مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت إديث بيرلمان بالموافقة على نشر قصة "الألوج" في مجلة البوتقة.

Ms. Pearlman was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Allog” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Pearlman a great debt of gratitude for her kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

الألوج

إديث بيرلمان

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.edithpearlman.com/

 

الحب بين العظماء

 

ثمة خمس شقق بالمنزل القائم بشارع ديروندا. هناك خمسة صناديق للبريد بالردهة: أبواب خشبية صغيرة تصطف في تقارب محرج شأنها شأن المراحيض العامة.

لم يرق أحداً أن يُرَى هناك – لا الأرمل الكهل ولا الأسرة المغربية ولا العجائز الثلاثة.

كان الأرمل يتسلم أقل القليل من الرسائل.

أما المغاربة فقد كانوا يتلقون الكثير والكثير منها، كلها فواتير.

كانت السوبرانو* تستلم بعض الرسائل أو الكافي منها، رسائل زيادة عن اللازم أو أقل من اللازم؛ فيم تهم الكمية؟ حملت كل سلسلة من الحفلات الموسيقية المقامة بالقدس اسمها على قائمتها. لم تدعها الجمعيات الخيرية – التي جمعت بين المثالية والسذاجة – وشأنها. غير أن الخطاب الوحيد الذي تاقت إليه قلما ظهر. وحينما أتى، ما كان سوى مربع أزرق رفيع كما لو أن أحدهم قد كواه أولاً ثم جمّده. بسطت راحة يدها والرسالة تطفو عليها. منذ عقود خلت أشارت بنفس هذه الإيماءة اللطيفة، بعد تصفيق كاف، إلى العازف المصاحب لها كي ينحني عندئذ للجمهور. كانت الرسالة دون عملة البيزيتا وزناً؛ لعل بداخلها كُتبت أربع جمل شحيحة المعلومات في مزيج محير من البولندية والأسبانية. قد يتساوى حرقها دون فضها بقراءتها. ارتقت الدرج فيما ارتفع ذقنها وجفت عيناها.

عاشت تامار مع جدتها في الجانب المقابل لشقة السوبرانو. دأبت على أخذ البريد في سبيلها إلى البيت من المدرسة. على خلاف الآخرين، لم تعبأ بمن يرى مراسلاتها. فقد كانت في السابعة عشر من عمرها. سافر والداها إلى الولايات المتحدة في إجازة طويلة يحصلان عليها كل سبع سنين وراحا يراسلانها مرة كل أسبوع. كاتبت جدتها أعداد كبيرة من مواطنات فيينا العجائز اللاتي رسون على شواطئ أخرى. غير أن جدتها لم يطب لها قصد صناديق البريد أو أي مكان آخر فيما يتعلق الأمر بالخروج. ولمّا كانت جدة تامار تخرج بالفعل – إلى المعارض والمحاضرات والسوق – كانت تخرج لأن بوصفها امرأة مثقفة كان لزاماً عليها أن تسمو فوق كراهيتها للمجتمع وإن لم تكتم تلك الكراهية. 

أحبت السيدة جولدفانجر، ساكنة الطابق الأرضي، المجتمع. إلا أنها كانت تتسلل من شقتها نحو صناديق البريد تسلل اللصة. فقد أرادت أن تنفرد بنفسها وهي تفك مغاليق العبرية المكتوبة على الأظرف لكي تتأكد من أن كل الخطابات بصندوقها موجهة حقاً إلى السيد جولدفانجر أو السيدة جولدفانجر أو السيد جولدفانجر وحرمه أو عائلة جولدفانجر؛ وليس إلى آل جِلبوَا الذين باعوا شقتهم منذ عشرة أعوام لأسرة جولدفانجر الوافدة حديثاً من كيب تاون. لم تنفك أسرة جلبوا تتلقى الإعلانات من صالونات تسمير البشرة، تلك الإعلانات التي ألفت السيدة جولدفانجر سبباً وجيهاً لرميها. بيد أن ميراثاً ما قد ينتظرهم في صباح أحد الأيام ببريد جولدفانجر. فمثل تلك الأحداث معروفة بوقوعها. ثم ماذا سيحدث؟ ستضطر إلى أن تجرى وراء ساعي البريد على أمل ألا يزال يقطع شارع ديروندا جيئة وذهاباً في حركة أشبه بحركة أربطة المشد. وإن كان قد أكمل طريقه، ستضطر إلى أن تتوجه إلى مكتب البريد ومعها الرسالة ذات العنوان الخاطئ لتقف في الصف الممتد حتى دكان المعلبات؛ وسيكون عليها أن تشرح بلغتها العبرية التي لا يمكن الاتكال عليها أن جلبوا – الذي تلقى للتو هذه الرسالة من أحد المصارف بباريس – ابتعد، غادر، نُفِى، ولم يخلف أي عنوان يمكن بعثها إليه.

هكذا كانت علاقة السيدة جولدفانجر بصندوق بريدها، كحالها مع العديد من الأمور الأخرى، علاقة يشوبها القلق. يا لغرابة الموقف إذن عندما قرأت بمشقة في صباح أحد أيام أغسطس المظروف الأول وكذا العنوان العائد إليه في حال عدم وصوله ثم لملمت بقية الأظرف كلها دون أن تعيرها نظرة – دع آل جلبوا ينتظرون أحجار الزمرد خاصتهم يوماً آخر. هرولت على السلم وقد ارتسمت ابتسامة على وجهها المليح.

