مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الرابع والعشرون، يناير 2010

 

 

 

 

 

تكرمت سوزان ستريت بالموافقة على نشر قصة "إل أوهو دي أجوا" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Straight was so generous to permit the publication of the Arabic text of "El Ojo de Agua" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Straight a great debt of gratitude for her kind permission.

"El Ojo de Agua" by Susan Straight. Copyright © 2006 by Susan Straight. Originally appeared in Zoetrope: All-Story, Vol 10 No 1, Spring 2006. Published by kind permission of Richard Parks Agency. All rights reserved.

 

Special thanks go to Mr. Richard Parks from Richard Parks Agency.

 

 

 

 

 

 

إل أوهو دي أجوا

سوزان ستريت

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: 01-Jan-2010

 

 

 

 

 

مجلة زويتروب: أول ستوري

ربيع 2006

 

 

 

 

 

ما كان حلماً لأنه لم يكن راقداً في فراشه ولم يكن نائماً. كان جالساً على كرسيه, أمام المدفأة في الشتاء, أو أمام الباب السلكي في الصيف, والساعة تقترب دوماً من منتصف الليل.

نام على السد في أثناء فيضان عام 1927, مثلما قوَّسوا جميعاً أنفسهم ليستدفئوا هناك على الوحل, حتى البالغين من الرجال والنساء إن صَغُرت أحجامهم ولَدُنت أجسامهم. عجَزت المرأة الضخمة المدعوة نيت عن نوم هذه النَومة. تمددت على ظهرها ومعدتها تواجه القمر وقد قَيَّدت ثلاثة أطفال إليها بأظافر قوية في شعورهم أو ذراع فوق أجسامهم. رصدهم جاستاف في نور القمر, تراءوا أشبه بحيوانات رضيعة تحاول الوصول إلى الطعام.

إلا أن الطعام نفد بعد ثلاثة أيام. كانوا يشتغلون في حقل قصب السكر حين تدفقت المياه كسجادة تنبسط قبالتهم. ما شالوا إلا المعاول ودلاء وجبة الغذاء.

لدغ شيءٌ أمه في الحقل اليوم السابق. عنكبوت؟ تضخم كاحلها وتورم. لزِمت غرفتهم لتنال قسطاً من النوم. محت المياه كل المنازل العشرة القريبة من بايو بيكاس والبعيدة كل البعد عن الحقول.

انتظروا قارباً. كفت المياه عن الارتفاع قبل قمة السد بنحو عشر أقدام. ما ارتطمت أعينهم نهاراً إلا بمياه صفراء ضاربة إلى اللون البني, وسخة المنظر تمور عالياً بالقرب من الناس. صفعت المياه نفسها في موجات صغيرة ومَصَّت نفسها في دوائر. هبَط عالم بأكمله تحت المياه.

وبجوار طرف المشهد سبقه البصر بعيداً إلى قمتيّ سقفين. الكنيسة والمَدرسة. ضاعت بقية المنازل المتفرقة في سارات وبايو بيكاس. وما أظهرت أشجار البلوط وجوز البَقّان إلا قممها فيما امتدت الأغصان كما العروق فوق سطح المياه. ترقبت الثعابين بين الأغصان وهي تقيس المسافة إلى السد.

تناهت الأصوات إلى جاستاف: "لن آكل ثعابين. فلستُ هندياً أحمر. أريد بعض اللحم, إنما ليس لحم ثعبان." لم يكن حلماً غير أنه لم يكن مستيقظاً. نام مستقيم الظهر على كرسيه إزاء الباب السلكي المفتوح.

لوى نفسه فوق السد لوياً اتقاء للبرد حتى إنه شعر بأن عموده الفقري ينثني انثناء عود صفصاف مبلول. غَشَّت الكلاب والقطط أوجهها بذيولها لكن لا ذيل له. ما ملَك إلا قميصاً وبنطالاً وسخهما القصب. بلا غذاء. كان يأمل أن يشاركه أحد غذاءه. جلس رجلان على صندوقين وأعينهما ترصد. لم يكن يَعرفهما. قدِما من مكان آخر.

كانا يترقبان قارباً, جنوداً, شخصاً.

أحياناً ما كان يطفو بحذائهم خنزير ميت أو بقرة ميتة. الآذان لا حد لصغرها والأظلاف كصحون رمادية.

 

استدعى صوت هاتف المطبخ صوت الجُدْجُد الأسود, لكنه حين أدرك أنه ليس بجُدْجُد ونهض من كرسيه ليشق طريقه إلى مؤخرة المنزل, توقفت الضوضاء. سلَّط جاستاف عينيه على قرص الهاتف الدائري. كانت ابنته جلوريت تسخر دائماً من الهاتف عندما ذهبت في صغرها إلى مدينة ريو سيكو حيث منازل صديقاتها في المَدرسة, بعيداً عن مسكنهم في سارات, مسكن شيده هو وإنريكى هنا في كاليفورنيا. كانت هواتف الأميرة* تتلون بالوردي والذهبي, أخبرته. لم تختلف هواتف الحائط عن أخفاف المنزل.

مال جاستاف على طاولة تجاور الهاتف في حال انبعث رنينه مجدداً. لن يجدها جلوريت. لم تتصل ابنته به قط. لم تفعلها خلال خمس سنوات أعقبت وفاة أمها. ما وسعه أن يعطيها أي شيء إلا الأموال, وما أرادت هي إلا الأموال لشراء المخدرات. لكن ربما اتصل فيكتور ابنها. ففي خلال انتقالهما من شقة إلى شقة كل ثلاثة أشهر, قبيل طردهما من السكن, وجرياً على عادة جلوريت أن تعيش مع اللصوص والمغفلين, استولى الجوع واليأس على فيكتور من حين لآخر. ابتاع له جاستاف هاتفاً محمولاً للطوارئ.

رفَع غطاء قِدر يحوي فولاً طبخه في وقت سابق. تطايرت أنفاس الفول عندما نفخ فيه ليتبين درجة طراوته. تحولت الحبوب الجامدة للفول والأرُز إلى طعام. انطحنت الذرة لتنقلب دقيقاً للخبز. قامت أمه في خاطره وهي تقف على جمر نيران الطهو لتصنع خبر الذرة.

اعتاد الحفيد أن يمكث مع جاستاف وزوجته زهاء أسبوع لمَّا كان في السادسة أو السابعة, لمَّا تدهورت الأحوال. كان جاستاف لا يزل قادراً على قيادة السيارة. عَرَّج على المنزل المستأجَر ليلفي الصبي جالساً في المطبخ ومعه كتب المَدرسة والكراريس وعلى وجهه قناع كأقنعة ثلاثاء المَرْفَع* بيد أنه لم يكن قناعاً مبتسماً. ما تحرك إلا عيناه. غابت أمه طيلة الليل. كان قد أكل حبوب 'الكورن بابس' جافةً في سلطانية فالتصق الغبار الأصفر بشفتيه.

