشقة المجاورة. كانت مارجوري تستفسر، ماذا جري للأسرة التي كانت تسكن الشقة المجاورة لنا منذ كل تلك السنوات؟ هكذا كان كرويتسر يحكى لها. ألّفت الفتيات نقابة بمصنع مو وقد أودى ما نتج عنها من ضغط بحياته. كان مو رئيساً طيباً. لم يكن ثمة حاجة إلى النقابة.

إلا أن غضباً تولى مارجوري – سمياها على اسم والدة أيريس، مالكا. "إن عنصريتك لصاعقة،" قالت مارجوري. خال كرويتسر العنصرية تنطبق على الزنوج والبيض فقط. التزم الحرص فيما يخص الزنوج، فيما يخص السود، صحح لنفسه. الأمريكيون الأفارقة. لكن لم ينبئه أحد أن سيرة غير اليهوديات داخلة في الحساب. "هل لديك أية خطط أياً كانت لزيارة العصر الحديث؟" لم تفرغ مارجوري من تقريعها. "أتمنى ولا شك أن تخبرنا لو ستجيء. سوف نترك لك نور الردهة مضاء." كانت مارجوري طويلة اللسان. طالما رامت شيئاً مختلفاً عما تقدمه إليها. نشاطات إلى جانب المدرسة، دروس في الجيتار، طعام بالأعشاب البحرية – كطعام اليابانيين – بدا لعين الناظر وكأن يابانياً قد أصاب منه من قبل. عندما كانت أيريس على قيد الحياة، كانت تتقدم للدفاع. إنه عالم جديد، قالت أيريس. فلنهيأ لابنتنا الفرصة لاستكشافه.

"إنه عالم جديد." وقفت مارجوري ويداها تستندان إلى وركيها. "في حال لم تلحظ، في حال لم تلحظ يا أبي، أنت ديناصور."

ويوري، يوري عازف الكمان الذي تهود فقط كي تستطيع الآن ابنة كرويتسر أن تغض الطرف عن كل ما عرفته طيلة حياتها عن العادات اليهودية – بل كي تقيم شجرة عيد الميلاد بحجرة الجلوس في حين لا تنفك تصف منزلها بأنه منزل يهودي لأن الأوراق الرسمية تقول بأن الاثنين القاطنين به يدينان باليهودية. أنا بيتي بيت يهودي بالفعل يا أبي. والبيت في ذلك شأنه شأن الشيء الذي تقطعه ومهما بدر منه بعدئذ، لا يفتأ جزءاً من القبيلة؛ حتى لو خرج المنزل ليتناول سجقاً من لحم الخنزير ويسيغه باللبن طوال الليل*، لمّا يُنزل سرواله ليبول، سيجد الرسالة لا تزال منقوشة هناك على عضادة الباب: لا أزال يهودياً.

ثبّت يوري عازف الكمان يديه فوق منكبيّ مارجوري. "هوني عليك يا حبيبتي،" قال.

أطبقت مارجوري شفتيها.

حار كرويتسر في انجذاب النساء إلى عازفي الكمان.

~

الآن يجافيه النوم على حين غرة. كان كرويتسر يستغرق دوماً في أحلامه كما الطفل بيد أنه يرقد الآن محملقاً في الظلال. أمست دماغه كالنافورة؛ كل ما يعلمه يتراكم داخل عقله. لا يملك أن يمنع حنفية النافورة من الجريان. تهدد التفاصيل بأن يطفح عقله: عنوان رجل اشتغل معه مرة، شخصان التقى بهما وقالا إنهما سيدعوانه على العشاء. أهو واثق من أنه كتب نمرة تليفونهما صحيحة بمفكرته؟ تراءت رجلا البيجامة باليتين تحت ضوء مصباح السرير. ذكّرته خطوطها بأردية السجن؛ انتهى عن هذا الخاطر إلا أنه لم يستطع أن يمنع دماغه من الحوم حول مكان آخر. ها هنا رقم الزوجين بخط يده في المفكرة. هل يتصل؟ يقبل دعوة اجتماعية ويخرج للاختلاط بالناس كما ألح عليه الجميع عقب وفاة أيريس؟ لو امتد بأيريس العمر، لأمرته بأن يمتنع عن القلق ويتصل بهما. ديفيد، كانت ستخاطبه، لا يعيب الرجل سعيه إلى الصحبة. لا، صحح كرويتسر لنفسه: لن تقول ذلك. كانت ستتصل بنفسها.

هزت الساعة بطاقة رقيقة: حانت الثالثة وخمس وعشرون دقيقة صباحاً. عله سيُجري الاتصال مع ضوء النهار.

عندما ذاق كرويتسر للنوم طعماً أخيراً، لم يكن يحلم حلماً مألوفاً. لم يسعه أن يحلم سوى بما هو حقيقي، بما لا يسمح لنفسه بالتفكير فيه خلال ساعات استيقاظه. أفكار تسدد اللكمات في الظلمة فيتجرع عذاباً. لم يدر سبباً في حدوث هذا على بغتة لكن لا مراء في شيء واحد: تصيبه تلك الأحلام كل ليلة منذ وردت إليه أخبار مارجوري.

حلم بأن ابنه جابريل ارتد إلى عمر السابعة عشر. كان يُبلغ كرويتسر بأنه يفكر في أن يصير حاخاماً. انثالت على كرويتسر الخيالات: ابنه قائماً عند المنبر؛ تتعالى كلمات ابنه الحاخام فيما يجلس المصلون في حالة من الجذل. غير أنه لم يفه أمام جابريل سوى بـ طيب، يحسب الجميع أن في استطاعتهم أن ينقلبوا أحباراً. لم يُطلع جابريل على سعادته مثلما لم يُطلعه على ما دهاه من خيبة أمل عندما اختار أن يصبح طبيباً.

انسل كرويتسر من النوم، ضغط على جبهته براحة ثقيلة، هو لا يحلم إنما تتوارد عليه الذكريات. استدعى بعقله الصاحي نافورة يراق ماؤها، عجز الآن عن أن يصرف ما أتاه من أفكار، أفكار حول ابنه جابريل، أحد الأطباء العاملين بآسيا إبان الحرب. أبصر كرويتسر مارجوري ثانية. كانت تتظاهر بحرم الكلية في الوقت الذي يتم فيه جابريل تدريب كلية الطب ويقدم طلباً ليصبح ضابطاً بسلاح الطيران. "إما أن أصير ضابطاً بسلاح الطيران وإما أن أتجند بالجيش،" أعلم جابريل أخته بعد أن أشاحت بظهرها عنه. "على الأقل سأختار المكان الذي سأؤول إليه." لم تخاطبه مارجوري. "اهرب إلى كندا،" كتبت على ورقة ألقتها في وجه أخيها قبل أن تمرق غاضبة من باب الحجرة. "فِر إلى روسيا. تحل ببعض الخيال."