بلغت السيدة جولدفانجر الخامسة والثمانين من عمرها. أنبأها الطبيب أن قلبها في مثل قوة قلب امرأة في الثلاثين؛ ورغم أنها لم تصدق تلك المجاملة المبالغ فيها، فقد قوّت من شجاعتها البدنية التي كانت بالفعل شجاعة يعتد بها. لم تخش ما كانت تبذله من مجهود للعناية بزوجها – إذ وسعها رفعه من السرير إلى الكرسي المتحرك ومن الكرسي المتحرك إلى السرير؛ كما استطاعت أن تعاونه على المشي متى يود. غير أن حزنها كان يغور في قلبها. فعملية تغيير حفاضه بدت قمة في عدم اللياقة. أما الإنصات إلى هذره غير المفهوم فسوف يحطم قلبها ذو الثلاثين ربيعاً في يوم ما. كانت قد وظفت بعض المساعدين لكنهم غالباً ما لم يكترثوا له؛ وإن تحلوا بطيبة القلب، سرعان ما يجدون وظائف أفضل.

إنما الآن... طرقت على الباب الذي يعلو باب شقتها. فتحته جدة تامار وهي تلبس كالعهد بها بنطلوناً فضفافاً وبلوزة. لم تقع عليها عين مطلقاً ببرنس الحمام.

وثبت السيدة جولدفانجر إلى داخل الشقة وثبة الظبي. "لقد أتت!"

تفحصت جدة تامار المظروف الرسمي ثم ناولته لتامار التي أقبلت في خطوات متمهلة من الشرفة حيث كانت تتناول الإفطار مرتدية بيجاما بدت صغيرة الحجم عليها.

فحصت تامار المظروف بدورها. "لقد وصل عراف الكبِد،" أعلنت.

 

وقّعت دولة إسرائيل منذ عام مضى اتفاقية مع دولة فقيرة من دول جنوب شرق آسيا. وطبقاً لبنود الاتفاقية، استطاع مواطنو إسرائيل شراء المساعدة من مواطني جنوب شرق آسيا في مجال تدبير بيوت المسنين. لم يتم توظيف الأجانب كمربيات أو كعمال نظافة أو كجليسات بالحضانات – فقد توافر المواطنون الإسرائيليون القادرون جسمانياً على أداء تلك الأعمال وإن لم يستمتعوا بها. كانت مهمة الأسيويين أن يرعوا مَن عمّر من الحكماء في الحياة بعد أن انجابت حصافتهم.

تكفل المستخدِم بنفقات الطيران – ذهاباً وإياباً: فلم يكن من المفترض أن يبقى العاملون بعد وفاة مَن يرعونهم. لم يندرج الحصول على الجنسية ضمن الصفقة. ألم يكن هؤلاء الناس مواطنين بالفعل في مكان آخر؟ لم يُطبَق قانون العودة على الكاثوليك الذين كانوا أغلبهم كاثوليك بالاسم فقط ولا على عرافي الكبد الذين قيل عن بعضهم إنهم عرافو كبد.

حالما تم إنشاء مكتب للاتفاقية، قدّمت السيدة جولدفانجر طلباً لاستعانة بآسيوي.

"مَن هو عراف الكبد؟" سألت السيدة جولدفانجر جدة تامار.

أجابتها جدة تامار: "عِرافة الكبد هي التنبؤ بالمستقبل من خلال فحص أمعاء حيوان ثديي وبخاصة الكبد. ينبغي أن يكون خروفاً أو كي يصير الفحص أكثر عملية أحد القوارض."

"آه."

"كل تلك القطط الضالة،" تمتمت تامار. "أخيراً غدت لها فائدة."

اصطحبت جدة تامار، وهي مطبقة الفم، السيدة جولدفانجر إلى سلسلة من الزيارات المكتبية. عاونت العجوز الأصغر سناً العجوز الأكبر في ملء الاستمارات المطلوبة. وفي كل مرة تفد رزمة من الأوراق بالبريد، تجلبها السيدة جولدفانجر إلى جدة تامار بالطابق الأعلى. استقر مجلسها إلى مائدة حجرة الطعام. تسرب ضوء الشمس مائلاً عبر الستارة فلاح شعرها، الأحمر كما الصدأ، أكثر تأكسداً – ظهر بشكل غير طبيعي أكثر مثلما أشارت تامار في وقت لاحق. "الحنة مادة طبيعية،" ذكّرتها جدتها.

والآن أصبح الآسيوي هنا أو سيصبح هنا خلال ثلاثة أسابيع. سوف يتوجب على السيدة جولدفانجر أن تقصد المكتب في العاشرة صباح يوم من أيام سبتمبر حتى تتعرف على الوافد الجديد وتوقع على الأوراق النهائية الضرورية.

"أتريديني أن آتي معك؟" عرضت جدة تامار وهي ترسل تنهيدة.

"آه، لا عليك من هذه المرة." أمسكت السيدة جولدفانجر هنيهة. "حتى لا يقع أي ارتباك،" شرحت على نحو مربك. "إنما شكراً جزيلاً على كل شيء. الأمر وما فيه أني أردت أن أعلمك."

وهكذا وبعد انقضاء ثلاثة أسابيع رحلت السيدة جولدفانجر بمفردها إلى المكتب المظلم القذر الذي كانت تعرفه آنذاك حق المعرفة. لا يد غير يدها صافحت يد الرجل الجاد. لا صوت غير صوتها رحب به بالإنجليزية. تميزت لغته الإنجليزية بإيقاع لطيف مثلها مثل الأمواج التي كانت ترتطم في رفق بوطنه الجزيرة. دون أن يلقنها ملقن أخبرت السيدة جولدفانجر موظف المكتب أنها تستوعب ضرورة زيارة المستخدِم والمستخدَم المكتب مرة كل أربعة شهور (تساءلت لاحقاً في كلمات موجزة إن كانت الزيارات ستكون أربع مرات في الشهر). أشارت ابتسامتها إلى الرجل كي يتبعها.

كانت حقيبته بالغة الصغر. كان يرتدي سروالاً بنياً ضارباً إلى الصفرة وقميصاً منسوجاً وقميصاً آخر كسترة عليه أشكال مربعة. كان أملها أن تتعدد سيارات الأجرة بموقف السيارات القريب؛ فقد أرادته أن يدرك من توه مدى سخاء المدينة. استجاب الرب لدعائها: إذ ألفيا ثلاثة سائقين في الانتظار وأدار الأول محركه على الفور. لكن قبل أن يتمكن الاثنان من ركوب السيارة، اقترب أحد الشحاذين. منحته السيدة جولدفانجر عملة معدنية فيما بحث جو في جيبه. "لقد أعطيته يا عزيزي بالنيابة عنا،" أخبرته.