خبَزت أنجولي عيشاً من الذرة كل ليلة. كسرات مغلية من العيش صباحاً, عصيدة الذرة يتخللها القليل من دِبْس السكر. ويوم السبت, فول وأرُز. لحْم تتصل به عظْمة. لحْم الأضلع.

أظْهُر الدجاج. يطفو عظْم الرقبة كما الأحجية فوق سطح المياه. سوف يضع حفيده عظْم الرقبة في فمه ويعبس إلى أن يقول جاستاف, "أخرجه بإصبعك, إنه للتذوق فقط الآن. سوف يستوي اللحم."

اتصل فيكتور منذ ثلاثة أشهر. حلت به أنفلونزا وغابت أمه عن المنزل منذ ثلاثة أيام. انتظرته امتحانات في المَدرسة. عثر جاستاف على الشقة المسماة بلاس بالماس, وجلب معه أموالاً وأدوية. ثيرافلو وأدفيل, مَطْلبا حفيده. قبعت في الخزائن علب شعرية بدا شكلها كدانتيل تنقص خيوطه الدقة بينما حوت الثلاجة مياه غازية. أنهى جاستاف إليه, "تعال وامكث معي. كُلْ بعض اللحم والبرتقال. وسنوصلك إلى تلك المَدرسة, هناك."

اضطجع حفيده على الحَشِية وأعلمه, "سوف أتخرج في يونيه. أستطيع أن أمشي الآن. أنا تمام يا جدي. شكراً."

وَرَدَت إلى جاستاف الآن أصوات آتية من نافذة المطبخ المفتوحة, أحدهم يتكلم في الطريق بالقرب من منزل إنريكى. كانت النافذة مفتوحة لتلتقط هواء الليل المنعش. تألفت كل المنازل – خلا منزل إنريكى – من ثلاث غرف تمتد على خط واحد كما هو خليق بمنازل لويزيانا رغم أنها كاليفورنيا. كان عبق زهر البرتقال أقوى هنا في الخلفية الأقرب من الأشجار. حين جاء به إنريكى إلى هنا في شتاء 1957, كانت الزهور والفاكهة نابتة في نفس الوقت على الأشجار. يناير. قطفا البرتقال في الصباح التالي فسقطت الزهور كما النجوم البيضاء. أخبره إنريكى, "يمكنك أن تَحصل على ذلك المنزل عندما تأتي بأنجولي من لويزيانا, عندما تتزوج بها."

كان جاستاف قد أكَل ليلتها ملء طبق من الطعام في الشرفة, كعادة أمه عند نهاية يوم حار لم تطق معه البقاء داخل الغرفتين الضيقتين, واحدة يَشغلها موقد يبعث الحرارة, والأخرى تَشغلها أَسرتهم.

اعتادوا أن يتناولوا غذاءهم في حقل قصب السكر, فالبيت أبعد من أن يمشوا إليه. أكَلوا شطائر السجق المدخن, شطائر من الخبز الأبيض. وضعت أمه سبع قطرات من صلصة الفلفل 'لويزيانا جولد' على أقمار اللحم الوردية بين خبز ابتل بفعل الحرارة. أعادت الزجاجة بالغة الصغر في جيب رداء العمل.

سخَّن جاستاف خبزاً مكسيكياً على عين الموقد. قمة اللهب زرقاء في الظلمة. نقاط سوداء تَشكل دائرة على الخبز المكسيكي.

عندما أحضره إنريكى إلى هنا, كانت أميال البساتين – برتقال أبو سرة وبرتقال سكري وليمون حامض وليمون هندي – تترامى حول مدينة ريو سيكو. علَّمه المكسيكيون كيفية عمل الخبز المكسيكي. في بداية اشتغاله بالبساتين, أعطاه المكسيكيون خبراً مكسيكياً محشياً بالفول وملفوفاً بإحكام شأن الأنابيب البيضاء, خبزاً ساخناً وضعه أحدهم فوق لوحة القيادة بالشاحنة طيلة الصباح وحمصه الزجاج الأمامي.

أكَل الخبز الجاف الناعم متذوقاً العلامات المحروقة. فاحت راحة الحديد من موقد الغاز القديم. كانت أمه قد جلست بجانبه في حقل قصب السكر قبل لسعها بيوم. أعطته قطعة من خبز الذرة الخاص بها, قطعة طرَّاها شربات قصب السكر. بكَت زوجته لمَّا قابلت عيناها  للمرة الأولى ألسنة اللهب الزرقاء وفطنت إلى أنها لم تضطر إلى معايرة الحطب من أجل الطهو.

رشف جاستاف رشفة من شراب الرَّم من الكأس الصغير القائم على الطاولة. ثم حمَل حفنة من الفستق الحلبي ووقف بحذاء سلك الباب, يفلق النُقْل ويَمسك بالقشر في راحته. كان صِبية إنريكى يتجاذبون أطراف الحديث مع صِبية آخرين في شرفة إنريكى فسيحة الأركان.

تَمَلَّح الفستق وتلون بالأخضر والوردي. ما ذاق مثل ذلك المذاق من قبل. كان جاستاف قد رفض أن يأكله حين أعطاه أحدهم كيساً منه لأول مرة. زرعه أحد الرجال في البلدة المجاورة.

عندما قدِم فيكتور للمكوث معه بضعة أيام خلال العام المنصرم, عندما كانت جلوريت في المستشفى مصابة بالالتهاب الرئوي, كان يلكز الطعام على الطاولة قائلاً, "كيف ستعيش على الخبز المكسيكي والمكسرات والقهوة والفول؟"

كان جاستاف يرد, "لقد أكملتُ الثمانين, أليس كذلك؟ آكل ما أشتهيه. حين تكمل الثمانين, كُلْ ما تشتهيه. كسرات مغلية من خبز الذرة في القِدْر لإفطارك."

كان حفيده يسكب سكراً ولبناً على العصيدة الساخنة ليَأكل في صمت وسماعتا الأذن تطنان في رأسه وكأن هناك حشرات محبوسة داخل أذنيه. وحين يفرَغ من الأكل, ينهي إليه, "لن أشرب قهوة."

كان جاستاف يقول, "هناك برتقال على المائدة. كُلْ واحدة واعتبِرها عصيراً. وبعدها سآخذك إلى تلك المَدرسة, هناك."

طرَح قشر الفستق في سلطانية. لم ير والد الصبي على الإطلاق. لم يره أحد.

عرِف جاستاف أباه حتى سن الخامسة. كان ميتاً بالفعل حين فاض فيضان 1927. أطلق عليه شخص النار في نزاع بإحدى حانات مدينة نيو أيبيريا. باح الرجال بأن أباه وضع يده على عجيزة امرأة فأطلق رجل عليه الرصاص.