"إن تايلاند بلد جميلة،" قال جابريل بخطاب بعثه في ذلك الربيع. "وإن فاحت رائحة كريهة عند الاقتراب من القنوات."

~

طالت ساقا الكرسي الجالس عليه كرويتسر على نحو يوحي بالضعف. تخيلهما تنكسران وثقله ينهار على الأرضية. كان كيساً من الدقيق، كيساً من الجريش، كيساً يحوى ماذا؟ لا يدري. كان شيئاً ناعماً أثقل من المعقول. تخيل الممرضات ببيت المسنين يحثثن الخطى لمعاونته. ارتسم الحاخام بخيال كرويتسر قاعداً يتفرج عليه وهو سابح في الدقيق. تلوح بطنه ونمش الشيخوخة ووجهه المنهك الباهت. استغرق وجه الحاخام في التفكير.

قال كرويتسر للحاخام، "كنتَ تختم خطاباتك بنفس الأسلوب في كل مرة. شكراً على استجابتك إلى شعائري. قل لي يا جاكبسون. هل يعلمونك أن تكتب هذا بمدرسة الأحبار؟"

نظر الحاخام إلى كرويتسر كالناظر إلى شكل لمحه عبر حائط من الطوب الزجاجي.

عاده كرويتسر لمدة ثلاثة أسابيع وتلك كانت جائزته: يرفض جاكبسون اليوم مجرد التعرف عليه. شطر كرويتسر كعكته ومرر نصفاً عبر المائدة. تمتم الحاخام بدعاء – وكان الدعاء الصحيح – ثم قضم قضمة تناثرت لها حبات من السكر اللامع فوق سترته.

"هل تساءلتَ،" سأل كرويتسر، "عن سبب توقفي عن مراسلتك؟"

تحرص الحاخام وهو يلتقط حبات السكر من سترته ليضعها على لسانه.

"هل تساءلتَ عن سبب توقفي عن الذهاب إلى المعبد عدا خلال الأعياد الكبرى*؟"

 أومأ الحاخام إيماءة نمت عن سروره.

استقر فوق عتبة النافذة بغرفة جاكبسون ظرف قادم من ولاية يتزحلق بها الناس. أي ابن، حتى العاصي لأبيه، يبعث بخطاب من آن لآخر. إنهم يلقون الحيرة في الأنفس، هؤلاء الأطفال بكل ما فيهم من تمرد وعند. هذا الابن سينسجم مع مارجوري الانسجام كله لو حصل وتقابلا. هَم كرويتسر بمشاركة الحاخام في هذا الخاطر غير أنه لاحظ أن أحداً لم يفض خطاب الابن. داهمه في نفس تلك اللحظة مشهد سريع: أغلق عينيه الملتهبتين ليرى ابنه جابريل يرحل إلى تايلاند من غير كلمة وداع واحدة من أخته. التقت عيناه بخطابات جابريل المرسلة إلى مارجوري بالبريد الجوي وقد تجعدت مغلقة بسلة المهملات. وبما أن لا ارتياح يتحقق من مقاطعة شخص في آخر الدنيا، فقد أحجمت مارجوري، الطالبة في السنة الأولى من الكلية، عن مخاطبة كرويتسر.

أرغم كرويتسر عينيه على الانفتاح ثم تدبر: في استطاعة الشبان والشابات أن يعتقدوا أن آباءهم لا يفقهون أي شيء في أي شيء. في استطاعتهم أن يحشوا رؤوسهم بالأفكار الليبرالية. يتزوجون أناساً يعزفون على الكمان فوق منحدرات الثلوج. يركضون عبر الغابات وهم يدخنون الماريجوانا. تصورهم كرويتسر وهم يمزجون الماريجوانا بقهوة الصباح.

كان هو والحاخام أكثر دراية بالدنيا. يعلمان أن الحياة ليست هزلاً. فقد تجادلا في التفاسير معاً. تجادلا في حكم ستة رؤساء وثلاث حروب بالشرق الأوسط. يحتفظ كرويتسر في منزله بخطابين تعزية من الحاخام. معاً خبرا الحياة.

 إلا أن كرويتسر لا يعلم الآن ما الذي جد. بوسعه أن يستشعر ثقل الهواء بالحجرة يضغط عليه. كان هواء أثقل من أي هواء استنشقه في حياته.

"أنا ديناصور،" أنهى إلى جاكبسون.

رانت على الحاخام ابتسامة ندية بالود. "وأنا أيضاً."

"علك،" قال كرويتسر في تسليم. "لكنك ستصبح غداً فراشة. ويوم الثلاثاء ستكون حصاناً أو نقاراً للخشب. أما أنا؟ فسأظل ديناصوراً."

تحسس الحاخام لحيته متفكراً.

~

يحسب كرويتسر أنه وقف على سبب مخاصمة النوم له. كان عدم إنجاب ابنته مارجوري أطفال سراً خافياً عليه. كانت أيريس لتسألها بيد أن أيريس غابت قبل أن يلاحظ أحد أن مارجوري نست أن تنجب.

ولأنه لا يدري سبباً في عدم إنجابها كل هذه المدة، كان الداعي لقرار مارجوري بالإنجاب الآن وهي في الأربعين لغزاً آخر يتصدى لكرويتسر. لكنها الآن تحمل طفلاً. انقضى ما يزيد على الأسبوع منذ قادت وعازف الكمان إلى مدينة جيرسي لإطلاعه. ثمة شيء شديد الأهمية يداخل حمل مارجوري، شديد الخطورة. فالحمل أشبه بآية من آيات التوراة؛ يصرخ طالباً التفسير. أنفق كرويتسر أياماً يحاول دون جدوى التوصل إلى معناه. فلم يتمكن من التوغل في التفسير إلى أبعد من هذا – معناه أنها سترزق طفلاً.

~

دعاه داع مستعص على الإدراك إلى تنظيف عُلية منزله. فاكتشف داخل علبة تقع تحت أحد الصناديق مفكرة لا بد وأن أيريس انتشلتها من الزبالة، كانت تذكاراً من زمن الصبا. خطت يد عرفت الاجتهاد أبجدية الحكيم العظيم راشي في الهوامش. "وراح إبراهيم آخذاً الخروف ليقدمه قرباناً بدلاً من ابنه." يُعلمنا راشي: كان الخروف في انتظار هذه المهمة منذ أيام الخلق الستة.