 

خلال الظهيرة الأولى التي أمضاها جو بمنزل آل جولدفانجر، قضى عدة ساعات بالشرفة لتصليح الكرسي المتحرك. سجد على يديه وركبتيه في حين التفّ حوله اللبلاب فلم يظهر للعيان من وراء الدرابزين المعدني؛ إلا أنه حط على المائدة الزجاجية على مرأى واضح صندوق العدة المفتوح وعجلة مبتورة. قدِمت تامار من المدرسة وتوقفت تحت شجرة الأوكاليبتوس محملقة في اللبلاب بعينين نصف مغمضتين إنما خبيرتان لتبصر الكرسي المتحرك موضوعاً على جانبه فيما كان الشخص الراكع يشتغل فيه. أياً كان ما يصنعه فقد كان دقيقاً أو على الأقل محدوداً؛ إذ لم يستلزم حركة ملحوظة من جانبه. ظل على وضعه الدال على احترامه لعمله دقائق عديدة بينما لبثت تامار واقفة تحت الشجرة. أخيراً امتدت يده العارية إلى أعلى – حركة عمياء على ما يبدو لكنها في الحقيقة ذات هدف – قبضت اليد من غير أن تضل طريقها على مفك. بعدها دلفت الفتاة إلى المبني.

 خلال الأيام التالية بانت علامات على المزيد من الكد بشقة آل جولدفانجر. إذ تناهت دقات المطرقة مختلطة بصوت المثقاب الذي يشبه مدفعية الهاون. انتبهت السوبرانو إلى الخادم الجديد وهو يقف بالردهة المشتركة قبالة صندوق الصمام الكهربائي الخاص بشقة جولدفانجر وقد التفّت أصابعه حول ذقنه. ما لبث جهاز التسجيل ذو الصوت المجسم أن نهض من قبره؛ لعدة شهور عجزت السيدة جولدفانجر عن الاستماع إلى ما أعيد إنتاجه من تسجيلات أصلية لفرق موسيقى السوينج بيد أنها تدفقت الآن من بين أبواب الشرفة المفتوحة نحو دفء الخريف.

"إن جو لمدهش،" قالت السيدة جولدفانجر لتامار وجدتها. "لقد هبط علينا من السماء."

ضاقت عينا جدة تامار. غالباً ما اجتهد مَن يتم التعاقد معهم من العاملين في وظائفهم. وقد فطِر المولودون بالمنطقة المعتدلة على المزاج الحسن. كما ازدهرت قيمة التعاطف في الأقاليم معتدلة المناخ؛ بينما ذبلت في الأقاليم الاستوائية؛ وفي هذا البلد، بين خمسة ملايين من الأرواح المهتاجة، كانت في مثل ندرة زهرة اللوتس. لقد أضاع الناس هنا الكياسة منذ قرن خلا.

لهجت السيدة جولدفانجر بالثناء على جو؛ فيما احتفظت جدة تامار بمعلوماتها عن الطبيعة البشرية لنفسها. "لقد ابتسم الحظ لزوجي،" قالت السيدة جولدفانجر.

كان تدهور صحة السيد جولدفانجر تدهوراً تدريجياً على أنّ تامار وجدّتها تذكرتا أنه كان يرتعش بالفعل عند انتقاله إلى هذا المنزل. فالأطفال الذين يقطنون بشقة الدور الأرضي المواجهة لآل جولدفانجر لم يعرفوه سوى شبح صامت بأذنين مسننتين غريبتين ينبت منهما الشعر. تراءى دوماً على وشك الكلام لكن لا شيء البتة يبدر عنه ولا حتى كلمة واحدة. وقد تلقوا تحذيراً ألا يسخروا منه.

وُلدت العائلة المغربية، حسبما يطلق عليها كل مَن في المبنى، في إسرائيل – الأب والأم والأطفال الثلاثة. يرجع أصل النعت إلى الجيل السابق ولا مراء أنه سيبقى لعدة مئات من السنين. كانت الأم المغربية تنشط للتأنق ببهرجة في الأعياد وعند خروجها بالليل، إلا أنها تسكعت في غير ذلك في رداء متسخ من الأطلس. تلون شعرها بلون المشمش وكذا نمش وجهها وقد نمّت ابتسامتها عن شخصية مؤذية. كان أطفالها على الدوام بين الأقدام – تتعثر فيهم وأيضاً يتعثر الجميع. كان زوجها يدير تجارة ناجحة في بيع القرميد؛ إذ دانت له بعض المطابخ – وكانت من أكثر المطابخ الممدوحة بحي ريهافيا – ببريقها.

كان يتمتع بحس فني – أو على الأقل بعين فنية – على أنه لم يمهر في الأعمال اليدوية. الحق أن العائلة كلها كانت خرقاء. لكنها أرهفت سمعها وفتحت عيونها؛ فلم يملكوا إلا أن يفطنوا إلى براعة مساعد أسرة جولدفانجر الجديد. يا لها من أصابع ماهرة! وهكذا عندما يتعطل أحد أجهزتهم كل عشرة أيام أو نحوه، يرتفع نداؤهم: "جو! جو!". "تلك المحمصة الحقيرة!" فيترك جو باب شقة جولدفانجر مفتوحاً إذا ما احتاجه مريضه ويجتاز الردهة ليشخّص علة الجهاز وربما ليصلحه ثم يعود أدراجه بقدمين خفيفتين.

