مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الثاني والعشرون، يوليو 2009

 

 

 

 

 

تكرمت آرين كايل بالموافقة على نشر قصة "الولاء" في مجلة البوتقة.

ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Kyle was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Allegiance" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Kyle a great debt of gratitude for her kind permission.

"Allegiance" by Aryn Kyle. Copyright © 2006 by Aryn Kyle. Originally published in Ploughshares, vol. 32/2&3, Fall 2006. Published by kind permission of Denise Shannon Literary Agency. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Denise Shannon from Denise Shannon Literary Agency.

 

 

 

 

 

 

الولاء

 

آرين كايل

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: Jul.-1-2009

 

الموقع الرسمي لآرين كايل

http://www.arynkyle.com/

MPR. Photo: Euan Kerr

 

 

 

 

 

 

خريف 2006، مجلة بلاوشيرز

 أفضل القصص القصيرة الأمريكية 2007

 

 

 

 

 

في يومها الأول بالمَدرسة الأمريكية يُشرَّح فصل جلاينِس دود الأرض. كان تلاميذ الفصل الرابع في مَدرستها القديمة يُشرَّحون عيوناً للبقر تسلموها في إبريق من البلاستيك. بيد أنهم لا يتسلمون الدود هنا. إذ يضطر الفصل بعد انتهاء الغذاء إلى العثور على ديدانه في الطين بالخارج ثم شطفها تحت أحواض الحمَّام. مُدرسة جلاينِس الجديدة تُشركها مع ليورا فاوست، فتاة بأسنان معوجة ورقع من الكدمات البنية على ركبتيها. اشترك الآخرون كلهم بالفعل مع بعضهم البعض.

أقلها أبوها في ذلك الصباح إلى المَدرسة الجديدة وهو في طريقه إلى العمل. رفضت أمها المجيء معهما. "الأطفال الأمريكيون يجلبون مسدسات إلى المَدرسة،" نبست وطبَعت قُبلة على قمة رأس جلاينِس. "لذا حاولي ألا تُغضبي أحداً." نشأ أبوها في هذه البلدة. راح يشير إلى أشياء من ذاكرته وهو يقود السيارة: محل إطارات كان في الماضي محل آيس كريم، موقف سيارات صغير كان في الماضي موقفاً كبيراً، بنك كان بنكاً على الدوام لكنه حمَل اسماً مختلفاً.

تأتى لجلاينِس الجلوس إلى مكتبها فيما نهض بقية الفصل لتلاوة عهد الولاء. أنهت إلى مُدرستها بأن النطق به خيانة، وأنهم لو اكتشفوا في انجلترا، سيقطعون رأسها بالفأس. أمالت أبلة جلين رأسها إلى جانب قائلة، "حسناً، نحن لا نرغب في ذلك على الإطلاق." حتى انضمت جلاينِس إلى ليورا فاوست، لم يوجه إليها شخص آخر كلمة واحدة.

تقف جلاينِس إلى جانب، تراقب ليورا وهي تقرأ التعليمات من كتاب العلوم. وعند المكتب المستقر وراء مكتبها يستخدم صبي سكينه لرفع أحشاء فضية من دودته. "أنتِ، ماري بابينس*!" ينادي مقحماً سكينه في اتجاه جلاينِس.

ثمة فتاتان شعرهما على هيئة كعكتين متماثلتين، تعلو ضحكاتهما وجلاينِس تندفع جانباً. "جير-ا-ما-يا!" ترتفع أصواتهما بنبرة طويلة فتحاول جلاينِس رسم ابتسامة على شفتيها، تحاول تقبُل النكتة. كان للأطفال المضطربين عقلياً في مَدرستها القديمة فصل خاص بهم داخل البدروم، وحتى هناك كانت جلاينِس على يقين كامل بأن أحداً لم يسمح لهم بمسك السكاكين.

إنها فوضى، هذه المَدرسة الجديدة، مكان قذر أجرب بسجادة برتقالية تكسو الممرات وشطائر ندية من لحم البقر في وجبة الغذاء. ولأن الأمطار وحَّلت الملعب، يضطر الفصل إلى خلع الأحذية قبل الدخول وتكديسها بجانب الباب. خالج جلاينِس طوال النهار إحساس بالبرودة والقذارة وهي ترتدي جوربها. تيسر لهم دوماً في انجلترا ارتداء أحذيتهم داخل الفصول.

"بصوا،" يقول جيرامايا للفتاتين اللتين صففتا شعورهما على هيئة كعكة ثم يصوب سكينه نحو ليورا فاوست. وبينما تنحني فوق كتاب العلوم، ينقر جيرامايا السكين لتنطلق أحشاء الدودة على مؤخرة رأسها. تواصل ليورا المطالعة مُعَيِّنة الفقرة التي تقرأها بإصبعها فيما تلتصق الأحشاء بشعرها لتتدلى كقطعة سجق صغيرة زلقة.

تدور أبلة جلين في ممرات الفصل، تجيب على الأسئلة وتميل لتتفحص العمل. عندما تتقدم خلفهم، تحبس جلاينِس أنفاسها. سوف يشي أحدهم بما حدث. فقد فعل جيرامايا ما هو أكثر من شتم ليورا أو قبْض ملامحه ببذاءة. هناك قطع ميتة تتهدل من شعرها. جلاينِس متأكدة من أن فتاتيّ الكعك ستبوحان بشيء. في مَدرستها القديمة وقَفت الفتيات دوماً في مواجهة الصِبية.

تتوقف أبلة جلين خلف جلاينِس بالضبط لتلمس أظافرها القرمزية إحدى كعكات الفتاتين، كعكة تنضفر انضفاراً مثالياً. "ميجان آر. وميجان سي.،" قالت. "أنتما الاثنتان تتحليان دائماً بأجمل الشعور." تنتظر جلاينِس. إنه الوقت المناسب للإفشاء. أبلة جلين في صفهما.

"ماما تُسرحه،" نقلت إليها إحدى الميجانين. "تأتي ميجان سي. عندنا قبل المَدرسة وتُسرح ماما شعورنا نحن الاثنتين."

يسترد العمل اهتمام الميجانين. تمر بهما أبلة جلين. تغض جلاينِس طرفين شاخصين إلى مكتبها كيلا تُرغم على رؤية أحشاء الدودة، خيط زلق من الدهن يرتعش في شعر ليورا. هكذا هي أمريكاً إذن. لن يُقْدم أحد على فعل أي شيء.

تتناول جلاينِس وأبوها وجبة العشاء ليلتها بينما تَجلس أمها إلى المائدة وهي تدخن السجائر وتحتسي نبيذاً أحمر من كوب ورقي. "ألن تأكلي؟" يسأل أبوها.

"أكره الطعام هنا،" تقول أمها وتُلوح بالسيجارة أمام وجهها. "طعْم كل شيء كالجبن أو الشوكولاتة."

"إنه مجرد حساء،" يقول أبوها.

"إنه سهْلٌ عليك،" تردف أمها. "فقد أكلتَ الكثير من هذه الزبالة حتى إن رائحتها النتنة تفيح منك. أنتما الاثنان." تضع جلاينِس معلقتها ثم تشم كتفها. تتضوع من المنزل الجديد رائحتا الدهان الطازج ومنظف السجاد وتنبعث من الفناء رائحة الطين المبلل غير أن رائحة كتفها عادية تماماً.

تبتسم شفتا أبي جلاينِس وتطرف عيناه بسرعة. "لِم لا نجرب توخي القليل من الإيجابية؟ جلاينِس؟" يرفع حاجبيه أمام وجهها. "أخبرينا بحاجة واحدة عن مَدرستك الجديدة."

تفتح جلاينِس ثغرها كي تحكي أن جيرامايا رمى أحشاء دودة على شعر ليورا لكن قبل أن يتسنى لها إخراج صوت، يرفع أبوها يده. "لا،" نهاها. "حاجة لطيفة."