اصطحب كرويتسر المفكرة إلى الطابق السفلي ثم إلى سريره. افترض افتراضاً لا تنقصه الحماقة أنها قد تعاونه على النوم. وشأن جاسوس يختلس النظرات تفرس مجدداً في المفكرة قبل أن يغلق النور. بداخلها كلمات انكتبت بخط يعود إلى قرون خلت. تراجعت أيام صبا كرويتسر السنة بعد الأخرى دون وعي منه. تلوح له الآن في مثل قِدم هذا الجدال الواقع منذ تسعة قرون مضت. لا مراء مع ذلك أنه كان في يوم من الأيام صبياً: قبل القمر الصناعي سبوتنيك، قبل هتلر، قبل أن يبرح فريق دودجرز بروكلين. ثم أضحى مراهقاً مهزول الجسم. كان بكراً عندما تزوج أيريس، وهي كذلك. كانت ليلتها تتعثر في الخجل، فاضطر إلى أن يتعلم الجرأة وإلا لن يصبحا قط زوجين. درت لها حناياه حباً طاغياً، عيناها الرماديتان، يداها الشاحبتان تشيان بالخجل ليلتها وكل ليلة. صار بعدها أباً، صار رجلاً في العالم. ضاعت منه تلك السنوات. عندما يحاول التفكير فيها، لا يستحضر أكثر من إنهاء صلوات الصباح: نزعه لحجابه* وتزريره لقميصه. خرج من باب المنزل وهو لا يدري كيف طرأ هذا. لا يدري سبباً في الغموض الذي يلف زوجته وطفليه وهما يكبران فيما يستحضره من صور لتلك السنوات اللاتي كانوا فيها جميعاً صغاراً. ما استشعر الواقعية خلال هذا الأسبوع الأخير إلا في المشاق: الذكريات اللاتي نبذها بكل ما أوتي من قوة عادت لتطارده. شحذ عزمه في محاولة منه لاستحضار وجه زوجته؛ بدلاً منه أبصر أمام عينيه الوجه الوحيد في هذا العالم الذي يشبه وجهها. كان كرويتسر عاجزاً عجز من يرى فلماً على شاشة أمامه وهو يشهد المرة الوحيدة التي كاد يضرب فيها مارجوري، كانت بعد أسابيع من زيارة مهيبة قام بها أحد ضباط سلاح الطيران. كانت مارجوري في العشرين عام 1971. دخلت المنزل عند انتصاف الليل وتعثرت بالباب. صحا كرويتسر وزوجته من النوم وهرعا صامتين إلى حجرة الجلوس ليلفياها تركل الباب لاعنة الألم. تلفظ ابنتهما في ثورتها بكلمات وقحة، أوحت طبيعتها بأنها قد تسلم نفسها لأي رجل مقابل أبخس الأثمان. تجمدت أوصال كرويتسر. أراد أن يهزها ليوقظها من هذا الجنون الذي ساد بيته منذ وصلت أخبار تايلاند. صاح باسم مارجوري؛ رمقته بعينين لم يتعرف عليهما، عينين لا بريق فيهما تفوران هيجاناًً، كانتا مرآة مشوهة تعكس عينيّ أيريس الرماديتين. هو الآن متثبت من المصيبة، متثبت من أنها الماريجوانا. التفت كرويتسر إلى زوجته. فوقع ما لم يقع البتة من قبل: حملقت أيريس في وجهه بعينين تكاد تنفذان منه. لم يتعرف كرويتسر على عينيّ زوجته. لا قدرة لديه على التحكم في أي شيء بهذا العالم. ثم ما هي إلا وقد ندت صيحة عن أيريس وحوت مارجوري بين ذراعيها، لن تدعه يقترب منها. التقط كرويتسر كلمات ابنته المكتومة وهي تنشج في قميص أمها: أنا أكرهه.

قرأ مذكرات مارجوري في ذلك الأسبوع. حقنتُ المخدرات مع جيمز وبورشا بشقة بورشا في ساعة متأخرة من الظهيرة. لم يقو كرويتسر على إغلاق المذكرات. ذلك الإحساس عندما تستولي على نبضك ليقاومها جسدك في البداية غير أنك تستسلم بعد وهلة لذلك الإيقاع الجديد لتحل عليك السكينة. قلتُ لجيمز، ألا ترتاع حينما تجعل قلبك يقفز داخل صدرك، يشملني نفس الإحساس لمّا نشغل الجاز بمذياع السيارة والصوت جهير يقرع الآذان والنوافذ مغلقة بإحكام. أجاب جيمز، أجل، ذلك هو الشعور تماماً. أظن جيمز معجباً بي. للمرة الأولى لم أفكر في هذه الظهيرة في قطع وريدي. أغلق كرويتسر اليوميات. هو ليس بأب، ليس برجل. هو لا شيء. نمى إليه طرق على الباب؛ يريد الحاخام هارولد جاكبسون أن يعد حفل تأبين بمناسبة مرور شهر على وفاة جابريل. أغلق كرويتسر الباب في وجه الحاخام. هو لا يدري مَن هو جيمز ولا أين تقضي ابنته وقتها إلا أنه يريد أن يصيح عليها، إن خسارة أمك لفادحة. أنا لا أستحق الغفران لكنك لا زلت صغيرة. لا تجيئي بما لا يمكن غفرانه. لا تكسري قلب أمك.