"علينا أن نحذر ألا نستغل جو،" نبّهت الأم في صباح أحد الأيام. رنا إليها الزوج بنظرات تنطق بالسرور. وقع تعليقها من نفسه موقع الرضا مثلما آنس حيال سلوكها فاتر الهمة المختلف كل الاختلاف عن نشاط النساء اللاتي ابتعن قرميده. كانت تتصف بالكسل وكثرة النسيان إلا أنها لم تتق إلى الكثير؛ فقد كانت تلبس ذلك الثوب الأحمر الرث منذ شهر العسل. أحبت الأطفال حباً مرتجلاً – فكانت أحياناً تنادي الولد الكبير باسم الصغير والابنة باسم أختها. "نستغل جو؟" علق. "ماذا تعنين؟"

لكنها كالعادة لم تستطع أن تخبره قصدها أو لم تود أن تفعل، فما كان منها إلا أن جلست وأجرت ابتسامة على فيها عبر مائدة الطعام التي عمتها الفوضى. لذا قام من مكانه وقبّلها مودعاً ثم برح الشقة. وسعه أن يسمع عبر الردهة الصوت الهادئ المميز لجو. فيم حاجتنا إلى هؤلاء الناس؟ تساءل في نوبة مقتضبة من السخط. ألا يكفي البلاد ما بها من مشاكل؟ المرة القادمة سيأخذ محمصة الخبز لعامل التصليح البلغاري. تبدل مزاجه بعد ذاك فخال أن جو قد يستفيد من تلك السترة المنقطة التي لم يلبسها من سنين؛ فلونها الزاهي لا يلائم بشرته؛ بيد أنها ستوافق تماماً بشرة رجل شرق آسيوي.

 

خالطت السوبرانو بعض الأصدقاء والمعارف من الجالية الأسبانية وكذا من المجتمع الموسيقي، وشهدت الكثير من الحفلات الموسيقية المنفردة. أنفقت رغم ذلك أغلب وقتها في كتابة الرسائل وتنقيحها للوطن الذي غادرته.

 

بالإضافة إليكِ يا كارا، ]كتبتْ[ أفتقد أكثر ما أفتقد الفلاحين. أتذكرين كيف درجوا على أن يرحبوا بي كلما قمت بجولة من الجولات؟ -- يحتشدون حول القطار لينثروا سبيلي بالزهور؟ أفتقد عيونهم البنية الخالية من البريق.

 

الواقع أن جولاتها كانت مجرد إخفاقات. فقطارات أمريكا اللاتينية المتجهة إلى الأقاليم لم تكن إلا قوافل من العربات المتربة. نوافذها إما مفتوحة بلا سبيل لغلقها وإما مغلقة بلا سبيل لفتحها. كانت السوبرانو ترتحل مع عازفتها – شابة بلا مسحة جمال تحدق في تجهم خلف نظارتها – لم يكن هناك معجبون ليزعجوا الثنائي أو حتى ليتعرفوا عليهما. غير أن المغنية كثيراً ما تخايلت لعينيها حشود من المعجبين حتى إن التصور المتجلي في خيالها اكتسب وضوح الذاكرة. ألقت ناظريها إلى حمار مغطى بأكاليل الزهور. لثم عمدة البلدة المداهن يدها، البلدة التي استخدمت دار السينما بها كقاعة للحفلات الموسيقية. لزمت زوجة العمدة البيت كي تجهز مأدبة. حضر العديد من الناس الحفلة والمزيد منهم المأدبة. هزت رقصة الجاز بخطواتها الثقيلة أرضية قصر العمدة المتداعي ورج التهليل الحجرة.

 

في هذا البلد الطموح لا يوجد فلاح واحد، لا يوجد مَن يحب الأرض. تدفع المَزارع التعاونية للمرتزقة لقاء فِلاحة الأرض؛ صار الريف الآن إقطاعية. ولى عهد عمالقة الصحراء حسبما تقول جارتي التي تسكن عبر الردهة، سيدة شديدة الإيمان بآرائها.

 

كانت السوبرانو تخط رسائلها على عجل وهي جالسة بشرفتها. كانت تمضي أسبوعاً في كتابة الواحد منها. لمن تلك المجهودات الأدبية؟ سألت جدة تامار. آه، لتسلية صديقتها الحميمة بوطنها، ردت السوبرانو وهي تعدل شال ناعم تضعه. لديها عدة نسخ منه في درجات متعددة – الرمادي كالفجر والبنفسجي كالغسق والأرجواني الشاحب كالكدمة.

 

لا أحد يعبأ بالغناء. لقد أصبحنا بلداً لعازفي الآلات الوترية، كلهم روس وكلهم عباقرة. فوق ذلك، هناك الشخص الممسك بالكمنجة وبجانبه فنجان ويقف خارج المركز التجاري الضخم. هو أيضاً يكسب رزقه.

 

"بالتأكيد لم أعد أغني،" أبلغت جو.

"إن صوتك أثناء الحديث أشبه بالموسيقى،" ردد شيئاً من هذا القبيل.

 

نشأ جو في قرية تقع بحذاء أحد الأنهار. اتكأت المنازل على ركائز فوق النهر. نال تدريباً كي يصير صيدلياً.

 

تمثل في مخيلتها وهو يخلط المساحيق المدقوقة من جذور النباتات. أخبرها أن الصيدلي في بعض قرى بلده يضطر إلى أن يسلك مسلك الطبيب. "وتساعده قوات الشرطة الأمريكية،" أنهى إليها.

"قوات حفظ السلام، بالقطع." قالت.

عندما كانت تزور شقة جولدفانجر في الأظهار، كانت تتجاذب مع جو الحكايات حول الأمريكيين النبلاء. وحين كانت تخفض رأسها قليلاً إشارة إلى انتهاء زيارتها، كان يرافقها على السلالم وحتى باب منزلها.

 

تعالي إليّ يا كاريسيما. اجلبي ببغاءك الملعون وتعالي.

 

شغل الأرمل الطابق الأعلى بالكامل. تولاه الحزن لكن تيقظت حواسه. ليس هو مَن يُستثنى في الوقت الذي تُقدَم فيه الخدمات إلى الآخرين.