تَمْسك جلاينِس. أبوها يراقب على حين ينقر حرف سلطانيته الورقية بملعقة من البلاستيك. "لا أعرف،" تنطق في النهاية.

"مُدرستك جميلة،" يقول فتُطلق أمها صوتاً مخنوقاً في مؤخرة حلْقها. "أليس كذلك؟"

لم تفكر جلاينِس في المسألة بحق لكنها تتصور أن أبلة جلين لا بأس بها. ليست عجوزاً ولا بدينة ولا مغطاة بشامات كبيرة مشعرة. "طبعاً،" أجابته جلاينِس. "جميلة جداً."

يسعها أن تبصر توتر الأوتار في رقبة أمها، ترقُق الجلد المحيط بشفتيها. "طيب،" تُوَجه الكلام إلى أبي جلاينِس. "الفضل في ذلك يرجع إلى اللهم بارك في أمريكا."

"ضرائب بدون تمثيل. ما معنى ذلك الكلام؟" تسأل الأم وجلاينِس راقدة في حوض الحمام. تحاول جلاينِس شرح درس الدراسات الاجتماعية. إنهم مغرمون بحروبهم، الأمريكيون، مغرمون بالحديث عنها والفرجة على شرائط مصورة حولها والتطلع إلى صور لها في الكتب. في يومها الأول ليس إلا وجلاينِس تَعلم بالفعل كل شيء عن جورج واشنطون وذوي المعاطف الحمراء* وبول ريفير الصارخ بأعلى صوته عبر الريف. البريطانيون قادمون! البريطانيون قادمون!

"قد يحسَب المرء أنهم تجاوزا المسألة بعد كل هذه الفترة،" تُعلق أمها. "زيادة طفيفة في سعر الشاي، ولا زلنا على قائمتهم."

"تقول أبلة جلين إن هذا حصل منذ فترة طويلة،" تخبر جلاينِس أمها. "تقول إن أمريكا أنقذتنا في حربين كبيرتين، وعليه رجعنا كلنا أصدقاء الروح بالروح."

"شكلها مغفلة،" تقول أمها ثم تنحني على جلاينِس لتثبت أطراف شعرها المبتلة في قمة رأسها بمشبك. إنه وقتهما معاً، وقت البنت مثلما تسميه أمها. لا يزعجهما أبوها قط، لا يدق الباب قط أو ينادي أو يحاول الدخول. ومع ذلك تغلق أمها الباب بالقفل.

"هل صاحبتِ أحداً؟" تسأل أمها وتقعد على غطاء المرحاض.

تدعك جلاينِس نفسها بالصابون بقوة في حال لا تزال رائحة الطعام ملتصقة بها. "بنت واحدة،" تفضي. "قطَّعنا دودة معاً."

حاق الجمود بوجه أمها.

"من أجل حصة العلوم،" تقول جلاينِس. "جعلتْنا أبلة جلين شريكتين."

تَغلق أمها عينيها وترسم ابتسامة على وجهها. "آه،" تنطق. "ذلك لا يُحْسَب إذن. أنتِ لم تصاحبي أحداً." تنهض ثم تُسارع بخلع سترتها وبنطالها الجينز الأزرق لتُسقطهما على الأرضية. "وسَّعي،" تأمر. "أنا داخلة."

تتحرك جلاينِس إلى الأمام ساحبة ركبتيها لِصْق صدرها بينما تُنزل أمها جسدها إلى المياه خلفها. تدعك ظهر جلاينِس بعُقب يدها. "هل كانت المَدرسة فظيعة؟" تسأل فتنزلق جلاينِس إلى الوراء بين رجليّ أمها لتعتمد على صدرها.

"لا يرفعون أياديهم أبداً،" تُسِر إليها. "لا أحد يتكلم معي، ورائحة الفصل تشبه رائحة الأقدام المتسخة."

"نفس الحال هنا،" تقول أمها. يمس فمها قمة رأس جلاينِس. "مشتاقة إلى بلدي."

"وأنا أيضاً،" تتفوه جلاينِس.

"وُلدتُ هناك،" تهمس أمها.

"وأنا أيضاً،" تكرر جلاينِس.

تلمس الأم قوس أذن جلاينِس بإصبعها المبلول وتتتبع الشحمة بظفر إصبعها. "ما هو شكل مُدرستك؟"

تحاول جلاينِس أن تفكر. "شعرها أسود وعيناها بنيتان،" تخبرها. "تطلي أظافرها بلون أحمر وتبتسم كثيراً."

تستطيع جلاينِس أن تستشعر ارتفاع صدر أمها وانخفاضه مقابل عظمتيّ كتفيها. "ممكن أن أنام في سريرك الليلة؟" تسأل الأم فتومئ جلاينِس برأسها. تطوق الأم كتفيّ جلاينِس بذراعين نزل بهما البلل. "لا أحد يحبك كما أحبك،" تنهي إليها.

"عارفة،" ترد جلاينِس.

تُضيق أمها ذراعيها وتقحم رأسها إلى الأمام كي تحس جلاينِس بأنفاسها خلف أذنها. "قوليها لي الآن،" تلفظ أمها همساً.

"لا أحد يحبك كما أحبك."

لا تحوي الكافيتريا لبناً بالشوكولاتة يكفي كل واقف في الصف. ولهذا فهو سباق لتَصَدُّر الطابور. تحاول أبلة جلين أن تجعله عادلاً. "اليوم،" تخاطب الفصل، "يمكن لمن تضم أسماؤهم حرف الميم الوقوف في أول الصف." تصفق ميجان آر. وميجان سي. بأياديهما وتجريان نحو الباب لتحشرا أقدامهما في أحذية خفيفة متناغمة وردية اللون. تضع جلاينِس ذقنها على يدها وتنتظر. يأتي بعدئذ ذوو حرف الباء ثم الهاء. يقف أغلب الفصل في الصف على حين تشعر جلاينِس بالحزن داخلها ككيس من الرمال المبتلة. بل إن اللبن بالشوكولاتة لا يلذ لها.

حينما تنادي أبلة جلين على اللام، تَقوم جلاينِس بهدوء من مكتبها وتتبع ليورا فاوست نحو نهاية الصف. تشرع أبلة جلين في قيادة الفصل صوب الممر وتهرع جلاينِس لتَعْقِد رباط حذائها.

"حذائي ضاع!" تهتف ليورا فتتوقف أبلة جلين. "سرق أحدهم حذائي!"

تمشي أبلة جلين نحو نهاية الصف وفمها اللامع يتغضن تغضن الخوخة. "ليورا،" تنبس بلهجة يخيم عليها الضجر. "لم يسرق أحد حذاءك. فلنسرع الآن كيلا نؤخر الجميع عن الغذاء."

تتراءى ليورا وكأنها على وشك البكاء. يرصدها الجميع بعيونهم. البكاء هو أفظع غلطة يمكن الوقوع فيها. "لا أستطيع أن أجد حذائي،" تنطق ليورا بصوت خافت لا يخلو من صرير.

تُغلق أبلة جلين عينيها وتفرك جبهتها بأصابعها. "فلنبحث جميعاً عن حذاء ليورا،" تقول ثم تبعث تنهيدة إلى السقف.

عندما يجذب جيرامايا الحذاء من صفيحة القمامة، يُلوح به من رباطه أمام ليورا. "لا بد أن أحدهم ظنه زبالة،" يقول.

وفي طريقهم إلى كافيتريا المَدرسة تتردد في الممر أصداء صيحات "ليورا-حذاء-جراثيم! ممنوع اللمس مرة أخرى!" تنتقل جراثيم الحذاء الواحدة تلو الأخرى بطول الصف. تمشي جلاينِس خلف ليورا التي لم تجد الوقت الكافي لارتداء حذائها طيلة الطريق وتطقطق على طول الممر بكعبين منتفخان في الخلفية. تتوقف الجراثيم حين تنتقل إلى ليورا. لا تستدير لتمرر جراثيمها إلى جلاينِس.