يا لقسوة الذاكرة. الأيام التي يروق كرويتسر معايشتها ثانية، الأيام الحلوة، انمحت من ذاكرته. كيف تتلاشى الأيام الحلوة؟ كيف يتلاشى المرء من نفسه؟ لكن هذا صحيح: فهذه المفكرة العتيقة من أيام المدرسة اليهودية وخطابات الحاخام جاكبسون هي الدليل الأوحد لدى كرويتسر على أن هناك حياة تبددت. الآن تدوم أطياف الليل حوله في الأصباح؛ تراءى ما نما من لحيته أبيض اللون. إنه رجل عجوز. يتوق أكثر ما يتوق إلى خيط واحد من جدال يجتاز به هذا الأرق – جدال يتخلله خفقان لا تخطئه القلوب اعتاد أن يلمس معه غمغمة الرب. ود لو يرفع دعوى أمام محكمة الأحبار القديمة؛ تخايل لعينيه المجلس الأعلى للقضاء منعقداً للاستماع إلى حجته. لو أن كرويتسر لا يملك استدعاء الأوقات الحلوة، لو أنه لا يستطيع أن يُعيد إلى ذهنه سنوات البراءة، فهو يرغب في اغتيال أيام التعاسة. هل سيذنب في حقها؟ أحال كرويتسر عريضة إلى الحكماء المجتمعين: لو قتل رجل عاماً، ما هو عقابه؟ لو اغتال يوماً رن فيه جرس الباب رنيناً أزعج السامعين، يوماً وطأ فيه ضابط بسلاح الطيران رواق منزله، ما هي العقوبة؟ اختلفت الآراء. لو قتل يوم رجلاً، أفتى الحكماء بأن ألفيّ روح قد ضاعت. طرح أول حاخام السؤال، مَن هو القتيل: اليوم أم الرجل؟ قال حاخام آخر، إن لم يمت أحد، فلا بد من التضحية بمعزة. لو قضى كلاهما، أصر حاخام ثالث، يُذبح ثور الرجل وتُقسم قيمته بين أفراد أسرته. رح إلى السوق وسَعّر يوماً لم يطله جرح ثم عَوّض الطرف المظلوم خسارة القيمة.

قض على كرويتسر المضجع.

~

أدار قرص الهاتف مع انشقاق الفجر. "أخبريني، هل تحتاجين إلى أي شيء من أجل الطفل؟"

مرت برهة طويلة من الصمت. "بابا؟" قالت مارجوري.

ساوره الندم من فوره على حماقته. لقد أهانها. ابنته سيدة كبيرة وسرعان ما ستصبح بحق سيدة ضخمة. لِم ستكون في حاجة إلى شيء منه؟ "أنتِ أكيد لست محتاجة إلى شيء،" قال.

ارتفع في الخلفية صوت عازف الكمان يتثاءب. "من يتكلم يا حبيبتي؟"

بدا صوت مارجوري غريباً لأذنيه. "لا يا بابا،" ردت. "لا أظنني محتاجة إلى شيء."

~

أخذ كرويتسر النعاس. كانت الشمس تضغط بأشعتها الوردية على جفنيه المنتفخين عندما زاره جابريل. بابا، استهل كلامه. سد كرويتسر أذنيه. يحاول جابريل أن يغفر له إلا أن كرويتسر يأبى أن يُنعَم عليه بالغفران. وإصبعاه يسدان أذنيه، أنعم النظر إلى ابنه وهو يحاول عبثاً مخاطبته. كان الولد ملوح البشرة. نبضت عيناه – بنيتان مشربتان بالاخضرار كعينيّ كرويتسر – بوداعة لا تزول حتى إن خوفاً نال من كرويتسر على الولد. الآن ترفض هاتان العينان أن تحكم بالإدانة. أنت أبي، قال جابريل.

وأنت ابني.

استيقظ وهو يتصبب عرقاً. تصاعد رنين الهاتف. مارجوري على الطرف الآخر ترد على مكالمته. كان كرويتسر يقبض على السماعة عندما لمح الساعة وأدرك أن ساعة الصلاة قد آنت. تخاطفت الأفكار عقله. لو علمت ابنته أنه كف عن الصلاة، ستظنه معترفاً بأنها كانت صائبة بزواجها من عازف الكمان. لذا قال لها كرويتسر، "سأتصل بكِ مرة ثانية. حلّ ميعاد الصلاة." 

رصد ناظراه الساعة ثم اتصل بها بعد عشرين دقيقة.

"متى ستقصد المقبرة غداً؟" سألته مارجوري

وجد شيئاً خاطئاً في سؤال مارجوري. استشعر كرويتسر ذلك في أعماقه. لا ينبغي أن تتواجد مارجوري بالمقبرة. ليس متيقناً بعد من السبب لكنه متأكد من أنها لا يجب أن تذهب – بعد أن أصبحت الآن حاملاً. حافظ كرويتسر على لهجته العاقلة. "ممكن تقعي،" قال.

"أنا بخير،" ردت مارجوري. "أنا أقوى منك."

"نحن لن نذهب هذا العام،" قال في إصرار. "هذا خطر عليكِ."

أطلقت مارجوري تنهيدة قصدت أن تُخرجها ثقيلة لتتيقن من أن يعلم كرويتسر أنه يحبطها. "سأتصل بك لمّا يتسنى لك الوقت لتعقل. هل ستكون بالبيت ظهيرة اليوم؟"

"سوف أزور الحاخام."

"يا إلهي يا بابا. لقد عذبتَ الرجل المسكين طيلة حياته المهنية. ألا يمكنك أن تدعه يتقاعد في سلام؟"

"الحق أن كلينا يستمتع بصحبة الآخر." كان كرويتسر في دهشة من أمره لما استحوذ على نبرات صوته من غضب. "نحن ندرس التوراة معاً."

"بابا، لو تعَرف عليك، سيفر هارباً من الباب. حتى الحاخام جاكبسون لم يقم وزناً لكل نقطة وفاصلة بالكتاب المقدس. أنتَ كنت شوكة في جنبه."

"لن أكون في البيت تلك الظهيرة،" شدد على كلماته. "يجب أن أزور الحاخام."

"طيب، هذا المساء إذن." خامر مارجوري قدر من التردد. "بابا. لِم تضمر له كل تلك الكراهية؟"

"كراهية؟"

"أنتَ مهوس به ومهوس بالبحث عن ذلك الصك. اسمع، ما ضاع فقد ضاع، ماشي؟ ضاع يا بابا. لقد أبرموا بالفعل صكاً آخر ورموا أسس المبنى الجديد."

~

حاول أن يَحلق قبل أن يؤم الحاخام. كانت أيريس ستأمره بذلك. بسط الرغوة فوق ذقنه إلا أنه لم يقو على رفع الموسى. أمعن النظر فيه وقد أحست يده بثقله. طفت الكلمات بعقله: دم رجل عجوز. تطلع إلى المرآة والخوف يأخذه. رأى في وضوح ما بعده وضوح النُساخ يرفرفون حوله بأجنحة من حبر؛ كل لمسة منها للحائط تخلف فقرة موجعة. طرف بعينيه وهو يرنو إلى ما يطفو فوق مرآته من نقاط سوداء. تغطت جدران حمامه تدريجياً بحروف صغيرة أشبه بآثار أقدام الطيور. "أنا خجلان،" باح إلى النُساخ وهم يتسلقون جدران الحمام العاكسة. يكتبون كلماته ويحيطونها على الفور بالتفسيرات: حروف دقيقة تمتد من السقف إلى الأرضية. "أنا لا أستحق الحياة" أفصح كرويتسر.