حاول أن يتخيل ما لسع أمه وجعل كاحلها في منتهى التورم والاحمرار حتى إنها عجزت عن مغادرة فراشها في ذلك الصباح, من المياه. نحلة أو دبور – فلدغة الحية كانت ستخلف آثاراً. عنكبوت؟ كل الكائنات في حقل قصب السكر, متوارية في غابة من سيقان القصب.

كاحل أمه دون غيرها. أقدام الخنازير. عراقيب الخنازير. قالت إن عرقوباً واحداً من عراقيب الخنازير يمْكن أن يضفي نكهة على قِدر ضخم من الفول. مملَّح ومجفَّف وذاوٍ ثم طافٍ منتفخ متجدد على سطح المياه الجياشة. كانت تستخلص كل نتفة لحم من الغضروف والجِلد.

حاولت مخيلته أن ترسم صورة لعجيزة المرأة في الحانة. يد أبيه على اللحم. الطلقة في صدر أبيه. كان أبوه على بعد عشرين ميلاً من الرافد بل إن أحداً لم يقف على هويته. احتفظوا بالجثة في مشرحة. فريزر لحم. نقَل أحد الرجال الخبر إلى أمه بعد أسبوعين غير أنه كان عندئذ مدفوناً. لذا كان على جاستاف أن يتصور وجه أبيه متجمداً على هيئة ابتسامة أو صرخة أو عبسة, ويده متجمدة على شكل لحم مستدير, وصدره تتخلله فجوة صغيرة أو كبيرة.

أصابع قدميه هو وأوتارهما, حين خلَع جزمة من تلك الجزم التي وزَّعها الجيش ورقَد في الحقل مع الآخرين. ساقا ابنته, حين طالتا ونحفتا. عرائسها. تناثرت حِلى الشَعر وعِقد من الخرز ومستحضرات التجميل وغسول الوجه وطلاء الأظافر على التسريحة كما يليق بالجواهر.

طفت الأصوات على طول الطريق المُتْرب صوب بابه. وقف اثنان من صِبية إنريكى على سلالمه الخشبية. "عم جاستاف," لفظ أحدهما لتجري الكلمتان على لسانه جريان الكلمة الواحدة, اسم دعياه به على الدوام رغم أن أباهما لم تربطه به أخوة دم.

دماء خنزير على يديّ إنريكى.

"إنها هنا," كاشفه الابن. وَسَمَ جِص أبيض اللون جاف الشكل ساعديّ لافييت, الابن الأكبر. خرَج جاستاف إلى السلالم.

"جلوريت؟" سأل. لا أحد سواها.

رفَع لافييت ذقنه. "جلوريت. لقد أحضرناها. إنها – "

وَعَى جاستاف قصده. تنفس غباراً حاداً أثارته أقدامهما. الجو جاف والشهر يونيه. بلا مطر. دخَل الغبار جسمه.

"وجَدها أحدهم. هناك بجوار مغسلة لوندِرلاند."

أغلق الباب السلكي القديم من خلفه فارتفعت هسهسة المزلاج الصغير. تركاه ليمضي هو أولاً ويرى جثتها.

 

استلقت على الأريكة في غرفة المعيشة رحبة الأرجاء بمنزل إنريكى. كانت زوجة إنريكى, ماري-تيريز في انتظاره, تُمَلِّس شعراً في رقة الدانتيل لزِق بجبين جلوريت.

تسطحت ابنته على ظهرها. فمها مفتوح وعيناها مغلقتان. تشابك شعرها وكأنه طحلب أسود على وسادة الأريكة. برَزت أضلع معدتها تحت صدرية كانت ترتديها. شحُبت بشرتها شحوب جوز البَقَّان الفِج. نامت نهاراً وخرَجت ليلاً. دخنت الأحجار الصغيرة التي رآها, مثلها مثل بُرْغُل منتزع من حلْق دجاجة.

لا دماء, لا ندوب, لا جروح أو كدمات, عدا ثلاثة أهلة صغيرة سوداء اللون على ترقوتها كما لو كانت خدشت نفسها.

لامس جاستاف ترقوتها, عُجْرَة العظْمة مكان الالتئام بعد أن كسرتها بسقوطها من شجرة برتقال. ما قوي على مس شعرها. عندما كانت في الرابعة عشرة, أعاد لحم جسدها ترتيب نفسه ودبت اليقظة في عينيها أسفل فرو حاجبيها ورموشها. خرَج شعرها من ضفائر وجدائل كانت زوجته تعقدها كل صباح. طَلَت رموشها بزيت المحرك ولونت شفتيها ثم احتجبت في غرفتها. شَق الخوف من جمالها طريقاً متلوياً في أحشائه. هناك استشعر الخوف, داخِل قنوات حمَلت الطعام عبر جسمه.

نَمَّت الترقوة بطريقة ما عن جمالها, وكذا التجويف الظاهر عند قاعدة حلْقها.

"أَقبل إليها رَجل في المحل مرة أخرى ليسألها إن كانت تحب أن تشتغل عارضة أزياء," كانت زوجته تُبلغه. "قال إنها صغيرة الحجم قليلاً ولكنه طلب التقاط صورتها." كانت تقبض على شفتها بين أسنانها وتبقيها هناك حتى يبدو وكأن دبوساً ترك أثره فيها. نعِمت زوجته ببشرة أشبه بخبز الذرة وشعر مجدول عالياً على رأسها في إكليل وجَدٍ فرنسي من بايو بيكاس. كانت مخبَّأة في منزل أمها حين وفَد الرجال في سياراتهم للبحث عنها وأصابعهم تتمرن على الجذب والعناق.

سأل زوجته إن كان خوف يلم بها من جَمَال جلوريت فردت بإيماءة من رأسها. سألها عن موضع الخوف لتجاهر بأنه قابع داخل عظْم وركيها حيث ارتاحت جلوريت طويلاً.

عندما رحَلت جلوريت برفقة الرجل والد فيكتور ثم نأت عن الأنظار, دلَف جاستاف إلى غرفتها, أول غرفة وراء غرفة المعيشة. استقرت عرائس باربي على عتبة النافذة وتدلت سيقانها في الهواء. أمضت زوجته سنوات في ابتياع العرائس قائلة, "كل البنات عندهم هذه العرائس. باربي وكل هذه الملابس. لها دولاب خاص بها وطبعاً شماعات صغيرة داخله."