تتناول جلاينِس الغذاء بمفردها في الكافيتريا. وعند المائدة المجاورة لها توزع ميجان آر. أظرف وردية لصقت عليها صوراً. "إنها حفلة وبيات،" تُبلغ الفتيات الجالسات إلى مائدتها. "سوف تشتري ماما أقنعة من الطين وخياراً حتى نعمل أقنعة لوجوهنا."

"حفلات عيد ميلادك هي الأحلى دائماً يا ميجان،" تقول واحدة من الفتيات.

"أنا عارفة،" ترد ميجان آر. "لكنها ستُكلف الكثير، ولن تسمح لي ماما بدعوة نفس العدد من الناس هذه السنة. لازم أن نبقيها سراً." تبتسم بقية الفتيات وتُخفض ميجان آر. صوتها. "لا أريد أن أجرح مشاعر الناس."

من السهل معرفة المُلام هنا. ففي مرحلة ما من التخطيط المبكر للحفلة حدَّد الأبوان عدد الحاضرين، عدد مَن تتسع حياتك لهم من أصدقاء. وفي وقت ما – بل وقبل أسابيع من وجود جلاينِس بهذه المَدرسة – عيَّنت أم ميجان آر. رقماً. تم وضع قائمة. تَجلس جلاينِس وحدها إلى مائدتها، ترشف لبنها الأبيض الصِرف في انتظار رنين الجرس لكي ترمي طعامها وتعود إلى الفصل.

عقب انتهاء المَدرسة تَجلس جلاينِس على سريرها الرِجل فوق الرِجل فيما تقف أمها عارية قبالة غرفة الملابس. كل أبواب غرف الملابس في المنزل الجديد مصنوعة من المرايا، وهذا هو ما تفعله أمها الآن وأبوها في العمل – تتطلع إلى جسدها عارية.

"هناك فتاة في المَدرسة يعاملها الكل بفظاظة،" تروي جلاينِس لأمها. "حتى المُدرسة."

تقف أمها موجِّهة جنبها إلى المرآة، تشد جلد معدتها ليتسطح ثم تتركه لينتأ مرة أخرى. "يَحدث ذلك أحياناً،" تقول. "يَحدث ذلك لبعض الناس." هذا شيء تُقدره جلاينِس في أمها، عدم تظاهرها بالقدرة على إصلاح الأمور.

"لماذا؟" تسأل جلاينِس فتهز أمها كتفيها.

"بعض الناس يجعلونه سهلاً غاية في السهولة،" تخبرها. "يُسَهلون للناس أن يعاملوهم بفظاظة."

تُنْعم جلاينِس التفكير في تلك الكلمات. كانت إحدى فتيات مَدرستها القديمة تتلو الصلوات بصوت عال أشبه بالصراخ قبل كل وجبة وكل امتحان، لا تحجم عن قول يسوع كذا ويسوع كذا. بيد أن أحداً لم يلق حذاءها مطلقاً في صفيحة القمامة. لم يوزع أحد قط جراثيمها على أحد. "لكن لِم ليس عندها أية صديقات؟" تسأل جلاينِس فتلْتفت أمها لترنو إليها.

"أنا ليس عندي أية صديقات،" تقول.

"عندك في بلدنا،" تصحح جلاينِس. "عندك الكثيرات."

"لا." تتقاطع ذراعا أمها فوق صدريها، تضغط عليهما ليتسطحا على جسدها. "لا، ليس عندي."

تكشط جلاينِس بظفرها قطعة من الطين الجاف عن قاعدة حذائها. "ماذا عن جودي؟" تسأل وتنقر قطعة الطين عن الملاءة. "ماذا عن رايتشل وليندا وكيتي بيل اللاتي يسكن أمامنا في الشارع؟ كلهن صديقاتك."

"لم يعدن،" تنفي أمها. "لم يعد عندي صديقات."

البنات، هكذا اعتادت أمها تسميتهن. نشأن معاً، التحقن بنفس المدارس، استمعن إلى نفس الموسيقى، حكين نفس القصص عن نفس الأشخاص. لمَّا كانت جلاينِس تُقبل إلى البيت من المَدرسة بعد الظهر، تجدهن في الرواق الخلفي، يدخن السجائر ويحسون مزيجاً من الخمور من كؤوس فاخرة. "يا بنات،" همست الواحدة للأخريات حين أرادت الكشف عن معلومة مهمة. جلست جلاينِس على حِجر أمها ورشفت رشفات صغيرة من كأسها المُثلَّج على حين تكلمن عن رفقائهن القدامى وقبلاتهن الأولى، نساء مِن معارفهن سمِن أو افتقرن أو تطلقن. أتمت الواحدة منهن جمل الأخريات، صديقات أمها، سردن قصصهن بسرعة وفي نفس الوقت فاختلطت حروفهن، أكملن التفاصيل الغائبة عن الأخريات، لفظن بالنكات في نفَس واحد، صرخن ضاحكات عند ذكر اسم، مكان، كلمة لم تعن شيئاً لجلاينِس.

أطلقت صديقات أمها على أبيها الأمريكي، وحين قدِم إلى البيت من العمل، تناوبن على الرقص معه حول مائدة المطبخ. "أنتَ محظوظ،" قلن له والمذياع يبث صوته في الخلفية. "الأمريكيات صاخبات وبدينات. يمضغن الأكل وأفواههن مفتوحة." هز إصبعه كاللائم أمام وجوههن فيما ضحكت جلاينِس وأمها بثغرين تغطيهما الأيدي. "لا تدَعيه يسرقك منا أبداً،" قلن لأم جلاينِس فوعدتهن ألا تسمح له.

"لماذا لم يعدن صديقاتك؟" تسأل جلاينِس. "هل لأننا انتقلنا؟"

تحملق أمها إلى انعكاس صورتها، تتتبع شفتيها بأناملها، تضغط بها على التجاويف الراقدة تحت عينيها. "اسألي أباك،" تنبس فتعتدل جلاينِس في جلستها.

"لِم جئنا إلى هنا؟" تسأل.

أغضت أمها عينيها نحو السجادة دافعة عُجْرَتيّ ركبتيها معاً وهي ترتفع على أطراف أصابعها. "لقد كذَب،" كاشفتها. "كذَب عليّ."

تُعمل جلاينِس ذهنها في هذه الجملة. لا تبدو كذبة واحدة صغيرة على هذا القدر من الأهمية. لو أن ذلك هو السبب الوحيد، قد لا يتعين عليهم إذن المكوث هنا. إنهم حتى لم يُفرغوا حقائبهم بعد. "عله يشعر بالأسف،" تقول جلاينِس وهي تصعد على ركبتيها. "أعني أسفاً حقيقياً. مثل تلك المرة التي أرقتُ فيها صودا العنب على السجادة ولومتُ السيدة التي كانت تنظف بيتنا؟ ربما يكون شيئاً مثل ذلك!"

"ليس مثل ذلك،" تنفي أمها. "ليس مثل ذلك على الإطلاق." تُضيق عينيها نحو جلاينِس في المرآة. "وتوقفي عن النط لأننا لن نرجع."

تغوص جلاينِس ثانية على عقبيها. ترفع أمها صدريها قارصة الحلمتين بأصابعها. "هل ترينني قبيحة؟" تسأل.

"لا،" تجيب جلاينِس فتتصاعد من أمها تنهيدة.

"لا بد أن تقولي ذلك،" تلفظ. "فأنتِ شبهي تماماً."