"لا يوجد سائق سيارة أجرة في هذه المدينة اللعينة كلها يمكنني أن آتمنه،" أفضى إلى جو وهما يرتقيان الدرج ومعهما بقالة الأرمل. "العرب؟ لا تضحكني. كل الروس محتالون. تلك الأشياء لا تثقل كاهلك، أليس كذلك؟ يا لها من عضلات! على أنه بإمكانك ترك حقيبة واحدة على بسطة الدرج ثم تعود لأخذها، سآخذ الكرنب،" أمسك برأس باهتة اللون من فوق إحدى الحقائب وكذلك بالكتيب الإعلاني الذي كان ببريده يومئذ.

اتبع الأرمل وقتذاك نظاماً غذائياً نباتياً. فالخضراوات أخف في الهضم من الدجاج. جرت العادة بأن ينقل جو المشتريات الأسبوعية في طلعة واحدة، فكان يحمل كيساً بكل ذراع مثلهما مثل التوأم. كما قدِر على حمل التلفزيون الجديد.

"لا أخالك تلعب الشطرنج،" قال الأرمل ذات يوم.

"ألعب الشطرنج."

سرعان ما طفقا يلعبان في أمسيتين أو ثلاث أمسيات أسبوعياً. لو مكثت السيدة جولدفانجر بالبيت، كانا يلعبان بعد أن يضع جو السيد جولدفانجر في الفراش. امتلأت شقة الأرمل بخليط من الأثاث المكتبي ولوازم محل الأدوات المكتبية خاصته الذي لم يسلم هو الآخر من الفوضى. استقر المجلس بالرجلين على مقعدين مستقيمي الظهر في أحد أركان مائدة معدنية تكدست عليها صناديق من الكرتون.

لو مضت السيدة جولدفانجر إلى حفلة موسيقية أو إلى لعبة بريدج، كانا يلعبان بشقة آل جولدفانجر. يهبط الأرمل بصحبة لوحته وقطع الشطرنج وزجاجة نبيذ ومعها فطيرة خضراوات. يزود جو الجلسة بالبرتقال والشاي. ينصب الأرمل اللعبة على مائدة القهوة بحجرة المعيشة. وبعد أن يتناولا الفطيرة والنبيذ، يجرجر الأرمل وسادة سميكة إلى المائدة ليقضي الأمسية جالساً عليها، منحني الظهر على قطع الشطرنج. يقعد جو على أريكة مزينة برسومات من الزهور فيما يجلس السيد جولدفانجر مطرقاً إلى جانبه وغالباً ما يغلبه النعاس فيلقي برأسه على كتف القيّم عليه. كان جو حينئذ يرغب عن تحريك جسمه فيسأل الأرمل أن ينقل له قطع الشطرنج.

 

في صباح أيام السبت بينما تؤدي السيدة جولدفانجر الشعائر الدينية وتقرأ جدة تامار الفلسفة الألمانية وتسبح السوبرانو في البحر الميت مع مهاجرين آخرين ويلعب الأرمل مع أحفاده بمنزل ابنته وتخطر الأسرة المغربية في أبهى حلة إلى أحد الاحتفالات وقد ارتدى أصغر أطفالها حذاء تزلج – في صباح أيام السبت، تدق تامار باب جو.

"هل ترغب في أن نتمشى قليلاً؟"

كان رد فعل جو أن طرح نفس السؤال على السيد جولدفانجر.

تطلع السيد جولدفانجر إلى جو بنظرة دافئة.

"جيد،" أجاب جو ]بالعبرية[. كانت لغته العبرية أحسن بالفعل من لغة السيدة جولدفانجر إلا أنه خجل من استعمالها مع أي أحد بالعمارة خلا الأطفال المغاربة. أما الكبار فقد خاطبهم بالإنجليزية.

دفع جو الكرسي المتحرك الفارغ إلى خارج الشقة ثم إلى خارج المبنى. أوقف الكرسي تحت شجرة الأوكاليبتوس وثبّت العجل لئلا يتحرك ثم رجع إلى الداخل. عاود بعدها الظهور وهو يمشي بظهره في حين امتدت يداه ونظرت راحتاه إلى أعلى. ترنح السيد جولدفانجر هزيل البنية إلى الأمام فيما استندت راحتاه على راحتيّ جو. لم تشرد عين السيد جولدفانجر الشاخصة عن حذائه الخفيف في البدء إلا أنه رفع عينيه تدريجياً حتى قابلتا عينيّ جو. واصل الاثنان السير نحو الكرسي المنتظر. استدارا ربع استدارة ثم ندت عن جو إيماءة جلس بعدها السيد جولدفانجر، عدّل جو من جلسته ثم أعاد ضبطها مجدداً. اتخذ مكانه خلف الكرسي ثم فك مكبح العجلة.

"ها أنا قادمة،" صاحت تامار من شرفتها. كانت قد جرت إلى أعلى كي تأتي بسترتها كما قالت؛ كي تتناول كتاباً كما قالت؛ إن مشاهدة حركتكما معاً من أعلى تذكرني حقاً بحركة أميرة ترقص في علبتها.

كانا أحياناً يتمشيان إلى الحدائق النباتية، أحياناً إلى متنزه ’ليبرتي بيل‘، وكثيراً ما راحا إلى المتنزه* حيث تفرسا في جدران المدينة القديمة عبر الوادي المكسو بالأشجار.

تكلما بالإنجليزية الممزوجة بالقليل من العبرية حول مستقبل تامار في إذاعة الأخبار التلفزيونية أو إنتاج الفيديو.

"بالطبع سأقطن بتل أبيب."

"لقد سمعتُ عن تل أبيب. إن الإثارة كلها هناك."

تحدثا عن ماضي جو – عن وطنه الجزيرة.

"هي في الحقيقة جزر صغيرة تتخذ شكل الهلال."

"أهي متصلة؟" تساءلت.

"ثمة بعض الجسور. وأحياناً ما نحتاج إلى القوارب."

"عندكم الكثير من المياه. لا بد وأنك تلفي بلدنا جافاً."