تناول يد ابنته وركَع بجانب الأريكة. لم تكن بشرتها ناعمة. ولم تكن جاسئة. أحس بأنها متلطخة. كانت قد كسرت رسغها أيضاً فراح يجس عظْمه. كان قد جلب إلى البيت قطعة طويلة من البلاستيك من متجر كيه مارت ووصَل خرطوماً كي تسيل المياه في مجرى. ألقى كل هؤلاء الأطفال – كل هؤلاء الرجال الراشدين الواقفين بالشرفة في انتظاره – أنفسهم في الثَلْم الأزرق وتصاعدت صرخاتهم. كانت العظام غاية في الصغر. "يتجمع الكالسيوم في موضع الكسر," نقَل الطبيب إليه وعيناه تتحاشيان يديّ جاستاف المُسْوَدتين المترعتين بزيت الليمون والطين وقِشْر البرتقال أبو سرة الذي كان يضعه في الأقفاص طيلة النهار.

أفضت ماري-تيريز إليه, "أنا أَعرفك يا جاستاف. لن أقولها."

أومأ برأسه. كانت أقرب صديقات زوجته, ابنة عمها. لن تقول: إنها نعمة من الله أن أنجولي ليست هنا لترى ما تراه.

ولكن جانب كلامها الصواب. لقد علِمت أنجولي, طيلة الوقت, منذ أبت جلوريت الذهاب إلى المَدرسة أو السير إلى مدينة ريو سيكو مع الأخريات. تحلت بجمال لا مزيد عليه, وما تركها أحد وشأنها.

هكذا انتهت هاتان المرأتين القادمتين من سارات بولاية لويزيانا إلى هذا المكان, على هذه الأرض التي اشتراها إنريكى في كاليفورنيا. حين زرعوا قصب السكر من جديد ونظفوا المنازل من قذارة المياه والحيوانات الميتة عقب الفيضان, عاد الناس إلى أشغالهم وأنجبوا البنات. طاردهن السيد ماكواين – مالك أراضي بايو بيكاس وسارات – خلسة في الحقول والطرق الوَحِلة والغابات. كان كلباً تذوق دماء الدجاج مثلما قال إنريكى.

قتَله إنريكى أنطوان. فطِن جاستاف إلى القتل, فقد علَّمه جاستاف كل شيء. منذ أطعمه فوق السد لحماً نصف نيء لا يزال يُدَخِّن في الظلمة, تولى جاستاف رعاية إنريكى, وبعدها تولى إنريكى رعاية جاستاف.

قال إنريكى الآن, "دع ماري-تيريز تجلس معها," ثم أخذ ذراع جاستاف وكأنهما متزوجان وقاده نحو الشونة.

 

رَكَن ابنا إنريكى, لافاييت ورينالدو, شاحنتهما أسفل شجرة الجُميز الكبيرة الناهضة بالقرب من الشونة. جلَس إنريكى وجاستاف إلى مائدة خشبية كانا يصلحان عليها قطع المحرك. التقط جاستاف من المقعد مُرَشِّح هواء جديداً. لمَّا كانت جلوريت صغيرة, أحاطت حلْقها بمُرَشِّح معلنة أنه شَبَه طوق ملِكة أبصرته في حصة التاريخ.

"كيف أتيتَ بها؟" سأل الآن.

أتم لافاييت السابعة والثلاثين, أكبر من جلوريت بسنتين. "الشاحنة," أعلمه.

"كيف وجدتَها؟"

أومأ لافاييت إلى الرجل الثالث, رَجل لم يقف جاستاف على هويته. لم يكن من سُكان سارات.

"وجدتُها في حارة خلف أحد أكشاك الأكلات المكسيكية يا سيد بيكارد," أنبأه الرجل. "اسمي سيدني تشابيرت. كان أبي يصلح ثلاجاتك وغسالاتك."

رمَق جاستاف صدر الرجل الأسمر العاري, أضلعه, اسماً دَقَّه أحدهم وشماً على قلبه. "مَن تلك؟"

"ابنتي."

سأل, "مَن قتل جلوريت؟"

جثم سيدني قبالته واضعاً ساعديه على ركبتيه ثم فاه هادئ الصوت, "يا سيد بيكارد. لقد عرِفتُ جلوريت منذ زمن, من أيام المَدرسة. سبَق أن شاهدتُها بالقرب من الحارة. أعني. آسف." أمسك ليزن كلماته ثم أردف, "أعمل في محل الفيديو, وكنتُ سائراً إلى البيت حين ألفيتُها في الحارة. بدت أولاً في انتظار شخص بالقرب من عربة تسوق ثم جاءت صديقتها."

"طويلة؟" استفسر جاستاف. كانت ابنته تهرب دوماً مع امرأة طويلة القامة سمراء البشرة تسود الندوب وجهها. كانت تصادق دوماً تلك المرأة, لا فتيات سارات الأخريات أبداً.

"آه," رد سيدني. "كانتا تتكلمان في الحارة. قصدي, كانت تلك المرأة تتكلم دون أن يَصدر أي شيء عن جلوريت. لذا ربما كانت بالفعل – كما تَعلم. لمَّا رجَعتُ إلى الحارة, ما التقت عيناي بأي أحد بينما كانت جلوريت في عربة التسوق."

"مَن وضعها هناك؟"

هز سيدني رأسه. "لكني أَعلم مَن لم يفعلها. لم يفعلها تجار المخدرات, فلن يكون منهم إلا أن يطلقوا عليها الرصاص, من مسافة بعيدة. هكذا يفعلونها. إنهم لا يقتربون ويَلمسون أحداً. ولا أظن أن زبوناً فعلها لأنه كان سيترك جرحاً. علها سيجا صديقتها. ربما نشب بينهما عراك. لكن البادي من منظر جلوريت أنها أفرطت في تدخين الكوكايين وحاقت بها أزمة قلبية."

راقب جاستاف سيدني وهو ينهض ثم ينحني كالعاجز هو نفْسه عن استرداد أنفاسه. "تشابيرت, مِن نيو أورلينز؟"

بدرت من سيدني تنهيدة. "تَعْرف؟ كان بابا من نيو أورلينز. لكني من هنا. ريو سيكو. كلنا من هنا."

رماه جاستاف بتحديقة. ليس صَبياً. رَجل. تعذر عليه تبين ذلك أحياناً. "لِم لم تتصل بالشرطة؟"

ألقى سيدني رأسه إلى الوراء كمن يتفحص النجوم غير أن هؤلاء الشبان لا يعهدون النجوم. ثم صارحه, "لم أرغب في أن ينظروا إليها نظرة ازدراء. الطريقة التي سيتحدثون بها عنها ويفتشون جسدها. لن يأبهوا بمعرفة قاتلها. لذا أخذتُُها إلى لافاييت ورينالدو. فبإمكانهما توصيلها إلى بيتها." طوى ذراعيه أمام صدره فاختفى اسم ابنته. "لكن من الممكن أن تَقبض الشرطة علينا جميعاً, عليّ من المؤكد. نقل جثة. مسألة مريبة. لازِم أن أُسرع في الرجوع إلى بيتي الآن. وأنا حتى لا أعرف رأيك فيما جرى."