استبد الغضب بالنُساخ فأمسكوا عن الكتابة وراحوا.

انصرمت هنيهة مسح بعدها كريم الحلاقة عن وجهه بمنشفة تركها مطوية بانتظام فوق حافة الحوض.

~

كانت عينا الحاخام مصوبتين إلى كرويتسر في بيت المسنين حينما أبرز ويداه ترتعشان قصاصة انتزعها من جريدة اليوم السابق. أشار إلى عبارة مكتوبة على الورقة. "انظر هنا،" قال.

كان مقالاً سياسياً عن إسرائيل في الوقت الحاضر. لكن ليس هذا بمهم. المهم هو هذه الإشارة إلى الفترة التي كانت فيها فلسطين تحت الانتداب البريطاني. فلسطين الملزمة بالانتداب، قالت الجريدة. عندما قرأ كرويتسر هذه الكلمات في أول الأمر، ما عنت سوى فلسطين خلال العقد الرابع من القرن العشرين، فلسطين عندما كانت الأعلام البريطانية ترفرف فوق أرضها. لكن بحلول الوقت الذي حط فيه الورقة ليفتش عن مقص، فطن إلى أن الكلمات تدل على ما هو أكثر. "فلسطين الملزِمة": ها هو ذا اليهودي بحق. فلسطين لأن هذا هو الواجب، فلسطين لأن اليهود يدينون بالولاء إلى ذلك المكان ولا مكان غيره. إن اليهودي ليس الماريجوانا ولا النسيان ولا القمصان القطنية التي تقول للناظر ’اترك الدراسة.‘ ليس اليهودي مَن يضع شجرة عيد ميلاد بغرفة المعيشة. إن اليهودي هو اليهودي، إنه المتشبث بكل قواه. ماذا يعيب الذنب؟ لِم يتلهف الجميع كل التلهف على عقد الصلح ونسيان الصكوك؟ ماذا لو اعتقد بقية العالم أن الذنب كلمة بذيئة؟ لقد حارب اليهود فخورين حرباً للتكفير. لليهود ذاكرة وإن ابتلتهم بالآلام.

"موزة؟" عرض جاكبسون الثمرة.

رقد على عتبة النافذة ظرف الابن المتزوج بسوداء، الابن الذي لا يزال يعيش ويتنفس ويرغب في الاتصال بأبيه. لم يُفض الظرف. شعر كرويتسر بتورم في رأسه وكأن أحدهم ظل يضربه بعنف طيلة الليل. تفكر في كل تلك الخطابات الغالية من جابريل. ثمة العديد من الظروف، بيضاء عليها خطوط حمراء وزرقاء، يحمل كل منها صفحات كتبها ابنه بكل عناية. لا بد أن يقول شيئاً للحاخام. "خطابات الأبناء مهمة،" أفضى. "كان ابني يراسلني كل أسبوع إبان الحرب."

"الحرب؟"

تأرجحت الموزة بطيئة في الهواء. حل بكرويتسر الغثيان. "حرب فيتنام."

"هناك حرب؟"

هب كرويتسر قائماً فشعر بالحجرة تميد به. دارت الأقمشة الفاتحة في دوامة، فأبصر حقلاً من الأزهار المرتجفة؛ ترنح مصطدماً بالحائط. راودته رغبة في قتل الحاخام. أراد أن يلكمه إلى أن تسيل الدماء من أنفه. "كان جابريل ولداً صالحاً!" صاح في الحاخام.

انكمش الحاخام في كرسيه خوفاً. اتسعت حدقتا عينيه وترقرقتا بالدموع.

أطلت ممرضة من المدخل. أومأ كرويتسر إليها ويده ملتصقة بصدغه. أتت من الركن أصوات خفيضة تئن: كان جاكبسون يبكي وذراعاه يلتفان حول خصره كشرنقة تسري فيها رعدة. راقبت الممرضة كرويتسر وهو يرتدي سترته.

هَم كرويتسر بالمغادرة بيد أنه توقف بجانب هيئة جاكبسون المثنية ووضع يداً ثقيلة فوق ظهر كرسي الحاخام. "ما هو عكس الزهايمر؟" سأل كرويتسر في لهجة صارمة.

ارتعشت عينا الحاخام الشاخصتان اضطراباً.

"يهودي،" قال شاتماً.

~

في موقف السيارات وبالطريق المفضي إلى الطريق السريع تملك كرويتسر غضب منعه من التركيز في القيادة. لم يطق احتمالاً: سقط هو في شرك الذاكرة بينما أُعفى الحاخام – حاخام اختار أن يضطلع بمعاناة الشعب اليهودي.

أعمل كرويتسر فكره وهو يمرق من جانب المطار والطائرات ترعد في السماء. ما كان رجلاً صوفياً لكن جرى بباله أن الحاخام ربما يريه شيئاً. تنامت الفكرة بعقل كرويتسر وهو في طريقه إلى البيت. طغت عليه إثارة لا حد لها حتى إنه كاد يتجاوز مخرجه. ماذا لو أن الحاخام قد عثر على الحل، ليس لنفسه فقط بل للجميع؟ ماذا لو أن الرب قد أرسل الحاخام كي يري كرويتسر الحقيقة؟

إن لم تستطع السلوان، على الأقل تستطيع الغفران، اعتادت أيريس أن تقول. لقد غفرتُ لك يا ديفيد. احتار كرويتسر كيف استطاعت زوجته أن تتفوه بذلك. فهو لن يسامح نفسه قط على موت ابنه. إلا أن خياراً آخر يتبين له الآن.