"مم... لقد سمعتُ عن بحيرة طبرية،" قال في لهجة موحية بالاحترام.

"هل لديكم زواحف؟"

"آه، العديد من السحالي."

"وأدغال؟"

"وأدغال."

"لم أر قط دغلاً في حياتي."

"قبل أن أجئ إلى هنا لم أكن قد شاهدتُ صحراء أبداً."

لو كان السيد جولدفانجر نائماً على كرسيه، قد يتكلمان عنه. يعتقد جو أن السيد جولدفانجر يختص بدراية تفوق دراية أغلب الناس ذلك على الرغم من عجزه عن الكلام أو بسبب هذا العجز. "أسرار النباتات. موقع المياه الجوفية."

"ستدفع إحدى الوزارات الأموال مقابل تلك المعلومات."

"إن شأنه شأن الألوج عندنا، فهو قد بلغ حداً من الهرم حال دون أن يقوم بواجباته في المجلس بيد أنه لا ينفك مبجلاً من الجميع."

"الألوج؟"

تفكر جو هنيهة. "تعني منصب كمنصب شيخ القبيلة."

"ألوج، ألجيم،" رددت تامار محاولة أن تجعل الكلمة تبدو عبرية للآذان. ثم حولت الكلمة إلى أفعال، فعل مبني للمجهول وفعل معلوم وفعل انعكاسي. أنصت جو إليها في صبر.

"يُستشار الألوج الكهل، الألوج ذو الحكمة، في القضايا الهامة،" نقل إليها.

"ألوج فخري،" علقت تامار.

كف جو عن الكلام مجدداً. ثم قال: "أنت نبيهة جداً."

ند عن تامار صوت كالصهيل وشى بما راودها من خجل. "والألوج الشاب – الذي لا يزال يضطلع بالمسؤولية؟"

"يتخذ القرارات نيابة عن المجموعة. علاوة على أنه يأخذ على عاتقه مهمة حل النزاعات ويقوم بعمل أشبه بعمل كاهن الاعتراف نظراً لأن الكنائس لم تعد عظيمة الفائدة."

"هل صحيح أنك تفحص الأمعاء؟" سارعت بالسؤال.

"لقد انقرضت تلك العادة لمّا وفد المبشرون."

"ومتى كان ذلك؟"

"في القرن السادس عشر."

 

"تعلّم جو على يد اليسوعيين" أطلعت السوبرانو جدة تامار. "كأساً آخر من النبيذ؟"

أومأت جدة تامار برأسها. "ثم تدرب ليصير مسعفاً."

"صيدلياً،" صححت السوبرانو لها.

تلا تلك الكلمات صمت شائك لان بالتدريج ليستحيل صمتاً أنيساً. وعند استئناف الحوار اتفقت السيدتان على أن ثمة القليل من الوظائف لكل من المسعفين والصيادلة بجزيرة جو الصغيرة. لم تتمكن زوجة جو المُدرسة من العثور على وظيفة ببلدها فاشتغلت مدبرة منزل بمدينة تورونتو. تمنى كلاهما أن يأتي بالآخر وبالابنة ذات الثامنة ربيعاً التي خلفاها في رعاية جدها وجدتها. خامر الابنة شعور بالتعاسة من جراء هذا الترتيب حتى إنها أبت الذهاب إلى المدرسة. "إنها مضربة،" قال جو.

"إن حجرة الدراسة،" عقبت جدة تامار، "تخضع لتأثير القوى الرجعية."

لو أضربت تامار عن المدرسة في أية لحظة، ستتولى جدتها بكل حماسة مهمة تعليمها بالبيت مركزة على الفلسفة الألمانية في القرن الثامن عشر. بيد أن هذا الاحتمال هو الذي أبقى تامار بالمدرسة معظم الوقت.

 

إلا أن أوقاتاً انصرمت خالجها فيها النفور من مجرد التفكير في زملائها بالفصل الذين غلب عليهم الجشع والأنانية... طرقت في واحد من تلك الأيام على باب أسرة جولدفانجر.

"مفاجأة!"

"اليوم عطلة مدرسية؟" قال جو في نبرة هادئة.

"عطلة مدرسية،" قالت كذباً. "هل لك رغبة في التمشية؟"

وافق السيد جولدفانجر فانطلقوا في سبيلهم. اقترحت تامار أن يدخلوا أحد المقاهي الكائنة بوسط البلد كي يتصفحا شبكة المعلومات بما أن يومئذ كان يوم عمل وكل المحلات مفتوحة. قال جو إن السيد جولدفانجر لن يستمتع بذلك النشاط. تساءلت تامار في سرها إن كان قد تعامل من قبل مع شبكة المعلومات. كانا يسيران وهما يتقاذفان كلمات الجدل. انتهى بهما الأمر أن اكتفيا بدفع الكرسي عبر الشوارع المزدحمة.

توقفا في فناء جاف ليتناولا الغداء الذي جهزه جو قبلاً. فتحت بالفناء ورشة تصليح وبقالة يعلوها الغبار ومتجر لبيع الحدائد.

"إنه برتقال شهي،" أثنت تامار. "عندما كانوا يمارسون عِرافة الكبد – ما الذي اكتشفوه عن المستقبل؟"

فض جو غلاف شطيرته وأعطاها نصفها. "كانت الاكتشافات تدور حول الماضي – حول بعض ما طرأ من تحولات. خذ قضمة واحدة فحسب يا عزيزي."

"تحولات؟ ما نوعيتها؟"

"تحول الناس إلى أسماك، الأشجار إلى محاربين." انتظرت أن يقول: الرجال إلى مربيات أطفال؛ لكنه لم يفعل. الرعاة إلى أوصياء إذن. "الفتيات إلى عالمات،" ردد جو وقد أفتر ثغره عن ابتسامة. "يا له من كتاب سميك."

حمل ذاك الكتاب عنوان السفراء. كانت تحاول أن تحسن مهاراتها في قراءة الإنجليزية. كانت الفقرة الأولى منه في مثل طول العهد القديم بأسره.