"هل لمستَها؟ مِن قبل؟"

"يا سيد بيكارد," أجاب سيدني. "لقد كنتُ أنظر دائماً إلى جلوريت. لن أكذب عليك. كل رجل أسود في ريو سيكو نظر إليها. لكني لم ألمسها قط. لم أملك أي شيء أرادته."

غادر بعدها ساحة الشونة متجهاً إلى طريق ضيق مُتْرب يقطع البساتين صوب القناة حيث أقام إنريكى بوابة طوال كل تلك السنوات الماضية. كان جسر القناة هو السبيل الوحيد المؤدي إلى سارات والخارج منها, وقد انغلقت البوابة. ما حاز أحد المفتاح إلا سُكان سارات.

"سوف يتسلق البوابة ويسير عائداً إلى ريو سيكو," قال لافاييت. "ياه, لقد تشنكل ذلك الرجل بجلوريت طول عمره في حين لم يخاطبها إلا مرتين على حد قوله."

"تشنكل؟" سأل جاستاف وهو يرقب هيئته الصغيرة وهي تَدخل نفق أشجار البرتقال.

"حُب بجد," نطق رينالدو أخيراً. "مثل المرض."

احتسى جاستاف بعض القهوة من تُرْمُس إنريكى الفضي القديم. تشنكلت. هكذا وصفوا ابنته. تشنكلت بشيء تراءى في تفاهة صَدفة المحار واخترق حلْقها ورئتيها ودماغها ليجعل العالَم يبدو مثل – مثل ماذا؟ ماذا فعل ذلك الأفيون كل تلك الأعوام؟ تذوَق القهوة. غامقة, كانت ماري-تيريز تحمصها حتى السواد كل صباح وهي تحرك المقلاة على ألسنة اللهب, مثلما فعلت زوجته أنجولي, حتى في الأسبوع السابق على وفاتها. لقد استنشق رائحة هذه الحبوب طيلة حياته. ذكراه الأولى: أمه تحمص الحبوب وتضع واحدة في فمها؛ جاستاف يَذُوق واحدة ويكاد يختنق بمراراتها المحروقة.

صب إنريكى لنفسه فنجاناً وانتظرا. وَسِعَ جاستاف أن يسمع صوت حلق إنريكى وهو يتحرك.

حبوب القهوة والأرُز وقصب السكر. طعام سد رمقهم في لويزيانا.

خنزير. لحم خنزير.

أراح جاستاف رأسه على ذراعيه كالطفل فوق المائدة الملساء المزيتة. رائحة الخشب.

المرأة المدعوة نيت. يطفو جسمها فوق المياه مع الأشجار والثعابين والأبقار والزَّبَد.

رشف إنريكى البقية الباقية من القهوة وحط فنجانه برفق ما بعده رفق حتى إن النقرة بلَغت أذنيّ جاستاف شبيهة بإصبع طفل على الخشب. انتظر الرجلان. رفَع جاستاف رأسه قائلاً, "سوف أرجع في الحال. سأحاول الاتصال بابنها."

سار إلى منزله بساقين لا تعرفان الثبات. شعَر بنفسه يميل إلى اليسار. كان في حاجة إلى سيجار 'سويشِر سويت.' سوف يُجَمِّع الدخان دموعاً على وجهه ويُثَّبتها حتى تجف على خديه لتُشابه نسيج العنكبوت.

 

جعل السيجار الصغير أصوات الجمر متناهية الصغر تتلألأ. نيران. وفي قاع النهر غنت حيوانات القَيّوط كالضاحكة أغنية لا تَسلم من الغرابة ولا الغموض, مختلفة تمام الاختلاف عن أصوات الليل في لويزيانا.

استقرت عرائس باربي على عتبة النافذة بأحذية بالغة الصغر تتجه كعوبها إلى أسفل شأن الإبر. ما أراد أن يعيش مع أي أحد أو يتزوج بأي أحد لأنه سوف ينتهي عندئذ بجثة في يوم من الأيام. لم يجهل إنريكى تلك الرغبة. كان جاستاف يقارب الأربعين من عمره عندما فاتحه إنريكى في أمر أنجولي, وقصَد لويزيانا ليراها.

رقَدت الآن جثة جلوريت داخل المنزل. علَت ضحكات حيوانات القَيّوط من جديد, ربما عشرة منها أو اثنا عشر. ماذا استنشقت؟

كان قد قتل الخنزير في جُنح الليل. استطاع أن يشم رائحة الدماء. تضور الناس الباقون على السد جوعاً. عامَ اللحم بموازاتهم أياماً غير أن أحداً لم يمسه. شاهدت المرأة الضخمة المدعوة نيت الرُضَّع يصرخون ويصرخون حتى ماثل الصوت منشاراً يرسل صريره في خشب قطعته للنيران, وبعدها خفتت الصرخات فيما كَبُرَت أعينهم وغاصت في تجاويف جماجمهم.

لم تَطْلُع الجماجم إلى السطح حتى تصرفت المياه بعد شهور. الذكرى عُمْرها ثمانون عاماً, ومع ذلك وسعه أن يشم ليلاً رائحة المياه, والحلاوة المقرفة الصادرة من الجثث القذرة والموت, والدماء يغلفها الدخان بالقرب منه ومن إنريكى. عينا إنريكى واسعتان فاترتان تفتقران إلى البريق.

كان الجنود قد جاءوا. صوبوا بنادقهم إلى الرجال وساقوهم كالقطيع إلى القوارب. أبلغوهم أنهم منطلقون نحو مواضع مُعَرَّضة للانهيار من السد, مواضع تُشرف على حقول المزارع المملوكة للسيد ماكواين. سوف يملئون أكياس الرمال طيلة النهار وحتى هبوط الليل ثم يؤوبون إلى فول الصليب الأحمر المغلي ببعض الزيت والملح. ذلك ما تركوه للزنوج. ذلك ما دَوَّنوه على الصناديق. لم يَخْف على الجميع ما عناه حقاً حرف الزاء.

وقَف الجنود في القوارب وقفة طيور البَلَشُون الطويلة بينما سدد أحدهم سلاحه إلى رأس جاستاف. "ذلك الصبي في العاشرة تقريباً. اشتغل في الحقول ويَقْدر على الاشتغال الآن."

شَدَّت المرأة المدعوة نيت جاستاف إليها بجوار ابنها إنريكى. "في السابعة," أخبرته. "في السابعة فقط."

خلفوا رجلاً طاعناً في السن, رِجلاه نحيلتان لامعتان, جلده مشدود شداً على عظْم كاحليه. نام دون أن تند عنه حركة.

كسرت النساء كراسيهن وأشعلن النار في الأرجل أسفل القِدر الضخم الوحيد. انتظرن رجالاً لم يعودوا قط.