ما إن انتهى إلى البيت حتى كتب خطابه الأول إلى جاكبسون منذ ما يزيد عن عشرين عاماً. عزيزي الحاخام، أخيراً فهمتُ: لا ضرورة بك للكلمة أو للصك. لقد قهرتَ المعاناة. تخلف الآخرون مع الأمس؛ أما أنتَ فحلقتَ عابراً. بلغ من إحساس كرويتسر بالإثارة أن شعر بحمى تدب في جسده. لن يكون أنانياً ويحتفظ بهذا الاكتشاف من أجل منفعته وحده. سوف يجلب يهود العالم عند قدميّ الحاخام ليتعلموا السلوان وفقاً لوصاياه. ’إياكم والنسيان‘ كانت صيحة مخطئة للم الشعث؛ معاً سيمحون الذكرى المؤلمة لمحاكم التفتيش والمحرقة. حاول كرويتسر أن يتخيل الصورة: يحيق بكل شعبه الزهايمر فتذهب ألف عام من المشاق في لمح البصر. ما الذي لم يستطع اليهود أن يكونوه من غير الألفيّ سنة الأخيرتين؟ وتحت كل ذلك ثمة عطف لم يخل كرويتسر منه؛ فهو سيحرص ألا تقتصر الفائدة على اليهود فحسب. لو احتاج الزنوج والإيطاليون وغير اليهوديات، سيأتي بهم أيضاً إلى الحاخام. سوف يقود كرويتسر موكب النسيان ليحتشد في إثره كل مَن عرفت المعاناة سبيلاً إليه. معاً سيبيتون أبرياء، أطفالاً، لا محل في قلوبهم لأي تذكرة بالأسى.

أدرك كرويتسر الآن أنه ينبغي أن يتصل بابنته. انحرف إصبعه مع القرص؛ الهاتف بطئ للغاية. الحق فيما قالت مارجوري – إنه ديناصور، هو وهاتفه ذو القرص الدوار. فرت من ثغره ضحكة على ما داخل حياته من حماقة. "لك أن تذهبي إلى المقبرة،" قال عندما رفعت مارجوري السماعة. "لكن بدون الطفل."

فاتت ثوان معدودة من الصمت حسب خلالها أنه أقنعها.

"الغريبة يا بابا أنه لا يمكن الفصل حالياً بيني وبين الطفل. لو ذهبتُ إلى المقبرة، ستذهب هي الأخرى."

"هي؟"

ندت عن مارجوري قهقهة. كان كرويتسر شبه متأكد من أنها قهقهة. "لم أكن سأقول."

~

قابلته عند البوابة وسارا متجاورين إلى القبر. تدثرت بسترة برزت منها بطنها.

"عيناك تحدقان فيّ."

لن ينكر. كان في حاجة إلى أن يخبرها بما يستوعبه الآن بشأن حملها. لكن يجب أولاً أن يشرح لها سبب احتياجهما إلى معاونة الحاخام. "هل يجول جابريل بخاطرك أبداً؟" سألها.

"هل يجول بخاطري؟" الآن مارجوري هي التي تحدق. "بابا، إن ذكراه لا تغيب عني يوماً واحداً."

تملكت الدهشة كرويتسر حتى إن شفتيه لم تنفرجا عن حرف. مارجوري هي الأخرى تفكر في جابريل عند كل منعطف؟ مارجوري التي رفضت سماع اسمه بعد أن توجه إلى تايلاند؟ مارجوري التي رمت أخاها بالخيانة؟

مارجوري التي تخيم الآن على ملامحها آي الجدية، آي الأمل. وكأن للمرة الأولى في حياتها لم يقل أبوها شيئاً فظيعاً كل الفظاعة. وقفت بحذاء شاهد قبر أخيها وكاشفته. "أنا أفكر في كل شيء. أفكر في النصائح العبيطة الخاطئة التي ألِف أن يسديها إليّ عن الصبيان. أفكر في المرة التي أقنعني فيها بوضع مسكن الألم ’ألكا-سيلتسر‘ في أنفي. أفكر في اليوم الذي ورد إلينا نبأ تحطم الطائرة حين وفد النقيب إلى منزلنا."

وتفكر مارجوري في المزيد. إذ تبين أن لا نهاية لأفكارها. فهي تتذكر كل تفاصيل حياة جابريل، شعره الأشقر الذي اغمق وهو يكبر، ما كان يناله من درجات ممتازة بواجبات المدرسة، دموعه يوم حصل على درجة ’متوسط‘. استخرجت مارجوري من ذاكرتها اسميّ الفتاتين اللتين دعاهما أخوها إلى حفلة تخرجه – الأولى التي رفضت والثانية التي وافقت. سردت أشياء لا يعلمها كرويتسر على الإطلاق عن ابنه. أحس كرويتسر كما لو كان يغرق. تاهت منه أنفاسه. ففي نفس هذه اللحظة التي عقد فيها العزم على طرح كل شيء، تصر ابنته، المعاكسة المحيرة، على استعراض ذكرياتها. تصر على تذكر كيف رفضت مخاطبة أخيها. رفضت مخاطبته ثم لفظ أنفاسه. طفقت مارجوري تذرف الدموع.

لم يخطر بباله أبداً أن إحساساً بالذنب قد ينازع مارجوري، لم يخطر بباله خلال كل تلك السنوات منذ ناشدها صامتاً بمائدة العشاء، ساعدي أمك، فيما كانت تنظر مطبقة الفم إلى العالم من خلال قُصة شعراتها أشبه بالخيوط. لاذت أيريس بالصمت وكذا مارجوري فأكرهه ما غمر بيته من صمت مطبق على صمته الخاص إلى أن بات لا يقوى حتى على أكثر الأحاديث ألفة: ما عاد بوسعه الصلاة. ولِم الآن؟ الآن وقد قرر أخيراً التخلص من الذكريات، من الذنب، من الصراع، الآن وقد قرر اعتناق السلوان بكل ذرة في كيانه؟ لِم تبوح ابنته الآن؟

"أدمنتُ المخدرات لسنوات بعد وفاة جابريل. ولولا يوري لكنتُ الآن ميتة في بالوعة بمكان ما."

 ثم ما هي إلا وقد أدرك كرويتسر أمراً. تهدد الدموع بأن تفيض من جفنيه؛ طرفت عيناه تستبقي الدموع وحدّث نفسه للمرة الأولى منذ وفاة جابريل: أنا أب. رقص قلبه طرباً – ثمة شيء بعد كل هذه السنين يستطيع أن يمنحه لابنته. فمهمته لن تسبغ سلاماً على روحه فقط إنما على روح مارجوري أيضاً. سيسارع كلاهما قبل ولادة الطفلة بتعلم النسيان وسيُعفيان من كل ذنب. وستشارك مارجوري بهجة كرويتسر بما تنبأ به: ستكون طفلتها جزءاً من جيل جديد، محمية من الأسى، متربية وفقاً لحكمة الحاخام.

 انتهى كلام مارجوري. وقفا معاً فوق العشب. تفحص كرويتسر ابنته والرياح تعصف بسترتها لترتطم ببطنها. بانت خطوط رفيعة حول عينيها. اعترم قلب كرويتسر بحب أعجزته قوته عن الحركة. يعلم أن ابنته لا يسعها أن تكن له نفس المشاعر. وكيف لها ذلك؟

"هل ستأتي إلى الغداء غداً؟" سألته مارجوري.