تُقَدم أمها معكرونة بالجبن على أطباق ورقية في وجبة العشاء ثم تتخذ مجلسها إلى المائدة لتدخن السجائر وتشرب الخمر من فنجانها الورقي. يتناول أبوها قضمة كبيرة من المعكرونة ثم يرفع لهما إبهامه استحساناً. "ممتاز!" يطري فتُطلق أمها هسيساً عالياً من مؤخرة حلْقها. "لن تأكلي؟" يسأل، وحين لا يفوز بجواب من أمها، يصفق بيديه ويدعك الكف بالكف. "حسناً،" يفوه مبتسماً. "فلنسمع شيئاً لطيفاً عن المَدرسة، جلاينِس."

تسدد جلاينِس نظرة إلى أمها لترى إن كان عليها أن تجيب لكن رأس أمها مائل إلى الوراء ينفخ نحو السقف حلقات من الدخان. "ميجان آر. وميجان سي. هما ألطف بنتين،" تطلعه. "تُسرحان نفس التسريحة وتَلبسان أحذية وردية، والكل يريد أن يصادقهما."

"جميل،" يُعلق أبوها.

"عيد ميلاد ميجان آر. يوم الجمعة، وسوف تُقِيم حفلة ثم ستبيت البنات عندها. لن تَحضرها إلا أحسن البنات."

وإذا بأمها تَعدل رأسها في حركة خاطفة. "حفلة بيات!" تقول وتهز كتفيها كالراقصة فوق المائدة. "كنتُ أحب حفلات البيات. كنا نغرق في الضحك حتى نتقيأ!"

"مبهج،" يقول أبوها غير أن أمها تتجاهله.

"كنا نحط أصابع إحدى الفتيات النائمات في مياه دافئة كي تُبلل نفسها." تحني الأم رأسها إلى الأمام ضاحكة نحو صدرها. "وحين تصحو بعدها، نحبسها في الخارج لنرغمها على رن جرس الباب والمشي في المنزل قُدَّام الكل!"

"كنتِ تفعلين ذلك بصديقاتك؟" تسأل جلاينِس ليميل رأس أمها إلى جانب.

"طبعاً لا،" تنفي. "ممم، ليس بالطيبات منهن على أي حال."

"لِم تفعلين ذلك بأي أحد؟" تسأل جلاينِس فتدير أمها حدقتيّ عينيها استهجاناً.

"للتسلية،" ترد.

"لا يبدو مسلياً،" تقول جلاينِس. يسعل أبوها نحو كتفه.

"قد لا تجدينه أنتِ مسلياً،" تقول أمها. "يا لكِ من مملة."

"لستُ مدعوة على أي حال،" تخبرها جلاينِس فيرتقي طرفا أبيها.

"لماذا؟" يستفسر.

تطرف عينا جلاينِس إلى طبق المعكرونة. "أنا جديدة."

يمد أبوها يده عبر المائدة ليضعها على يدها. "لن تظلي جديدة طويلاً،" يقول ضاغطاً على أصابعها. تشعر جلاينِس بغُصة تكبس على مؤخرة حلْقها. تريد أن تغلق عينيها وتسند رأسها إلى ظهر معصم أبيها.

"كان من المفترض أن يكون اسمك ميجان،" تفشي الأم فيرتفع ناظرا جلاينِس صوبها. "حتى آخر لحظة. لكن أباك عدَل عن رأيه."

"ماذا؟" تسأل جلاينِس.

"آه،" يقول. "آه. فكَّرني بالفطور، البيض وأقراص الخبز أو شيء من هذا القبيل. لا أعرف. راقني جلاينِس." يطالعها بابتسامة عبر المائدة. "ألستِ محظوظة لأنك فريدة من نوعك؟"

تشاهد الأم يد جلاينِس وهي تنسل من تحت يد أبيها وتقع فوق حِجرها.

تستحم جلاينِس ليلتئذ ثم تَجلس على سريرها على حين تعبث أمها بالراديو، تُقلب ما بين التشوش والتشوش إلى أن تعثر على محطة تُذيع موسيقى يشيع فيها الابتهاج والمرح. "تريدين أن أطلي أظافرك؟" تسأل فتهز جلاينِس رأسها. لا تزال أحشاؤها تثب بسبب الفقدان الوشيك لاسمها الغبي.

"أنا في منتهى التعب،" تعلن جلاينِس إلا أن أمها تهز الزجاجة الصغيرة أمامها.

"هيا، هيا،" تقول. "سيجعلك جميلة."

وفي اليوم التالي تجاهر أبلة جلين أثناء الغذاء أن مَن تضعن طلاء أظافر وردياً سيقفن في أول الصف ثم تغمز جلاينِس بعين أشبه باللوزة. تَصْدر همهمات توحي بالاستنكار. للميجانين أظافر عادية عارية.

بينما تنتظر جلاينِس أخذ صينيتها، يتنامى من خلفها صوت كالحفيف. تستدير لترى الميجانين وهما تميلان من الصف. "يا بنت يا جديدة،" تهمس ميجان آر. وتُلوح لتلفت انتباهها. "أحضري لنا لبناً بالشوكولاتة." تدفع يدها إلى الأمام فتُطرق جلاينِس ببصرها إلى النقود.

لن يأتي هذا الموقف بخير. لو أخذت جلاينِس النقود، ستظنها الميجانان ضعيفة، مستعدة لأن تعطي شيئاً في مقابل لا شيء. إن لم تأخذها، سوف يبغضانها إلى الأبد. تُضيق الميجانان أعينهما في حين يتفرج بقية الفصل. هذا هو الخيار: عدوة أو خادمة. لا تدري جلاينِس أيهما أسوأ.

عندما تَخرج ليورا فاوست من الصف، تخرج بعينين واسعتين تنمان عن الجدية. "هذا مناف للقواعد،" تنبئ جلاينِس. "إنه غش ومناف للقواعد."

"خليكِ في حالك،" تأمر ميجان سي. فتلمس ليورا ذراع جلاينِس.

"هذا ليس مسموحاً به يا جلاينِس. قد تتصل أبلة جلين بأمك وتقعين في مشكلة." تَشعر جلاينِس بنعومة أصابع ليورا وبرودتها على منحنى مرفقها، وللحظة تود أن تضع يدها على كتف ليورا الصغير بارز العظام. تود أن تخبرها ألا تقلق، وأن كل شيء سيسير على ما يرام.

لكن تلْتفت إحدى الميجانين إلى الأخرى متخاطبتين بلغة العيون الصامتة. شهِدت جلاينِس أمها وهي تجيء بنفس الحركة مع صديقاتها، عنق ممدود، حاجب مرفوع، لوي بطئ لجانب من جانبيّ الفم. بعد دقيقة واحدة سوف يفوت الأوان. لا بد أن تصنع شيئاً.

"لا تلمسيني،" تأمر جلاينِس وهي تنتر ذراعها بعيداً. "لا أريد جراثيمك النتنة."

يَخرج نفَس ليورا في لهاث واحد لا يَعدم السخونة. "سأشي بكن،" تُهدد ولكن بصوت خفيض مدفون في مكان عميق من صدرها. "سأشي بكن جميعاً إلى أبلة جلين."

تدنو ميجان آر. منها بيد تتكئ على وركها المرفوع. "سنقول كلنا إذن إنك كاذبة،" تنبس. تخفض ليورا طرفها نحو حذائها البني البالي ثم تخطف جلاينِس النقود من ميجان آر. تنقضي ثانية، وربما أقل، ثم يعدن جميعاً إلى الصف.

"أوشكتُ أن أكون ميجان،" تخبرهما جلاينِس حين تقعدان إلى مائدتها. تُسَلم إلى كل منهما لبناً بالشوكولاتة فيما تحدجها ميجان سي. بعيون الشك.

" أوشكتِ؟" تسأل.

"إنه أحب الأسماء لدى أمي على الإطلاق،" تنهي جلاينِس إليهما. "غير أن أبي بدَّله في الثانية الأخيرة."