جعلت رائحة السيد جولدفانجر تفوح. التقطت تامار فضلات الغداء وسارت بها نحو صندوق قمامة قام في أحد أركان الفناء. أجفل اقترابها بعض القطط العجفاء ففرت من مخبأها.

ولّت ظهرها القمامة فالتقطت عيناها عبر الفناء رجلاً ثالثاً انضم للاثنين. كان الثالث واحداً من أولئك الشحاذين الذين يسردون قصة حياتهم على السابلة. لم تكن في حاجة إلى أن تكون على مسمع منهم حتى تنمي إليها الثرثرة المألوفة. وافت زوجته المنية منذ عهد قريب، تيتم الأطفال وحُرموا من ارتداء الأحذية وحمل الكتب المدرسية؛ هل كان السيد الأجنبي يدرك أن الأطفال غير القادرين على شراء الكتب المدرسية ينتحرون؟ دنت منهم إلى أن بلغها مباشرة الحديث المطول المحفوظ. إن العثور على وظيفة بات ضرباً من المستحيل في هذا البلد الذي يهب كل موارده للأثيوبيين الذين لم يكونوا أكثر يهودية منك يا سيدي. سيدي!

كان جو حينذاك يقف مستنداً بإحدى يديه إلى رأس السيد جولدفانجر. أمال رأسه قليلاً وهو يستمع إلى الشحاذ. ارتدى هذا الشخص قبعة منخفضة بالية فوق اليَرْمُلك*. ومد يده في حركة الشحاذين التقليدية.

توغلت يد جو في جيبه بحثاً عن عملات الشيكل. أودعها الشحاذ في أعماق سترته الطويلة ثم بسط راحته نحو السيد جولدفانجر. وضع السيد جولدفانجر أصابعه كالواثق على يد الرفيق الجديد.

"حسبك،" قال جو للشحاذ بعبرية خلت تماماً من الخجل.

"سيدي،" انحنى الشحاذ وابتعد في خفة.

سارا إلى البيت وقد ران عليهم سكون رخيم. صادفوا السيدة المغربية عند زاوية شارع ديروندا ثم أدركهم الأرمل بعد مسيرة عدة مبان. جمعا بريدهما بالردهة حيث ألفى جو رسالة من ابنته.

 

هلّ فصل الشتاء مصحوباً بأمطاره. زود جو كرسي السيد جولدفانجر بمظلة أجدت نفعاً في أيام الضباب بل وعندما أمطرت رذاذاً، لكنهما اضطرا إلى المكوث بالبيت عند هطول الأمطار. كانا يستمعان إلى الموسيقى وجو ينظف المنزل ويرتق الملابس. فقد أعارتهما السوبرانو اسطوانتين عليهما غناء أوبرالي منفرد – اسطوانتين فونغرافيتين لم تكنا أصليتين.

رقع جو ارتشاحاً بشقة الأرمل وأصلح عامود الدرج. وافق على أن يحتفظ بمفتاح إضافي للشقة الواقعة عبر الردهة مودعاً إياه في صندوقه الحاوي أدوات الخياطة. وحينما كان أحد الأطفال المغاربة ينسى مفتاحه، كان يقرع الباب على الأقل مرة في الأسبوع. كان جو يخبز الكعك في الوقت الذي يقيل فيه السيد جولدفانجر. تزايد نسيان الأطفال لمفاتيحهم مع مضي الوقت.

 

عرجت السوبرانو في إحدى الظهائر على شقة آل جولدفانجر بعد أن شهدت حفلة موسيقية أحياها ثلاثة عازفين على آلات وترية. كانت السيدة جولدفانجر تلعب الورق وحدها فيما كان السيد جولدفانجر يتفرج عليها. رشفت السوبرانو البراندي وجرى الحديث بينها وبين السيدة جولدفانجر لوهلة ونبرات أصواتهما ترن كرنين قطع الزجاج الدقيقة. تقدم جو حاملاً طبق عليه بعض الكعك وأبدى تعليقاً حول شحوب وجه الزائرة. سيعالج فصل الصيف بشرتها، أخبرته. امتنعت عن عرضه المعتاد بأن يواكبها إلى الطابق الأعلى.

همت السوبرانو عند باب بيتها بإدخال المفتاح بيد أن نوبة ما داهمتها على حين غرة. سقطت فجأة إلى الأمام؛ ثم بدرت منها حركة متشنجة كلفتها الكثير من الجهد كي تدفع الباب بيديها لتقع على جانبها وتتمدد مائلة وركبتاها المنحنيتان تتلامسان. ارتكز نصفها العلوي على السلم المفضي إلى الطابق الأعلى. أطلت المهابة من صفحة وجهها.

قفلت تامار من بروفة إحدى المسرحيات. كانت تصعد السلالم على غير عجل حين رمت بناظريها إلى الساقين. لم تطلق أية صرخات إنما استدارت راكضة نحو شقة جو. قرعت الباب تكراراً فلبى جو. بعد لمحة من فمها المفتوح وإصبعها المصوب، قفز على السلالم خالعاً سترته وهو يعدو. أمرت السيدة جولدفانجر زوجها بلا داع ألا يتحرك ولحقت بجو وفي أعقابها تامار. ورد على مسامع المغربية وقع أقدام هذا الجيش الصغير ففتحت بابها وشرعت ترتقي السلالم وقد حاق بها أطفالها. فتحت جدة تامار بابها بعد أن لزمت الفراش طيلة النهار لِما ألم بها من برد بالجيوب الأنفية. كانت ترتدي برنس حمام أكل عليه الدهر وشرب يلفه حزام. أما الأرمل فنزل من شقته.