لو تيسر له الكلام، لقال لها إن كل شيء سوف يختلف مع ظهيرة الغد. غير أن إيماءة هي أقصى ما أمكنه استجماعه.

"بابا،" قالت ثم أتت شيئاً. وقفت بثقلها على أطراف أصابعها لتطبع قبلة على خده. "أنا سعيدة بهذا الحديث."

~

عزيزتي أيريس، سيقول كرويتسر لو بمقدوره القول. سوف أودعك الليلة، فلن ألبث أن أفقد الذاكرة. أريدك أن تعلمي أن أسفاً يريم عليّ لخسارة هذه الذكريات، لخسارة هدوئك وجمالك.

تمدد وهو مستيقظ والدموع تنزلق على خديه لتتجمع في أذنيه. سوف يشحذ كل قواه كي يحتمل ليلة الذاكرة الأخيرة تلك.

عزيزتي أيريس، سيقول. قلتِ لي إنني لم أتسبب في مقتل جابريل. إلا أنك أخطأت هذه المرة. فثمة أشياء تدور بين الرجل وابنه، ثمة أشياء. أحياناً عندما يتملك الابن الخوف، يفزع إلى أبيه.

~

يلجأ الابن إلى أبيه وقت الحرب. فالابن – الابن المقرب من أبيه – لا يتخذ قراراً خطيراً مثل هذا دون استشارته.

"إنه اختيار،" أنهى جابريل إليه.

كان جابريل يلبس سروالاً من الجينز وقميصاً قطنياً وقد شحبت بشرته من دراسة الطب. قص شعره قصة قصيرة برزت بها أذناه.

"إما يا بابا أن أقبل هذه المهمة في تايلاند وإما أن أرفضها. لو قبلتُها، سأعمل في مستشفي بعيداً عن القتال."

لو رفضها، سيُجند في الجيش. وقد تكون المهمة التالية – التي سيُرغم على قبولها – في قاعدة أوروبية. وقد تكون بمدينة بلاتسبرج: سنتان كئيبتان في شمال ولاية نيويورك ليس بمبعد عن البيت.

أو قد تكون في فيتنام. يعرف جابريل جراحاً رفض مهمة تابعة لسلاح الطيران في تايلاند؛ وهو في نفس هذه اللحظة يستقل طائرة متجهة إلى قلب القتال بفيتنام.

اتخذا مجلسيهما بغرفة المعيشة. ترامت أشعة الشمس الغاربة على سجادة منبسطة فوق الأرضية. وفي الخارج انحطت جريدة المساء فوق درجة باب المنزل في صوت مكتوم. وببطء تراجعت الضربات المكتومة في غير انتظام بالشارع.

"حسناً، ما دامت تايلاند آمنة،" قال كرويتسر.

~

اتخذ الحاخام جاكبسون مجلسه بجوار النافذة وقد اكتسى ببطانية تلونت بالوردي والأصفر. كان يجدل شرافات البطانية وكأنها أهداب بشال الصلاة.

ركبت كرويتسر العصبية والإثارة. مَن سيكون حالما يلم به النسيان؟ ما هي الأحاسيس التي ستنتابه عند اكتشاف سر الحاخام؟

هو على استعداد لفقدان عقله. سوف يسلو الأصوات الناعمة لمن مات منذ زمن من مدرسيه الذين دعوه بدوفيديل، سوف يسلو وجه أبيه المتعَب المكلل بالاكفهرار؛ سوف يضحي بسنوات كان فيها يقوم بأود أسرته، بالتفافة قلم الحكيم العظيم، بكل ما يجعله ديفيد كرويتسر. ومعه سيختفي كل ما يحمل ابنته مارجوري على البكاء. ستنسى مارجوري إحساسها بالذنب، ستنسى الغضب، ستنسى رغبتها في أن تُغرق نبض قلبها في إيقاع آخر حاد متنافر. ستعدل عن تسمية طفلتها جابرييل؛ لن يسمح الحاخام عن حكمة بمثل تلك اللفتة، فالطفلة ينبغي ألا تحمل أي أثر لحزن قديم. هكذا سيمسون: رجلاً عجوزاً، أماً، طفلة، كلهم انمحت ذاكرتهم.

"أيها الحاخام،" قال كرويتسر بنبرة هادئة.

 جرت ابتسامة دافئة على ثغر الحاخام.

فتح كرويتسر فمه لينبأ الحاخام بالطفلة، كيف أنها ستولد في جو من النسيان، إلا أن عينيه وقعتا على شيء بالأرضية. كان ظرفاً سقط من عتبة النافذة المشمسة. لم يكن مفتوحاً. "جاكبسون،" قال بحروف متلعثمة. "ألم تتصالح مع ابنك بعد؟"

"ابني،" قال الحاخام، "تزوج فتاة رائعة."

 "إذن فقد سامحتَه لزواجه بغير يهودية."

"ابني تزوج فتاة يهودية. رقصت الأبرشية كلها في حفل زفافه." ربت الحاخام على بطنه والسرور يستفيض به. "قدموا حساء اللوز."

يتذكر كرويتسر ذلك الحساء. رامت أيريس الحصول على الوصفة بشدة لدرجة أنها تسللت خلسة إلى المطبخ سائلة عنها. كان الطباخ يجهز أصناف الحلوى في عجلة فيما يحيق به البخار والطلبات التي خرجت من أفواه زاعقة، فطردها إلى صالة الرقص ولسانه لا ينفك يلعن اهتياجاً. ألقى الموقف في نفس أيريس إحراجاً دفعهما إلى المغادرة مبكراً؛ يتذكر كرويتسر حساء اللوز هذا جيداً.

"كان هذا زفاف ابن أخيك،" صحح كرويتسر. "وليس زفاف ابنك."

 تطلق وجه الحاخام. "زفاف ابني."

ما هي أهمية تفصيل من الماضي؟ النسيان هو الأفضل؛ كم سيستعذب حلاوة عسله على لسانه المتلهف.

لم يستطع رغم ذلك أن يترك الهفوة لحالها. "زفاف ابن أخيك،" أصر كرويتسر.

"لا،" رد الحاخام بصوت رقيق ثم أرسل تنهيدة.