"لِم لم تمنعه أمك؟" تسأل ميجان آر. "لو أنها أرادت تسميتك بهذا الاسم؟"

تتفكر جلاينِس في السؤال. "لقد كذب،" تبوح بعد لحظة. "بدَّله دون أن يخبرها، ولم تَعلم إلا بعدها."

"يا للسخافة،" تقول ميجان آر. لكنها تمد البصر فوق قمة رأس جلاينِس ملوحة لجذب انتباه فتيات يَجلسن في العادة إلى مائدتها.

"لا تزال غضبانة مما حدث،" تردف جلاينِس. "لا تناديني أمي إلا بميجان."

"معنا بنات زيادة على المكان" تقول ميجان آر. وهي تعد الكراسي حول المائدة. "لا بد أن نحشر أنفسنا."

تعج المائدة حولهن. تقعد جلاينِس ومرفقاها ينضغطان في ألم إلى جنبيها بينما تتجاذب الفتيات أطراف الحديث حول حفلة البيات. "سوف يطبخ أبي محار روكفيلر،" تعلن ميجان آر. "إنه المفضل لديّ."

"محار؟" تسأل جلاينِس فتعتدل ميجان في جلستها.

"هل تذوقتِه أبداً من قبل؟" تسأل ليحمر وجه جلاينِس.

"أبي لا يطبخ،" تقول. ترسل ميجان ابتسامة إلى بقية الجالسات إلى المائدة.

"طيب،" تقول. "لقد فاتك الكثير دون أن تدري."

تلكز جلاينِس غذاءها. مرَق شريحة الدجاج المقلي بني اللون متكتل القوام، تكشطه إلى حافة صينيتها فيما تخطط الفتيات الأخريات معاكسة الناس بالمكالمات المزيفة ويتحدثن عن الأفلام التي يجب أن تطلب ميجان آر. من أمها استئجارها للحفلة.

"في مَدرستي القديمة كنا نحط يد إحدى الفتيات في مياه دافئة ونجعلها تبلل نفسها في حفلات البيات،" تصرح جلاينِس فتتركز عليها عيون بقية الفتيات.

"تبلل نفسها؟" تسأل ميجان سي. "قصدك تبول على نفسها؟"

تومئ جلاينِس برأسها. "كنا ننتظر حتى تنام إحداهن، وبعد أن نجعلها تبلل، آآ، تبول على نفسها، نحبسها في الخارج." وخلال لحظة فريدة مجيدة تتسلط عيون الميجانين على جلاينِس، فيخامرها إحساس بأن أبواب مستقبلها تنفتح على وسعها. سوف تبتاع حذاء تنس وردياً. سوف تصفف شعرها في ضفائر أنيقة. سوف تصير هي الميجان صاحبة القصص المثيرة – الميجان الأوروبية.

لكن بينما تتخيل جلاينِس مكالمات تجمع بين ثلاثتهن ورسائل يُمررنها في الفصل، تنصرف الميجان إلى الأخرى. تتلامس أصابعهما. تحس جلاينِس بأن رئتيها تَفْرُغان شأنهما شأن بالونين ذاويين. لا يهم عدد ما تضمره من قصص، عدد ما تنتهكه من قواعد في الكافيتريا. بوسعها أن تتناول الغذاء عند هذه المائدة كل يوم طيلة حياتها، تمضي إلى كل حفلة، تشارك في كل حوار. ورغم ذلك لن تَعرفهما البتة مثلما تَعرف إحداهما الأخرى.

"لازم أن نفعل تلك الحركة،" تهمس ميجان آر. "بمن نفعلها؟"

"لا بد أن تكون المياه دافئة للغاية،" تتابع جلاينِس. "وإلا لن تنفع."

"ليورا،" تقترح ميجان سي. "يجب أن نفعلها بليورا."

تدير جلاينِس الطعام في صينيتها على حين تناقش بقية الفتيات خير طريقة لإقناع أم ميجان بالسماح لها بدعوة فرد إضافي. سيدَّعون بأن ليورا عاونت في أحد مشاريع مادة الدراسات الاجتماعية. قد يفلح الادعاء. تقف ميجان آر. لتَقطع الكافيتريا في اتجاه مائدة تَجلس إليها ليورا بمفردها.

لا تقوى جلاينِس على مشاهدة ما يقع. تتصف ليورا فاوست بصغر الحجم وغرابة المظهر، ذات شعر دهني وأظافر قذرة. بيد أنها لم تخطيء قط في حق جلاينِس. لا يسع ليورا أن تدري بتآمر العالَم عليها. أُم جلاينِس، أُم ميجان آر. لكليهما دخل في المؤامرة. ارتطم الغرباء بحيوات بعضهم البعض اتفاقاً ليحركوا الأحداث بدون فَضل أو معرفة أو لوم. في يوم من الأيام أبصرت جلاينِس وأمها أباها جالساً بجانب نافذة أحد المطاعم، يشارك كيتي بيل المقيمة في الجانب الآخر من الشارع احتساء الصودا. وبعدها انتقلوا. تك، تك، تك. انهار العالَم القديم وتُركت جلاينِس في هذا العالَم الجديد. جانَب ميجان آر. الصواب حين قالت إن جلاينِس فاتها الكثير دون أن تدري. ما العالم الفسيح بأسره إلا كومة كبيرة من الغرباء، يفكرون طوال الوقت في كل ما فاتهم.

لا يسمح الأب لجلاينِس بأكل كعك ’البوب-تارت‘ على العشاء. يكشف خبز الشطيرة عن الجبن ويهز ملاحتيّ الملح والفلفل فوق الجبن الأصفر مربع الشكل. "أنفقتُ اليوم بطوله في العمل،" يخاطب أمها. "كان باستطاعتك على الأقل إفراغ بعض الصناديق. كان باستطاعتك على الأقل تسخين شيء."

لا يظفر من أمها برد. تُمسك كوبها الورقي حيال صدرها وتُميل وركيها حول طاولة المطبخ كمن تستمع إلى موسيقى. تَجلس جلاينِس إلى المائدة وتقطع بأسنانها غلافاً من الألومنيوم يحيط بكعكة ’البوب-تارت.‘ ترتفع عينا أبيها نحوها. "قلتُ لا،" ينبه. "ليس على العشاء يا جلاينِس."

ترمق جلاينِس أمها في انتظار الأوامر. تصوب الأم لمحة إلى ’البوب-تارت‘ ثم إلى أبي جلاينِس. يعلو تثاؤبها وتقبض كلتا يديها على الكوب الورقي فيما تدور حول الطاولة وتتمايل بهدوء خارجة من الحجرة. عندما يسترد الأب بصر جلاينِس، تجده يرصدها رصداً، ثغره صغير مشدود عند الركنين. لا تفارق عينا جلاينِس عينيه وهي تطوي غلاف الألومنيوم. يهز رأسه، تحذير، فترشقه جلاينِس بطرفين شاخصين. وببطء متناه تملأ فمها بالبوب-تارت ليتضخم وجهها أثناء المضغ.

عندما يقف أبوها، تخشي جلاينِس أن يضربها. يرفع يده فيتحول البوب-تارت إلى أسمنت في فمها، رمل وتراب وحصى. غير أن أباها لا يضربها. إذ يضرب المائدة بدلاً منها. يقرع المائدة بيده المسطحة قرعاً حتى إنها تهتز فوق رجليّ جلاينِس وتنقلب ملاحتا الملح والفلفل الذين اندلقا على الخشب. "اللعنة!" يصيح.