لبث معهن جنديان جلسا على الطرف القصي من السد. دَخَّنا وتجاذبا أطراف الحديث ممسكين سلاحيهما المائلين بأياد مرتخية. كانا قد أمرا النساء والعجوز ألا يلمسوا الخنازير أو أي حيوان عائم في المياه.

تلك الأبقار والخنازير والأحصنة – كان جاستاف يَعلم هوية مالكها, وكذلك علِم جميع الآخرين. وقد علِم الرجال قبل أن يأخذهم الجنود بعيداً. سمِعهم يتكلمون فوق السد بينما تكدست حولهم الكراسي والبطانيات والأطفال, في انتظار مَركب ينقلهم إلى أرض جافة, إذ مر بهم شخص في زورق شجري صغير وأبلغهم أن المراكب البخارية لم تأخذ إلا البيض. عجَز الرجال عن انتشال بقرة لا تزال حية تخور؛ عجَزوا عن إطلاق الرصاص على خنزير من قطيع صغير اجتمع عند الطرف النائي من السد, عجَزوا عن قتله هناك وإطعام كل الناس, فالفعلة ستُعد سرقة من السيد ماكواين أو مسيو أرمان, وسوف تقبض الشرطة عليهم حتى لو عامت الحيوانات خارج أسياجها وصارت إلى الخليج أو نفَقت على السد لأن عشباً لم يَبْق عليه.

لكن راح الرجال, وبعدئذ أُكل الفول وجاع الناس مرة أخرى. وشت ملامح الجنديين بالضجر والخوف ولكنهما أكَلا شيئاً من حقائبهما. ثم غلبهما النوم وهم جالسان ليتبدى ذقناهما الأبيضان أشبه بحجرين في نور القمر الحاد المنعكس على المياه.

سحَب جاستاف الدخان عميقاً إلى رئتيه. رئتان رقيقتان رقيقتان مفعمتان بالدخان أو المياه أو الهواء أو لا شيء. كان العجوز قد فارق الحياة ليلتها. عندما دحرجوا جثته داخل بطانية وتركوها هناك بالقرب من الصناديق, عثر جاستاف على مطرقة. رقَد واضعاً إياها تحت ذراعه, وفي الليلة التالية هبط السد متسللاً نحو مكان احتشاد الخنازير, وبالمطرقة ضرَب الجمجمة الصغيرة الوَحِلة للخنزير الأقرب إليه. كان الخنزير صغير السن, في حجم كيس أرُز, ارتج ارتجاجاً ونَشِق عالياً مطلِقاً صرخة طويلة حادة ثم رشق عينيه بنظرة. بَذْرتان سوداوان. ضرَب وضرَب حتى امتزجت الجمجمة بالوحل وتوقف النشق وتعالى صراخ الخنازير الأخرى؛ جر الخنزير الصغير خلفه صوب مخبأ بين الأعشاب ثم ركض عائداً إلى مُخَيَّم السد وهز كتف أنطوانيت الضخم.

دعاها الآخرون بنيت فقط. تلونت مريلتها يوماً بالأبيض ولكنها جمعت يومذاك بين الرمادي والبني بل وحمرة الدم بعد أن أصيب أحد أطفالها بنزيف في الأنف لطول بكائه. لم تكن طرية. اتسم كتفها بصلابة فخذ الخنزير, قمة الرِجل.

قال جاستاف, "هاتي سكينك. عندي خنزير."

جثمت على الأعشاب بجانبه وشقت بطن الخنزير فتصاعد البخار من الأمعاء إلى أن قذفتها في المياه المتمايلة. انجرفت البقع الزيتية كجزر قوس قزح. أغصان, وألواح أسقف خشبية, وأحياناً جثة طافية وجهها إلى أسفل أبرزها إلى السطح هواء محبوس تحت القميص شأنه شأن وسائد مخيطة تحت القماش. ما ظهَر إلا الظَهر والكتفان والفخذان. الفستان أو المعطف مشدودان شداً.

علِقت عينا جاستاف بالأضلع. لوَت نيت السكين في اللحم الجانبي. "لو رجع هذان الجنديان, سيشمان الدخان. أسرِع."

وجَّهت الضربات إلى اللحم اللين فرفَع هو فخذين لم يَطُلهما التقديد بعد. كان الفخذ وردياً زغِباً مالحاً. لحم زلِق, وقد تمكن بطريقة ما أن يستشف ما وراء قطع العظْم الرقيقة.

وضعت نيت مزيداً من اللحم الدامي في مريلة بدت لحظتها كالمهد ثم ارتقت السد نحو جمر لم تدعه ينطفئ أبداً منذ أنزلهم القارب هناك, فوق منحدَر ضيق لاح مثل الطريق الطويل. حاول جاستاف مرة أن يَسلكه أول ما غادر الجنود, لكنه عندما مد طرفه وراءه وأخفق في رؤية أي أثر للناس – غطاء رأس نيت كهَبَّة دخان يرتفع من رأسها, منديل أبيض يكسو جبين العجوز – أحجمت قدماه عن الحركة. لم تقع عيناه على شيء أمامه, لا شيء سوى سد ضيق العَرْض أخضر اللون, أشجار غارقة على أحد الجانبين ومياه بنية تنساب بحذائه قريبة من قدميه.

غسَل الآن وجهه في مطبخه وانحنى على الحوض. أخرج بعدها من الدُرْج العلوي قطعة ورق. عشرة الأرقام. أدار قرص الهاتف بحرص, وسِعت الدائرة إصبعه بالكاد فقرَص المعدن جلده. الرنين المرتعش للجُدْجُد ثم أتاه صوت. "أهلاً."

رد جاستاف, "أهلاً يا فيكتور. أنا جدك."

أضاف الصوت بعدها, "معك. لو كنتَ تسمع هذه الرسالة, فأنت لا تسمعني. اترك لي رقمك وسوف أتصل بك لمَّا أَقدر."

 

رجَع إلى منزل إنريكى. ما زال الرجال عند المائدة, في انتظاره, وسجائرهم لا تتبدى في الظلام إلا جمْر أحمر.

هل كان حفيده نائماً؟ جائعاً؟ أين كان؟ داخل سيارة؟ يضع سماعتيّ أذنيه؟ لو استيقظ دون أن يجد أمه هناك, لن تكون المرة الأولى.

وفي داخل المنزل لم تتحرك ماري-تيريز. كان عين جلوريت وفمها مغلقين. "لم تجِدي حقيبة؟ لا شيء؟" سأل فهزت ماري-تيريز رأسها.

لم يكن جاستاف يَعلم حتى محل سكنها. لا عنوان ولا رخصة قيادة مع ابنته. رنا إلى أصابع قدميها العارية وكعبيها المشقوقين. سارت ما يكفي من أميال وكأنها عاشت في عصر آخر. تجمع الرجال الآن حول شاحنة لافاييت. إن لم يذهبوا لإحضار فيكتور, وإن لم يُبلغ أحد الشرطة, كيف سيَعلم ما حصَل لأمه؟

قد يدري سيدني تشابيرت.