أتى الزوج المغربي من عمله وشق طريقه عبر الردهة. انصرف نظره أول ما انصرف إلى بابين مفتوحين، باب شقته وباب شقة آل جولدفانجر. كان السيد جولدفانجر جالساً على أريكة محلاة بالزهور، يفرغ من كأس براندي وإن أراق معظمه. أبصر المغربي زوجته عند منتصف السلم تبرز من بين مجموعة من أطفالهما. امتد طرفه بعدها نحو تامار وذراعها الملتف حول السيدة جولدفانجر. مس أجسامهم جميعاً وهو يجتازهم. وقفت جدة تامار عند مدخل بيتها وهي تلبس كمتصوفي اليهود. الآن التقت عيناه بسترته القديمة المنقطة مكومة على الأرضية؛ الآن رأى السوبرانو وقد تسطحت على بسطة الدرج حيث سحبها جو. كانت تنورتها مرفوعة وأحد حذاءيها مخلوعاً. صكت صفارة الإسعاف مسامعهم وكأنها تنتحب. 

لم تكن فكرة الموت بجديدة عليهم جميعاً. خسر الأطفال أثناء مصادمة وقعت حديثاً ابن عم أكبر منهم سناً إنما قريب من قلوبهم. واظب التلفزيون على إطلاعهم على مذابح الطرق السريعة. شارك الأب المغربي في حرب واحدة والأرمل في العديد منها وكذا خدم والدا تامار بالجيش. خلال فترة عمل الأم المغربية بالجيش، ترقت لتصير ضابطاً مساعداً في المخابرات، وظيفة أدتها بكل مهارة بينما بدت في الظاهر كالمتكاسلة. سوف تُجنَد تامار بالخدمة العسكرية بعد المرحلة الثانوية ما لم تنضم إلى والديها بأمريكا مثلما يلحان عليها. منذ ثلاثة أعوام ولت تفجرت أكثر صديقاتها تعرضاً لعين الحسود في أحد المقاهي. أما العجوزان فقد جلستا على أسِرة العديد من المحتضرين.

جثا جو بحذاء الجثة في محاولة منه لإنعاشها عن طريق الفم. ثم أعلن وفاتها مجهشاً في البكاء.

 

لم يبدل جو وأسرته أي شيء بشقة السوبرانو بل إنهم أبقوا على الشيلان. استعملتها ابنتهما الصغيرة في تغطية دماها. كانت تذهب إلى المدرسة المحلية. بدت كابنة عِز وهي تلبس التنورات ذات المربعات التابعة لمدرسة الراهبات الخاصة، المدرسة التي رفضت الذهاب إليها. كانت تلعب مع الابنة المغربية وتلتقط العبرية بسرعة.

تابع الأرمل مباريات الشطرنج مع جو. وخلال أوقات عمل جو – فقد واصل رعايته اليقظة للسيد جولدفانجر – لعبا كالماضي بشقة آل جولدفانجر. وعندما كان جو يلبث بالبيت، لعبا هناك. كانت السيدة جو تطهو يخنة مشبعة بالتوابل. استعلم الأرمل بعد فترة عن مكوناتها – فاتضح أن بها لحماً وبطاطا حلوة ومكسرات. وبعد مرور وقت أطول سأل الأرمل عن الوصفة فانقلب أسلوبه في الطبخ انقلاباً واعداً.

كانا يلعبان فوق مائدة منخفضة من خشب الساج حُفرت عليها نقوش متقنة الصنع. كانت أمريكا اللاتينية منشأ تلك المائدة كما هو حال بقية الأثاث، وقد صاحبت السوبرانو في منفاها. لم تزل الحوائط مزينة بصور المرحومة في مراحل متباينة من مسيرتها المهنية. جلس الطفل على الأرضية قرب المائدة وكأنه لاعب ثالث يتابع التحركات.

انتاب القلق السيدة جولدفانجر أن تتغير علاقتهما بجو من جراء تبدل حظه. لا ريب أنها سعدت من أجله على أنها حسبت بحق... حسبت بحق... يعني، ألم يكن من الممكن أن تُترَك الشقة لفرد من أفراد العائلة؟

"لم تكن لديها عائلة،" أوضحت جدة تامار

"وقد تمتعت بكامل قواها العقلية على ما أظن،" أقرت السيدة جولدفانجر متنهدة.

"تماماً."

الحق أن أقل القليل من التغيير قد لحق بالعمارة. فعلى الرغم أن جو سكن في الشقة التي ورثتها زوجته، كان دوماً في المتناول للقيام بمناوبته الليلية. كان أحياناً يعد العشاء في تلك الأمسيات وغالباً ما كانت زوجته تطبخ؛ كان الأطفال المغاربة يعرجون عليهم وأيضاً الأرمل وأحياناً تامار بل وأحياناً جدة تامار؛ ولمّا كانت السيدة جولدفانجر تأتي إلى بيتها، تلفي ما هو أشبه بالحفلة الصغيرة مقامة بمسكنها. طالما حلا للسيد جولدفانجر وجود حشد من الناس حوله. ولم يتملكه الضجر سوى في المرات القصيرة التي يبرح جو فيها الغرفة؛ لكن بمجرد أن يرجع وتلتقي أعينهما، يستقر في خوائه المألوف الهادئ.

 

عندما جُددَت الاتفاقية ووُسعَت بنودها بحيث تمت إضافة مادة بشأن الجنسية، توافد المزيد من مواطني جو لينهضوا بتشكيلة أوسع من الوظائف. أمسى أحدهم، فيما قيل، شحاذاً بارعاً. اندرج الاسم "الألوج" في قائمة المفردات المفيدة. انفصل معنى الكلمة عن فكرة شيخ القبيلة؛ بيد أنها اكتسبت، على الأقل في القدس، دلالة "مقيم لا غنى عنه". أما بين سكان تل أبيب غير المبالين فقد أشارت أحياناً إلى البواب.

  

 

* السوبرانو: صاحبة أعلى طبقة من طبقات الغناء الأوبرالي عند النساء

* الإشارة هنا إلى أحد متنزهات القدس المطلة على البحر الميت ويدعى هاس

* اليَرْمُلك: الطاقية اليهودية

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.