تلبث الكلمة في الحجرة حتى عندما يكف الصوت. تحتفظ بها الحيطان هناك كضباب زاحف تلفه البرودة. تتفرس جلاينِس في كل الملح والفلفل المحلولين فوق المائدة. تظل جالسة على الكرسي بعد برهة طويلة من مغادرة أبيها للمطبخ. تَفصل بسطح ظفرها الملح عن الفلفل ليتكدسا في كومتين صغيرتين، الملح مع الملح، والفلفل مع الفلفل، كي يَكونا مع أصدقائهما، كيلا يدب الخوف في قلوبهما.

"الجمعة يوم القَلْب!" يصرخ جيرامايا في الملعب قبل بدء المَدرسة. ترتدي ليورا فاوست تنورة عليها رسوم هزلية لضفادع كبيرة. يطاردها الصِبية حول إطار سيارة معلَّق يَقوم مقام الأرجوحة، يمسكون حاشية تنورتها بأصابعهم ويرفعونها فوق سروالها التحتي الأبيض.

"كفاكم!" تزعق وهي تلف في دوائر وتضرب أياديهم ضربها للنحل. "اتركوني وشأني!"

تتعالى ضحكات جيرامايا. "أنتِ عارفة ما هو الجمعة،" يخبرها. "ما كان يجب أن تلبسي تنورة."

تفلت ليورا من أياديهم وتعدو عبر العشب الوحِل بأقصى سرعة في اتجاه الفصل. تتكئ جلاينِس مع الميجانين على حائط مشيد من القرميد، تشد بنطالها القطني بقوة حامدة الله أن كل تنوراتها لا تزال معبأة داخل الصناديق في مكان ما.

"أم ليورا سمحتْ لها بحضور حفلتي،" تنبئهما ميجان آر. عند رنين الجرس. "أنت تحفة لتفكيرك في حركة المياه الدافئة تلك. ليتني حقاً أستطيع دعوتك أنتِ الأخرى."

تَلحق جلاينِس بهما إلى الفصل. "أنا متأكدة أن حفلتك ستكون ممتعة جداً،" تنبس بلهجة مؤدبة. إلا أن رأسها رخو تحيق به دوخة فوق وتر رقبتها وأطرافها بطيئة ثقيلة الحركة. تَقطع جلاينِس طيلة الصباح برأس يستند إلى كلتيّ يديها. تَشعر بأن معدتها مثل خرقة باردة مبللة، تقحم قبضتها فيها محاوِلة أن تجعلها تعتقد أنها ليست جائعة. كانت أم جلاينِس نائمة حين فرَغت من الملح والفلفل. تسلقت سريرها بدون استحمام وضغطت جسمها لِصْق جسم أمها. ظلت مستيقظة طيلة الليل، تنصت إلى قرقرة معدتها والشخير البطيء ذي الصفير لأنفاس أبيها الآتية من غرفة النوم الكبيرة حيث نام بمفرده.

تشرع جلاينِس عند الفسحة في اتباع الميجانين غير أن أبلة جلين تناديها. "شكلك اليوم مبهدل شوية،" تقول. تخفض جلاينِس طرفها لتتيقن من أن بلوزتها نظيفة وأنها ترتدي كل حذاء في القدم الصحيحة. "هل تحبين أن أسوي لك شعرك؟" تسألها أبلة جلين فتُجري جلاينِس أصابعها على مؤخرة رأسها. كانت أم جلاينِس لا تزال نائمة حين انصرفت إلى المَدرسة. حاولت أن تجعل من شعرها ضفيرة فرنسية. ضفَّرت حتى نال الوجع من أصابعها لكنها أخرجت ضفيرة منكوشة مائلة غاصة بالكتل.

تقف جلاينِس ثابتة بلا حراك فيما تصفف أصابع أبلة جلين شعرها. "طيب،" تفوه وهي تُقسم شعر جلاينِس إلى أجزاء. "لا بد أنك تستصعبين الابتعاد عن بلدك."

"أظن،" ترد جلاينِس. لا رغبة لها في التفكير في انجلترا أو مَدرستها القديمة أو المنزل مقامها القديم. فما جدوى التفكير؟ إنها تعجز عن العودة.

"لا شك أن هذا بلدك أيضاً،" تؤكد أبلة جلين.

تستعين جلاينِس بالصمت. جدال مُدرستها سيُعد وقاحة.

"والدك أمريكي؟" تستفسر أبلة جلين. تومئ جلاينِس برأسها فتحس بيديّ أبلة جلين وهما تشدان شعرها. "إذن فأنتِ أمريكية أيضاً. لديكِ جنسية مزدوجة. هل تعرفين معنى ذلك؟" لا تجيب جلاينِس فتبدر من أبلة جلين تنهيدة. "يعني أنك مميَزة للغاية،" تُبلغها. "لديكِ بَلدان. جميع من في هذه المَدرسة لديهم بلد واحد. أظن أننا نستطيع تعلم الكثير من بعضنا البعض."

تواجه جلاينِس لوحة بيانات ألصقت عليها أبلة جلين نسخة ورقية سميكة من علَم بيتسي روس*. "ماذا لو قامت حرب؟" تسأل بكلمات تشعر بها طليقة خرقاء داخل فمها. "مثلما حدث من قبل؟"

تُفرقع أبلة جلين الرباط المطاطي حول طرف ضفيرة جلاينِس. "لا تقلقي،" تطمئنها. لن يَحصل ذلك أبداً." تضغط على كتفيّ جلاينِس. "انتهيتُ."

تَشعر جلاينِس بشعرها الناعم المشدود حول وجهها وكأنه يسحب ثغرها إلى الوراء ويبقي عينيها مفتوحتين على وسعهما. "شكراً،" تقول. لكن مع خروجها من الفصل يساور جلاينِس إحساس بالشك وهو يزحف على مؤخرة حلْقها. أبداً أمد طويل لا حد له.

وفي الخارج تُجيل جلاينِس ناظريها بحثاً عن الميجانين. تقفان تحت قضبان الملعب لكن قبل أن تَعبر المكان نحوهما، تلتقط عيناها ليورا فاوست، مترهلة القامة مرتعدة الأطراف على العشب. "هل أنتِ مريضة؟" تسأل جلاينِس. "هل أُحضر أبلة جلين؟"

ليورا على يديها وركبتيها تنقب بأصابعها في العشب المبلول. عندما تُقيم رأسها لترنو إلى جلاينِس، يَلوح وجهها بالكامل مغطى بالرقع الحمراء من فرط البكاء. "ضاع مني زر،" تنطق بين الفواق والفواق. "زر من قميصي. ضاع مني."

"لا تعيطي كالرُضَّع،" تأمر جلاينِس ثم ترمي نظرة فوق كتفها لتتأكد من أن الميجانين لا تشاهدان. "قُمِي من الأرض."

"سأقع في مشكلة كبيرة،" تنتحب. "لا بد أن تساعديني في العثور عليه." ترفع ليورا يدها لتقبض على ذراع جلاينِس بيد مبتلة تلطخت بالوحل. "ساعديني يا جلاينِس. أرجوكِ."

هذا ما ينقصها. لو نظرت الميجانان ورأتا جلاينِس مع ليورا، سيحسبان أنها تريد أن تكون هنا. سيحسبان أنها اختارت. "إنه مجرد زر،" تخبرها جلاينِس بيد أن ليورا تبكي بكاء حاراً حال دون أن تسمعها.

تصفع ليورا الأرض فيلتصق العشب المبلول بظهريّ يديها. "لا-لا-لا-لا-لا،" تقول. "آه أرجوكِ، أرجوكِ لا." يتبدى وجهها مصقولاً بالدموع والمخاط. تمسح عينيها بظهريّ معصميها وهي تزحف على العشب فتتلوث جبهتها بخطوط مبتلة وسخة. لا تستطيع جلاينِس أن تنصرف عنها. لا تستطيع أن تتركها هنا على هذه الحال.

"أمي ستقتلني!" تزعق ليورا فيَلحق بجلاينِس الإجفال متطلعة صوب الميجانين. تنحني إلى الأمام متظاهرة بالبحث في العشب.