 

وقعت أنظارهم عليه وهو سائر في الطريق المفضي إلى ريو سيكو. سأل جاستاف, "أين قميصه إذاً؟"

رد رينالدو, "في الخلف. كان قد لفها به حين حمَلها."

عندما دنت شاحنة لافاييت من سيدني, توقف وحملق أمامه كمن يحملق إلى أرنب. خشي ألا يكونوا صدقوا روايته. خشي أن يقتلوه. كان أهل ريو سيكو يَعلمون أن سارات عالَم آخر. وقد عرَف بعضهم كيف جاء إنريكى وجاستاف إلى هنا, عرَفوا عن الرجل قتيلهما في لويزيانا من حكايات سرَدتها بنات سارات لحمقى ريو سيكو, حمقى حسبوا الفتيات قرويات جميلات فاتحات البشرة بليدات العقل.

كان جاستاف جالساً في مؤخرة الشاحنة فوق أحد أقفاص الشحن وقد أولى ظَهْره مقدمة الشاحنة. "أين تُقِيم الآن؟" هتف بصوت أجش إلى سيدني.

"حدائق جاكاراندا," أجابه سيدني. "أخبرني أحدهم."

"أرني المكان," أمر جاستاف. "أريد حفيدي."

صعِد سيدني مؤخرة الشاحنة فرمى له جاستاف قميصه.

شمَل الصمت والشاحنة تطوي الطريق المُعَبَّد بالأسفلت في اتجاه المدينة. مِيلان ليس إلا. مشى كل أطفال سارات لمدة سنوات إلى مَدرسة ريو سيكو عبر هذا الطريق, ومنه رجعوا إلى بيوتهم. تزوج لافاييت ورينالدو بفتاتين من سارات لكنهما عاشا وقتها في المدينة. ما بقي إلا قلة من الناس داخل عشرة البيوت ذات الطابق الواحد بشارع جاستاف.

"هل لمستَ جثة قط؟" سأله سيدني.

أنصت جاستاف إلى الإطارات وهي تطقطق فوق سعف النخيل الساقط. "وي*," رد. "مرة واحدة لا غير. كنتُ في السابعة وإنريكى في الثالثة. نزَل فيضان 1927 ليودي بالجميع. أخَذ جسم أمي ومنزلنا, ولم أرها أبداً مرة أخرى. لبث بعضنا على السد. أرض مرتفعة. قرابة مائة شخص, انتظرنا أياماً مجيء قارب. ثم أَقبل جنود وأخذوا الرجال قائلين إن عليهم رأب الصدع حيث تجري المياه إلى المزارع. سددوا سلاحهم كي يستقل الرجال القارب قائلين, إنه وقت العمل أيها الزنوج."

خيم الصمت على سيدني.

"ثم عازنا الطعام. انتظرنا مجيء الطعام أو القارب. مات رضيع تلاه رجل عجوز. لمستُه. لففناه في بطانيات, هو والرضيع, دون أن نتمكن من دفنهما."

اعتمد رأس إنريكى على زجاج مقدمة الشاحنة. تسطح شعره وظهَر رمادياً للأعين. أدار ابنه العجلة لتنعطف الشاحنة إلى بام أفينو, الشارع الرئيسي, وتجتاز مصنع تعليب اللحوم حيث أوصلوا الليمون. انتهت بعد ذاك إلى المنطقة التجارية حيث عمت الظلمة نوافذ الأسواق ومحلات التجفيف الجاف وأكشاك الشطائر المكسيكية.

أراد جاستاف أن يلقي نظرة على الحارة. الممشى. حارة تنهض على جانبيها الأشجار مؤدية إلى بيتيّ السيد ماكواين ومسيو أرمان, بيتين أبيضين بمصاريع سوداء يقبعان خلف ممشى طويل من أشجار البلوط.

"قُل للافاييت أين وجدتَها," تفوه فوجَّه سيدني كلمات أسبانية إلى لافاييت عبر نافذة الشاحنة.

"إل أوهو دي أجوا."

"ماذا؟" سأل جاستاف.

"عين المياه" فسَّر سيدني. "لا أَعرف معناها, إنه اسم كشك الأكلات المكسيكية. لا بد أنه تعبير مكسيكي."

لا أثر لعربة التسوق في الحارة الواقعة خلف كشك الشطائر المكسيكية. دار المحرك بطيئاً والشاحنة متوقفة في فم الحارة المُتْربة, سور من الأسلاك الحديدية, أبواب مغلقة تتصدر المباني, صندوق قمامة. أطلعهم سيدني, "أخذتُ العربة إلى محل سانداون للخمور لأني كنت أَعلم أني سألتقي بلافاييت ورينالدو هناك."

جثة ابنته طافية في العربة كزورق معدني داخل حارة لم تبرأ من الغبار. جثة أمه طافية من فراشها إلى الخليج. جثة أبيه مدفونة قبل أن يقف أحد على هويته. ابنته راقدة على الأريكة وماري-تيريز تدندن بجوارها وكأنها تُقَيِّل فحسب. زوجته أنجولي الميتة من جراء غيبوبة سُكَّر مستلقية في مدفن عند طرف هذه البلدة, سارات, وسط البساتين.

أَقدم سيدني على الصواب. الحارة الشاغرة – لا شرطي سيكترث, والرجال قائدو السيارات حول الحارات بحثاً عن نساء من عينة جلوريت سوف يعثرون على نساء غيرها, صديقتها ربما, ولن يدري سوى فيكتور.

أفضى إنريكى, "ليس مكاناً للموت." طالع جاستاف بعينين حمراوين عَكِرتين. سأل إنريكى سيدني, "وجدتَها هنا؟ أنتَ لا تتلاعب بنا؟ لم تلمسها؟"

رد سيدني, "أنا لا أَكذب. لقد عثرتُ عليها هناك بالضبط." أشار إلى بقعة عند السور قريبة من بعض الأعشاب الضارة. "أتى ابنها إلى محل الفيديو الشهر الفائت. أخبرني أنهما لا يملكان تلفزيوناً في منزله لكنه مضطر إلى التفرج على فلم تاريخي في منزل صديقه. سألتُه إن كان بخير فقال إنك أعطيته هاتفاً محمولاً للطوارئ."

"اتصلتُ. لا أحد يرد."

أعلى جاستاف ناظريه إلى نخيل لاح مُكَهْرَباً في نور القمر. تفرس سيدني عالياً هو الآخر وباح, "تَعْرِف لِم أخذتُها؟ لأني رأيت فئراناً تعدو عبر أسلاك الهاتف ولم أطق انتظاراً. لا. ما كان مني إلا أن حمَلتُها."