إنها اللحظة التي كان كرويتسر يترقبها غير أنه استشعر خطأ في هذا الحوار. كتب الابن خطاباً؛ ولا بد من الرد عليه. الابن مخلص رغم ما أتاه من عصيان وهو في انتظار صفح الأب. كيف يبرر الحاخام لنفسه إدانته لابنه؟ مهما كانت مشاعر المرء، ألا يجب أن يراعي أطفاله؟ تخيل كرويتسر مارجوري واقفة في المقبرة وبطنها بارزة. تخيل مارجوري بمفرداتها ’الفظيعة.‘

غارت الابتسامة من وجه كرويتسر، شعر وكأنها لن تتوقف إطلاقاً عن الغور.

الغفران. لا مفر منه. لقد غفرت له مارجوري؛ أُجبر كرويتسر الآن على إدراك هذا. في المقبرة تعلقت عيناها به عبر الدموع وكأنها تقول له: الطفلة في حاجة إلى جدها، ولو كان جِداً ينتقد أشجار عيد الميلاد مُر النقد. والابنة، الابنة في حاجة إلى أبيها. رنت إليه بعينين ظهرتا بعد كل هذه السنوات وكأنها عينيّ أيريس. عينان تقولان: اصفح.

لكن ماذا لو أبرأ نفسه من الذنب؟ اقتنع لسنوات بأنه لا يجب أن يغفر. فلو أن كرويتسر أقر بعجزه، لو أقر بأنه لم يكن في استطاعته أن يصنع غير ما صنع، إذن فلا لوم سوى على واحد فقط لما كان ينبغي ألا يحدث أبداً – طائرة تهوي داخل البلد لتصطدم بالمبنى الوحيد المشغول على طول مهبط طائرات القاعدة حيث يضطجع ابن كرويتسر بسريره وهو يقرأ.

اجتلت عيناه الحاخام. اقتربت حلاوة السلوان اقتراباً خف له كرويتسر. لكن لا سبيل إلى تجاهل اضطرابات الحياة. فقد وقع خطأ ولا بد من إصلاحه. قد لا يطيب الحال تماماً بين المرء وأسرته ما إن تعترضهم الصعوبات إلا أن الأب يتحمل مسؤولية المحاولة.

"نحن رجلان طاعنان،" قال لجاكبسون. "ليس لدينا سوى القليل لتقديمه. إنما لا بد أن نقدم ما نقدر عليه."

تأمل الحاخام ملامح كرويتسر.

"اغفر له،" قال كرويتسر. "اغفر لابنك."

لم يحر الحاخام جواباً. صرف انتباهه إلى بطانيته وراح يفك إحدى جدائل الشرافات ثم عاود تضفيرها.

رفع كرويتسر نحو الساعة عينين غلفهما الإعياء. آنت الظهيرة. دعته ابنته إلى الغداء.

نهض من جلسته. هو رجل عجوز وسلاسل الجاذبية ثقيلة. أقدم لسنوات على التضحية العظمى، تضحية خليقة بالحكماء: ألقى بالأئمة على روحه وأعفى آخر من ثورته. الآن سوف يغفر لنفسه؛ سوف يعاود ديفيد كرويتسر – الديناصور العنصري الأحمق – الانضمام إلى العالم ما أمكنه. لكن ما هو الثمن؟ الآن يجب أن يحاسب مَن شاركه الصمت الأطول. تصاغ بفمه أبشع الكلمات: كلمات لا راد لها.

بينما كان كرويتسر يحاذي كرسي جاكبسون، مد الحاخام يداً لتلامس كُم كرويتسر. لم تصل إليه فطوت أصابعه هواء فارغاً. قال بصوت هادئ رتيب. "ستتلون بعدي من صفحة مائة وخمسة صلاة ’لا تفتأ التوراة بتابوت العهد‘."

خلا صوت كرويتسر من أي انفعال. "وصك أرض المعبد؟"

"بالمخزن التابع لمعبد ’بيث شالوم‘، تحت الصندوق الحاوي لكتب الهاجادا*. 12 شارع جروف، الطابق الثاني." زم الحاخام شفتيه متأملاً. "افتحوا صفحة مائة وخمسة لتتلوا بعدي. نبدأ بصلوات ندعو فيها الرب أن نحيا سنة جديدة جميلة."

لوح كرويتسر بيد أزاغت انتباه جاكبسون عن كلمات التقوى. تتبع الحاخام عينيه الشاخصتين. معاً واجها سديماً قوياً يتسرب من النافذة، يبهر الأعين كإشراقة الفردوس. "لا صلوات بدون تكفير،" نبس كرويتسر.

"تكفير،" كرر الحاخام كما الصدى. انحنت رأسه قليلاً كما تنحني في الصلاة. "بالعام الجديد لا بد من التكفير عن كلا النوعين من الخطيئة. الاثنين: خطيئة الإنسان في حق الإنسان وخطيئة الإنسان في حق الرب."

 "أنت مخطئ،" قال كرويتسر. "ثمة ضرب ثالث من الخطايا."

"اثنان لا غير" تمتم الحاخام. خفقت عيناه خفقات قلقة تقول لكرويتسر، انتظر.

أجال كرويتسر النظر: في النافذة المضيئة، في الأثاث المتواضع، في الحاخام المتلفع ببطانية تحليها شرافات وعنقه الأرقش يرتعش. خطا خطوة وئيدة مولياً الحاخام ظهره. "أيها الحاخام،" قال كرويتسر. امتد الممر أمامه ملتفاً بالصمت. أرخى سترته فوق ذراعه. "لقد نشل الرب جيبي."

 

 

 

* دوريتو: ماركة رقاقات من البطاطس.

* القبلانية: فلسفة دينية سرية عند أحبار اليهود وبعض نصارى العصور الوسطى تقوم على تفسير الكتاب المقدس تفسيراً صوفياً.

* النمر الأسود: عضو في منظمة كوّنها أمريكيون سود مقاتلون عام 1966 بهدف الدفاع عن حقوق الأمريكيين من أصل أفريقي.

* تحرم الشريعة اليهودية تناول اللحوم مع الألبان في وجبة واحدة.

* الأعياد العليا: تبدأ من عيد روش هاشانا (رأس السنة) في اليوم الأول من تشرين الأول وتنتهي بعيد يوم كيبور (يوم التكفير) في اليوم العاشر منه.

* الحجاب: علبتان جلديتان صغيرتان بهما رقوق عليها اقتباسات من العهد القديم يربطهما الرجال اليهود، واحدة على الجبهة والثانية على الذراع الأيسر، خلال صلاة الصباح عدا أيام السبت والأعياد. 

* الهاجادا: (بمعني السرد) الجزء الأسطوري من التلمود. 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.