"ربما وقَع في الفصل،" تقول. "الأرجح أنه على الأرضية بجانب مكتبك."

تهز ليورا رأسها وتدور بسرعة على ركبتيها لتتحسس العشب النابت خلفها. "كان الصِبية يشدون قميصي لمَّا كنتُ هنا. لا بد أنه هنا!" تصيح الآن مختنقة بصوتها الصارخ. "أرجوكِ يا جلاينِس. أرجوكِ ساعديني كي أجده."

"اخرسي إذن،" أمرت جلاينِس بصوت خافت لا يبرأ من الغضب. "الناس عيونهم علينا."

تلتقط جلاينِس بركن عينها الصِبية في ملعب السلة وهم يخطفون نظرة في اتجاههما. ينتاب أذنيها وخز من فرط الحرارة. تجس بلوزتها بداية من مقدمتها حتى تصل إلى آخر زر. لا يبدي مقاومة ذات بال. شدة واحدة قوية وينخلع من فوره بين أصابعها. تهم جلاينِس بأن تبسط يدها به، تهم بأن تقول، "ها هو أيتها الرضيعة البَكَّائة، خديه وكُفي عن النواح" عندما تميل ليورا معتمدة على مرفقيها وعمودها الفقري الهزيل يجيش.

"لن أتمكن من الذهاب إلى الحفلة الآن،" تنبس ليورا فيستولي على جلاينِس السكون. "ما دعاني أحد أبداً إلى حفلة بيات."

يفرك إبهام جلاينِس وسبابتها الزر برفق. "صحيح؟" تسأل. "ولا مرة؟"

تلوي ليورا وجهها لتريح جانبه على الأرض. "لقد أحضرتُ بالفعل هدية وكل حاجة،" تتنشق. تعصر جلاينِس الزر في راحتها بينما تستدير ليورا على ظهرها تاركة أحد ذراعيها يهبط على صدرها كيفما اتفق. "أحضرتُ لها كتاباً به ضفائر مختلفة تستطيع عملها في شعرها،" تقول. "جاءت معه أشرطة ومشابك براقة وحاجات ثانية. تخيلتُ أن أمها يمكنها استخدامه وهي تُسرح شعرها وشعر ميجان سي. قبل المَدرسة."

ترفع ليورا إحدى ركبتيها فتَسقط تنورتها حول فخذيها الأبيضين. تشيح جلاينِس بوجهها في إحراج. ألا تَقدر ليورا أن تفطن إلى حقيقة الأمر؟ ألم تتوقف قط لتتساءل عما دفع ميجان آر. التي – على حد علم جلاينِس – لم تُوَجه إلي ليورا كلمة طيبة البتة إلى دعوتها فجأة وبدون مقدمات إلى حفلة عيد ميلاد؟ لا. ما كان منها إلا أن خرجت جرياً وابتاعت هدية.

تجس جلاينِس الزر، ناعم حريري بين أصابعها. إنه لا شيء، حقاً – قطعة من البلاستيك. تغض طرفها إلى ليورا، إلى تنورة ابتلت وتشابكت حول رجليها الوحِلتين، إلى أثر السروال الداخلي وهو يختلس النظر من تحت الحاشية ذات الطيات، ثم ما تدرى جلاينِس إلا والكراهية تدب في نفسها نحوها. تكره ليورا لأنها ضعيفة كل هذا الضعف، لأنها تجعل ما يجري لها غاية في السهولة. تعصر جلاينِس الزر بقبضتها. "لا أظن أننا سنجده،" تنهي إليها.

حينما يدق جرس الفسحة، تنهض ليورا بساقين عاريتين تتلوثان بخطوط من الوحل والعشب. وبينما يسيرون في الطابور صوب الفصل، تفر تنهيدة من بين أسنان أبلة جلين ثم تشير إلى ليورا. "أنت متسخة على الآخر،" تقول. "اذهبي إلى حمَّام الفتيات ونظفي نفسك."

تبقي جلاينِس رأسها منخفضاً وهي تدفع حذاءها لخلعه عند المدخل. وفي طريقها إلى مكتبها تفتح يدها لتدع الزر يقع في صفيحة القمامة.

تنتظر جلاينِس حافلة المَدرسة عندما يوقف أبوها سيارته في الموقف. "لماذا تركتَ شُغلك؟" تسأل جلاينِس.

"هيا،" يقول لها. "الدنيا بدأت تمطر."

تَركب جلاينِس السيارة فيتقشر حذاؤها مما علِق به من طين على الأرضية. "فكرتُ في أن نذهب لإحضار شيء لنأكله،" يقول أبوها. "أنا وأنتِ فقط. نقصد مطعماً ونطلب كل ما نريده وكأنه ميعاد غرامي." تحس جلاينِس بقرقرة معدتها فتتخيل مائدة دافئة مريحة حيث ستشارك أباها البطاطس المحمرة وتطلب كعكة الجبن للتحلية. غير أن ذهنها يتحول إلى أمها، وحيدة عارية بالمنزل الجديد، في انتظارها.

"عندي واجب،" تقول.

"إنه الجمعة،" يعترض أبوها. "قُدامك الإجازة كلها."

"عندي كثير،" تقول. "سنبدأ الحرب الأهلية في الأسبوع القادم."

يُطلق أبيها تنهيدة. "حسناً."

عندما يمرقان من الباب الأمامي، تَدخل أم جلاينِس حجرة المعيشة وهي تَعْقد برنس الحمَّام حول خصرها. تتلون شفتاها بلون النبيذ الأرجواني. "ماذا تفعل هنا؟" تسأل.

يقف أبوها في المدخل الأمامي ليتفحص رسائل البريد. "استأذنتُ مبكراً،" يُعْلمها. "أقليت جلاينِس من المَدرسة."

تقضم أمها حرف كوبها الورقي. "ماذا جرى لشعرك؟" تسأل فتمد جلاينِس يدها لتمس ضفيرتها.

"أبلة جلين سرحتْه لي،" تخبرها.

"شكله لطيف،" يقول أبوها دون أن يرفع رأسه.

"ضاع مني زر،" تخبر جلاينِس أمها وهي تبسط نهاية بلوزتها. "في المَدرسة. أظنه وقع."

تسدد أمها لمحة إلى القميص. "ارميه،" تأمر فيرتقي بصر أبيها. تواجهه أمها بابتسامة. "بابا سيشتري لك واحداً جديداً."

عندما يرن جرس الهاتف، تترك جلاينِس أبويها يحدقان إلى بعضهما البعض في المدخل الأمامي لترد على الهاتف. إنها ميجان آر.

"جلاينِس؟" تسأل. "أم ليورا اتصلت منذ لحظات. لن تستطيع ليورا أن تأتي إلى حفلتي."

تستشعر جلاينِس نبضات قلبها في مؤخرة حلْقها. "لم أحسب أن أمها سترفض حقاً بسبب زر،" تقول فيسود صمت في الطرف الآخر من الهاتف.

"ماذا؟" تسأل ميجان. "إنها مريضة، ذلك ما قالته أمها."

"مريضة؟" تسأل جلاينِس. "بدت بخير في المَدرسة."

"أظن،" تقول ميجان. "لكن مَن يهتم على أي حال؟ لقد حكيتُ لأمي كل شيء عنك، أنك جديدة إنما تحفة، فقالت إن بإمكانك المجيء بدلاً من ليورا. أليست تلك أخباراً رائعة؟"

ترد جلاينِس بأنها أخبار رائعة. عل ليورا حقيقة مريضة. فقد قضت فعلاً كل ذلك الوقت في التمرغ في العشب المبتل. ولو أنها مريضة حقاً، سوف تسوء حالتها بعد حبسها في الخارج لمَّا تبلل نفسها.