علَّق جاستاف, "لقد فعلتَ الصواب. خذني إلى محل سكنها. سوف أقول لابنها إنها اتصلت بي فأتيتُ لإحضارها ثم ماتت في البيت. على الأريكة. خارت قواها فحسب."

أومأ إنريكى برأسه. "خذََلها قلبها وامتنع ببساطة عن النبض." قذف عُقب سيجارته في التراب.

سوف يُشَيد جاستاف وإنريكى والآخران تابوتاً لجلوريت, وسوف يحفرون حفرة في المدفن القديم حيث لا يأتي غير أهالي سارات. سوف يُوَدعها فيكتور. وسوف تغدو كلماتهم هي الصلاة الوحيدة, مثلما كانت فوق السد. ثم سينام فيكتور في غرفتها.

صحِبهم سيدني إلى مبنى حدائق جاكاراندا السكني على بعد عدة صفوف من المباني. كانت الحوائط من جِص رمادي والدرابزين من حديد مطروق أسود. حلت الملاءات القديمة والستائر البلاستيكية المكسورة محل مصاريع النوافذ. انكتبت كلمة بيكارد بقلم حبر على شَّق رسائل البريد الخاص بشقة رقم 16.

ارتقى جاستاف ببطء سلالم تبعثر عليها الحصى. أحس بالدرابزين خشناً تعلوه النُقَر وكأن أحدهم طها على الحديد غير أنه لم يشم في المكان رائحة طعام.

لم يكن الباب متيناً عندما قرعه. نادى بنبرة خافتة, "فيكتور. فيكتور." لكنه لم يحظ بجواب.

دفَع فانهار مزلاج الباب. انكسر القفل عدة مرات في الماضي. قامت في أحد أركان غرفة المعيشة بالقرب من فتحة التدفئة أريكة تسمح بفردها لتنقلب فراشاً. وبجوار النافذة نهض كرسيان ومائدة يعتليها لوح زجاجي. لم تَحمل الطاولة المصنوعة من الفورمايكا إلا المشروب الغازي 'شاستا كولا' وحقيبة ورقية لا يميزها شيء. حوت الحقيبة أغلفة ذُرَة فارغة تشوبها خطوط من دهن برتقالي اللون – أكلة 'تمالي' المكسيكية.

كان باب غرفة النوم مغلقاً. دلف إليها بخطى هادئة متسائلاً, ماذا لو أن فيكتور لديه مسدس؟

إلا أن حفيده كان نائماً. تغطت أذناه بسماعتين وقبضت ذراعاه بإحكام على شيء لِصْق صدره تحت البطانية. أركان حادة. علها عِلَب أقراص مضغوطة. كومة من الكتب موضوعة بالقرب من رأسه. دار بذهن جاستاف أن الهاتف المحمول يختبئ ولا ريب تحت وسادته أو ظهره. اتخذ مجلسه على السجادة.

ثمة سلطانية بجواره على الأرضية. واحدة شعرية جافة شَبَه الدودة تحاول زاحفة تسلق جانب السلطانية. سجادة بخيوط متشابكة متسخة مثلها مثل المزيد من الدود. سوف يأخذ فيكتور إلى منزله, وسوف يكره فيكتور المنزل, ويكره البرتقال والفول. سوف يشتهي شطائر اللحم, وسوف يشتريها جاستاف. لن ينبس بما نبس به في المرة الماضية. "أَطبخ اللحم في الخريف حين يأتيني لانير بخنزير لفريزر ماري-تيريز. إننا نشتري خنزيراً كاملاً. لا قطعة إسفنج وردية في كيس من البلاستيك. ينبغي أن نأكل أنا وإنريكى لحماً طيباً."

كانت نيت قد نقَلت اللحم إلى نارها ووضعته هناك فوق مقلاة. وحين صحا رضيعها, ربطته إلى صدرها تحت قميصها لتسكته. بيد أن الجنديين استنشقا رائحة الدخان. الدهن المرتفع في السواد. جاءا بأسلحتهما قائلين, "مِن أين أتيتِ بهذا اللحم؟ أذلك سكين؟" تقدمت نيت صوبهما بالسكين فأطلقا عليها النار. سقطت في المياه وغاصت, وما بان منها سوى ظهرها العريض حين برَزت إلى السطح وطفت بمنأى عن السد.

تعالى الصراخ والصراخ من النسوة الأخريات وجعل الجنديان يدفعان المنطلقات نحوهما. لم يسددا طلقة أخرى. جذب جاستاف من النار لحماً نصف محترق ثم قرفص بجانب إنريكى. نزَع قِطعاً من فخذ الخنزير وأقحمها في فم إنريكى بينما كان يحميه حاجزاً بينه وبين الناس. شد إنريكى يديّ جاستاف فصكت عينيه دماء تلتمع على مفاصل أصابعه.

أظهَر حذاء فيكتور نتوءاً أشبه برغيفين تحت الأغطية. كوَّر جاستاف راحتيه فوق حاجبيه وطفق يحرك الجلد المرتخي من جانب إلى آخر كعادته دوماً وهو ينتظر على السد, داخل الثكنات, في حقول القصب.

نام حفيده نوم الموتى.

في السابعة عشرة. لم يتخذ مهنة قط. نصف بالغ. هكذا أطلق الجنود على الصِبية فوق السد. "عِنْدَك مثلاً الكبار. يرفضون المجيء, أحضِر زنوجاً نصف بالغين. فلديهم يدان صغيرتان ولكن لديهم يدين اثنتين. يحتاج الجاروف إلى يدين اثنتين."

لم يرغب في أن يُفزع الفتى. ثمة شيء مثل الصَدَف على الأرضية بجوار الحَشِية. مال جاستاف ليلمسه. متى قصد المحيط؟ لا – إنه قشر فستق. كِيس صغير, مثله مثل تلك الأكياس التي تحصل عليها في محلات الخمور. تناول القشر في راحته. استطاع أن يسمع صوت محرك شاحنة لافاييت بالخارج. استطاع أن يبصر من هذه النافذة بالدور الثاني سعف النخيل قريباً من ناظريه. البلح كعوالم ذهبية صغيرة, عالٍ علواً يستعصي تماماً على القطف.

 

 

 


* هاتف الأميرة: هاتف صغير الحجم خفيف الوزن تم ابتكاره عام 1959, واشتهر بتصميمه الانسيابي وألوانه الأنثوية.

* ثلاثاء المَرْفَع: اليوم السابق على فترة الصوم الكبير عند المسيحيين, وتُقِيم فيه بعض الدول الاحتفالات في الشوارع.

* وي: "نعم" بالفرنسية. ينحدر أغلب مواطني لويزيانا من فرنسيين استوطنوا جنوب الولايات المتحدة في نهاية القرن الثامن عشر.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.