"أَعرف أني أدعوكِ في آخر لحظة،" تخبرها ميجان. "لكن أمي تقول إننا ممكن أن نأتي لنأخذك لو سيسهل ذلك عليك المجيء."

عندما تسير جلاينِس عائدة إلى أبويها، لا يزالان في المدخل الأمامي. تمرر أمها يدها على ياقة برنسها فيما توازن الكوب الورقي بالأخرى. "كانت تلك ميجان آر.،" تعلن جلاينِس. "تدعوني إلى حفلة البيات الليلة." تجذب ذراع أمها. "لا بد أن نسرع،" تقول. "لا بد أن نشتري هدية."

تحدجها أمها بنظرة عارية من أي تعبير. "ستبيتين الليلة؟" تسأل. "الليلة كلها؟"

"إنها حفلة بيات،" تكرر جلاينِس فتعض أمها شفتها.

"لا أعرف،" تقول وترفع يداً لتلامس جبهتها. "لا أريدك أن تذهبي." تفتح جلاينِس فمها لكن قبل أن تَصدر منها كلمة يقاطع أبوها.

"لِم؟" يسأل لتتحول إليه عيون جلاينِس وأمها. "لِم لا تذهب؟"

تهز أمها رأسها وتستدير ماضية إلى حجرة الجلوس. تتبعها جلاينِس وأبوها. "أنا لا أعرف هؤلاء الناس،" تقول. "ولن أسمح لها بالانصراف مع غرباء."

"ممكن أن تقابليهم،" تخبرها جلاينِس. "وساعتها لن يكونوا غرباء."

تمضغ أمها شفتيها الأرجوانيتين بأسنانها. "أريدك هنا،" تتفوه بصوت خافت. "معي."

"لا تفعلي هذا" يأمر أبوها بصوت خفيض مشحون بالجدية. "افعلي ما تفعلينه بنفسك لو مضطرة لكن لا تفعليه بجلاينِس."

"عم تتحدث؟" تسأل أمها ثم تستدير لتجابه أباها.

"هذا بلدنا الآن،" يقول. "إننا نعيش هنا."

"وغلطة مَن تلك؟" تسأل أمها بوجه يلم به التوتر لينقلب وضيعاً قبيحاً. تشاهد جلاينِس كتفيّ أبيها يستقيمان ويَعْرُضان ليتبدى جسمه أضخم مما هو عليه. تبدأ ركبتاها في الارتجاف. تحل البرودة على يديها وقدميها.

"إنها ليلة واحدة فقط،" تهمس لكن لا أحد يستمع.

"أنتِ،" يقول أبوها. "أنتِ التي أصررت على الانتقال. كنتُ لأبقى لكنك رفضتِ."

ترمق جلاينِس أمها. لا يمكن أن يكون كلامه صحيحاً. لا يمكن.

وإذا برأس أمها يعلو بحركة خاطفة وعينيها تضيقان. "أنتَ وكيتي بيل،" تقول. "كيف أبقى بعد ما جرى؟"

"لقد تحدثنا عن هذا الموضوع،" ينبس أبوها بنبرة منخفضة. "الموضوع انتهى. لقد اخترتُ."

تُسقط أمها ذقنها إلى صدرها وتعصر الكوب الورقي حتى يستسلم أحد جوانبه. "لقد سلبتَ كل شيء،" همست. "سمحتَ لهن بأن يضحكن مني."

يتولى أبيها السكون. "لم يضحك منك أحد،" يقول بصوت رقَّت نبراته. "كن صديقاتك. لم يضحكن أبداً."

تشرع أم جلاينِس في البكاء فيمد أبوها يده نحوها. تنغلق يده حول ذراعها غير أنها تنتر نفسها بعيداً فيميل الكوب الورقي وينسكب قوس من النبيذ الأحمر على السجادة البيضاء. تغضي أمها طرفيها إلى النبيذ المراق ثم تُسقط الكوب على الأرضية وتركض خارجة من الغرفة.

جلاينِس وأبوها واقفان، يرسلان نظرات شاخصة إلى البقعة. "اذهبي،" يخاطب جلاينِس. "اذهبي لتطمئني عليها."

تبحث جلاينِس عن أمها في حجرة النوم بيد أن الحجرة خالية منها. تنادي في المدخل وتلقي على الأركان نظرات عجلى. على وشك أن ترجع إلى أبيها، على وشك أن تخبره بأن أمها انسلت ولا ريب من الباب الخلفي لكنها تجتاز الحمَّام. الباب مفتوح فتحة ضيقة، والظلام يعم بالداخل. حين تدفع جلاينِس الباب ببطء، يَهبط شعاع من النور على أرضية يمهدها البلاط، وفي الجانب الآخر من الحمَّام تستطيع أن تميز هيئة أمها في العتمة، جالسة في الحوض.

تتسلل جلاينِس على الأرضية فتَعْلَق مقدمة حذائها ببرنس أمها الحريري الراقد على الأرضية مثله مثل بركة صغيرة قاتمة. تَجلس أمها ساحبة ركبتيها إلى صدرها، عارية داخل الحوض الفارغ.

"ماما؟" تهمس جلاينِس غير أن جسد أمها يرتعد ورأسها منخفض على ركبتيها العاريتين. لا ترفع رأساً. "ماما، هل أنتِ بخير؟"

أمها لا تجيب، لا تبدى حراكاً، لا تنبس ببنت شفة. يتراءى جلدها أزرق اللون في الظلمة، ويتناثر شعرها في كتل متشابكة شعثاء نزولاً حتى عمودها الفقري البارز. تقف جلاينِس بعينين راصدتين. تلك يدا أمها، كاحلا أمها، عظمتا كتفيّ أمها الضيقتان. رأت جلاينِس جسد أمها مرات عديدة حتى إنه بات مألوفاً لديها كجسدها. تعْهد كل انحناءة وزاوية، كل مفصل ناتئ. ولكن جلاينِس تقف في الحمَّام محدقة إلى أمها دون أن يداخلها أي شعور. إنها غريبة. لم تلتق عينا جلاينِس بها من قبل طيلة حياتها. تتقهقر من الحجرة ثم تغلق الباب تاركة أمها هناك، وحيدة في الظلام.

حين تعود جلاينِس إلى حجرة الجلوس، تلفي أباها يرتكز على يديه وركبتيه، يدعك البقعة بمنشفة ورقية. يستحيل النبيذ الأحمر إلى أسود على السجادة، وتتمزق المنشفة الورقية إلى فتات وأبوها يدعك بيد أقوى وأقوى. لن تنفع، يجول بذهن جلاينِس لكنها لا تنطق بحرف.

"كيف حالها؟" يسأل أبوها دون أن يرتقي ناظراه.

"إنها بخير،" ترد جلاينِس. "لا تريد إلا قضاء بعض الوقت بمفردها." يومئ أبوها برأس لا يزال موجَّهاً نحو البقعة. تركع جلاينِس إلى جانبه. تراقب يده وهي تتحرك على النبيذ المراق، تضغط على السجادة بقطع المنشفة الورقية، تحاول مسح ما تشربته بالفعل، تحاول إصلاح ما سيمكث هناك إلى الأبد.

ومن الخارج تترامى إليها قعقعة خفيضة لسيارة تتوقف في الممر، صفقة باب سيارة. تسند جلاينِس كتفها إلى كتف أبيها وتضع يدها على يده. "الحفلة يا بابا. "ممكن أرُوح؟"

 

 


 


*  ماري بابينس: سلسلة كتب موجهة للأطفال بقلم الكاتبة الإنجليزية باميلا ترافيرس (1899-1996).

* ذوو المعاطف الحمراء: الجنود البريطانيون ولا سيما إبان الثورة الأمريكية.

* بيتسي روس: أول من صممت علماً للولايات المتحدة الأمريكية عام 1776.

 

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.